النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ سورة الأعلى التفسير قال الله - تعالى - : ◌ِاللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحْمِ بسـ سَبِحِ أَسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى ) ، وَالَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى ﴿ وَالَّذِىّ أَخْرَجَ المَرْعَى نَ فَجَعَلَهُ غُثَ أَحْوَ سَنُقْرِتُكَ فَلَا تَسَىَ ا إِلََّ مَا شَآءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَم ◌ْجَهْرَوَمَا يَخْفَى ، وَيُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ﴿ فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىِ ى سَيَذَّكْرُ مَن يَخْشَى ٥ وَيَنَجَنَُّهَا الْأَشْقَىِ الَّذِى يَصْلَى النَّارَالْكُبْرَىَّ ﴿١) ثُمَ لَا يَمُوتُ فِيَهَ وَلَا يَحْنِى لَ قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزََّى ﴾ وَذَّكْرَأَسْمَرَبِّهِ، فَصَلَّى ( ١٥ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا ، وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) إِنَّ هَذَا لَفِى الضُّحُفِ اُلْأُولَى ٨ صُحُفٍ إَِّاهِيمَ وَمُوسَى (١) افتتحت السورة الكريمة ، بأمر النبى - 18 - بالمداومة على تنزيه الله - تعالى - عن كل نقص ، ويدخل فى هذا الأمر ، كل من يصلح للخطاب . والاسم المراد به الجنس ، فيشمل جميع أسمائه - تعالى - . أى : نزه - أيها الرسول الكريم - أسماء ربك الأعلى عن كل ما لا يليق بها ، فلا تطلقها على غيره - تعالى - إذا كانت خاصة به ، كلفظ الجلالة . وكلفظ الرحمن ، ولا تذكرها فى موضع لا يتناسب مع جلالها وعظمتها ، ولا تحرفها عن المعانى التى وضعت لها كما يفعل الزائغون . فقد قال - تعالى -: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ، وذروا الذين يلحدون فى أسمائه سيجزون ماكانوا يعملون ﴾. ٣٦٢ المجلد الخامس عشر ونزه ربك الأعلى ، عن الشريك ، وعن الوالد ، وعن الولد ، وعن الشبيه .. وعن كل ما لا يليق به . قال الجمل : أى : نزه ربك عن كل ما لا يليق به ، فى ذاته ، وصفاته ، وأسمائه ، وأفعاله ، وأحكامه . أما فى ذاته : فأن تعتقد أنها ليست من الجواهر والأعراض . وأما فى صفاته : فأن تعتقد أنها ليست محدثة ولا متناهية ولا ناقصة . وأما فى أفعاله : فأن تعتقد أنه - سبحانه - مطلق لا اعتراض لأحد عليه فى أمر من الأمور . وأما فى أسمائه : فأن لا تذكره - سبحانه - إلا بالأسماء التى لاتوهم نقصا بوجه من الوجوه .. وأما فى أحكامه : فأن تعلم أنه ما كلفنا لنفع يعود عليه ، بل لمحض المالكية .. (١). أخرج الإِمام أحمد عن عامر بن عقبة الجهنى قال : لما نزلت : ﴿ فسبح باسم ربك العظيم﴾ قال لنا رسول الله - 18 -: ((اجعلوها فى ركوعكم)) فلما نزلت: ﴿ سبح اسم ربك الأعلى﴾ قال: ((اجعلوها فى سجودكم)). ثم وصف - سبحانه - ذاته بعد وصفه بالأعلى بصفات كريمة أخرى فقال: ﴿ الذى خلق فسوى﴾. والخلق: هو الإِيجاد للشىء على غير مثال سابق ، والتسوية : هى جعل المخلوقات على الحالة والهيئة التى تناسبها ، وتتلاءم مع طبيعتها . أى : الذى خلق الخلائق كلها ، وجعلها متساوية فى الأحكام والإتقان حسبما اقتضته حكمته . ومنح كل مخلوق ما يناسب طبيعته ووظيفته . قال صاحب الكشاف : قوله : ﴿ الذى خلق فسوى ﴾ أى: خلق كل شىء فسوى خلقه تسوية ، ولم يأت به متفاوتا غير ملتئم ، ولكن على إحكام واتساق ، ودلالة على أنه صادر عن عالم، وأنه صنعة حكيم .. (٢) . والذى قدر فهدى ﴾ والتقدير: وضع الأشياء فى مواضعها الصحيحة ، بمقدار معين ، وبكيفية معينة .. تقتضيها الحكمة ، ويقرها العقل السليم . وقوله : ﴿ فهدى﴾ من الهداية . بمعنى الإِرشاد والدلالة على طريق الخير والبر . أى: وهو - سبحانه - الذى جعل الأشياء على مقادير مخصوصة فى أجناسها ، وفى أنواعها ، وفى أفرادها . وفى صفاتها وأفعالها .. وهدى كل مخلوق إلى ما ينبغى له طبعا واختيارا ، ووجهه إلى (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٥٢٠ . ( ٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧٣٨ . ٣٦٣ سورة الأعلى الوظيفة التى خلقه من أجلها ، بأن أوجد فيه العقل والميول والإِلهامات والغرائز والدوافع التى تعينه على أداء تلك الوظيفة . وحذف - سبحانه - المفعول فى قوله : ﴿ الذى خلق فسوى . والذی قدر فهدی للعموم ، لأن هذه الأفعال تشمل جميع مخلوقاته - عز وجل - . قال الآلوسي: ﴿والذى قدر .. ﴾ أى: جعل الأشياء على مقادير مخصوصة .. فهدى﴾ أى: فوجه كل واحد منها إلى ما يصدر عنه، وينبغى له .. فلو تتبعت أحوال النباتات والحيوانات ، لرأيت فى كل منها ما تحار فيه العقول ، وتضيق عنه دفاتر النقول . وأما فنون هداياته - سبحانه - للإِنسان على الخصوص ، ففوق ذلك بمراحل .. وهيهات أن يحيط بها فلك العبارة والتحرير ، ولا يعلمها إلا اللطيف الخبير . أتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر (١) وقد فصل بعض العلماء الحديث عن مظاهر تقديره وهدايته - سبحانه - فقال : قوله - تعالى -: ﴿الذى خلق فسوى . والذى قدر فهدى ﴾ أى: الذى خلق كل شىء فسواه ، فأكمل صنعته ، وبلغ به غاية الكمال الذى يناسبه ، والذى قدر لكل مخلوق وظيفته وطريقته وغايته ، فهداه إلى ماخلقه لأجله ، وألهمه غاية وجوده ، وقدر له ما يصلحه مدة بقائه ، وهداه إليه . وهذه الحقيقة الكبرى ماثلة فى كل شىء فى هذا الوجود ، ويشهد بها كل شىء فى رحاب هذا الكون ، من الكبير إلى الصغير .. فالطيور لها غريزة العودة إلى الموطن .. دون أن تضل عنه مهما بعد . والنحلة تهتدى إلى خليتها ، مهما طمست الريح فى هبوبها على الأعشاب والأشجار كل دليل يرى .. وسمك ((السلمون)) الصغير، يمضى سنوات فى البحر، ثم يعود إلى نهره الخاص به .. (٢). . وقوله - سبحانه -: ﴿ والذى أخرج المرعى . فجعله غثاء أحوى ﴾ بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - تعالى - ، التى لا يعجزها شىء . والمرعى : النبات الذى ترعاه الحيوانات ، وهو اسم مكان للأرض الذى يوجد فيها النبات . ، ( ١) تفسير الآلوسى جـ ٣٠ ص ١٠٤ . : (٢) راجع فى ظلال القرآن جـ ٣٠ ص ٥٤٢ . ٣٦٤ المجلد الخامس عشر والغثاء : هو اليابس الجاف من النبات الذى ترعاه المواشى . والأحوى : أى: المائل إلى السواد ، مأخوذ من الحُوَّة - بضم الحاء مع تشديد الواو المفتوحة - وهى لون يكون بين السواد والخضرة أو الحمرة . ووصف الغثاء بأنه أحوى ، لأنه إذا طال عليه الزمن ، وأصابته المياه ، اسود وتعفن فصار أحوى . أى : وهو - سبحانه - وحده ، الذى أنبت النبات الذى ترعاه الدواب ، حالة كون هذا النبات أخضر رطبا . ثم يحوله بقدرته - تعالى - بعد حين إلى نبات يابس جاف . وهذا من أكبر الأدلة المشاهدة ، على أنه - تعالى - يتصرف فى خلقه كما يشاء ، فهو القادر على تحويل الزرع الأخضر إلى زرع يابس جاف ، كما أنه قادر على إحياء الإِنسان بعد موته . . فالمقصود من هذه الآيات الكريمة ، الإِرشاد إلى كمال قدرته ، وتنوع نعمه - سبحانه - ، حتى يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم ، وحتى يعود الكافرون إلى رشدهم بعد هذا البيان الواضح الحكيم . ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على نبيه - صل - فقال: ﴿ سنقرئك فلا تنسى . إلا ما شاء الله . إنه يعلم الجهر وما يخفى ﴾. والنسيان : زوال ما كان موجودا فى حافظة الإِنسان . والاستثناء مفرغ من أعم المفاعيل . ومفعول المشيئة محذوف . جريا على غالب استعماله فى كلام العرب .. أى : سنقرئك - أيها الرسول الكريم - القرآن على لسان أمين وحينا جبريل - عليه السلام - . وسنجعلك حافظا وواعيا لما سيقرؤه جبريل عليك ، بحيث لا تنساه فى وقت من الأوقات ، أو فى حال من الأحوال ، إلا فى الوقت أو فى الحال الذى يشاء الله - تعالى - أن ينسيك شيئا من ذلك . فإنك ستنساه بأمره - تعالى - لأنه وحده - عز وجل - هو العليم بما كان ظاهرا من الأشياء ، وبما كان خافيا منها . فالمقصود من هاتين الآيتين: وعد الله - تعالى - لنبيه - وَ ل 1 - ببيان أنه - سبحانه - ، كما أنه قادر على أن يقرىء الرسول - عليه - قراءة لا ينساها، فهو أيضا قادر على أن يزيل من صدره ما يشاء إزالته ، عن طريق النسيان لما حفظه . فالمراد بهذا الاستثناء: بيان أنه - تعالى - لو أراد أن يصير الرسول - وَله - ناسيا للقرآن لقدر على ذلك ، كما قال - سبحانه - ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذى أوحينا إليك .. ﴾ ٣٦٥ سورة الأعلى إذ هو - تعالى - على كل شىء قدير ، ولكنه لم يشأ ذلك فضلا منه وكرما . قال الإمام الشوكانى ما ملخصه : قوله: ﴿ سنقرئك فلا تنسى ﴾ أى : سنجعلك قارئا بأن نلهمك القراءة. فلا تنسى ما تقرؤه ، والجملة مستأنفة لبيان هدايته - وَلة - الخاصة ، بعد بيان الهداية العامة، وهى هدايته - رسالة - لحفظ القرآن . وقوله : ﴿ إلا ما شاء الله ﴾ استثناء مفرغ من أعم المفاعيل، أى: لا تنسى مما تقرؤه شيئا من الأشياء ، إلا ما شاء الله أن تنساه ، وهو لم يشأ - سبحانه - أن ينسى النبى - وَلّ - شيئا كقوله - تعالى - ﴿ خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾. وقيل: ((لا)) فى قوله ﴿ فلا تنسى﴾ للنهى، والألف مزيدة لرعاية الفاصلة، كما فى قوله - تعالى -: ﴿فأضلونا السبيلا﴾، يعنى: فلا تغفل عن قراءته (١). وقال الإِمام الرازى : وهاتان الآيتان تدلان على المعجزة من وجهين : أحدهما : أن الرسول - 10 - كان أميا ، فحفظه لهذا الكتاب المطول عن غير دراسة ، ولا تكرار ، ولا كتبة ، خارق للعادة فيكون معجزا . وثانيهما : أن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة . فهذا إخبار عن أمر عجيب غريب مخالف للعادة . سيقع فى المستقبل ، وقد وقع ، فكان هذا إخبارا عن الغيب ، فيكون معجزا .. (٢) . وقوله - سبحانه -: ﴿ونيسرك لليسرى ﴾ معطوف على قوله ﴿سنقرئك ﴾ وجملة : إنه يعلم الجهر وما يخفى ﴾ معترضة . والتيسير بمعنى التسهيل والتخفيف ، وهو جعل العمل يسيرا على عامله بأن يهيىء الله - تعالى - للعامل الأسباب التى تهون له العسير ، وتقرب له البعيد . واليسرى : مؤنث الأيسر ، بمعنى الأسهل ، والموصوف محذوف . والمعنى : سنجعلك - أيها الرسول الكريم - صاحب ذاكرة قوية تحفظ القرآن ولا تنساه . وسنوفقك توفيقا دائما للطريقة اليسرى فى كل باب من أبواب الدين : علما وعملا ، واهتداء وهداية - وسنرزقك الأمور الحسنة التى تجعلك تعيش سعيدا فى دنياك ، وظافرا برضواننا فى أخراك . (١) تفسير فتح القدير جـ ٥ ص ٤٢٤ . ( ٢) راجع تفسير الفخر الرازى جـ ٨ ص ٣٨١ . ٣٦٦ المجلد الخامس عشر ولقد أنجز الله - تعالى - لنبيه - وَّلخير - وعده ، حيث أعطاه شريعة سمحة ، ومنحه أخلاقا كريمة، من مظاهرها أنه - وَل ◌ّ - ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ، ودعا أتباعه إلى الأخذ بمبدأ التيسير ، فقال: (( يسروا ولا تعسروا ، وبشروا ولا تنفروا .. )). فهاتان بشارتان عظيمتان للرسول - ول# - . أولاهما : تتمثل فى إلهامه الذاكرة الواعية الحافظة لما يوحى إليه. وثانيتهما: توفيقه - ◌َليه - إلى الشريعة اليسرى، وإلى الأخلاق الكريمة وإلى الأخذ بما هو أرفق وأيسر فى كل أحواله . ثم أمره - تعالى - بدوام التذكير بدعوة الحق بدون إبطاء أو يأس فقال : ﴿ فذكر إن نفعت الذكرى . سيذكر من يخشى . ويتجنبها الأشقى . الذى يصلى النار الكبرى . ثم لا يموت فيها ولا يحيى ﴾ . والفاء فى قوله ﴿ فذكر﴾ للتفريع على ما تقدم، والأمر مستعمل هنا فى طلب المداومة على التذكير بدعوة الحق التى أرسله - سبحانه - بها ، والذكرى : بمعنى التذكير . والمعنى : إذا كان الأمر كما أخبرناك - أيها الرسول الكريم - فداوم على تذكير الناس بالهدى ودين الحق ، واتبع فى ذلك الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتى هى أحسن ، واهتم فى تذكيرك بمن تتوقع منهم قبول دعوتك ، وأعرض عن الجاحدين والمعاندين والجاهلين . قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كان الرسول - 18 - مأمورا بالذكرى نفعت أو لم تنفع .. فما معنى اشتراط النفع ؟ .. قلت: هو على وجهين: أحدهما . أن رسول الله - * - قد استفرغ مجهوده فى تذكيرهم، وما كانوا يزيدون على زيادة الذكرى إلا عتوا وطغيانا، وكان النبى - الهرم - يتلظى حسرة وتلهفا، ويزداد جدا فى تذكيرهم ، وحرصا عليه ، فقيل له: ﴿ وما أنت عليهم بجبار . فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ﴾ وذلك بعد إلزام الحجة بتكرير التذكير . والثانى : أن يكون ظاهره شرطا ، ومعناه ذَمًّا للمذكّرين - بتشديد الكاف المفتوحة - وإخبارا عن حالهم ، واستبعادا لتأثير الذكرى فيهم ، وتسجيلا عليهم بالطبع على قلوبهم ، كما تقول للواعظ : عظ المكاسين إن سمعوا منك ، قاصدا بهذا الشرط ، استبعاد ذلك ، وأنه لن يكون .. (١) . وقال الإِمام الرازى ما ملخصه: جاء التعليق بالشرط فى قوله - تعالى - : ﴿ فذكر إن (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧٣٨ . ٣٦٧ سورة الأعلى نفعت الذكرى﴾ مع أنه - والله - مطلوب منه أن يذكر الناس جميعا، نفعتهم الذكرى أم لم تنفعهم - للتنبيه على أشرف الحالين ، وهو وجود النفع الذى من أجله شرعت الذكرى ، كقوله - تعالى -: ﴿ سرابيل تقيكم الحر﴾. وللإشعار بأن المراد من الشرط: البعث على الانتفاع بالذكرى ، كما يقول الإِنسان لغيره بعد أن بين له الحق ، قد أوضحت لك الأمر إن كنت تعقل ، فيكون مراده الحض على القبول .. (١) . ويبدو لنا أن المقصود بالآية الكريمة ، تحريض النبى - وَله - على المداومة على دعوة الناس إلى قبول الحق الذى جاء به ، فإن هذا التذكير إن لم ينفع الناس جميعا ، فسينفع بعضهم ، فقد اقتضت سنة الله - تعالى - أن لا تخلو الأرض ممن يستمع إلى الحق ، ويستجيب له . ويدل على هذا المعنى قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿ سيذكر من يخشى ﴾ أى : سينتفع بتذكيرك - أيها الرسول الكريم - من يخشى الله - تعالى - ويخاف عذابه ، ويرجو ثوابه . ويتجنبها الأشقى ﴾ أى: ويتجنب الذكرى ، ويبتعد عن الموعظة ، ويتجافى عن النصيحة ، الإِنسان الشديد الشقاوة والتعاسة ، الذى أبى إلا الإصرار على كفره وعناده ، وخلا من خشية الله - تعالى - . والمراد بالأشقى : الجنس ، أى : يبتعد عن الانتفاع بالتذكير جميع الأشقياء وهم الكافرون . وقيل : المراد به الكافر المتوغل فى كفره كأبى جهل والوليد بن المغيرة وأشباههما . وقوله: ﴿ الذى يصلى النار الكبرى﴾ صفة للأشقى. أى: سيبتعد عن الانتفاع بتذكيرك - أيها الرسول الكريم - الكافر المصر على كفره ، الذى من صفاته أنه سيصلى وسيلقى فى أشد طبقات النار سعيرا وحريقا ، وهى الطبقة السفلى منها . فوصف النار بالكبرى ، من قبيل التهويل والإِنذار للمصرين على كفرهم ﴿ ثم لا يموت فيها ولا يحيى﴾ أى: ثم إن هذا الشقى بعد أن يلقى به فى النار الكبرى ، ﴿ لا يموت فيها ﴾ فيستريح من العذاب ﴿ ولا يحبى﴾ حياة طيبة فيها شىء من الراحة، بل يبقى هكذا ﴿ يأتيه الموت من كل مكان وماهو بميت ﴾. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ، كذلك نجزى كل كفور﴾(٢). (١) راجع تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ٣٨٢. ( ٢) سورة فاطر الآية ٣٦ . ٣٦٨ المجلد الخامس عشر وبعد هذا البيان الذى يهز القلوب .. عن سوء عاقبة الأشقياء ، ساق - سبحانه - ما يدخل البهجة والسرور على النفوس ، عن طريق بيان حسن عاقبة السعداء ، فقال : قد أفلح من تزكى . وذكر اسم ربه فصلى﴾ . أى : قد أفلح وفاز وانتفع بالتذكير ، من حاول تزكية نفسه وتطهيرها من كل سوء . ومن ذكر اسم ربه بقلبه ولسانه ، فصلى الصلوات الخمس التى فرضها الله - تعالى - عليه . وأضاف إليها ما استطاع من نوافل وسنن . وعبر - سبحانه - بقوله: ﴿ قد أفلح ﴾ ليجمع فى هذا التعبير البليغ، كل معانى الخير والنفع، لأن الفلاح معناه : وصول المرء إلى ما يطمح إليه من فوز ونفع. وجاء التعبير بالماضى المسبوق بقد ، للدلالة على تحقيق هذا الفلاح بفضل الله - تعالى - ورحمته . وقد اشتملت هاتان الآيتان على الطهارة من العقائد الباطلة ﴿ تزكى ﴾ وعلى استحضار معرفة الله - تعالى - ﴿وذكر اسم ربه ﴾ وعلى أداء التكاليف الشرعية التى على رأسها الصلاة ﴿ فصلى ﴾. وهذه المعانى هى التى وصلت صاحبها إلى الفلاح الذى ليس بعده فلاح . وقوله - تعالى -: ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا، والآخرة خير وأبقى ﴾ الإضراب فيه عن كلام مقدر يفهم من السياق . والمعنى : لقد بینت لكم ما يؤدى إلى فلاحكم وفوزکم .. ولکنکم ۔ یابنی آدم - کثیر منکم لم يستجب لما بينته له ، بل أنتم تؤثرون الحياة الدنيا ، بأن تقدموا زينتها وشهواتها ومتعها .. على ما ينفعكم فى آخرتكم، والحال أن ما فى الدار الآخرة من نعيم ، خير وأبقى من حطام الدنيا ، لأن الدنيا ومتعها زائلة ، أما الآخرة فخيرها باق لا يزول . والخطاب لجميع الناس ، ويدخل فيه الكافرون دخولا أوليا ، وعليه يكون المراد بإيثار الحياة الدنيا بالنسبة للمؤمنين ، مالا يخلو منه غالب الناس ، من اشتغالهم فى كثير من الأحيان بمنافع الدنيا ، وتقصيرهم فيما يتعلق بآخرتهم . ويرى كثير من العلماء : أن الخطاب للكافرين على سبيل الالتفات ، ويؤيد أن الخطاب للكافرين قراءة أبى عمرو بالياء على طريقة الغيبة . أى : بل إن الكافرين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة ، مع أن الآخرة خير وأبقى . ثم ختم - سبحانه - السورة بقوله : ﴿ إن هذا لفى الصحف الأولى . صحف إبراهيم وموسى﴾ أى: إن هذا الذى ذكرناه من فلاح من تزكى، ومن إيثاركم الحياة الدنيا على ٣٦٩ سورة الأعلى الآخرة ، لكائن وثابت ومذكور فى الصحف الأولى ، التى هى صحف إبراهيم وموسى ، التى أنزلها - سبحانه - على هذين النبيين الكريمين ، ليعلم الناس ما اشتملت عليه من آداب وأحكام ومواعظ . وفى إيهام هذه الصحف ، ووصفها بالقدم ، ثم بيان أنها لنبيين كريمين من أولى العزم من الرسل ، تنويه بشأنها ، وإعلاء من قدرها . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . القاهرة - مدينة نصر مساء الاثنين ٢ من صفر سنة ١٤٠٧ هـ - ٦ من أكتوبر سنة ١٩٨٦ م . ٣٧١٠ سورة الغاشية بِسْمِ اللّهُ الرَّحَمَنِ الرَّحِيمِ تفسير سورة الغاشية مقدمة وتمهيد ١ - سورة ((الغاشية))، وتسمى سورة (( هل أتاك حديث الغاشية)) من السور المكية الخالصة ، وعدد آياتها ست وعشرون آية ، وهى السورة الثامنة والثمانون فى ترتيب المصحف ، أما ترتيبها فى النزول ، فهى السورة السابعة والستون من بين السور المكية ، وكان نزولها بعد سورة ((الذاريات)) وقبل سورة ((الكهف)). ٢ - وهى من السور التى كان النبى - ول﴿ - يقرؤها كثيرا، فقد أخرج الإِمام مسلم فى صحيحه، عن النعمان بن بشير، أن رسول الله - وَ لجر - كان يقرأ ((سبح اسم ربك الأعلى)) ((والغاشية)) فى صلاة الجمعة والعيدين. وفى رواية - أيضا - عن النعمان بن بشير أن الرسول - وسلم - كان يقرأ هذه السورة مع سورة الجمعة ، فى صلاة الجمعة . ٣ - وقد اشتملت السورة الكريمة على بيان أحوال الكافرين والمؤمنين يوم القيامة ، كما لفتت أنظار الناس إلى مظاهر قدرة الله فى خلقه ، لكى يتفكروا ويتدبروا أن الخالق لهذه الأشياء بتلك الصورة البديعة ، هو المستحق للعبادة والطاعة ، وأنهم سيعودون إليه للحساب والجزاء ﴿ إن إلينا إيابهم . ثم إن علينا حسابهم ) مے ٣٧٢ المجلد الخامس عشر التفسير قال الله - تعالى - : ـمِاللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتَئِكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يُؤْمَئِذٍ خَشِعَةُ أ عَامِلَةٌ تَصِبَةٌ لَ اتَصْلَى نَارًا حَامِيَةً أ ◌ُتَّقَى مِنْ عَيْنٍ ◌َانِيَةٍ ٥ لَّيْسَ لَمْ طَعَامُ إِلَّا مِن ضَرِيعِ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِى مِنْ جُوع ٧ وُجُوهٌ يُؤَمَعِذٍ نَاعِمَةٌ ، لِسَعْبِهَا رَاضِيَةٌ فِ جَنَِّ عَالِيَةِ ١٠ لَا تَسْمَعُ فِيهَ لَغِيَةٌ ﴿) فِيَهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ﴿) فِيهَا سُرٌمَرْ فُوعَةٌ هُ ١٣ ١٦ وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ ﴿ وَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِىٌّ مَبْنُونَةُ أَفَلَ يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ، وَ إِلَى السَّمَاءِكَيفَ رُفِعَتْ ﴿ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ نَ) فَذَكِرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكٌِّ لَّسْتَ عَلَيْهِمِ بِمُصَيْطِرٍ (١) إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ ، فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُالْعَذَابَ اُلْأَكْبَرَ ﴿ إِنَّإِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ، ثُمَّإِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم ٢٦ والاستفهام فى قوله - تعالى - : ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ) للتحقيق والتقرير ، أو المقصود به التعجيب من حديث القيامة ، والتشويق إلى الاستماع إليه . والغاشية : لفظ مشتق من الغشيان ، وهو تغطية الشىء لغيره ، يقال : غشيه الأمر ، إذا ٣٧٣ سورة الغاشية غطاه ، والمقصود بالغاشية يوم القيامة ، ووصف يوم القيامة بذلك ، لأنه يغشى الناس بأهواله وشدائده ، ويغطى عقولهم عن التفكير فى أى شىء سواه . والمعنى : هل بلغك - أيها الرسول الكريم أو أيها المخاطب - حديث يوم القيامة ، الذى يغشى الناس بأحواله المفزعة ، ويعمهم بشدائده .. إن كان لم يأتك فهذا خبره ، وتلك هى أقسام الناس فيه . وافتتاح السورة بهذا الافتتاح - بجانب ما فيه من تشويق - يدل على أهمية هذا الخبر ، وأنه من الأخبار التى ينبغى الاستعداد لما اشتملت عليه من معانى لا يصح التغافل عنها . ثم فصل - سبحانه - أحوال الناس فى هذا اليوم فقال : ﴿وجوه يومئذ خاشعة ﴾. قال الشوكانى : الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: ما هو ؟ أو مستأنفة استئنافًا نحويا ، لبيان ما تضمنته من كون ثَمَّ وجوه فى ذلك اليوم متصفة بهذه الصفة المذكورة، و ((وجوه)) مرتفع على الابتداء - وإن كانت نكرة - لوقوعه فى مقام التفصيل .. والتنوين فى ((يومئذ)) عوض عن المضاف إليه . أى : يوم غشيان الغاشية. والخاشعة : الذليلة الخاضعة ، وكل متضائل ساكن يقال له خاشع .. (١). والمراد بالوجوه : أصحابها ، من باب التعبير عن الكل بالبعض ، وخصت الوجوه بالذكر ، لأنها أشرف أعضاء الإِنسان ، ولأنها هى التى تظهر عليها الآثار المختلفة من حزن أو فرح. أى: وجوه فى يوم قيام الساعة ، تكون خاشعة ذليلة ، تبدو عليها آثار الهوان والانتكاس والخزى ، كما قال - تعالى - : ﴿ وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل .. ﴾. وهذه الوجوه - أيضا - من صفاتها أنها ﴿ عاملة ناصبة ﴾ أى : مكلفة بالعمل الشاق المرهق الذى تنصَبُّ له الوجوه فى هذا اليوم ، وتتعب تعبا ما عليه من مزيد ، كجر السلاسل ، وحمل الأغلال ، والخوض فى النار . .--- فقوله : ﴿ عاملة ﴾ اسم فاعل من العمل، والمراد به هنا: العمل الشاق المهين. وقوله: ﴿ ناصبة﴾ من النّصَب، بمعنى: التعب والإِعياء يقال: نَصِب فلان بكسر الصاد - كفرح - ينصب نصبا ، إذا تعب فى عمله تعبا شديدا . وفى هذه الصفات زيادة توبيخ لأهل النار ، لأنهم لما تركوا فى الدنيا الخشوع لله - تعالى - (١) تفسير فتح القدير جـ ٥ ص ٤٢٨ للشوكانى. ٣٧٤ المجلد الخامس عشر والعمل لصالح ، وآثروا متع الدنيا على ثواب الآخرة .. كان جزاؤهم يوم القيامة ، الإِذلال ، والعمل الشاق المهين الذى لا تعقبه راحة . ثم أخبر - سبحانه - عن هذه الوجوه الشقية بأخبار أخرى فقال : ﴿ تصلى نارا حامية﴾ أى: أن هذه الوجوه تشوى بالنار الحامية يوم القيامة. يقال: صَلِيَ فلان النار فهو يصلاها ، إذا لفحته بحرها لفحا شديدا . تسقى من عين آنية ﴾ أى : هذه الوجوه يسقى أصحابها من عين قد بلغت النهاية فى الحرارة والغليان ، إذ الشىء الآتى ، هو الذى بلغ النهاية فى الحرارة ، يقال: أَنَى الماء يَأْنِى : - كرمى يرمى - ، إذا بلغ الغاية فى الغليان ، ومنه قوله - تعالى - ﴿يطوفون بينها وبين حميم آن ﴾ . قال الإِمام ابن جرير: قوله : ﴿تسقى من عين آنية﴾ أى : تسقى أصحاب هذه الوجوه من شراب عين قد أنَى حرها ، فبلغ غايته فى شدة الحر ، وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .. فعن ابن عباس : هى التى قد طال أنيْهُا - أى : حرها - . وقال بعضهم: عنى بقوله: ﴿ من عين آنية﴾ أى: من عين حاضرة - أى: حاضرة لعذابهم ... (١). وقوله - تعالى -: ﴿ ليس لهم طعام إلا من ضريع . لا يسمن ولا يغنى من جوع﴾. والضريع : هو شجر فى النار يشبه الشوك ، فيه ما فيه من المرارة والحرارة وقبح الرائحة . وقوله: ﴿ يسمن﴾ من السِّمَن - بكسر السين وفتح الميم - وهو وفرة اللحم والشحم فى الحيوان وغيره . يقال : فلان أسمنه الطعام ، إذا عاد عليه بالسمن . وقوله ﴿يغنى ﴾ من الإِغناء ودفع الحاجة . يقال: أغنانى هذا الشىء عن غيره ، إذا كفاه واستغنى به عن سواه . أى : أن أصحاب هذه الوجوه التعيسة بجانب شرابهم من الماء البالغ النهاية فى الحرارة ، لهم - أيضا - طعام من أقبح الطعام وأردئه وأشنعه وأشده مرارة .. هذا الطعام لا يأتى بسمن ، ولا يغنى من جوع ، بل إن آكله ليزدرده رغما عنه . فأنت ترى أن الله - تعالى - قد أخبر عن أصحاب هذه الوجوه الشقية بجملة من الأخبار المحزنة المؤلمة ، التى منها ما يتعلق بهيئاتهم ، ومنها ما يتعلق بأحوالهم ، ومنها ما يتعلق بشرابهم ، ومنها ما يتعلق بطعامهم . (١) تفسير ابن جرير جـ ٣٠ ص ١٠٢ . ٣٧٥ سورة الغاشية ووصف - سبحانه - طعامهم بأنه لا يسمن ولا يغنى من جوع ، لزيادة تقبيح هذا الطعام ، وأنه شر محض ، لا مكان لأية فائدة معه . قال صاحب الكشاف : الضريع : اليابس من نبات الشبرق ، وهو جنس من الشوك ، ترعاه الإِبل مادام رطبا . فإذا يبس تحامته الإِبل وهو سم قاتل .. فإن قلت : كيف قيل: ﴿ ليس لهم طعام إلا من ضريع﴾ وفى الحاقة ﴿ ولا طعام إلا من غسلين ؟ ﴾. قلت : العذاب ألوان ، والمعذبون طبقات، فمنهم: أكلة الزقوم ، ومنهم أكلة الغسلين ، ومنهم أكلة الضريع . والضريع : منفعتا الغذاء منفيتان عنه : وهما إماطة الجوع ، وإفادة القوة والسمن فى البدن . أو أريد: أن لا طعام لهم أصلا ، لأن الضريع ليس بطعام للبهائم ، فضلا عن الإِنس ، لأن الطعام ما أشبع أو أسمن ، وهما منه بمعزل ، كما تقول : ليس لفلان ظل إلا الشمس . تريد : نفى الظل على التوكيد .. (١). وبعد هذا الحديث المؤثر عن الكافرين وسوء عاقبتهم .. جاء الحديث عن المؤمنين ونعيمهم ، فقال - تعالى -: ﴿ وجوه يومئذ ناعمة . لسعيها راضية . فى جنة عالية ﴾. قال الآلوسى: قوله : ﴿وجوه يومئذ ناعمة ﴾ شروع فى رواية حديث أهل الجنة، وتقديم حكاية أهل النار ، لأنه أدخل فى تهويل الغاشية ، وتفخيم حديثها ، ولأن حكاية حُسْنٍ حال أهل الجنة ، بعد حكاية سوء أهل النار ، مما يزيد المحكى حسنا وبهجة .. وإنما لم تعطف هذه الجملة على تلك الجملة ، إيذانا بكمال التباين بين مضمونهما .. (٢). أى : وجوه كثيرة تكون يوم القيامة ، ذات بهجة وحسن ، وتكون متنعمة فى الجنة بما أعطاها - سبحانه - من خير عميم ، جزاء عملها الصالح فى الدنيا . لسعيها راضية ﴾ أى: لعملها الذى عملته فى الدنيا راضية ، لأنها قد وجدت من الثواب عليه فى الآخرة ، أكثر مما كانت تتوقع وترجو . فالمراد بالسعى : العمل الذى كان يعمله الإنسان فى الدنيا ، ويسعى به من أجل الحصول على رضا خالقه، وهو متعلق بقوله ﴿راضية﴾. وقدم عليه للاعتناء بشأن هذا السعى. وقوله - تعالى -: ﴿ فى جنة عالية ﴾ بيان لسمو مكانتهم . أى: هم كائنون فى جنة (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧٤٢ . (٢) تفسير الآلوسى جـ ٣٠ ص ١١٤ . عمـ ٣٧٦ المجلد الخامس عشر عالية ، مرتفعة المكان والمكانة . فقد وصفت الجنة بالعلو ، للمبالغة فى حسنها وفى علو منزلتها ، فقد جرت العادة أن تكون أحسن الجنات ، ما كانت مرتفعة على غيرها . ثم وصف - سبحانه - هذه الجنة بجملة من الصفات الكريمة فقال: ﴿ لا تسمع فيها لاغية﴾. أى: لا تسمع فى هذه الجنة كلمة ذات لغو. واللغو: هو الكلام الساقط الذى لا فائدة فيه . أى : أنك - أيها المخاطب - لا تسمع فى الجنة إلا الكلام الذى تسر له نفسك ، وتقرُّ به عينك ، فلفظ اللاغية هنا : مصدر بمعنى اللغو ، مثل الكاذبة للكذب ، وهو صفة لموصوف محذوف . فيها عين جارية ﴾ أى : فى هذه الجنة عيون تجرى بالماء العذب الزلال المتدفق . قال صاحب الكشاف : قوله: ﴿ فيها عين جارية﴾ يريد عيونا فى غاية الكثرة ، كقوله : ﴿ علمت نفس ماقدمت وأخرت ﴾ . فالمراد بالعين هنا : جنس العيون ، وبالجارية : التى لا ينقطع ماؤها .. ﴿ فيها سرر مرفوعة ﴾ أى : فى الجنة أماكن يجلس عليها أهلها جلوسا مرتفعا عن الأرض . وينامون فوقها نوما هادئا لذيذا .. والسرر : جمع سرير ، وهو الشىء ذو القوائم المرتفعة الذى يتخذ للجلوس والاضطجاع . ووصف - سبحانه - هذه السرر بالارتفاع ، لزيادة تصوير حسنها . وأكواب موضوعة﴾ والأكواب جمع كوب . وهو عبارة عن الإِناء الذى تشرب فيه الخمر . أى : وفى الجنة أكواب كثيرة قد وضعت بين أيدى أهلها ، بحيث يشربون من الخمر التى وضعت فيها ، دون أن يجدوا أى عناء فى الحصول عليها . ونمارق مصفوفة ﴾ والنارق : جمع مرقة - بضم النون وسكون الميم وضم الراء - ، وهى الوسادة الصغيرة التى يتكىء عليها الجالس والمضجع . أى : وفى الجنة وسائد كثيرة ، قد صف بعضها إلى جانب بعض صفا جميلا ، بحيث يجدها الجالس قريبة منه فى كل وقت . وزرابى مبثوثة ﴾ والزرابى جمع زربية - بتثليث الزاى - وهى البساط الواسع الفاخر ، أو ما يشبهه من الأشياء الثمينة التى تتخذ للجلوس عليها . والمبثوثة : أى : المنتشرة على الأرض ، من البث بمعنى النشر ، كما فى قوله - تعالى -: ﴿وبث فيها من كل دابة ﴾. أى : وفيها بسط فاخرة جميلة .. مبسوطة فى كل مكان ، ومتفرقة فى كل مجلس . فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف الجنة التى أعدها - سبحانه - لعباده المتقين ، بعدد من الصفات الكريمة المتنوعة . ٠ ٣٧٧ سورة الغاشية وصفها بأنها عالية فى ذاتها ، وبأنها خالية من الكلام الساقط ، وبأن مياهها لا تنقطع ، وبأن أثاثها فى غاية الفخامة ، حيث اجتمع فيها كل ما هو مريح ولذيذ . نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا من أهلها . ثم ساق - سبحانه - أنواعا من الأدلة المشاهدة ، التى لا يستطيع أحد إنكارها ، ليلفت أنظار الناس إلى مظاهر قدرته ووحدانيته . فقال - تعالى -: ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت . وإلى السماء كيف رفعت . وإلى الجبال كيف نصبت . وإلى الأرض كيف ٠ سطحت والاستفهام للتقريع والتوبيخ ، والتحريض على التأمل والتفكر ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام ، والمراد بالنظر : التدبر فى تلك المخلوقات ، فإن من شأن هذا التدبر ، أنه يؤدى إلى الاعتبار والانتفاع .. والخطاب لأولئك الكافرين الجاهلين ، الذين أمامهم الشواهد الواضحة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، ومع ذلك لم ينتبهوا لها . والمعنى : أيستمر هؤلاء الكافرون فى جهلهم وضلالهم ، وفى إنكارهم لأمر البعث والحساب والجزاء .. فلا ينظرون نظر اعتبار وتأمل ، إلى الإِبل - وهى أمام أعينهم - كيف خلقها الله - تعالى - بهذه الصورة العجيبة ، وأوجد فيها من الأعضاء المتناسقة ، ومن التكوين الخِلْقِى ، ما يجعلها تؤدى وظيفتها النافعة لبنى آدم ، على أكمل وجه ، فمن لبنها يشربون ، ومن لحمها يأكلون ، وعلى ظهرها يسافرون ، وأثقالهم عليها يحملون . وخص - سبحانه - الإِبل بالذكر من بين سائر الحيوانات ، لأنها أعز الأموال عند العرب ، وأقربها إلى مألوفهم وحاجتهم ، وأبدعها خلقا وهيئة وتكوينا . قال صاحب الكشاف : قوله - تعالى -: ﴿ أفلا ينظرون إلى الإِبل﴾ نظر اعتبار كيف خلقت ﴾ خلقا عجيبا ، دالا على تقدير مقدر ، شاهدا بتدبير مدبر ، حيث خلقها للنهوض بالأثقال ، وجرها إلى البلاد الشاحطة . أى البعيدة ، فجعلها تبرك حتى تحمل عن قرب ويسر ، ثم تنهض بما حملت ، وسخرها منقادة لكل من اقتادها بأزمتها ، لا تعارض ضعيفا ، ولا تمانع صغيرا . فإن قلت : كيف حسن ذكر الإِبل ، مع السماء والجبال والأرض ، ولا مناسبة ؟ .. · قلت : قد انتظم هذه الأشياء ، نظر العرب فى أوديتهم وبواديهم ، فانتظمها الذكر على حسب ما انتظمها نظرهم .. (١) . ( ١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧٤٥ . ٣٧٨ المجلد الخامس عشر وقوله - تعالى -: ﴿وإلى السماء كيف رفعت ﴾ أى: وهلا نظروا إلى السماء نظر اعتبار واتعاظ ، فعرفوا أن الذى خلقها هذا الخلق البديع ، بأن رفعها بدون أعمدة .. هو الله - عز وجل - . ﴿ وإلى الجبال كيف نصبت ﴾ أى : كيف وجدت بهذا الوضع الباهر بأن نصبت على وجه الأرض نصبا ثابتا راسخا . يحمى الأرض من الاضطراب والتزلزل . وإلى الأرض كيف سطحت ﴾ أى : كيف سويت وفرشت وبسطت بطريقة تجعل الناس يتمكنون من الانتفاع بخيرها ، ومن الاستقرار عليها ، وهذا لا ينافى كونها كروية ، لأن الكرة إذا اشتد عظمها .. كانت القطعة منها كالسطح فى إمكان الانتفاع بها . وبعد هذا التوبيخ لأولئك المشركين الذين عموا وصموا عن الحق ، ولم ينتبهوا لآيات الله - تعالى - الدالة على قدرته ووحدانيته .. أمر الله - تعالى - نبيه - بصل - ، أن يداوم على التذكير بدعوة الحق، فقال: ﴿ فذكر إنما أنت مذكر . لست عليهم بمصيطر ﴾. والفاء فى قوله ﴿ فذكر﴾ للتفريع، وترتيب ما بعدها على ما قبلها . والأمر مستعمل فى طلب الاستمرار والدوام فى دعوته الناس إلى الحق، ومفعول: ((فذكر)) محذوف للعلم به . وجملة ((إنما أنت مذكر)) تعليل للأمر بالمواظبة على تبليغ الناس ما أمره بتبليغه . والمصيطر : هو المتسلط ، المتجبر ، الذى يجبر الناس على الانقياد لما يأمرهم به . وقد قرأ الجمهور هذا اللفظ بالصاد ، وقرأ ابن عامر بالسين . أى : إذا كان الأمر كما بينا لك - أيها الرسول الكريم - من أحوال الناس يوم الغاشية ، ومن أننا نحن الذين أوجدنا هذا الكون بقدرتنا .. فداوم - أيها الرسول الكريم - على دعوة الناس إلى الدين الحق ، فهذه وظيفتك التى لا وظيفة لك سواها ، وكِلّ أمرهم بعد ذلك إلينا ، فأنت لست بمجبر لهم أو مكره إياهم على اتباعك ، وإنما أنت عليك البلاغ ونحن علينا الحساب . وقوله - سبحانه -: ﴿ إلا من تولى وكفر. فيعذبه الله العذاب الأكبر ﴾ كلام معترض بين قوله: ﴿ فذكر ... ) وبين قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿إن إلينا إيابهم ﴾ والاستثناء فيه استثناء منقطع، و((إلا)) بمعنى لكن، و ((مَنْ)) موصولة مبتدأ .. والخبر. ((فيعذبه الله العذاب الأكبر )) .. أى: داوم - أيها الرسول الكريم - على التذكير .. لكن من تولى وأعرض عن تذكيرك وإرشادك ، وأصر على كفره ، فنحن الذين سنتولى تعذيبهم تعذيبا شديدا . ٣٧٩ سورة الغاشية ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله : ﴿إن إلينا إيابهم . ثم إن علينا حسابهم ﴾ . وهاتان الآيتان تعليل لقوله - تعالى - قبل ذلك ﴿ لست عليهم بمصيطر ﴾. والإياب مأخوذ من الأوب بمعنى الرجوع إلى المكان الذى كان فيه قبل ذلك . والمراد به هنا : الرجوع إلى الله - تعالى - يوم القيامة للحساب والجزاء . أى : داوم - أيها الرسول الكريم - على تذكير الناس بدعوة الحق ، بدون إجبار لهم ، أو : تُسلط عليهم ، واتركهم بعد ذلك وشأنهم .. فإن إلينا وحدنا رجوعهم بعد الموت لا إلى أحد سوانا ، ثم إن علينا وحدنا - أيضا - حسابهم على أعمالهم ، ومجازاتهم عليها بالجزاء الذى نراه مناسبا لهم . وصدر - سبحانه - الآيتين بحرف التأكيد ((إن)) وعطف الثانية على الأولى بحرف ((ثم)) المفيد للتراخى فى الرتبة، وقدم خبر ((إن)) فى الجملتين على اسمها .. لإفادة التهديد والوعيد ، وتأكيد أن رجوعهم إليه - تعالى - أمر لاشك فيه . وأن حسابهم يوم القيامة سيكون حسابا عسيرا ، لأنه صادر عمن لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا في السماء . نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من عباده الصالحين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. القاهرة - مدينة نصر مساء الجمعة ٥ من صفر سنة ١٤٠٧ هـ ١٠ من أكتوبر سنة ١٩٨٦ م