النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ سورة البروج بِسْمِ اللهُ الرّحمَنّ الرَّحِيمِ تفسير سورة البروج مقدمة وتمهيد ١ - سورة ((البروج)) من السور المكية الخالصة، وتسمى سورة ((السماء ذات البروج)) فقد أخرج الإمام أحمد عن أبى هريرة ، أن رسول الله - وَله - كان يقرأ فى العشاء الآخرة ، بالسماء ذات البروج . وعدد آياتها: اثنتان وعشرون آية. وكان نزولها بعد سورة ((والشمس وضحاها)» وقبل سورة ((والتين والزيتون)). ٢ - والسورة الكريمة من أهم مقاصدها : تثبيت المؤمنين ، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم ، عن طريق ذكر جانب مما تحمله المجاهدون من قبلهم ، فكأن الله - تعالى - يقول للنبى - 18 - ولأصحابه: اصبروا كما صبر المؤمنون السابقون ، واثبتوا كما ثبتوا ، فإن العاقبة ستكون لكم . كما أن السورة الكريمة ساقت الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، ونفاذ أمره . ٣٤٢ المجلد الخامس عشر ٠ -.. التفسير قال الله - تعالى - : ـمِاللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحْمِ ١٠٤ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ، وَاَلْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ، وَشَاهِدٍوَمَشْهُودٍ قُتِلَ أَصْحَبُ الْأُخْدُودِ نَ النَّارِذَاتِ الْوَقُودِ ، إِذْهُرْ عَلَيْهَا ٣ قُعُودٌ ، وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ، وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْإِلَّ أَنْ يُؤْمِنُواْبِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) الَّذِى لَهُمُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِدُ إِنَّ الَّذِينَ فَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَأْمُؤْمِنَتِ ثُمَ لَ بَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَّمَ وَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ) إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن ◌َّحْتِهَا الْأَنْهَرُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيُ ﴿ إِنَّبَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴿١) إِنَّهُ هُوَبْدِئُ وَيُعِيدُ ﴿١) وَهُوَ الْغَفُورُالْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (٥) فَعَالٌ لِمَايُرِدُ ، هَلْ أَنَنكَ حَدِيثُ الْجُودِ افِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ ، وَاللَّهُ مِنْ وَرَآءِهِمْ مُحِيطٌّ بَلْ هُوَقُرْءَانْ تَجِيدٌ فِى لَوْج ◌َمَحْفُوظِ ٢٢ والبروج : جمع برج. وهى فى اللغة : القصور العالية الشامخة ، ويدل لذلك ... . ٣٤٣ سورة البروج قوله - تعالى - ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة﴾ أى: ولو كنتم فى قصور عظيمة محصنة . والمراد بها هنا : المنازل الخاصة بالكواكب السيارة ، ومداراتها الفلكية الهائلة ، وهى اثنا عشر منزلا : الحمل ، والثور، والجوزاء ، والسرطان ، والأسد ، والسنبلة ، والميزان ، والعقرب ، والقوس ، والجدى ، والدلو ، والحوت . وسميت بالبروج ، لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لساكنيها . قال القرطبى : قوله: ﴿والسماء ذات البروج﴾: قسم أقسم الله - عز وجل - به . وفى البروج أربعة أقوال : أحدها : ذات النجوم . الثانى : ذات القصور .. الثالث : ذات الخَلقْ الحسن. الرابع: ذات المنازل .. وهى اثنا عشر منزلا .. (١). وقوله: ﴿ واليوم الموعود﴾ المقصود به: يوم القيامة، لأن الله - تعالى - وعد الخلق به ، ليجازى فيه الذين أساءوا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى . وقوله : ﴿وشاهد ومشهود﴾ قسم ثالث ببعض مخلوقاته - تعالى - . والشاهد اسم فاعل من المشاهدة بمعنى الرؤية ، فالشاهد هو الرائى ، أو المخبر غيره عما رآه وشاهده . والمشهود : اسم مفعول ، وهو هنا الشىء المرئى ، أو المشهود عليه بأنه حق . فالمراد بالشاهد : من يحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين ، وما يراه فيه من عجائب وأهوال ، من المشاهدة بمعنى الرؤية والحضور ، أو من يشهد فى ذلك اليوم على غيره ، من الشهادة على الخصم . وقد ذكر المفسرون فى معنى هذين اللفظين ، ما يقرب من عشرين وجها . قال صاحب الكشاف وقوله : ﴿وشاهد ومشهود ﴾ يعنى: وشاهد فى ذلك اليوم ومشهود فيه . والمراد بالشاهد : من يشهد فيه من الخلائق كلهم . وبالمشهود : ما فى ذلك اليوم من عجائبه . ثم قال : وقد اضطربت أقوال المفسرين فيهما ، فقيل : الشاهد والمشهود : محمد - رَ﴿ - ويوم القيامة. وقيل: عيسى وأمته. وقيل: أمة محمد - وص له - وسائر الأمم . وقيل : يوم التروية ويوم عرفة . وقيل: يوم عرفة ويوم الجمعة . وقيل : الحجر الأسود. والحجيج. وقيل: الأيام والليالى . وقيل: الحفظة وبنو آدم .. (٢). (١) تفسير القرطبى جـ ١٩ ص ٢٨٣ . ٦ ( ٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧٢٩ . ٣٤٤ المجلد الخامس عشر ويبدو لنا أن أقرب الأقوال إلى الصواب : أن المراد بالشاهد هنا : الحاضر فى ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة ، والرائى لأهواله وعجائبه . وأن المراد بالمشهود : ما يشاهد فى ذلك اليوم من أحوال يشيب لها الولدان . وقال - سبحانه - ﴿ وشاهد ومشهود ﴾ بالتنكير ، لتهويل أمرهما ، وتفخيم شأنهما . وقوله - تعالى - ﴿ قتل أصحاب الأخدود ﴾ جواب القسم بتقدير اللام وقد . أى : وحق السماء ذات البروج ، وحق اليوم الموعود ، وحق الشاهد والمشهود ، لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود ، وطردوا من رحمة الله بسبب كفرهم وبغيهم . والأخدود : وهو الحفرة العظيمة المستطيلة فى الأرض ، كالخندق ، وجمعه أخاديد ، ومنه الخد لمجارى الدمع ، والمخدة : لأن الخد يوضع عليها . ويقال : تحدد وجه الرجل ، إذا صارت فيه التجاعيد .. ومنه قول الشاعر : ووجه كأن الشمس ألقت رداءها عليه، نقى اللون لم يتخدد وقيل : إن جواب القسم محذوف ، دل عليه قوله - تعالى - : ﴿ قتل أصحاب الأخدود ﴾ كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة لملعونون كما لعن أصحاب الأخدود . وأصحاب الأخدود : هم قوم من الكفار السابقين ، حفروا حفرا مستطيلة فى الأرض ، ثم أضرموهما بالنار ، ثم ألقوا فيها المؤمنين ، الذين خالفوهم فى كفرهم ، وأبوا إلا إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده . وقوله - سبحانه -: ﴿ النار ذات الوقود ﴾ بدل اشتمال مما قبله وهو الأخدود . والوقود : اسم لما توقد به النار كالحطب ونحوه . وذات الوقود : صفة للنار . أى : قتل وطرد من رحمة الله أصحاب الأخدود ، الذين أشعلوا فيه النيران ذات اللهب الشديد ، لكى يلقوا المؤمنين فيها . والظرف فى قوله - تعالى - ﴿إذ هم عليها قعود ﴾ متعلق بقوله - تعالى - : قتل﴾. أى: لعنوا وطردوا من رحمة الله، حين قعدوا على الأخدود ، ليشرفوا على من يعذبونهم من المؤمنين . فالضمير (( هم)) يعود على أولئك الطغاة الذين كانوا يعذبون المؤمنين ويجلسون على حافات الأخدود ليروهم وهم يحرقون بالنار ، أو ليأمروا أتباعهم وزبانيتهم بالجد فى التعذيب حتى لا يتهاونوا فى ذلك . ٣٤٥ سورة البروج و ﴿ على﴾ للاستعلاء المجازى، إذ من المعلوم أنهم لا يقعدون فوق النار، وإنما هم يقعدون حولها ، لإِلقاء المؤمنين فيها . وجملة ﴿ وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود ﴾ فى موضع الحال من الضمير فى قوله : إذ هم عليها قعود ﴾. أى: أن هؤلاء الطغاة الظالمين ، لم يكتفوا بإشعال النار ، والقعود حولها وهم يعذبون المؤمنين ، بل أضافوا إلى ذلك ، أنهم يشهدون تعذيبهم ، ويرونه بأعينهم على سبيل التشفى منهم ، فقوله ﴿ شهود ﴾ بمعنى حضور، أو بمعنى يشهد بعضهم لبعض أمام ملكهم الظالم ، بأنهم ما قصروا فى تعذيب المؤمنين . وهذا الفعل منهم . يدل على نهاية القسوة والظلم ، وعلى خلو قلوبهم من أى رحمة أو شفقة . قال الآلوسى : وقوله: ﴿ وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود ﴾ أى: يشهد بعضهم لبعض عند الملك ، بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به ، أو يشهدون عنده على حسن ما يفعلون .. أو يشهد بعضهم على بعض بذلك الفعل الشنيع يوم القيامة ، أو يشهدون على أنفسهم بذلك ، كما قال - تعالى -: ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ﴾. وقيل: ((على)) بمعنى مع . أى : وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور، لا يرقون لهم، لغاية قسوة قلوبهم ... ))(١) . ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال : ﴿ وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد . الذى له ملك السموات والأرض ، والله على كل شیء شهید والنقمة هنا بمعنى الإِنكار والكراهية . يقال : نقَم فلان هذا الشىء ، - من باب ضرب - إذا كرهه وأنكره . أى : أن هؤلاء الكافرين ماكرهوا المؤمنين ، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب ، إلا لشىء واحد ، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله - تعالى - صاحب العزة التامة ، والحمد المطلق ، والذى له ملك جميع ما فى السموات والأرض ، وهو - سبحانه - على كل شىء شهيد ورقيب ، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده ، أوحال من أحوالهم . فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين ، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين ، حيث عذبوا المؤمنين ، لا لشىء إلا من أجل إيمانهم بخالقهم ، وكأن الإِيمان فى نظرهم جريمة تستحق الإِحراق بالنار . (١) تفسير الآلوسى جـ ٣٠ ص ٩٠. ٣٤٦ المجلد الخامس عشر وهكذا النفوس عندما يستحوذ عليها الشيطان ، تتحول الحسنات فى نظرها إلى سيئات ، وقديما قال المنكوسون من قوم لوط - عليه السلام - ﴿ أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون والاستثناء فى قوله: ﴿ إلا أن يؤمنوا بالله .. ﴾ استثناء مفصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر ، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كما فى قول القائل : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله، وما أنزلنا إلينا، وما أنزل من قبل ، وأن أكثركم فاسقون ﴾ . قال الإِمام ابن كثير : وقد اختلفوا فى أهل هذه القصة من هم ؟ فعن على ابن أبى طالب : أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم ، فامتنع عليه علماؤهم ، فعمد إلى حفر أخدود ، فقذف فيه من أنكر عليه منهم . وعنه أنهم كانوا قوما من اليمن ، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم ، فتغلب مؤمنوهم على كفارهم ، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين ، فخدوا لهم الأخاديد ، وأحرقوهم فيها . ثم ذكر - رحمه الله - بعد ذلك جملة من الآثار فى هذا المعنى فارجع إليها إن شئت.(١). وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة ، تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإِيمان ، وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم ، وإعلامهم بأن ما نزل بهم من أذى ، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين ، فعليهم أن يصبروا كما صبر أسلافهم ، وقد اقتضت سنته - تعالى - أن يجعل العاقبة للمتقين . ثم هدد - سبحانه - كفار قريش بسوء المصير ، إذا ما استمروا فى إيذائهم للمؤمنين ، فقال - تعالى -: ﴿ إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ، ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم ﴾ . عذاب الحريق وقوله : ﴿ فتنوا﴾ من الفتن، بمعنى الاختبار والامتحان. تقول: فتنت الذهب بالنار ، أى : أدخلته فى النار لتعلم جودته من رداءته ، والمراد به هنا : التعذيب والتحريق بالنار . أى : إن الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات ، وأحرقوهم بالنار ثم لم يتوبوا إلى الله - تعالى - من ذنوبهم ، ويرجعوا عن تعذيبهم للمؤمنين والمؤمنات ، فلهم فى الآخرة عذاب (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٨٧ . ٣٤٧ سورة البروج جهنم ، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم ، ولهم نار أخرى زائدة على غيرها فى الإِحراق . والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات : كفار قريش ، كأبى جهل وأمية ابن خلف . وغيرهما ، فقد عذبوا بلالا ، وعمار بن ياسر ، وأباه وأمه سمية . ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش ، قوله - تعالى -: ﴿ ثم لم يتوبوا﴾ لأن هذه الجملة تحريض على التوبة، وترغيب فيها للكافرين المعاصرين للنبى - * - . ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات ، ويدخل فيه أصحاب الأخدود ، وكفار قريش دخولا أوليا . وجمع - سبحانه - بين عذاب جهنم لهم ، وبين عذاب الحريق ، لبيان أن العذاب لهم مضاعف ، بسبب طغيانهم وشركهم . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب وعطاه كريم فقال : ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا﴾ الأعمال ﴿الصالحات لهم﴾ أى: عند ربهم ﴿جنات تجرى من تحتها الأنهار ﴾ أى تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار ﴿ذلك﴾ العطاء هو الفوز الكبير﴾ الذى لا فوز يضارعه أو يقاربه . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ، ما يدل على نفاذ قدرته ومشيئته ، حتى يزداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم، وصبرا على صبرهم فقال: ﴿إن بطش ربك لشديد ﴾. والبطش : هو الأخذ بقوة وسرعة وعنف . أى : إن بطش ربك - أيها الرسول الكريم - بالظالمين والطغاة لبالغ نهاية القوة والعنف : فمر أصحابك فليصبروا على الأذى ، فإن العاقبة الحسنة ستكون لهم وحدهم . ﴿ إنه هو يبدئُ . ويعيد ﴾ أى: إنه وحده هو الذى يخلق الخلق أولا فى الدنيا ، ثم يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم للحساب والجزاء ، وهو - سبحانه - وحده الذى يبدىء البطش بالكفار فى الدنيا ثم بعيده عليهم فى الآخرة بصورة أشد وأبقى . وحذف - سبحانه - المفعول فى الفعلين ، لقصد العموم ، ليشمل كل ما من شأنه أن يبدأ وأن يعاد من الخلق أو من العذاب أو من غيرهما . وهو الغفور الودود ﴾ أى: وهو - سبحانه - الواسع المغفرة لمن تاب وآمن ، وهو الكثير المحبة والود لمن أطاعه واتبع هداه . ٣٤٨ المجلد الخامس عشر ﴿ ذو العرش المجيد ﴾ أى: وهو - عز وجل - صاحب العرش العظيم، الذى لا يعرف كنهه إلا هو - سبحانه - ، وهو ﴿ المجيد ﴾ أى: العظيم فى ذاته وصفاته. فعال لما يريد ﴾ أى: وهو - تعالى - الذى يفعل كل شىء يريده . دون أن يعترض عليه أحد ، بل فعله هو النافذ ، وأمره هو السارى والمطاع . وجاءت كلمة ((فعال)) بصيغة المبالغة ، للدلالة على أن ما يريده ويفعله - مع كثرته - هو فى غاية النفاذ والسرعة، كما قال - تعالى -: ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فیکون ﴾ . فهذه الصفة من الصفات الجامعة لعظمته الذاتية ، وعظمة نعمه ومننه وعطاياه . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ، ما يدل على شدة بطشه ، ونفاذ أمره فقال: ﴿ هل أتاك حديث الجنود . فرعون وثمود ﴾ . والاستفهام هنا : للتقرير والتهويل . والمراد بالجنود : الجموع الكثيرة التى عتت عن أمر ربها ، فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر ، وقوله: ﴿فرعون وثمود﴾ بدل من الجنود. والمراد بفرعون وثمود: ملؤهما وقومهما الذين آثروا الغى على الرشد ، والضلالة على الهداية ، والباطل على الحق . أى : لقد بلغك - أيها الرسول الكريم - حديث فرعون الذى طغى وبغى ، واتبعه قومه فى طغيانه وبغيه ، وحديث قوم صالح - عليه السلام - وهم الذين كذبوا نبيهم . وآذوه ، وعقروا الناقة التى نهاهم عن أن يمسوها بسوء . وكيف أنه - سبحانه - قد دمر الجميع تدميرا شديدا ، جزاء كفرهم وبغيهم. وخص - سبحانه - جند فرعون وثمود بالذكر ، لأنهم كانوا أشد من غيرهم بغيا وظلما ، ولأنهم كانت قصصهم معروفة لأهل مكة أكثر من غيرهم . وقوله - سبحانه -: ﴿بل الذين كفروا فى تكذيب . والله من ورائهم محيط﴾ إضراب انتقالى، المقصود منه بيان أن هؤلاء المشركين المعاصرين للنبى - وير - لم يتعظوا بمن سبقهم . أى : لقد كانت عاقبة جنود فرعون وثمود ، الهلاك والدمار، بسبب إصرارهم على كفرهم ، ولكن قومك - أيها الرسول - لم يعتبروا بهم ، بل استمروا فى تكذيبهم لك ، وفى إعراضهم عنك .. واعلم أن الله - تعالى - محيط بهم إحاطة تامة ، ولن يفلتوا من عقابه بأية حيلة من الحيل ، فهم تحت قبضته وسلطانه ، وسينزل بهم بأسه فى الوقت الذى يريده . وقوله - تعالى - ﴿ بل هو قرآن مجيد، فى لوح محفوظ﴾ إضراب انتقالى آخر، من ٣٤٩ سورة البروج بيان شدة تكذيبهم للحق ، إلى بيان أن القرآن الكريم هو كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . أى : ليس الأمر كما قال هؤلاء المشركون فى القرآن من أنه أساطير الأولين .. بل الحق أن هذا القرآن هو كلام الله - تعالى - البالغ النهاية فى الشرف والرفعة والعظمة . وأنه كائن فى لوح محفوظ من التغيير والتبديل ، ومن وصول الشياطين إليه . ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم كائن فى لوح محفوظ ، إلا أننا نفوض معرفة حقيقة هذا اللوح وكيفيته إلى علمه - تعالى - ، لأنه من أمر الغيب الذى تفرد الله - تعالى - بعلمه .. وما قيل فى وصف هذا اللوح لم يرد به حديث صحيح يعتمد عليه . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. القاهرة - مدينة نصر : مساء الخميس : ٢٩ من المحرم سنة ١٤٠٧ هـ ٣ من أكتوبر سنة ١٩٨٦ م ٣٥١ سورة الطارق بِسْم اللهُ الرَّحْمَنّ الرَّحِيم - --------- ٦ تفسير سورة الطارق مقدمة وتمهيد ١ - سورة ((الطارق)) من السور المكية ، وعدد آياتها سبع عشرة آية ، وكان نزولها بعد سورة ((البلد)) وقبل سورة ((القمر)) وهى السورة السادسة والثلاثون، فى ترتيب النزول ، أما فى المصحف ، فهى السورة السادسة والثمانون . وكان النبى - وَه - يقرأ بها كثيراً، فقد أخرج الإِمام أحمد عن أبى هريرة ، أن رسول الله - ول) - كان يقرأ فى العشاء الآخرة ((بالسماء ذات البروج، والسماء والطارق)). وأخرج - أيضاً - عن خالد بن أبى جبل العدوانى: أنه أبصر رسول الله - وَ لخر - فى مُشْرَق - بضم الميم - ثقيف . - أى فى سوق ثقيف - وهو قائم على قوس أو عصى . حين أتاهم يبتغى عندهم النصر . فسمعته يقول: ﴿والسماء والطارق﴾ حتى ختمها. قال: فوعيتها فى الجاهلية ثم قرأتها فى الإِسلام . قال : فدعتنى ثقيف فقالوا : ماذا سمعت من هذا الرجل ؟ فقرأتها عليهم . فقال من معهم من قريش : نحن أعلم بصاحبنا لو كنا نعلم أن ما يقول حقا لا تبعناه .(١) . -- ٢ - والسورة الكريمة من مقاصدها: إقامة الأدلة على وحدانية الله - تعالى - ، وعلى كمال قدرته ، وبليغ حكمته ، وسعة علمه ، وإثبات أن هذا القرآن من عنده - تعالى - ، وأن العاقبة للمتقين . (١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٩٥ . ٣٥٢ المجلد الخامس عشر التفسير قال الله - تعالى - : ١٠١ اَللَّهِالرَّحْمنِ الرَّحْمِ وَالسَِّ وَالطَارِقِ (١) وَمَا أَذْرَتِكَ مَا الطّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ ، إِذَ كُلُّ نَفْسِ لََّ عَلَيْهَا حَافِظٌ ، فَيْتُظِ الْإِنْسَنُ مِنَّ خُلِقَ ٥ خُلِقَ مِن ◌َّآءِ دَافِقٍ( ٢) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتََّآيِبِ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِ لَقَادٌِّ » يَوْمَ بْلَى السَّرَآئِرُ ، فَلَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ ، وَالسَّمَاءِ ذَاتِ أَلَّجْ (١) وَاَلْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ، وَمَا هُوَ بِالْهَزَِّ(٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُ ونَ كَيَّدَا وَأَكِيدُ كَيْدًا فَهِلِ اَلْكَفِرِينَ أَمْهِلَهُمْ رُوَبَدً ا والطارق : اسم فاعل من الطروق . والمراد به هنا : النجم الذى يظهر ليلا فى السماء . قال القرطبى ما ملخصه : الطارق : النجم ، اسم جنس سمى بذلك لأنه يطرق ليلا ، ومنه الحديث: نهى النبى - وَ ال﴿ - أن يطرق المسافر أهله ليلا .. والعرب تسمى كل قاصد فى الليل طارقا . يقال : طرق فلان ، إذا جاء ليلا .. وأصل الطرق : الدق ، ومنه سميت المطرقة ، فسمى قاصد الليل طارقا ، لا حتياجه فى الوصول إلى الدق . وفى الحديث: ((أعوذ بك من طوارق الليل والنهار، إلا طارقا يطرق بخير يارحمن .. ))(١). وقوله - تعالى -: ﴿وما أدراك ما الطارق﴾ تنويه بشأنه إثر تفخيمه بالإِقسام به ، فالاستفهام مستعمل فى تعظيم أمره . (١) راجع تفسير القرطبى جـ ٢٠ ص ٢ . ٣٥٣ سورة الطارق وقد جاء التعبير بقوله - تعالى -: ﴿ وما أدراك ... ﴾ ثلاث عشرة مرة فى القرآن الكريم ، كلها جاء الخبر بعدها - كما هنا - ، وكما فى قوله - تعالى - ﴿ وما أدراك ماسقر لا تبقى ولا تذر. لواحة للبشر﴾ وكما فى قوله - سبحانه -: ﴿ وما أدراك ما يوم الدين. · ثم ما أدراك ما يوم الدين. يوم لا تملك نفس لنفس شيئا .. ﴾ إلا واحدة لم يأت الخبر بعدها ، وهى قوله - تعالى -: ﴿ الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة .. ﴾. أما التعبير بقوله - تعالى -: ﴿ وما يدريك ... ﴾ فقد جاء ثلاث مرات ، ولم يأت الخبر بعد واحدة من هذه المرات . قال - تعالى - : ﴿ وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا ﴾. وما يدريك لعل الساعة قريب﴾، ﴿وما يدريك لعله يزكى﴾. قال القرطبى : قال سفيان : كل ما فى القرآن وما أدراك فقد أخبر به ، وكل شىء قال فيه : وما يدريك ، لم يخبر به . وقوله ﴿ النجم الثاقب ﴾ بيان وتفسير للطارق، والثاقب . أى : المضىء الذى يثقب الظلام ويخرقه بنوره فينفذ فيه ، ويبدده . : والجملة الكريمة مستأنفة ، وهى جواب عن سؤال مقدر نشأ مما قبله ، كأنه قيل : وما هو الطارق ؟ فكان الجواب : هو النجم الثاقب . وقوله - سبحانه -: ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ ﴾ جواب القسم وما بينهما كلام معترض لتفخيم شأن المقسم به .. والحافظ : هو الذى يحفظ ما كلف بحفظه ، لمقصد معين . أى : وحق السماء البديعة الصنع ، وحق النجم الذى يطلع فيها فيبدد ظلام الليل ، ما كل نفس من الأنفس إلا وعليها من الملائكة من يحفظ عملها ويسجله ، سواء أكان هذا العمل خيرا أم شرا . قال الإِمام الشوكانى ما ملخصه: قرأ الجمهور بتخفيف الميم فى قوله: لما، فتكون ((إن)) مخففة من الثقيلة ، فيها ضمير الشأن المقدر، وهو اسمها ، واللام هى الفارقة - بين ((إن)) النافية، و((إن)) المخففة من الثقيلة - وما مزيدة. أى: إن الشأن كل نفس لعليها حافظ . وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بتشديد الميم فى قوله ﴿لما﴾، فتكون ((إن)) نافية ، و(( لما)) بمعنى إلا. أى: ما كل نفس إلا عليها حافظ . والحافظ : هم الحفظة من الملائكة الذين يحفظون عليها عملها وقولها وفعلها . وقيل : الحافظ هو اللّه - تعالى - وقيل: هو العقل يرشدهم إلى المصالح . ٣٥٤ المجلد الخامس عشر والأول أولى لقوله - تعالى -: ﴿ويرسل عليكم حفظة) وقوله: ﴿وإن عليكم المحافظين﴾. وحفظ الملائكة إنما هو من حفظه - تعالى - ، لأنهم لا يحفظون إلا بأمره - عز وجل - (١). والمقصود من الآية الكريمة : تحقيق تسجيل أعمال الإِنسان عليه ، وأنه سيحاسب عليها وسيجازى عليها بما يستحقه من ثواب أو عقاب . وبعد أن بين - سبحانه - أن كل نفس عليها حافظ يسجل عليها أعمالها ، أتبع ذلك بأمر الإِنسان بالتفكر فيما ينفعه ، بأن يعتبر بأول نشأته ، وليعلم أن من خلقه من ماء مهين ، قادر على إعادته إلى الحياة مرة أخرى ، فقال - تعالى -: ﴿ فلينظر الإنسان مم خلق . خلق من ماء دافق . يخرج من بين الصلب والترائب .. ﴾. والفاء فى قوله ﴿ فلينظر ... ﴾ للتفريع على ما تقدم ، وهى بمعنى الفصيحة ، وقوله : خلق من ماء دافق ﴾ جواب الاستفهام فى قوله - سبحانه - ﴿ مم خلق ﴾ والمقصود بالاستفهام هنا : الحث والحض على التفكر والتدبر . و((دافق)) اسم فاعل من الدفق، وهو الصب للشىء بقوة وسرعة ، يقال : تدفق الماء إذا سال باندفاع وسرعة . والمراد به هنا : الماء الذى يخرج من الرجل ويصب فى رحم المرأة . والصلب : يطلق على فقار الظهر بالنسبة للرجل ، والترائب : جمع تريبة ، وهى العظام التى تكون فى أعلى صدر المرأة ، ويعبرون عنها بقولهم موضع القلادة من المرأة . أى : إذا كان الأمر كما ذكرت لكم - أيها الناس - ، من أن كل نفس عليها حافظ . يسجل عليها أقوالها وأفعالها .. فلينظر الإِنسان منكم نظر تأمل وتدبر واعتبار ، وليسأل نفسه من أى شىء خلق ؟ لقد خلقه الله - تعالى - بقدرته ، من ماء متدفق ، يخرج بقوة وسرعة من الرجل ، ليصب فى رحم الأنثى . وهذا الماء الدافق من صفاته أنه يخرج من بين صلب الرجل ، ومن بين ترائب المرأة ، حيث يختلط الماءان ، ويتكون منهما الإِنسان فى مراحله المختلفة بقدرة الله - تعالى - . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما وجه اتصال قوله: ﴿ فلينظر ﴾ بما قبله؟. قلت : وجه اتصاله به أنه لما ذكر أن على كل نفس حافظا ، أتبعه بتوصية الإِنسان بالنظر ( ١) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٥ ص ٤١٩ . ٣٥٥ سورة الطارق فى أول أمره . ونشأته الأولى ، حتى يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه ، فيعمل ليوم الإِعادة والجزاء ، ولا يملى على حافظه إلا ما يسره فى عاقبته . و((مم خلق)) استفهام جوابه: ((خلق من ماء دافق))، والدفق: صَبِّ فيه دفع . ومعنى (( دافق)) النسبة إلى الدفق الذى هو مصدر دفق ، كاللابن والتامر . أو الإِسناد المجازى ، ، والدفق فى الحقيقة لصاحبه . ولم يقل ماءين لامتزاجهما فى الرحم، واتحادهما حين ابتدئ فى خلقه ... (١). وقال بعض العلماء : قوله : ﴿ خلق من ماء دافق ﴾ أى : من ماء ذى دفق .. وكل من منى الرجل . ومنى المرأة ، اللذين يتخلق منهما الجنين ، ذو دفق فى الرحم . يخرج من بين الصلب والترائب ﴾ أى: يخرج هذا الماء الدافق ، من بين صلب كل واحد منهما ، وترائب كل منهما . أى : أن أعضاء وقوى كل منهما ، تتعاون فى تكوين ما هو مبدأ لتوالد الإِنسان : ماء الرجل وهو المنى ، ومادة المرأة وهى البويضة المصحوبة بالسائل ، المنصبان بدفع وسيلان سريع إلى الرحم عند الاتصال الجنسى . ويسمى الفقهاء هذه المادة منيا وماء .. (٢). وقال فضيلة الشيخ ابن عاشور: وأطنب - سبحانه - فى وصف هذا الماء الدافق ، لإِدماج التعليم والعبرة بدقائق التكوين ، ليستيقظ الجاهل الكافر ، ويزداد المؤمن علما ويقينا . ووصف بأنه ﴿ يخرج من بين الصلب والترائب﴾، لأن الناس لا يتفطنون لذلك .. وهذا ! من الإِعجاز العلمى فى القرآن ، الذى لم يكن علم به للذين نزل بينهم ، وهو إشارة مجملة ، وقد بينها حديث مسلم عن أم سلمة وعائشة: أن رسول الله - وَلجر - سئل عن احتلام المرأة فقال: ((تغتسل إذا أبصرت الماء . فقيل له : أترى المرأة ذلك ؟ فقال : وهل يكون الشبه إلا من قِبَل ذلك، إذا علا ماءُ المرأة ماءَ الرجل، أشبه الولد أخواله ، وإذا علا ماءُ الرجل ماءها، أشبه أعمامه))(٣) . وقال صاحب الظلال : ولقد كان هذا سرا مكنونا فى علم الله لا يعلمه البشر ، حتى كان . نصف القرن الأخير ، حيث اطلع العلم الحديث على هذه الحقيقة بطريقته ، وعرف أنه فى عظام الظهر الفقارية ، يتكون ماء الرجل . وفى عظام الصدر العلوية يتكون ماء المرأة ، حيث (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧٣٥ . (٢) صفوة البيان جـ ٢ ص ٥٣٠ لفضيلة الشيخ حسنين مخلوف. (٣) راجع تفسير التحرير والتنوير جـ ٣٠ ص ٢٦٣ للشيخ محمد الطاهر بن عاشور. ٣٥٦ المجلد الخامس عشر يلتقيان فى قرار مكين . فينشأ منها الإِنسان .. (١). وقوله - سبحانه -: ﴿ إنه على رجعه لقادر . يوم تبلى السرائر ، فما له من قوة ولا ناصر﴾. بيان لكمال قدرته - تعالى - وأنه كما أنشأ الإنسان من ماء مهين ، قادر على إعادته إلى الحياة بعد موته . والضمير فى قوله: ﴿ إنه ﴾ يعود إلى الله - عز وجل - لأن الخالق للإِنسان من ماء دافق هو الله - تعالى - . والضمير فى قوله ((رجعه)) يعود إلى الإِنسان المخلوق . وقوله: ﴿تبلى﴾ من البلاء بمعنى الاختبار والامتحان، ومنه قوله - تعالى - ﴿إن هذا لهو البلاء المبين ﴾ والمراد بقوله ﴿تبلى ﴾ هنا: الكشف والظهور. ﴿ السرائر﴾ جمع سريرة، وهى ما أسره الإِنسان من أقوال وأفعال، والظرف ((يوم)) ﴿ رجعه ﴾ . متعلق بقوله : أى : إن الله - تعالى - الذى قدر على خلق الإِنسان من ماء دافق . يخرج من بين الصلب والترائب .. لقادر - أيضا - على إعادة خلق هذا الإِنسان بعد موته ، وعلى بعثه من قبره للحساب والجزاء ، يوم القيامة ، يوم تكشف المكنونات ، وتبدو ظاهرة للعيان ، وترفع الحجب بما كان يخفيه الإِنسان فى دنياه من عقائد ونيات وغيرهما . وفى هذا اليوم لا یکون للإِنسان من قوة تحميه من الحساب والجزاء ، ولا یکون له من ناصر ينصره من بأس الله - تعالى - أو من مدافع يدافع عنه . ثم أقسم - سبحانه - مرة أخرى بالسماء على أن القرآن من عنده - تعالى - فقال : والسماء ذات الرجع . والأرض ذات الصدع . إنه لقول فصل . وما هو بالهزل ﴾ . والرجع : المطر . وسمى بذلك لأنه يجىء ويرجع ويتكرر ، وقيل : الرجع هنا : الشمس والقمر والنجوم ، يرجعن فى السماء حيث تطلع من ناحية ، وتغيب فى الأخرى . وقيل : المراد بالرجع : الملائكة ، لأنهم يرجعون إليها حاملين أعمال العباد . والصدع : الشق والانفطار، يقال : تصدع الشىء ، إذا تشقق .. والمراد به هنا : ما تتشقق عنه الأرض من نبات . كما قال - تعالى - : ﴿ أنا صببنا الماء صبا . ثم شققنا الأرض شقا ، فأنبتنا فيها حبا . وعنبا وقضبا ﴾ .. (١) راجع ق ظلال القرآن جـ ٣٠ ص ٥٣٥. ٣٥٧ سورة الطارق أى : وحق السماء صاحبة المطر الذى ينزل من جهتها مرة فأخرى ، لنفع العباد والحيوان والنبات .. وحق الأرض ذات النبات البازغ من شقوقها . إنه﴾ أى: هذا القرآن ﴿ لقول فصل﴾ أى: لقول فاصل بين الحق والباطل، والهدى والضلال . والغى والرشاد .. وقد بلغ النهاية فى ذلك حتى لكأنه نفس الفصل . وما هو بالهزل ﴾ أى: وأن هذا القرآن ، ليس فيه شائبة من شوائب الهزل أو اللعب أو المزاح . بل هو جد كله ، فيجب على كل عاقل ، أن يتبع هداه ، وأن يستجيب لأمره ونهيه . وفى هذه الآيات الكريمة رد بليغ ، على أولئك المشركين الجاهلين ، الذين وصفوا القرآن ، بأنه نزل على الرسول - وَّل - ليهزل به، لأنه يخبرهم بأن الأموات سيعادون إلى الحياة مرة أخرى ، وذلك أمر تستبعده نفوسهم المطموسة . وفى قوله - تعالى -: ﴿ والسماء ذات الرجع . والأرض ذات الصدع ﴾ مقابلة لطيفة ، حيث وصف - سبحانه - السماء والأرض بما يناسبهما ، وبما يشير إلى أن البعث حق ، لأنه كما ينزل المطر من السماء فيحيى الأرض بعد موتها . كذلك يحيى الله - تعالى - بقدرته الأجساد بعد موتها. وعاد الضمير فى قوله ﴿ إنه﴾ إلى القرآن - مع أنه لم يسبق له ذكر - لأنه معلوم من المقام . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ، بتسلية الرسول - وَله - وبتبشيره بحسن العاقبة . فقال - تعالى -: ﴿ إنهم يكيدون كيدا . وأكيد كيدا . فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ﴾ وقوله: ﴿رويدا﴾ تصغير (رُودِ)) بزنة عود - من قولهم: فلان يمشى على رود ، أى: على مهل ، وأصله من رادت الريح ترود ، إذا تجركت حركة ضعيفة . والكيد : العمل على إلحاق الضرر بالغير بطريقة خفية ، فهو نوع من المكر . والمراد به بالنسبة لهؤلاء المشركين: تكذيبهم الرسول - رَيه - ، ولما جاء به من عند ربه ، فكيدهم مستعمل فى حقيقته . والمراد به بالنسبة لله - تعالى - : إمهالهم واستدراجهم ، حتى يأخذهم أخذ عزيز مقتدر ، فى الوقت الذى يختاره ويشاؤه . أى : إن هؤلاء المشركين يحيكون المكايد لإبطال أمرك - أيها الرسول الكريم - ، وإنى أقابل كيدهم ومكرهم بما يناسبه من استدراج من حيث لا يعلمون ، ثم آخذهم أخذ عزيز. مقتدر ، فتمهل - أيها الرسول الكريم - مع هؤلاء المشركين . ولا تستعجل عقابهم . وانتظر ٣٥٨ المجلد الخامس عشر تدبيرى فيهم ، وأمهلهم وأنظرهم ((رويدا)) أى: إمهالا قريبا أو قليلا، فإن كل آت قريب ، وقد حقق - سبحانه - لنبيه وعده بأن جعل العاقبة له ولأتباعه . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. القاهرة - مدينة نصر صباح الاحد ١ من صفر سنة ١٤٠٧ هـ. ٥ من أكتوبر سنة ١٩٨٦ م. ٠٠ ٤٠ ٣٥٩ سورة الأعلى بِسْمِ اللهُ الرّحمَنّ الرَّحِيمِ تفسير سورة الأعلى مقدمة وتمهيد ١ - سورة ((الأعلى)) تسمى - أيضا - بسورة: ((سبح اسم ربك الأعلى))، فقد ثبت -فى الصحيحين أن رسول الله - وَ لير - قال لمعاذ - عندما بلغه أنه يطيل الصلاة وهو يصلى بجماعة: (( أفتان أنت يا معاذ؟ هلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى . والشمس وضحاها. والليل إذا يغشى)) .. ٢ - وسورة ((الأعلى)) من السور التى كان النبى - 18 - يجب قراءتها ، لاشتمالها على تنزيه الله - تعالى - ، وعلى الكثير من نعمه ومننه ، فقد أخرج الإِمام أحمد عن على بن أبى طالب ، قال: كان رسول الله - وَل - يحب هذه السورة. وعن النعمان بن بشير، أن رسول الله - صل١٤ - قرأ فى العيدين: ﴿سبح اسم ربك الأعلى ﴾، و﴿ هل أتاك حديث الغاشية﴾، وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعا . وعن عائشة - رضى الله عنها - أن رسول الله - وسلم - كان يقرأ فى الوتر: ﴿سبح (١) اسم ربك الأعلى ﴾ و﴿ قل يأيها الكافرون﴾ و﴿ قل هو الله أحد ٣ - وعدد آياتها تسع عشرة آيه . وهى من السور المكية الخالصة . قال الآلوسى : والجمهور على أنها مكية ، وعن بعضهم أنها مدنية . والدليل على كونها مكية ، ما أخرجه البخارى عن البراء بن عازب قال : أول من قدم علينا من أصحاب النبى - وَ ل18 - مصعب بن عمير ، وابن أم مكتوم ، فجعلا يقرئاننا (١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٩٩ . ٣٦٠ المجلد الخامس عشر القرآن ، ثم جاء عمار بن ياسر ، وسعد بن أبى وقاص ، وبلال ، ثم جاء عمر بن الخطاب فى عشرين، ثم جاء النبى - ◌َل * - فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشىء فرحهم به ، حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله - 3 18 - قد جاء، فما جاء حتى قرأت ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ فى سور مثلها .. (١). ومما يدل - أيضا - على أن هذه السورة مكية ، بل من أوائل السور المكية ، ما ذكره الإمام السيوطى ، من أن هذه السورة كان ترتيبها فى النزول الثامنة من بين السور المكية ، فقد كان نزولها بعد سورة ((التكوير)) وقبل سورة ((الليل))، بل هناك رواية عن ابن عباس أنها السورة السابعة ، إذ لم يسبقها سوى سورة : العلق ، والمدثر ، والمزمل ، والقلم ، والمسد ، (٢) والتكوير .. ٤ - والسورة الكريمة من أهم مقاصدها : إقامة الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وعلى أنه - تعالى - منزه عن كل نقص ، وإبراز جانب عظيم من نعمه التى لا تحصى ، وامتنانه على نبيه - وجد - بالشريعة السمحة ، وبالقرآن الكريم . ۔ (١) تفسير الآلوسى جـ ٣٠ ص ١٠١. (٢) راجع الإنقان السيوطى جـ ١ ص ٢٧ .