النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ سورة البلد وقوله - سبحانه -: ﴿ووالد وما ولد ﴾ معطوف على المقسم به الأول وهو قوله - تعالى -: ﴿ بهذا البلد﴾. وداخل فى حيز القسم. والمراد بالوالد آدم - عليه السلام - ، والمراد بما ولد : ذريته من بعده . أى : أقسم بهذا البلد الذى له ماله من الشرف ، والمكانة السامية بين البلاد .. وأقسم بأبيكم آدم ، وبذريته من بعده .. أو أقسم بكل والد وبكل مولود . وجىء باسم الموصول ((ما)) فى قوله ﴿ وما ولد﴾ دون ((من)) مع أنها أكثر استعمالا فى العاقل الذى هو مراد هنا، لأن ((ما)) أشد إبهاما ، وشدة الإِبهام المقصود بها هنا التفخيم والتعظيم .. وشبيه بذلك قوله - تعال -: ﴿ فلما وضعتها قالت رب إنى وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت ... ) كما أن تنكير لفظ ((والد)) هنا للتعظيم أيضا. وقيل المراد بالوالد هنا : ابراهيم - عليه السلام - وبما ولد : الصالحون من ذريته . وقيل المراد بالوالد : من يولد له ، وبقوله ﴿ وما ولد ﴾ الذى لم يولد له وعليه تكون مانافية . وقد رجح الإِمام ابن جرير المعنى الأول فقال : والصواب من القول فى ذلك ، ما قاله الذين قالوا : إن الله - تعالى - أقسم بكل والد وولده ، لأن الله - تعالى - عم كل والد وما ولد ، وغير جائز أن يخص ذلك إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل . ولا خبر بخصوص ذلك ، ولا برهان يجب التسليم له بخصوصه، فهو على عمومه .. (١) . وقوله - تعالى -: ﴿ لقد خلقنا الإنسان فى كبد﴾ جواب القسم. والمراد بالإِنسان: جنسه ، والكبد : الشدة والتعب والمشقة ، من المكابدة للشىء ، بمعنى تحمل المشاق والمتاعب فى فعله . وأصْله من كَبِد الرجل - بزنة طرب - فهو أَكْبَد ، إذا أصيبت كبده بالمرض ، ثم اتسع فيه فاستعمل فى كل تعب ومشقة تنال الإِنسان . والمعنى : لقد خلقنا الإنسان لهذه الشدائد والآلام ، التى هى من طبيعة هذه الحياة الدنيا ، والتى لا يزال يكابدها وينوء بها ، ويتفاعل معها .. حتى تنتهى حياته ، ولا فرق فى ذلك بين غنى أو فقير ، وحاكم أو محكوم وصالح أو طالح .. فالكل يجاهد ويكابد ويتعب ، من أجل بلوغ الغاية التى يبتغيها . قال الألوسى ما ملخصه : قوله : ﴿لقد خلقنا الإنسان فى كبد ﴾ أى: فى تعب ومشقة، فإنه لايزال يقاسى فنون الشدائد من وقت نفخ الروح إلى حين نزعها . (١) تفسير ابن جرير جـ ٣٠ ص ١٢٥ . ٤٠٢ المجلد الخامس عشر وعن ابن عمر - رضى الله عنهما - يكابد الشكر على السراء ويكابد الصبر على الضراء . وقيل : لقد خلقناه منتصب القامة واقفا ، ولم نجعله منكبا على وجهه . وقيل : جعلناه منتصبا رأسه فى بطن أمه ، فإذا أذن له فى الخروج قلب رأسه إلى قدمى أمه .. وهذه الأقوال ضعيفة لا يعول عليها، والصحيح الأول .. (١) . والحق أن تفسير الكبد بالمشقة والتعب ، هو الذى تطمئن إليه النفس ؛ لأنه لا يوجد فى هذه الحياة إنسان إلا وهو مهموم ومشغول بمطالب حياته ، وفى كبد وتعب للحصول على آماله ورغباته وغاياته ، ورحم الله القائل : ١ تعب كلها الحياة فما أعجب إلا من راغب فى ازدياد وقال - سبحانه - ﴿ فى كبد ﴾ للإشعار بأنه لشدة مقاساته ومكابدته للمشاق والمتاعب، وعدم انفكاكه عنها .. كالظرف بداخل المظروف فهو فى محن ومتاعب ، حتى يصير إلى عالم آخر تغاير أحوالهُ أحوالَ هذا العالم . والاستفهام فى قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿ أيحسب أن لن يقدر عليه أحد . يقول أهلكت مالا لبدا . أيحسب أن لم يره أحد ﴾ للإنكار والتوبيخ . أى : أيظن هذا الإِنسان الذى هو فى تعب ومشقة طول حياته ، أنه قد بلغ من القوة والمنعة .. بحيث لا يقدر عليه أحد . إن كان يتوهم ذلك ، فهو فى ضلال مبين ، لأن الله - تعالى - الذى خلقه ، قادر على إهلاكه فى لمح البصر ، وقادر على أن يسلط عليه من يذله ، ويقضى عليه . ويدخل فى هذا التوبيخ دخولا أوليا ، أولئك المشركون الذين اغتروا بقوتهم ، فآذوا النبى - * - وأصحابه إيذاء شديداً . ثم حكى - سبحانه - جانبا من أقوال هذا النوع الجاحد المغرور من بنى آدم فقال : يقول أهلكت مالا لبدا﴾ . أى : يقول هذا الإِنسان المغرور بقوته ، والمفتون بماله ، المتفاخر بما معه من حطام الدنيا . يقول - على سبيل التباهى والتعالى على غيره - لقد أنفقت مالا كثيرا، فى عداوة النبى - * - ، وفى إيذاء أتباعه ، وفى غير ذلك من الوجوه التى كان أهل الجاهلية يظنونها خيرا ، وما هى إلا شر محض . وعبر - سبحانه - عن إنفاق هذا الشقى لما له بقوله: ﴿يقول أهلكت .. ﴾. للإشعار، بأن ما أنفقه من مال هو شىء هالك، لأنه لم ينفق فى الخير ، وإنما أنفق فى الشر . (١) تفسير الآلوسى جـ ٣٠ ص ١٣٥. ٤٠٣ سورة البلد والمال اللُّيَد : هو المال الكثير الذى تلبد والتصق بعضه ببعض لكثرته وهو جمع لُبْدة - بضم اللام وسكون الباء - كغرفة وغرف ، وهى ما تلبد من صوف أو شعر ، أى : تجمع والتصق بعضه بعض . وقوله - سبحانه -: ﴿ أيحسب أن لم يره أحد ﴾ توبيخ لهذا المغرور إثر توبيخ ، وتجهيل فى أعقاب تجهيل . أى: أيظن هذا الجاهل المغرور ، حين أنفق المال الكثير فى المعاصى والسيئات ، أن الله - تعالى - غير مطلع عليه ؟ إن كان يظن ذلك فهو فى نهاية الجهالة وانطاس البصيرة ، لأن الله - تعالى - مطلع عليه، ولا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء ، وسيحاسبه على ذلك حسابا عسيرا . وفى الحديث الشريف : لن تزل قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن شبابه فيم أبلاه ، وعن عمره فيم أفناه ، وعن ماله من أين اكتسبه ، وفيم أنفقه . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من مظاهر نعمه ، على هذا الإِنسان الجاهل المغرور . فقال - تعالى -: ﴿ ألم نجعل له عينين. ولسانا وشفتين . وهديناه النجدين ﴾. والاستفهام هنا للتقرير ، لأن الله - تعالى - قد جعل له كل ذلك ، ولكنه لم يشكر الله - تعالى - على هذه النعم ، بل قابلها بالجحود والبطر .. أى : لقد جعلنا لهذا الإِنسان عينين، يبصر بهما ، وجعلنا له لسانا ينطق به ، وشفتين - وهما الجلدتان اللتان تستران الفم والأسنان - تساعدانه على النطق الواضح السليم . واقتصر - سبحانه - على العينين ، لأنهما أنفع المشاعر ، ولأن المقصود إنكار ظنه أنه لم يره أحد ، ولأن الإبصار حاصل بذاتها . وذكر - سبحانه - اللسان وذكر معه الشفتين . للدلالة على أن النطق السليم ، لا يتأتى إلا . بوجودهما معا ، فاللسان لا ينطق نطقا صحيحا بدون الشفتين ، وهما لا ينطقان بدونه . وقوله - تعالى -: ﴿وهديناه النجدين ) بيان لنعمة أخرى هى أجل النعم وأعظمها. والنجد : الأرض المرتفعة ، وجمعه نجود ، ومنه سميت بلاد نجد بهذا الإسم ، لأنها مرتفعة عن غيرها ... والمراد بالنجدين هنا : طريق الخير . وطريق الشر ، أى : وهدينا هذا الإِنسان وأرشدناه إلى طريق الخير والشر ، عن طريق رسلنا الكرام ، وعن طريق ما منحناه من عقل، يميز به بين الحق والباطل، ثم وهبناه الاختيار لأحدهما ، كما قال - تعالى - : ﴿إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا قال بعض العلماء : وكأنهما إنما سميا نجدين - أى : سبيل الخير والشر : لأنهما لما وضحت ٤٠٤ المجلد الخامس عشر الدلائل ، وقربت الحجج ، وظهرت البراهين ، جعلا كالطريق المرتفعة العالية ، فى أنها واضحة لذوى الأبصار . أو إنما سميا بذلك ، للإشارة إلى أن فى كل منهما وعورة يشق معها السلوك ، ولا يصبر عليها إلا من جاهد نفسه وراضها ، وليس سلوك طريق الشر بأهون من سلوك الخير ، بل الغالب أن يكون طريق الشر، أشق وأصعب ، وأحوج إلى الجهد .. (١). وبعد بيان هذه النعم الجليلة التى أنعم الله بها - سبحانه - على الإِنسان ، أتبع - سبحانه - ذلك بحضه على المداومة على فعل الخير ، وعلى إصلاح نفسه ، فقال - تعالى -: ﴿ فلا اقتحم العقبة. وما أدراك ما العقبة. فك رقبة. أو إطعام فى يوم ذى مسغبة . يتيما ذا مقربة . أو مسكينا ذا متربة ﴾ . والفاء فى قوله - سبحانه -: ﴿ فلا اقتحم العقبة ﴾ للتفريع على ما تقدم ، والمقصود بهذه الآية الحض على فعل الخير بدل الشر . وقوله: ﴿ اقتحم﴾ من الاقتحام للشىء، بمعنى دخوله بشدة . يقال: اقتحم الجنود أرض العدو ، إذا دخلوها بقوة وسرعة ، وبدون مبالاة بارتكاب المخاطر . والعقبة فى الأصل : الطريق الوعر فى الجبل ، والمراد بها هنا : مجاهدة النفس ، وقسرها على مخالفة هواها وشهوتها ، وحملها على القول والفعل الذى يرضى الله - تعالى - . والمعنى : لقد جعلنا للإِنسان عينين ولسانا وشفتين . وهديناه النجدين . فهلا بعد كل هذه النعم ، فعل ما يرضينا ، بأن جاهد نفسه وهواه ، وبأن قدم ماله فى فك الرقاب ، وإطعام اليتامى والمساكين . قال الجمل : وقوله: ﴿ فلا اقتحم العقبة﴾ أى: فهلا اقتحم العقبة، فلا بمعنى هلا التى للتحضيض . أى: الذى أنفق ماله فى عداوة النبى - صل - هلا أنفقه فى اقتحام العقبة فيأمن .. (٢) . وقد استعيرت العقبة لمجاهدة النفس ، وحملها على الإِنفاق فى سبيل الخير ، لأن هذه الاعمال شاقة على النفس ، فجعلت كالذى يتكلف سلوك طريق وعر .. ويصح أن تكون ((لا)) هنا ، على معناها الحقيقى وهو النفى، فيكون المعنى : أن هذا (١) تفسير جزء عم ص ٢٠٤ للشيخ محمد محيى الدين عبد الحميد. (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٥٣٩. ٤٠٥٠ سورة البلد الإِنسان الذى جعلنا له عينين .. لم يشكرنا على نعمنا ، فلا هو اقتحم العقبة ، ولا هو فعل شيئا ينجيه من عذابنا . وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : قوله : ﴿ فلا اقتحم العقبة ﴾ يعنى : فلم يشكر تلك الأيادى والنعم بالأعمال الصالحة : من فك الرقاب ، وإطعام اليتامى والمساكين .. بل غمط النعم ، وكفر بالمنعم .. فإن قلت: قلما تقع ((لا)) الداخلة على الماضى، غير مكررة، فما لها لم تكرر فى الكلام الأفصح ؟ . قلت : هى متكررة فى المعنى ، لأن المعنى ﴿ فلا اقتحم العقبة﴾ .. فلا فَكّ رقبة ، ولا أطعم مسكينا . ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك .. (١) . والاستفهام فى قوله - سبحانه -: ﴿ وما أدراك ما العقبة ﴾ لتفخيم شأنها ، والتهويل من أمرها ، والتشويق إلى معرفتها . والكلام على حذف مضاف ، والتقدير : وما أدراك ما اقتحام العقبة ؟ . ثم فسر - سبحانه - ذلك بقوله: ﴿ فك رقبة﴾. والمراد بفك الرقبة إعتاقها وتخليصها من الرق والعبودية . إذ الفك معناه : تخليص الشىء من الشىء .. وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ، جملة من الأحاديث التى وردت فى فضل عتق الرقاب ، وتحريرها من الرق .. ومن هذه الأحاديث قوله - 13 - ((من أعتق رقبة مؤمنة، أعتق الله بكل إِرْبٍ منها - أى عضو منها - إربا منه من النار ... )). وقوله - وَج -: ((ومن أعتق رقبة مؤمنة فهى فكاكه من النار ... )) (٢). وقراءة الجمهور ﴿ فك رقبة) برفع ((فك)) وإضافته إلى ((رقبة)). وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائى: ((فك)) بفتح الكاف على أنه فعل ماض ، ونصب لفظ ((رقبة)» على أنه مفعول به . وقد ذهب جمع من المفسرين إلى أن المراد بفك الرقبة : أن يخلص الإِنسان نفسه من المعاصى والسيئات ، التى تكون سببا فى دخوله النار . وقوله - سبحانه -: ﴿ أو إطعام فى يوم ذى مسغبة ﴾ بيان لفضيلة ثانية من الفضائل التى ( ١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧٥٥ . (٢) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٤٣٠. ٤٠٦ المجلد الخامس عشر تؤدى إلى مجاهدة النفس ، وحملها على طاعة الله - تعالى - . والمسغبة : المجاعة ، مصدر ميمى بمعنى السَّغَب ، يقال : سغب الرجل - كفرح ونصر - إذا أصابه الجوع . ووصف اليوم بذلك على سبيل المبالغة كما فى قولهم : نهاره صائم .. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائى ((أطعم)) بصيغة الفعل الماضى . أى : اقتحام العقبة . أى : التمكن من حمل النفس على طاعة الله - تعالى - يتمثل فى فك الرقاب . وفى إطعام المحتاجين فى يوم يشتد فيه جوعهم . وقوله - سبحانه -: ﴿ يتيما ذا مقربة . أو مسكينا ذا مقربة ﴾ بيان لفضيلة ثالثة من الفضائل التى تؤدى إلى رضا الله - تعالى - . mIET وقوله: ﴿ يتيما) منصوب على أنه مفعول به لقوله ((إطعام)) أو أطعم على القراءة الثانية . واليتيم : هو الشخص الذى مات أبوه وهو صغير .. والمقربة : بمعنى القرابة ، مصدر ميمى ، من قرب فلان من فلان ، إذا كان بينهما نسب قريب .. والمتربة : الحاجة والافتقار الشديد ، مصدر ميمى من ترب الرجل - كطرب - إذا افتقر ، حتى لكأنه قد لصق بالتراب من شدة الفقر ، وأنه ليس له مأوى سوى التراب . وأما قولهم : أترب فلان ، فمعناه استغنى ، حتى لكأن ماله قد صار كالتراب من كثرته . أى : اقتحام العقبة من أكبر مظاهره : فك الرقاب ، وإطعام الطعام لليتامى الأقارب ، وللمساكين المحتاجين إلى العون والمساعدة . وخص - سبحانه - الإطعام بكونه فى يوم ذى مجاعة ، لأن إخراج المال فى وقت القحط ، أثقل على النفس، وأوجب لجزيل الأجر ، كما قال - تعالى -: ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون . وقيد - سبحانه - اليتيم بكونه ذا مقربة ، لأنه فى هذه الحالة يكون له حقان : حق القرابة ، وحق اليتم ، ومن كان كذلك فهو أولى بالمساعدة من غيره . وقوله - تعالى -: ﴿ ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر، وتواصوا بالمرحمة ﴾ معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك ﴿ فلا اقتحم العقبة .. ﴾. و (( ثم)) هنا للتراخى الرتبى، للدلالة على أن ما بعدها أصل لقبول ما قبلها . والمعنى : هلا كان هذا الإِنسان ممن فكوا الرقاب ، وأطعموا الطعام لليتامى والمساكين .. ثم كان - فضلا عن كل ذلك - من الذين آمنوا بالله - تعالى - إيمانا حقا ، وممن أوصى بعضهم ٤٠٧ سورة البلد بعضا بفضيلة الصبر ، وفضيلة التراحم والتعاطف .. لقد كان من الواجب عليه .. لو كان عاقلا - أن يكون من المؤمنين الصادقين ، ولكنه لتعاسته وشقائه وغروره لم يكن كذلك، لأنه لا هو اقتحم العقبة ، ولا هو آمن .. وخص - سبحانه - من أوصاف المؤمنين تواصيهم بالصبر ، وتواصيهم بالمرحمة ، لأن هاتين الصفتين على رأس الصفات الفاضلة بعد الإِيمان بالله - تعالى - : واسم الإشارة فى قوله : ﴿ أولئك أصحاب الميمنة ﴾ يعود على الذين آمنوا وتواصوا بالصبر ، وتواصوا بالمرحمة . أى : أولئك الموصوفون بتلك الصفات الكريمة ، هم أصحاب الجهة اليمنى التى فيها السعداء الذين يؤتون كتابهم بأيمانهم ، فالمراد بالميمنة : جهة اليمين .. ٠ .. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك سوء عاقبة الكافرين فقال: ﴿ والذين كفروا بآياتنا ﴾ أى : الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ﴿هم أصحاب المشأمة﴾ أى: هم فى جهة الشمال التى فيها الأشقياء ، أو هم أصحاب الشؤم على أنفسهم بسبب إصرارهم على كفرهم . عليهم نار مؤصدة ﴾ أى : عليهم نار مغلقة بحيث لا يستطيعون الخروج منها ، تقول : آصدت الباب وأوصدته ، إذا أحكمت غلقه ، والاسم فيهما ، الإِصاد والوصاد .. نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من أصحاب الميمنة . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. القاهرة - مدينة نصر صباح الجمعة ١٤ من صفر سنة ١٤٠٧ هـ. ١٧ من أكتوبر سنة ١٩٨٦ م. ٩.٠٠ .. ٤٠٩ سورة الشمس بِسْمِ اللهُ الرّحمَنِّ الرَّحِيمِ تفسير سورة الشمس مقدمة وتمهيد ١ - هذه السورة الكريمة سماها معظم المفسرين، سورة ((الشمس))، وعنونها الإِمام ابن كثير بقوله: تفسير سورة ((والشمس وضحاها)). وهى من السور المكية الخالصة ، وعدد آياتها : خمس عشرة آية فى معظم المصاحف ، وفى المصحف المكى ست عشرة آية، وكان نزولها بعد سورة ((القدر)) وقبل سورة ((البروج)). ٢ - ومن مقاصدها : تهديد المشركين بأنهم سيصيبهم ما أصاب المكذبين من قبلهم ، إذا ما استمروا فى كفرهم ، وبيان مظاهر قدرته - تعالى - فى خلقه ، وبيان حسن عاقبة من يزكى نفسه ، وسوء عاقبة من يتبع هواها . ٤١٠ المجلد الخامس عشر التفسير قال الله - تعالى - : ◌ِاللَّهِ الرَّحْمِ الرَّحْمِ وَالشَّمْسِ وَضُحَنِهَا ، وَاَلْقَمَرِ إِذَا تَلَهَا وَالتَّهَارِ إِذَا جَلَّتَهَا }) وَلَّيْلِ إِذَا يَغْشَنَهَا وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَتَهَا وَاَلْأَرْضِ وَمَا طَحُهَا ١ وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنَهَا فَلْهَمَهَا تُرَهَا وَتَقْوَنِهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَّكَّتِهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّنِهَا ﴿ كَذَّبَتْ تَمُودُ بِطَغْوَنِهَاآ آ إِذِانْبَعَثَ أَشْقَنْهَا (١) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَهَا ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنِهِمْ فَسَوَّنِهَا ﴿ وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا، ١٥ افتتح - سبحانه - هذه السورة الكريمة ، بالقسم بكائنات عظيمة النفع ، جليلة القدر ، لها آثارها فى حياة الناس والحيوان والنبات ، ولها دلالتها الواضحة على وحدانيته - تعالى - وكمال قدرته ، وبديع صنعه . فقال - سبحانه -: ﴿ والشمس وضحاها ﴾ والضحى الوقت الذى ترتفع فيه الشمس بعد إشراقها ، فتكون أكمل ما تكون ضياء وشعاعا .. فالمراد بضحاها : ضوؤها - كما يرى مجاهد - ، أو النهار كله - كما اختار قتادة وغيره - ، أو حرها - كما قال مقاتل - . وهذه الأقوال لا تنافر بينها ، لأن لفظ الضحى فى الأصل ، يطلق على الوقت الذى تنبسط ! فيه الشمس ، ويمتد النهار، تقول: ضَحِى فلان يَضْحَى - كرضى يرضى - ، إذا برز ٤١١ سورة الشمس للشمس ، وتعرض لحرها ، ومنه قوله - تعالى -: ﴿ إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى. وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى ﴾ . وقوله - تعالى -: ﴿ والقمر إذا تلاها﴾ أى: تبعها، تقول: فلان تلا فلانا يتلوه ، إذا تبعه ، قال بعض العلماء : فأما أن القمر تابع للشمس فيحتمل معنيين : أحدهما : أنه قال لها فى ارتباط مصالح الناس ، وتعلق منافع هذا العالم بحركته ، وقد دل علم الهيئة على أن بين الشمس والقمر من المناسبة ما ليس بين غيرهما من الكواكب . وثانيهما : أن القمر يأخذ نوره ويستمده من نور الشمس . وهذا قول الفراء قديما، وقد قامت الأدلة عند علماء الهيئة والنجوم ، على أن القمر يستمد ضوءه من الشمس .. (١). وقال الشيخ ابن عاشور : وفى الآية إشارة إلى أن نور القمر ، مستفاد من نور الشمس ، أى : من توجه أشعة الشمس إلى ما يقابل الأرض من القمر ، وليس نيرا بذاته ، وهذا إعجاز علمى من إعجاز القرآن .. (٢) . وقوله - سبحانه -: ﴿والنهار إذا جلالها ﴾ أى: جلى الشمس وأظهرها وكشفها للناظرين . قال الآلوسى : وقوله: ﴿والنهار إذا جلاها﴾ أى: جلى النهار الشمس، أى: أظهرها ، فإنها تنجلى وتظهر إذا انبسط النهار ، ومضى منه مدة ، فالإِسناد مجازى كالإِسناد فى نحو: صام نهاره . وقيل : الضمير المنصوب يعود إلى الأرض ، وقيل : إلى الدنيا ، والمراد بها وجه الأرض ، وقيل : إلى الظلمة ، وجلاها حينئذ بمعنى أزالها ، وعدم ذكر المرجع على هذه الأقوال للعلم به . والأول أولى، لذكر المرجع واتساق الضمائر .. (٣). وقوله - سبحانه -: ﴿والليل إذا يغشاها ﴾ أى: يغشى الليلُ الشمسَ فيغطى ضوءها ، فالضمير فى يغشاها يعود إلى الشمس . وقيل : يعود إلى الدنيا ، وقيل : إلى الأرض أى : يغشى الليل الدنيا والأرض بظلامه . والحق أن فى قوله - تعالى - ﴿جلاها﴾ و﴿ يغشاها ﴾ إشارة واضحة إلى أن الضمير فيهما يعود إلى الشمس ، إذ النهار يجلى الشمس ويكشفها أتم انكشاف ، والليل يزيل ضوءها (١) تفسير جزء ((عم)) ص ٢١١ لفضيلة الشيخ محمد محى الدين عبد الحميد. ( ٢) تفسير التحرير والتنوير جـ ٣٠ ص ٣٦٧ . (٣) تفسير الآلوسى جـ ٣٠ ص ١٤١ . ٤١٢ المجلد الخامس عشر ويستره ، فنسب - سبحانه - إلى النهار ما يلائمه بالنسبة للشمس ، وكذلك الحال بالنسبة لليل . ثم قال - تعالى -: ﴿ والسماء وما بناها ﴾ أى: وحق السماء وحق من بناها وأنشأها وأوجدها على تلك الصورة البديعة الرائعة . فما هنا اسم موصول بمعنى مَنْ، والمراد بمن بناها : الله - عز وجل - وأوثرت على مَنْ التى تأتى للعاقل كثيرا ، لإِشعارها معنى الوصفية . أى : وحق السماء ، وحق القادر العظيم الذى بناها وأوجدها على هذه الهيئة الجميلة الدقيقة . وقد أشار إلى ذلك صاحب الكشاف فقال: والوجه أن تكون (( ما)) موصولة - أى : فى هذه الآية وما بعدها - وإنما أوثرت على مَنْ لإِرادة معنى الوصفية ، كأنه قيل : والسماء ، والقادر العظيم الذى بناها (١). ومنهم من يرى أن (( ما )) هنا مصدرية ، فيكون المعنى : وحق السماء وبنيانها . وقوله - تعالى -: ﴿ والأرض وما طحاها) أى: وحق الأرض ومن بسطها من كل جانب ، وجعلها مهيأة للاستقرار عليها : يقال: طحى فلان الشىء ودحاه، إذا بسطه ووسعه . وقوله - سبحانه -: ﴿ونفس وما سواها ﴾ أى: وحق النفوس، وحق من أنشأها من العدم فى أحسن تقويم ، وجعلها مستعدة لتلقى ما يكملها ويصلحها . ويبدو أن المراد بالنفس هنا ذات الإِنسان ، من باب إطلاق الحالِّ على المحل ، ويكون المراد بتسويتها : استواء خلقة الإِنسان ، وتركيب أعضائه فى أجمل صورة . ومن قال بأن المراد بالنفس هنا : القوة المدبرة للإِنسان ، يكون المقصود بتسويتها . منحها القوى الكثيرة المتنوعة ، التى توصلها إلى حسن المعرفة ، والتمييز بين الخير والشر ، والنفع والضر ، والهدى والضلال . قالوا : وقوله : - تعالى - بعد ذلك: ﴿فألهمها فجورها وتقواها ﴾ يشير إلى أن المراد بالنفس فى قوله - تعالى -: ﴿ ونفس وما سواها ﴾ القوة المدبرة للإِنسان، والتى عن طريقها يدرك الأمور إدراكا واضحا . ويختار منها ما يناسب استعداده . والإِلهام : هو التعريف والإِفهام للشىء ، أو التمكين من فعله أو تركه ، والفجور: فعل ما يؤدى إلى الخسران والشقاء . والتقوى: هى الإِتيان بالأقوال والأفعال التى ترضى الله - تعالى - وتصون الإِنسان من غضبه - عز وجل - .. (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧٥٩° . ٤١٣ سورة الشمس . أى : فعرف - سبحانه - النفس الإنسانية وألهمها وأفهمها معنى الفجور والتقوى ، وبين لها حالهما ، ووضح لها ما ينبغى أن تفعله وما ينبغى أن تتركه ، من خير أو شر ، ومن طاعة أو معصية ، بحيث يتميز عندها الرشد من الغى ، والخبيث من الطيب . ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: ﴿وهديناه النجدين ) وقوله - عز وجل -: ﴿ إنّا هديناه السبيل . إما شاكرا وإما كفورا ﴾ وقدم - سبحانه - هنا الفجور على التقوى ، مراعاة لأحوال المخاطبين بهذه السورة ، وهم كفار قريش ، الذين كانت أعمالهم قائمة على الفجور والخسران ، بسبب إعراضهم عما جاءهم به رسول الله - رَّاء - من حق وبر . وقوله - سبحانه -: ﴿ قد أفلح من زكاها . وقد خاب من دساها ﴾ يصح أن يكون جوابا للقسم . والفلاح : الظفر بالمطلوب . والتزكية : التزود من الخير والطاعة ، والحرص على تطهير النفس من كل سوء، وقوله : ﴿ دساها ﴾ أى: نقصها وأخفاها بالمعاصى والآثام . وأصل فعل دسَّى: دسَّسَ ، فلما اجتمع ثلاث سينات ، قلبت الثالثة ياء ، يقال : دس فلان الشىء إذا أخفاه وكتمه . والمعنى : وحق الشمس وضحاها ، وحق القمر إذا تلاها . وحق النفس وحق من سواها ، وجعلها متمكنة من معرفة الخير والشر . لقد أفلح وفاز وظفر بالمطلوب ، ونجا من المكروه ، من طهر نفسه من الذنوب والمعاصى . وقد خاب وخسر نفسه . وأوقعها فى التهلكة ، من نَقَصها وأخفاها وأخملها وحال بينها وبين فعل الخير بسبب ارتكاب الموبقات والشرور .. قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله - تعالى - : ﴿ قد أفلح من زكاها ﴾ جواب القسم . وإليه ذهب الزجاج وغيره . والأصل : لقد أفلح ، فحذفت اللام لطول الكلام المقتضى للتخفيف. وفاعل من ((زكاها)) ضمير ((مَنْ)) والضمير المنصوب للنفس .. (١). ويرى المحققون من العلماء أن جواب القسم محذوف ، للعلم به ، فكأنه - سبحانه - قد قال : وحق الشمس وضحاها ، وحق القمر إذا تلاها .. ليقعن البعث والحساب والجزاء ، أو لتحاسين على أعمالكم . ودليل هذا الجواب قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿ كذبت ثمود بطغواها ) لأن هذه الآية الكريمة وما بعدها، تدل على أن الله - تعالى - قد اقتضت سنته ، أن يحاسب من فسق عن أمره ، وأصر على تكذيب رسله . وعلى هذا سار صاحب الكشاف ، فقد قال : فإن قلت : فأين جواب القسم ؟ قلت : هو (١) تفسير الآلوسى جـ ٣٠ ص ١٤٣ . ٤١٤ المجلد الخامس عشر محذوف، تقديره: لِيُدَمْدِ مَنَّ اللّه عليهم، أى: على مكة لتكذيبهم رسول الله - وَلـ - ، كما دمدم على قبيلة ثمود لأنهم كذبوا صالحا - عليه السلام - وأما قوله: ﴿ قد أفلح من زكاها﴾ فكلام تابع لقوله: ﴿فألهمها فجورها وتقواها ) على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم فى شىء .. (١) . وقد أقسم الله - تعالى - بهذه الكائنات المختلفة ، والتى لها مالها من المنافع بالنسبة للإنسان وغيره ، لتأكيد وحدانيته ، وكمال قدرته ، وبليغ حكمته . وبدأ - سبحانه - بالشمس ، لأنها أعظم هذه الكائنات ، وللتنويه بشأن الإِسلام ، وأن هديه كضياء الشمس ، الذى لا يترك للظلام أثرا . وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات بعض الأحاديث ، منها ما رواه الطبرانى عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: كان رسول الله - * - إذا مر بهذه الآية : ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها﴾ وقف ثم قال: ((اللهم آت نفسى تقواها أنت وليها ومولاها. وخير من زكاها)). وعن أبى هريرة رضى الله عنه. قال: سمعت النبى - وَله - يقرأ ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾ قال: ((اللهم آت نفسى تقواها ، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها))(٢). وبعد هذا الحديث الطويل المؤكد بالقسم ، والدال على وحدانيته ، وبديع صنعه .. أتبع ذلك ببيان ما حل بالمكذبين السابقين ، ليكون هذا البيان عبرة وعظة للمشركين المعاصرين للنبى - وَ﴾ - ، فقال - تعالى -: ﴿ كذبت ثمود بطغواها . إذ انبعث أشقاها . فقال لهم رسول الله ناقة اللّه وسقياها. فكذبوه فعقروها. فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها . ولا يخاف عقباها والمراد بثمود : تلك القبيلة التى أرسل الله - تعالى - إلى أهلها صالحا - عليه السلام - لكى يأمرهم بإخلاص العبادة لله وحده. ومفعول ((كذبت)) محذوف للعلم به . والباء فى قوله ((بطغواها)) للسببية، والطّغْوَى: اسم مصدر من الطغيان ، وهو مجاوزة الحد المعتاد . أى : كذبت قبيلة ثمود - نبيهم صالحا - عليه السلام بسبب طغيانهم وإفراطهم فى الجحود (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧٦٠ . (٢) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٤٣٦. ٤١٥ سورة الشمس والتكبر والعناد . وقيل : إن الباء للتعدية ، والطغوى : اسم للعذاب الذى نزل بهم ، والذى توعدهم به نبيهم . أى : كذبت ثمود بعذابها ، الذى توعدهم رسولهم به ، إذا ما استمروا فى كفرهم وطغيانهم . والظرف فى قوله - سبحانه - : ﴿إذ انبعث أشقاها﴾ متعلق بقوله ﴿طغواها)، لأن وقت انبعاث أشقاهم لقتل الناقة . هو أشد أوقات طغيانهم وفجورهم . وفعل ((انبعث )) مطاوع بعث ، تقول : بعثته فانبعث ، كما تقول : كسرته فانكسر . ويصح أن يكون متعلقا بقوله : ﴿ كذبت وقوله ﴿أشقاها﴾ أى: أشقى تلك القبيلة، وهو قُدَار - بزنة غراب - بن سالف، الذى يضرب به المثل فى الشؤم ، فيقال : فلان أشأم من قدار . أى : كذبت ثمود نبيها ، بسبب طغيانها ، وقت أن أسرع أشقى تلك القبيلة ، وهو قدار بن سالف ، لعقر الناقة التى نهاهم نبيهم عن مسها بسوء . وعبر - سبحانه - بقوله: ﴿ انبعث﴾ للإشعار بأنه قام مسرعا عندما أرسله قومه لقتل الناقة ، ولم يتردد فى ذلك لشدة كفره وجحوده . وقوله - تعالى -: ﴿ فقال لهم رسول اللّه ناقة اللّه وسقياها﴾ أى: فقال لهم رسول الله - تعالى - إليهم . وهو صالح - عليه السلام - على سبيل التحذير والإِنذار : احذروا عقر ناقة الله - تعالى - ، واحذروا سقياها ، أى : الوقت المحدد لشرابها فلا تمنعوها فيه من الشرب ، فإن لها يوما لا تشاركونها فيه الشرب ، وإن لكم يوما آخر هى لن تشارككم فيه . وقد قال لهم صالح - عليه السلام - هذا الكلام ، عندما شعر بأنهم قد بيتوا النية على عقرها . فالفاء فى قوله - تعالى -: ﴿ فقال لهم ... ﴾ عاطفة على قوله ﴿ كذبت ﴾ الإفادة الترتيب والتعقيب .. أى : قال لهم ذلك فى أعقاب شعوره بتصميمهم على تكذيبه ، وعلى قتل الناقة . ولفظ ((ناقة)) منصوب على التحذير ، والكلام على حذف مضاف . أى: احذروا عقر ناقة اللّه ، وأضيفت إلى لفظ الجلالة ، على سبيل التشريف لها ، لأنها قد جعلها - سبحانه - معجزة لنبيه صالح - عليه السلام - ودليلا على صدقه . وقوله : ﴿وسقياها﴾ معطوف على ناقة اللّه، وهو منصوب - أيضا - على التحذير. ٤١٦ المجلد الخامس عشر أى : احذروا أن تقتلوا الناقة ، واحذروا أن تشاركوها فى اليوم الخاص بشربها ، فضلا عن أن تؤذوها . وقوله - سبحانه -: ﴿ فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ﴾ بيان لموقفهم السيئ من تحذير نبيهم لهم . ولما أصابهم من عذاب مهلك بسبب هذا التكذيب . وقوله: ﴿ فدمدم﴾ - بزنة فعلل - بمعنى تضعيف العذاب وترديده، يقال: دمدمت على الشىء، أى : أطبقت عليه ، ودمدم عليه القبر ، أى : أطبقه عليه . أى : فكذب قوم صالح نبيهم ، وأصروا على هذا التكذيب ، وتجاوزوا ذلك إلى عقر الناقة التى نهاهم عن مسها بسوء ... فكانت نتيجة ذلك ، أن أهلكهم الله - تعالى - وأن أخذهم أخذ عزيز مقتدر ، فقد أطبق عليهم الأرض ، وسواها من فوقهم جميعا دون أن يفلت منهم أحد ، وصاروا كلهم تحت ترابها ، ونجى - سبحانه - صالحا ومن آمن معه . بفضله ورحمته . والضمير فى قوله - سبحانه -: ﴿ ولا يخاف عقباها ﴾ يعود إلى الله - تعالى - أى: ولا يخاف الله - تعالى - عاقبة ما فعله بهؤلاء الطغاة الأشقياء ، لأن الذى يخاف إنما هو المخلوق . أما الخالق لكل شىء ، فإنه - تعالى - لا يخاف أحدا ، لأنه لا يسأل عما يفعل ، ولأنه - تعالى - هو العادل فى أحكامه . والضمير فى عقباها ، يعود إلى الفعلة أو إلى الدمدمة . ومنهم من جعل الضمير فى ((يخاف)) يعود إلى أشقاها ، أى : أن هذا الشقى قد أسرع إلى عقر الناقة دون أن يخشى سوء عاقبة فعله ، لطغيانه وجهله . نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا من عباده الصالحين . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. القاهرة - مدينة نصر مساء الاثنين ١٦ من صفر سنة ١٤٠٧ هـ الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى ٢٠ من أكتوبر سنة ١٩٨٦ م . ٤١٧ سورة الليل بِسْمِ اللهُ الرّحمَنِّ الرَّحِيمِ تفسير سورة الليل مقدمة وتمهيد ١ - سميت هذه السورة فى معظم المصاحف سورة ((الليل)) وفى بعض كتب التفسير سميت بسورة ((والليل))، وعنون لها الإِمام البخارى بسورة ((والليل إذا يغشى))، وعدد آياتها إحدى وعشرون آية . وجمهور العلماء على أنها مكية ، وقال بعضهم : هى مدنية ، وقال آخرون : بعضها مكى ، وبعضها مدنى ، والحق أن هذه السورة من السور المكية الخالصة ، وكان نزولها بعد سورة . : ((الأعلى)) وقبل سورة ((القمر))، فهى تعتبر السورة التاسعة فى النزول من بين السور المكية . قال الإِمام الشوكانى . وهى مكية عند الجمهور ، فعن ابن عباس قال : نزلت سورة و ((الليل إذا يغشى)) بمكة . وأخرج ابن مردويه عن الزبير مثله .. وفى رواية عن ابن عباس أنه قال: إنى لأقول إن هذه السورة نزلت فى السماحة والبخل .. (١). ٢ - وحقا ما قاله ابن عباس - رضى الله عنهما - ، فإن السورة الكريمة، قد احتوت. على بيان شرف المؤمنين ، وفضائل أعمالهم ، ومذمة المشركين ، وسوء فعالهم ، وأنه - تعالى - قد أرسل رسوله للتذكير بالحق ولإِنذار المخالفين عن أمره - تعالى - أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم . (١) راجع تفسير فتح القدير جـ ٥ ص ٤٥١، للشوكانى. : ٤١٨ المجلد الخامس عشر التفسير قال الله - تعالى - : مِاللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالَلِ إِذَايَغْشَى ، وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ) وَمَا خَلَقَ الذّكرَوَالْأُنْثَ ٣ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَقَّ ا فَأَمَا مَنْ أَعْطَى وَنَّقَى ﴾ وَصَدَّقَ بِالْمُنْنَى( ٦ فَسَيَسِرُهُ لِلْيُسْرَى ، وَأَمَّا مَنْ يَخِلَ وَأَسْتَغْنَى ﴾ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَ ﴿ فَسَنْيَسُِّ لِلْمُسْرَى ﴿ وَمَا يُقْنِى عَنْهُ مَا لُهُ إِذَا تَرَدََّ (١) إِنَّ عَلَيْنَا ١٤ لَلْهُدَى ◌َ وَإِنَّلَاللَّخِرَةَ وَاَلْأُولَى ◌َ، فَأَنَذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَى لَا يَصْلَئِهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا اُلْأَنْقَى ® الَّذِى يُؤْتِى مَا لَهُ يَتَزََّى (٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزَ (٦) إِلَّا أَبْشِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٥) وَلَسَوْفَ يَرْضَى ) أقسم اللّه - سبحانه - فى افتتاح هذه السورة بثلاثة أشياء ، على أن أعمال الناس مختلفة . أقسم - أولا - بالليل فقال: ﴿والليل إذا يغشى﴾ أى: وحق الليل إذا يغشى النهار، فيغطى ضياءه ، ويذهب نوره ، ويتحول الكون معه من حالة إلى حالة ، إذ عند حلول الليل يسكن الخلق عن الحركة ، ويأوى كل إنسان أو حيوان إلى مأواه ، ويستقبلون النوم الذى فيه ما فيه من الراحة لأبدانهم ، كما قال - تعالى - : ﴿ وجعلنا الليل لباسا . وجعلنا النهار معاشا ﴾ . ٤١٩ سورة الليل وأقسم - ثانيا - بالنهار فقال: ﴿والنهار إذا تجلى ﴾ أى : وحق النهار حين ينكشف ويظهر ، ويزيل الليل وظلمته ، ويخرج الناس معه ليباشروا أعمالهم المتنوعة . وأقسم - ثالثا - بقوله: ﴿وما خلق الذكر والأنثى) و((ما)) هنا يصح أن تكون موصولة ، بمعنى الذى ، فيكون - سبحانه - قد أقسم بذاته ، وجاء التعبير بما ، للدلالة على الوصفية ، ولقصد التفخيم . فكأنه - تعالى - يقول : وحق الخالق العظيم ، الذى لا يعجزه شىء ، والذى خلق نوع الذكور ، ونوع الإناث من ماء واحد . ويصح أن تكون (( ما)) هنا حرفا مصدريا ، فيكون المعنى: وحق خَلْقِ الذكر والأنثى ، وعليه يكون - سبحانه - قد أقسم بفعل من أفعاله التى تدل على كمال قدرته ، وبديع صنعته ، حيث أوجد الذكور والإناث من ماء واحد ، كما قال - سبحانه -: ﴿وأنه خلق الزوجين . الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى ﴾ وحيث وهب - سبحانه - الذكور لمن يشاء ، ووهب الإِناث لمن يشاء ، وجعل العقم لمن يشاء . وقوله - تعالى -: ﴿إن سعيكم لشتى ﴾ هو جواب القسم. وشتى جمع شتيت . مثل: جريح وجرحى ، ومريض ومرضى . والشىء الشتيت : هو المتفرق المتناثر بعضه عن بعض ، من الشتات بمعنى الابتعاد والافتراق . والمعنى : وحق الليل إذا يغشى النهار فيستر ضياءه ، وحق النهار إذا تجلى وأسفر وأزال الليل وظلامه ، وحق الخالق العظيم القادر الذى أوجد الذكور والإناث . وحق كل ذلك ، إن أعمالكم ومساعيكم - أيها الناس - فى هذه الحياة ، لهى ألوان شتى ، وأنواع متفرقة ، منها الهدى ومنها الضلال ، ومنها الخير ، ومنها الشر ، ومنها الطاعة ، ومنها المعصية .. وسيجازى - سبحانه - كل إنسان على حسب عمله . وحذف مفعول (( يغشى)) للتعميم ، أى يغشى كل شىء ويواريه بظلامه . وأسند - سبحانه - التجلى إلى النهار، على سبيل المدح له بالاستنارة والإِسفار . والمراد بالسعى: العمل. وقوله (سعيكم)) مصدر مضاف فيفيد العموم فهو فى معنى الجمع أى : إن مساعيكم لمتفرقة . قال القرطبى : السعى : العمل ، فساع فى فكاك نفسه ، وساع فى عطبها ، يدل عليه قوله - رَ -: ((الناس غاديان: فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها))(١). ( ١) تفسير القرطبى جـ ٢٠ ص ٨٢ . ٤٢٠ المجلد الخامس عشر ثم فصل - سبحانه - ما أجمله فى قوله: ﴿ إن سعيكم لشتى﴾ فقال: ﴿ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى . فسنيسره لليسرى . وأما من بخل واستغنى . وكذب بالحسنى . فسنيسره للعسرى . وما يغنى عنه ماله إذا تردى ﴾ والحسنى تأنيث الأحسن ، وهى صفة لموصوف محذوف . أى: ﴿ فأما من أعطى﴾ حق الله - تعالى - ، بأن أنفق من ماله فى وجوه الخير: كإعتاق الرقاب، ومساعدة المحتاجين .. ﴿واتقى﴾ المحارم والمعاصى ﴿ وصدق بالحسنى ﴾ أى: وأيقن بالخصلة الحسنى ، وهى الإِيمان بكل ما يجب الإِيمان به ، أو أيقن بالملة الحسنى ، وهى ملة الإِسلام ، أو بالمثوبة الحسنى وهى الجنة . فسنيسره لليسرى ﴾ أى: فسنهيئه للخصلة التى توصله إلى اليسر والراحة وصلاح البال ، بأن نوفقه لأداء الأعمال الصالحة التى تؤدى إلى السعادة . وحذف مفعول («أعطى واتقى)) للعلم بهما ، أى: أعطى ما كلفه الله - تعالى - به ، واتقى محارمه . ﴿ وأما من بخل﴾ بماله فلم يؤد حقوق الله - تعالى - فيه، ولم يبذل شيئا منه فى وجوه البر. ﴿ واستغنى﴾ أى: واستغنى عن ثواب الله - تعالى - ، وتطاول على الناس بماله وجاهه، وآثر متع الدنيا على نعيم الآخرة ... ﴿وكذب بالحسنى﴾ أى: وكذب بالخصلة الحسنى التى تشمل الإِيمان بالحق ، وبيوم القيامة وما فيه من حساب وجزاء . فسنيسره للعسرى ﴾ أى: فسنهيئه للخصلة التى توصله إلى العسر والمشقة والشدة ، بأن نجعله بسبب سوء اختياره ، يؤثر الغى على الرشد ، والباطل على الحقَ ، والبخل على السخاء ، فتكون عاقبته فرطا ، ونهايته الخسران والبوار . والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة يراها ، وقد وصفت المؤمنين الصادقين بثلاث صفات هى جماع كل خير ، وأساس جميع الفضائل: وصفهم بالسخاء ، وبالخوف من الله - تعالى - ، وبالتصديق بكل ما يجب التصديق به ، ورتب على ذلك توفيقهم للخصلة الحسنى .. التى تنتهى بهم إلى الفوز والسعادة . ووصف - أيضا - أهل الفسوق والفجور بثلاث صفات ، هى أساس البلاء ، ومنبع الفساد ، ألا وهى : البخل ، والغرور ، والتكذيب بكل ما يجب الإِيمان به .. ورتب - سبحانه - على ذلك تهيئتهم للخصلة العسرى ، التى توصلهم إلى سوء المصير ، وشديد العقاب ..