النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١٠
سورة عبس
بِسْمِ اللهُ الرَّحَمَنّ الرَّحِيمِ
تفسير
سورة عبس
مقدمة وتمهيد
١ - سورة ((عبس)) من السور المكية، وتسمى سورة ((الصاخة)) وسورة ((السفرة))
لوقوع هذه الألفاظ فيها .
٢ - وعدد آياتها : اثنتان وأربعون آية فى المصحف الكوفى، وإحدى وأربعون فى
البصرى، وأربعون فى الشامى .. وكان نزولها بعد سورة ((النجم)) وقبل سورة ((القدر))،
فهى تعتبر السورة الثالثة والعشرون فى ترتيب النزول ، أما فى ترتيب المصحف فهى السورة
الثمانون .
وقد افتتحت بإرشاد النبى - عليه - إلى ما يجب عليه نحو ضعفاء المسلمين ، وبإرساء
القاعدة التى يجب على المسلمين أن يتبعوها عند معاملتهم للناس ، والثناء على المؤمنين
الصادقين مهما كان عجزهم وضعفهم والتحذير من إهمال شأنهم .
ثم تذكير المؤمنين بجانب من نعمه - تعالى - عليهم ، لكى يزدادوا شكرا له - تعالى -
على شكرهم ، ثم تذكيرهم أيضا بأهوال يوم القيامة ، وبأحوال الناس فيه .

٢٨٢
المجلد الخامس عشر
%
التفسير
قال الله - تعالى - :
3.1
عَبَسَ وَتَوَلََّ آ أَنْ جَُّ الْأَعْمَى ، وَمَايُدْرِبِكَ لَعَلَّهُ يَزََّى &) أَوْ
يَكَّرُ فَتَفَعَهُ الذِّكْرََ ا أَمَا مَنْأَسْتَغَْ ا فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ))
وَمَا عَلَيَّكَ اَلَآَيَزََّى ، وَأَمَّا مَن بَءَ يَسْعَى ﴾ وَهُوَ يَخْشَى أ ◌َنْتَ
عَنْهُ ثَلَقَّى ◌َ كَلَّا إِنَّهَ نَذْكِرَةٌ آ فَ شَآءَ ذَكَرَهُ (١٠) فِ صُحُفٍ مُكَرَمَةٍ
٣ ◌َّفُوعَةٍ مُطَهَّرَةِ بِأَيَدِى سَفَرَةٍ ١٥ كِرَامٍ بَرٍَ
وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات ملخصها : أن النبى - * - كان
جالسا فى أحد الأيام ، مع جماعة من زعماء قريش يدعوهم إلى الإسلام ، ويشرح لهم تعاليمه ،
فأقبل عبد الله ابن أم مكتوم - وكان كفيف البصر - فقال : أقرئنى وعلمنى مما علمك الله ،
يارسول الله، وكرر ذلك، وهو لا يعلم أن الرسول -* - مشغول بدعوة هؤلاء الزعماء إلى
الإِسلام ، رجاء أن يسلم بسبب إسلامهم خلق كثير ..
فلما أكثر عبد الله من طلبه، أعرض عنه الرسول - * - فنزلت هذه الآيات التى
عاتب الله - تعالى - فيها نبيه - - على هذا الإعراض .. فكان رسول الله - وليد -
" بعد ذلك يكرمه، إذا رآه، ويقول له: ((مرحبا بمن عاتبنى فيه ربى)) ويبسط له رداءه .. (١).
قال الآلوسى : وعبد الله ابن أم مكتوم، هو ابن خال السيدة خديجة ، واسمه عمرو بن
قيس. وأم مكتوم كنية أمه، واسمها عاتكة بنت عبد الله المخزومية، واستخلفه - وَله -
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٤٢.

٢٨٣
سورة عبس
على المدينة أكثر من مرة .. وهو من المهاجرين الأولين . قيل: مات بالقادسية شهيدا يوم فتح
المدائن أيام عمر بن الخطاب - رضى الله عنه .. (١).
ولفظ ((عبس )) - من باب ضرب - مأخوذ من العبوس ، وهو تقطيب الوجه ، وتغير
هيئته مما يدل على الغضب .
وقوله ﴿وتولى﴾ مأخوذ من التولى وأصله تحول الإنسان عن مكانه الذى هو فيه إلى
مكان آخر . والمراد به هنا الإِعراض عن السائل وعدم الإقبال عليه .
وحذف متعلق التولى ، لمعرفة ذلك من سياق الآيات ، إذ من المعروف أن إعراضه
- * - كان عن عبد الله ابن أم مكتوم الذى قاطعه خلال حديثه مع بعض زعماء قريش.
وأل فى قوله - تعالى -: ﴿الأعمى) للعهد. والمقصود بهذا الوصف: التعريف وليس
التنقيص من قدر عبد الله ابن أم مكتوم - رضى الله عنه - وكذلك فى هذا الوصف إيماء إلى
أن له عذرا فى مقاطعة الرسول - وَلجزر - عند حديثه مع زعماء قريش ، فهو لم يكن يراه وهو
يحادثهم ويدعوهم إلى الإِسلام .
وجاء الحديث عن هذه القصة بصيغة الحكاية ، وبضمير الغيبة ، للإشعار بأن هذه القصة ،
من الأمور التى لا يحب الله - تعالى - أن يواجه بها نبيه - رولز - على سبيل التكريم له ،
والعطف عليه ، والرحمة به .
وجملة ﴿وما يدريك لعله يزكى﴾ فى موضع الحال ، وفيها التفات من الغيبة إلى الخطاب،
و((ما)) استفهامية مبتدأ، وجملة ((يدريك)) خبره . والكاف مفعول أول ، وجملة الترجى سادة
مسد المفعول الثانى . والضمير فى ﴿لعله ﴾ يعود إلى عبد الله ابن أم مكتوم المعبر
عنه بالأعمى .
والمعنى : عبس - 13 - وضاق صدره، وأعرض بوجهه، لأن جاءه الرجل الأعمى ،
وجعل يخاطبه وهو مشغول بالحديث مع غيره .
وما يدريك ﴾ أى : وأى شىء يجعلك - أيها الرسول الكريم - داريا بحال هذا
الأعمى الذى عبست فى وجهه ﴿ لعله يزكى﴾ أى: لعله بسبب ما يتعلمه منك يتطهر
ويتزكى، ويزداد نقاء وخشوعا لله رب العالمين ﴿أو﴾ لعله ﴿يذكر﴾ أى: يتذكر ما كان
فى غفلة عنه ﴿ فتنفعه الذكرى﴾ أى : فتنفعه الموعظة التى سمعها منك .
(١) تفسير الآلوسى جـ ٣٠ ص ٣٩.

٢٨٤
المجلد الخامس عشر
قال الألوسى ما ملخصه: وفى التعبير عنه - ◌َله - بضمير الغيبة إجلال له .. كما أن فى
التعبير عنه - ﴿ - بضمير الخطاب فى قوله - تعالى -: ﴿وما يدريك ... ﴾ إكرام له
- أيضا - لما فيه من الإِيناس بعد الإِيحاش والإِقبال بعد الإِعراض .. (١) .
ثم فصل - سبحانه - ما كان منه - * - بالنسبة لهذه القصة فقال : ﴿ أما من
استغنى . فأنت له تصدى . وما عليك أن لا يزكى . وأما من جاءك يسعى . وهو يخشى . فأنت
عنه تلهى﴾ . أى: أما من استغنى عن الإِيمان ، وعن إرشادك - أيها الرسول الكريم -
واعتبر نفسه فى غنى عن هديك .. ﴿ فأنت له تصدى﴾ أى: فأنت تتعرض له بالقبول ،
وبالإصغاء لكلامه ، رجاء أن يسلم ، فيسلم بعده غيره .
يقال: تصدَّى فلان لكذا، إذا تعرَّض له، وأصله تصدَّدَ من الصَّدَد ، وهو ما استقبلك
وصار قبالتك ..
﴿ وما عليك ألا يزكى ﴾ أى: وأى شىء عليك فى أن يبقى على كفره ، بدون تطهر؟ إنه
لا حرج عليك فى ذلك ، فأنت عليك البلاغ ونحن علينا الحساب و﴿ إنك لا تهدي من أحببت
ولكن الله يهدى من يشاء ... ﴾.
و((ما)) نافية و((عليك)) خبر مقدم، وقوله: ﴿ ألا يزكى) مبتدأ مؤخر.
وأما من جاءك يسعى ﴾ أى : من جاءك مسرعا فى طلب الخير والهداية والعلم ، وهو
هذا الأعمى ، الذى لم يمنعه فقدانه لبصره من الحرص على التفقه فى الدين .
وهو يخشى﴾ أى: وهو يخشى الله، ويخاف عقابه، ويرجو ثوابه .
فأنت عنه تلهى﴾ أى : فأنت عنه تتشاغل ، وتفرغ جهدك مع هؤلاء الزعماء ، طمعا
فى إيمانهم .
ويلاحظ أن هذه الآيات الكريمة ، أكثر حدة فى العتاب من سابقتها ، حيث ساق
- سبحانه - هذه الآيات فى صورة أشبه ما تكون بالتعجيب ممن يفعل ذلك ..
ثم ساق - سبحانه - ما هو أشد فى العتاب وفى التحذير فقال: ﴿ كلا إنها تذكرة ﴾ ..
أى : كلا - أيها الرسول الكريم - ليس الأمر كما فعلت ، من إقبالك على زعماء قريش
طمعا فى إسلامهم ، ومن تشاغلك وإعراضك عمن جاء يسعى وهو يخشى ..
الضمير فى قوله ﴿ إنها ﴾ يعود إلى آيات القرآن الكريم، أى: إن آيات القرآن الكريم
(١) تفسير الآلوسى جـ ٣٠ ص ٣٩ .
-

٢٨٥
سورة عبس
لمشتملة على التذكير بالحق ، وعلى الموعظة الحكيمة التى ينبغى على كل عاقل أن يعمل
بموجبها ، وأن يسير بمقتضاها .
﴿ فمن شاء ذكره ﴾ أى: فمن شاء أن يتعظ ويعتبر وينتفع بهذا التذكير فاز وربح، ومن
شاء غير ذلك خسر وضاع ، فالجملة الكريمة لتهديد الذين يعرضون عن الموعظة ، وليست
للتخبير كما يتبادر من فعل المشيئة .
وهى معترضة للترغيب فى حفظ هذه الآيات ، وفى العمل بما اشتملت عليه من هدايات .
وجاء الضمير مذكرا فى قوله : ﴿ فمن شاء ذكره ﴾ لأن التذكرة هنا بمعنى التذكير
والاتعاظ .
أى : فمن شاء التذكير والاعتبار ، تذكر واعتبر وحفظ ذلك دون أن ينساه ..
وقوله : ﴿ فى صحف مكرمة﴾ خبر ثان لقوله ﴿ إنها تذكرة﴾ وما بينهما اعتراض ..
أى: إن آيات القرآن تذكرة، مثبتة أو كائنة فى صحف عظيمة ﴿مكرمة﴾ عند الله
- تعالى - لأنها تحمل آياته .
هذه الصحف - أيضا - ﴿ مرفوعة﴾ أى: ذات منزلة رفيعة ﴿مطهرة) أى: منزهة
عن أن يمسها ما يدنسها .
وهى كائنة ﴿ بأيدى سفرة ﴾ وهم الملائكة الذين جعلهم الله - تعالى - سفراء بينه وبين
رسله : جمع سافر بمعنى سفير . أى : رسول وواسطة ، أو هم الملائكة الذين ينسخون ويكتبون
هذه الآيات بأمره - تعالى - جمع سافر بمعنى كاتب ، يقال : سفَر فلان يَسْفِرِه ، إذا كتبه .
كرام بررة ﴾ أى: هذه الآيات بأيدى سفرة من صفاتهم أنهم مكرمون ومعظمون عنده
- تعالى - ، وأنهم أتقياء مطيعون للّه - تعالى - كل الطاعة ، جمع بَرّ ، وهو من كان كثير
الطاعة والخشوع لله - عز وجل - ..
هذا والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة يراها قد اشتملت على كثير من الآداب والأحكام ،
ومن ذلك : أن شريعة الله - تعالى - تجعل التفاضل بين الناس ، أساسه الإِيمان والتقوى ،
فمع أن عبدالله ابن أم مكتوم ، كان قد قاطع الرسول - يناير - خلال حديثه مع بعض زعماء
قريش ... ومع أن الرسول - عليه - لم يتشاغل عنه إلا لحرصه على جذب هؤلاء الزعماء إلى
الإِسلام .
مع كل ذلك، وجدنا الآيات الكريمة، تعاتب النبى - وَاله - عتابا تارة فيه رقة. وتارة فيه
شدة . وذلك لأن الميزان الذى أنزله الله - تعالى - للناس مع الرسل ، لكى يبنوا عليه

٢٨٦
المجلد الخامس عشر
حياتهم ، هو: ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
ولقد استجاب الرسول الكريم لهذا التوجيه الحکیم ، فبنی حیاته کلها بعد ذلك على هذا
الميزان العادل، ومن مظاهر ذلك: إكرامه لابن أم مكتوم، وقوله له كلما رآه: («أهلا بمن
عاتبنى فيه ربى)».
وفعل - * - ما يشبه ذلك ، مع جميع المؤمنين الصادقين الذين كانوا من فقراء
المسلمين ، ولم يكونوا أصحاب جاه أو نفوذ أو عشيرة قوية .
لقد جعل زيد بن حارثة - وهو الغريب عن مكة والمدينة - أميرا على الجيش الإِسلامى فى .
، غزوة مؤتة ، وكان فى هذا الجيش عدد كبير من كبار الصحابة .
وقال - وَ﴿ - فى شأن سلمان الفارسى: ((سلمان منا أهل البيت)).
وقال - وَلا - فى شأن عمار بن ياسر، عندما استأذن عليه فى الدخول: ((ائذنوا له.
مرحبا بالطيب المطيب)).
وكان من مظاهر تكريمه لعبدالله بن مسعود ، أن جعله كأنه واحد من أهل بيته .
فعن أبى موسى الأشعرى قال : قدمت أنا وأخى من اليمن ، فمكثنا حينا وما نرى ابن
مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول الله - وَله - من كثرة دخولهم على رسول الله، ولزومهم
له ..
وقال - لر - لأبى بكر الصديق عندما حدث كلام بينه وبين سلمان وصهيب وبلال فى شأن
أبى سفيان : يا أبا بكر لعلك أغضبتهم ، لئن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك .
فقد أخرج الإِمام مسلم فى صحيحه .. أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال فى نفر ،
فقالوا : ما أخذت سيوف الله من عدو اللّه مأخذها ، فقال أبو بكر : أتقولون هذا الشيخ
قريش وسيدهم ؟ .
فأتى النبى - وَ﴿ - فأخبره فقال: (( يا أبا بكر لعلك أغضبتهم ؟ لئن كنت أغضبتهم فقد
أغضبت ربك)) فأتاهم فقال: يا إخوتاه أأغضبتكم؟ قالوا: لا . ويغفر الله لك
يا أخى .. (١).
ولقد سار خلفاؤه - * - على هذه السنة ، فكانوا يكرمون الفقراء ، فأبو بكر - رضى
الله عنه - أذن لصهيب وبلال فى الدخول عليه ، قبل أن يأذن لأبى سفيان وسهيل بن عمرو ..
(١) رياض الصالحين ص ١٤٢. باب: ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفة.
-

٢٨٧
سورة عبس
وعمر - رضى الله عنه - يقول فى شأن أبى بكر: ((هو سيدنا وأعتق سيدنا)) يعنى: بلال
ابن رباح ..
قال صاحب الكشاف عند تفسيره ، لهذه الآيات : ولقد تأدب الناس بأدب اللّه فى هذا تأدبا
حسنا ، فقد روى عن سفيان الثورى - رحمه الله - ، أن الفقراء كانوا فى مجلسه أمراء .. (١).
ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك ، إلى الحديث عن جانب من نعم الله - تعالى - على
خلقه ، وموقفهم من هذه النعم ، فقال - تعالى - :
قُئِلَالْإِفَنُ
مَا أَكْفَرَهُ, ٣ مِنْ أَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ (٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَقَهُ فَقَدَّرَهُ نَ ثُمَّ
السَّبِيلَة ◌َسَّرَمُنْ ثُمَّأَمَافَهُ فَ قَبَهُ. ٦ ثُمَّإِذَاسَ أَنْشَرَهُ. ١ كَلََّ لَمَّا
يَقْضِ مَا أَمَّرَهُ، فَلْيُظُرِاَلْإِنسَنُ إِلَى طَعَامِهِ، (٢٦) أَنَا صَبِّنَا الْعَلَهَ صَبَّا
ثُمَّ ◌َقَقْنَا ◌ْلأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبتَنَا فِيهَا حَنَّا وَعِنَبً وَقَضْبًا
وَزَيْتُونَا وَنَخْلاً * وَحَدَآبِقَ غُلْبًا وَفَكِهَةٌ وَأَبَّا تَ مَنَعَالَّكُمْ
٣٢
وَلِأَنْفَيْكُمْ
قال الإِمام الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما بدأ بذكر القصة المشتملة على ترفع صناديد
قريش على فقراء المسلمين ، عجب عباده المؤمنين من ذلك ، فكأنه قيل : وأى سبب فى هذا
العجب والترفع ؟ مع أن أوله نطفة قذرة ، وآخره جيفة مذرة ، وفيما بين الوقتين حمال عذرة .
فلا عجب أن ذكر الله - تعالى - ما يصلح أن يكون علاجا لعجبهم وما يصلح أن يكون
علاجا لكفرهم ، فإن خلقة الإِنسان يستدل بها على وجود الصانع ، وعلى القول بالبعث
والحشر والنشر .. (٢) .
والمراد بالإِنسان هنا: الإِنسان الكافر الجاحد لنعم ربه. ومعنى ((قتل)): لعن وطرد من
( ١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧٠١ .
( ٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٨ ص ٣٣٤ .

٢٨٨
المجلد الخامس عشر
رحمة الله - تعالى - ، ويصح أن يكون المراد به الجنس ، ويدخل فيه الكافر دخولا أوليا .
أى : لعن وطرد من رحمة الله - تعالى - ذلك الإِنسان الذى ما أشد كفره وجحوده لنعم الله
- تعالى - .
والدعاء عليه باللعن من الله - تعالى - ، المقصود به : التهديد والتحقير من شأن هذا
الإنسان الجاحد ، إذ من المعلوم أن الله - سبحانه - هو الذى يتوجه إليه الناس بالدعاء،
وليس هو - سبحانه - الذى يدعو على غيره ، إذ الدعاء فى العادة إنما يكون من العاجز ،
وجل شأن الله - تعالى - عن العجز .
وجملة ((ما أكفره)» تعليل لا ستحقاق هذا الإِنسان الجاحد التحقير والتهديد .
وهذه الآية الكريمة المتأمل فيها يراها - مع بلوغها نهاية الإيجاز - قد بلغت - أيضا -
نهاية الإِعجاز فى أسلوبها ، حيث جمعت أشد ألوان الذم والتحقير بأبلغ أسلوب وأوجزه .
ولذ قال صاحب الكشاف: ﴿ قتل الإِنسان) دعاء عليه، وهى من أشنع دعواتهم، لأن
القتل قصارى شدائد الدنيا وفظائعها ﴿ ما أكفره ﴾ تعجيب من إفراطه فى كفران نعمة الله،
ولا ترى أسلوبا أغلظ منه ، ولا أخشن متنا ، ولا أدل على سخط ، ولا أبعد فى المذمة ، مع
تقارب طرفيه ، ولا أجمع لِلَائِمَةٍ، على قصر متنه .. (١).
ثم فصل - سبحانه - جانبا من نعمه ، التى تستحق من هذا الإِنسان الشكر لا الكفر
فقال: ﴿ من أى شىء خلقه﴾ أى: من أى شىء خلق الله - تعالى - هذا الإِنسان الكافر
الجحود ، حتى يتكبر ويتعظم عن طاعته ، وعن الإِقرار بتوحيده ، وعن الاعتراف بأن هناك
بعثا وحسابا وجزاء .. ؟ .
ثم وضح - سبحانه - كيفية خلق الإِنسان فقال: ﴿ من نطفة خلقه فقدره ﴾ أى : خلق
الله - تعالى - الإِنسان من نطفة ، أى: من ماء قليل يخرج من الرجل إلى رحم المرأة -
فقدره﴾ أى: فأوجد الله - تعالى - الإِنسان بعد ذلك إيجادا متقنا محكما ، حيث صير
بقدرته النطفة علقة فمضغة .. ثم أنشأه خلقا آخر ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾.
﴿ ثم السبيل يسره﴾ أى: ثم بعد أن خلقه فى أحسن تقويم، ومنحه العقل الذى يتمكن
معه من التفكير السليم . يسر - سبحانه - له طريق النظر القويم ، الذى يميز به بين الحق
والباطل ، والخير والشر، والهدى والضلال .
(١٠) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧٠٣ .

٢٨٩
سورة عبس
قال ابن كثير : قوله : ﴿ ثم السبيل يسره ﴾ قال العوفى عن ابن عباس: ثم يسر عليه
خروجه من بطن أمه . وهكذا قال عكرمة .. واختاره ابن جرير .
وقال مجاهد: هذه الآية كقوله: ﴿إنا هديناه السبيل، إما شاكرا وإما كفورا ﴾ أى:
بيناه له ووضحناه وسهلنا عليه علمه .. وهذا هو الأرجح .. (١).
وجاء العطف ((بثم)) هنا، للإِشعار بالتراخى الرتبى ، لأن تيسير معرفة طريق الخير
والشر، أعجب وأدل على قدرة الله - تعالى - وبديع صنعه من أى شىء آخر .
ولفظ ((السبيل )) منصوب على الاشتغال بفعل مقدر ، أى : ثم يسر السبيل يسره ،
فالضمير فى يسره يعود إلى السبيل . أى : سهل - سبحانه - الطريق للإِنسان .
{ ثم أماته فأقبره ﴾ أى: ثم أمات - سبحانه - هذا الإِنسان ، بأن سلبه الحياة
فأقبره ﴾. أى : فجعله ذا قبر يوارى فيه جسده تكريما له ، ولم يتركه مطروحا على وجه
الأرض ، بحيث يستقذره الناس ، ويكون عرضة لاعتداء الطيور والحيوانات عليه .
يقال : قبر فلان الميت يقبره - بكسر الباء وضمها - ، إذا دفنه بيده فهو قابر . ويقال :
أقبره ، إذا أمر بدفنه ، أو مكن غيره من دفنه .
وفى الآية الكريمة إشارة إلى أن مواراة الأجساد فى القبور من سنن الإِسلام ، أما تركها
بدون دفن ، أو حرقها .. فيتنافى مع تكريم هذه الأجساد .
﴿ ثم إذا شاء أنشره﴾ أى: ثم بعد أن خلق الله هذا الخلق البديع، وهداه النجدين،
وأمر بستر جسده فى القبر بعد موته .. بعد كل ذلك إذا شاء أحياه بعد الموت ، للحساب
والجزاء. يقال: أنشر الله - تعالى - الموتى ونشرهم، إذا بعثهم من قبورهم .
وقال - سبحانه - ﴿ إذا شاء﴾ للإشعار بأن هذا البعث إنما هو بإرادته ومشيئته، وفى
الوقت الذى يختاره ويريده ، مهما تعجله المتعجلون .
ثم زجر - سبحانه - هذا الإِنسان زجرا شديدا لتقصيره فى أداء حق خالقه ، فقال
- تعالى -: ﴿ كلا لما يقض ما أمره﴾ أى: كلا إن هذا الإِنسان الجاحد المغرور .. لم يقض
ولم يؤد ما أمره الله - تعالى - به من تكاليف ومن شكر لخالقه ، ومن تأمل فى آياته ، ومن
طاعة لرسله .. بل استمر فى طغيانه وعناده .
فالمقصود بهذه الآية الكريمة : ردع هذا الإِنسان الجاحد وزجره ، وبيان أن هذا الردع سببه
(١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٤٥.

٢٩٠
المجلد الخامس عشر
إهماله لحقوق خالقه ، وعدم اهتمامه بأدائها .
ثم ساقت الآيات بعد ذلك ألوانا من نعمه - تعالى - على خلقه فقال: ﴿فلينظر الإنسان
إلى طعامه ﴾ والفاء هنا للتفريع على ما تقدم، مع إفادتها معنى الفصيحة .
أى: إذا أراد أن يقضى ويؤدى ما أمره الله - تعالى - من تكاليف ، فلينظر هذا الإِنسان
إلى طعامه ، وكيف أوجده - سبحانه - له ، ورزقه إياه ، ومكنه منه .. فإن فى هذا النظر
والتدبر والتفكر ، ما يعينه على طاعة خالقه ، وإخلاص العبادة له .
ثم بين - سبحانه - مظاهر تهيئة هذا الطعام للإِنسان .. فقال: ﴿ أنا صببنا الماء صبا﴾ .
قال الجمل : قرأ الكوفيون ﴿ أنا﴾ بالفتح. على البدل من طعامه، فيكون فى محل جر
بدل اشتمال ، بمعنى أن صب الماء سبب فى إخراج الطعام فهو مشتمل عليه .
وقرأ غيرهم بكسر الهمزة على الاستئناف المبين لكيفية إحداث الطعام .. (١).
والصب : إنزال الماء بقوة وكثرة . أى : إنا أنزلنا المطر من السماء إنزالا مصحوبا بالقوة
والكثرة ، لحاجتكم الشديدة إليه فى حياتكم .
ثم شققنا الأرض شقا ﴾ أى : ثم شققنا الأرض بالنبات شقا بديعا حكيما ، بحيث
تخرج النباتات من باطنها خروجا يبهج النفوس ، وتقر به العيون .
فأنبتنا فيها حبا﴾ أى : فأنبتنا فى الأرض حبا كثيرا ، تقتاتون منه ، وتدخرونه لحين
حاجتكم إليه ، والحب : يشمل الحنطة والشعير والذرة .
وعنبا وقضبا. وزيتونا ونخلا . وحدائق غلبا . وفاكهة وأبا ﴾ أى: وأنبتنا فى الأرض
: - أيضا - بقدرتنا ورحمتنا ﴿ عنبا) وهو ثمر الكرم المعروف بلذة طعمه .
وقضبا﴾ وهو كل ما يؤكل من النبات رطبا ، كالقثاء والخيار ونحوهما، وقيل : هو
العلف الرطب الذى تأكله الدواب ، وسمى قضبا ، لأنه يقضب - أى يقطع - بعد ظهوره مرة
بعد أخرى .
وأنبتنا فيها كذلك ﴿ زيتونا ونخلا﴾ وهما شجرتان معروفتان بمنافعهما الجمة، وبثمارهما
المفيدة .
وحدائق غلبا ﴾ والحدائق جمع حديقة وهى البستان الملىء بالزروع والثمار.
غلبا ﴾ جمع غلباء . أى : وأنبتنا فى الأرض حدائق عظيمة، ذات أشجار ضخمة ، قد
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٤٩٠ .

٢٩١
سورة عبس
التف بعضها على بعض لكثرتها وقوتها . فقوله ﴿ غلبا﴾ بمعنى عظاما، وأصلها من
﴿ الغَلَبِ﴾ - بفتحتين - ، بمعنى الغلظ، يقال شجرة غلباء، وهضبة غلباء . أى : عظيمة
مرتفعة . ويقال : حديقة غلباء ، إذا كانت عظيمة الشجر . ويقال : رجل أغلب ، إذا كان
غليظ الرقبة .
وأنبتنا فيها - أيضا - بقدرتنا وفضلنا ﴿فاكهة وأبا ﴾ .. والفاكهة: اسم للثمار التى
يتناولها الإِنسان على سبيل التفكه والتلذذ، مثل الرطب والعنب والتفاح .
والأب : اسم للكلأ الذى ترعاه الأنعام ، مأخوذ من أبَّ فلان الشىء ، إذا قصده واتجه
نحوه ، لحاجته إليه ... والكلأ والعشب يتجه إليه الإِنسان بدوابه للرعى .
قال صاحب الكشاف : والأب : المرعى ، لأنه يؤب ، أى : يؤم وينتجع ... وعن أبى بكر
الصديق - رضى الله عنه - أنه سئل عن الأب فقال: أى سماء تظلنى ، وأى أرض تقلنى ،
إذا قلت فى كتاب الله مالا علم لى به ..
وعن عمر - رضى الله عنه - أنه قرأ هذه الآية فقال : كل هذا قد عرفنا ، فما الأب ؟ ثم
رفع عصا كانت فى يده وقال: هذا لعمر الله التكلف، وما عليك يابن أم عمر أن لا تدرى
ما الأب ؟ ثم قال : اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب ، وما لا فدعوه .
فإن قلت : فهذا يشبه النهى عن تتبع معانى القرآن والبحث عن مشكلاته ؟ قلت : لم
يذهب إلى ذلك ، ولكن القوم كانت أكبر همتهم عاكفة على العمل ، وكان التشاغل بشىء من
العلم لا يعمل به تكلفا عندهم ، فأراد أن الآية مسوقة فى الامتنان على الإِنسان بمطعمه ،
واستدعاء شكره ، وقد علم من فحوى الآية ، أن الأبَّ بعض ما أنبته اللّه للإِنسان متاعا له أو
لأنعامه فعليك بما هو أهم، من النهوض بالشكر الله - تعالى - على ما تبين لك أو لم يشكل ،
مما عدد من نعمه ، ولا تتشاغل عنه بطلب معنى الأب ، ومعرفة النبات الخاص الذى هو اسم
له ، واكتف بالمعرفة الجملية ، إلى أن يتبين لك فى غير هذا الوقت .. (١).
وقال بعض العلماء : والذى يتبين لى فى انتفاء علم الصديق والفاروق بمدلول لفظ الأب ،
وهما من خلص العرب لأحد سببين :
إما لأن هذا اللفظ كان قد تنوسى من استعمالهم ، فأحياه القرآن لرعاية الفاصلة ، فإن
الكلمة قد تشتهر فى بعض القبائل أو فى بعض الأزمان وتنسى فى بعضها ، مثل اسم السكين
عند الأوس والخزرج . فقد قال أنس بن مالك : ماكنا نقول إلا المدية ، حتى سمعت قول
(١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧٠٥ .

٢٩٢
المجلد الخامس عشر
الرسول - 18 - يذكر أن سليمان قال: ((ائتونى بالسكين أقسم الطفل بينهما نصفين)).
وإما لأن كلمة الأب تطلق على أشياء كثيرة ، منها النبت الذى ترعاه الأنعام ، ومنها
التبن ، ومنها يابس الفاكهة ، فكان إمساك أبى بكر وعمر عن بيان معناه ، لعدم الجزم بما أراد
الله منه على التعيين، وهل الأب مما يرجع إلى قوله ﴿متاعا لكم﴾ أو إلى قوله
ولأنعامكم ﴾(١).
ثم ختم - سبحانه - هذه النعم بقوله : ﴿ متاعا لكم ولأنعامكم ﴾، أى: أنبت لكم تلك
الزروع والثمار .. لتكون موضع انتفاع لكم ولأنعامكم إلى حين من الزمان .
إذ المتاع: هو ما ينتفع به الإِنسان إلى حين ثم ينتهى ويزول، ولفظ ((متاعا )) منصوب
بفعل محذوف ، أى : فعل ذلك متاعا لكم ، أو متعكم بذلك تمتيعا لكم ولأنعامكم .
أو قوله ﴿ متاعا لكم ﴾ حال من الألفاظ السابقة: العنب والقضب والزيتون والنخل .
أى : حالة كون هذه المذكورات موضع انتفاع لكم ولأنعامكم .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالحديث عن أحوال الناس فى يوم القيامة .
فقال - تعالى - :
فَإِذَا جَآءَتِ الصَّلَفَّةُ ◌ْ يَوْمَ يَفِرُّالَّهُ مِنْ أَخِيهِ
٣٤
وَأُمِّهِ، وَأَبِهِ ﴿ وَصَحِبَتِهِ وَبِهِ ٦َ لِكُلِ أَمْرٍِ مِّنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأٌْ
يُغْنِهِ ◌َ وُجُوهُ يُوَمَيِذٍ مُسْفِرَةٌ (٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ◌ّ وَوُجُوهُ
يَوَمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ نْ تَرْهَقُّهَا قَتَرَةُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ
٤٢
والفاء فى قوله - سبحانه - ﴿ فإذا جاءت الصاخة ) للدلالة على ترتيب ما بعدها على
ما قبلها من فنون النعم . وجواب ﴿ إذا ﴾ محذوف يدل عليه قوله - تعالى - بعد ذلك :
لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه ﴾، ويصح أن يكون جوابه قوله: ﴿وجوه يومئذ
مسفرة ﴾ .
والصاخة : الصيحة الشديدة التى تصُخَّ الآذان ، أى تزلزلها لشدة صوتها ، وأصل الصخ :
الصك الشديد ، والمراد بها هنا : النفخة الثانية التى بعدها يبعث الناس من قبورهم ..
(١) تفسير التحرير والتنوير للشيخ ابن عاشور جـ ٣٠ ص ١٣٣ .

٢٩٣
سورة عبس
أى : فإذا جاءت الصيحة العظيمة التى بعدها يخرج الناس من قبورهم للحساب والجزاء ،
كان ما كان من سعادة أقوام ، ومن شقاء آخرين .
وقوله - سبحانه -: ﴿ يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ﴾ بدل مما قبله وهو قوله
فإذا جاءت الصاخة ﴾ والفرار : الهروب من أجل التخلص من شىء مخيف .
والمعنى : يوم يقوم الناس من قبورهم للحساب والجزاء يكونون فى كرب عظيم ، يجعل
الواحد منهم ، يهرب من أخيه الذى هو من ألصق الناس به ، ويهرب كذلك من أمه وأبيه ،
ومن صاحبته - وهى زوجه - وبنيه الذين هم فرع عنه .
والمراد بفراره منهم : عدم اشتغاله بشىء يتعلق بهم ، وعدم التفكير فيهم وفى الالتقاء بهم ،
لاشتغاله بحال نفسه اشتغالا ينسيه كل شىء سوى التفكير فى مصيره ... وذلك لشدة الهول ،
وعظم الخطب .
وخص - سبحانه - هؤلاء النفر بالذكر ، لأنهم أخص القرابات ، وأولاهم بالحنو
والرأفة ، فالفرار منهم لا يكون إلا فى أشد حالات الخوف والفزع .
قال صاحب الكشاف: ((يفر)) منهم لا شتغاله بما هو مدفوع إليه، ولعلمه بأنهم لا يغنون
عنه شيئا : وبدأ بالأخ ثم بالأبوين لأنهما أقرب منه ثم بالصاحبة والبنين ، لأنهم أقرب وأحب ،
كأنه قال : يفر من أخيه ، بل من أبويه، بل من صاحبته وبنيه .. (١).
وجملة : ﴿ لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه ﴾ مستأنفة. واردة لبيان سبب الفرار.
وللمبالغة فى تهويل شأن هذا اليوم .
أى : لكل واحد منهم فى هذا اليوم العظيم ، شأن وأمر يغنيه ويكفيه عن الاشتغال بأى أمر
آخر سواه . يقال : فلان أغنى فلاناً عن كذا ، إذا جعله فى غنية عنه .
وقد ساق ابن كثير - رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآية عددا من الأحاديث ، منها
ما رواه النسائي عن ابن عباس قال: قال رسول الله - 18 -: ((تحشرون حفاة عراة
غُرْلا)) - بضم فسكون - جمع أغرل، وهو الأقلف غير المختون - قال ابن عباس : فقالت
زوجته: يارسول الله، أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: ((لكل امرىء منهم يومئذ شأن
يغنيه)). أو قال: ((ما أشغله عن النظر))(٢).
ثم بين - سبحانه أقسام الناس فى هذا اليوم فقال : ﴿ وجوه يومئذ مسفرة . ضاحكة
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧٠٥ .
: (٢) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٤٩.

٢٩٤
المجلد الخامس عشر
مستبشرة﴾ أى : وجوه كثيرة فى هذا اليوم تكون مضيئة مشرقة ، يعلوها السرور،
والاستبشار والانشراح ، لما تراه من حسن استقبال الملائكة لهم .
وقوله: ﴿وجوه﴾ مبتدأ وإن كان نكرة، إلا أنه صح الابتداء به لكونه فى حيز التنويع
و﴿ مسفرة﴾ خبره، وقوله ﴿يومئذ﴾ متعلق به، والإسفار: النور والضياء.
والمراد أن هذه الوجوه متهللة فرحا ، وعليها أثر النعيم .
أما القسم المقابل لهذا القسم ، فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله : ﴿ووجوه يومئذ عليها
غبرة ﴾ أى: عليها غبار ، من شدة الهم والكرب والغم الذى يعلوها .
﴿ ترهقها فترة﴾ أى: تغشاها وتعلوها ظلمة وسواد ، وذلة وهوان ، من شدة ما أصابها
من خزى وخسران . يقال : فلان رهقِه الكرب ، إذا اعتراه وغشيه .
أولئك ﴾ يعنى أصحاب تلك الوجوه التى يعلوها الغبار والسواد ﴿هم الكفرة
الفجرة ﴾ أى: الجامعون بين الكفر الذى هو فساد الاعتقاد ، وبين الفجور الذى هو فساد
القول والفعل .
نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا من أصحاب الوجوه المسفرة ، الضاحكة المستبشرة .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..
القاهرة - مدينة نصر
مساء ١٦ من المحرم ١٤٠٧ هـ
٢٠ من سبتمبر ١٩٨٦ م
٠
٠
1
٠

٢٩٥
سورة التكوير
بِسْم اللهُ الرَّحْمَنِّ الرَّحِيمِ
تفسير
سورة التكوير
مقدمة وتمهيد
١ - سورة ((التكوير))، وتسمى - أيضا - بسورة: ((إذا الشمس كورت))، وهى
من السور المكية بلا خلاف ، وعدد آياتها : تسع وعشرون آية .
وتعتبر من أوائل السور القرآنية نزولا ، فهى السورة السادسة أو السابعة فى ترتيب
النزول، فقد كان نزولها بعد سورة الفاتحة. وقبل سورة («الأعلى)).
أخرج الإمام أحمد والترمذى عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صل * -: «من سرّه
أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأى العين، فليقرأ ((إذا الشمس كورت))، ((وإذا السماء
انفطرت)) ((وإذا السماء انشقت)).
٢ - والمتأمل فى هذه السورة الكريمة ، يراها فى نصفها الأول ، تسوق أمارات يوم القيامة
وعلاماته ، بأسلوب مؤثر يبعث فى القلوب الخوف والوجل .
ويراها فى نصفها الثانى تؤكد أن هذا القرآن الكريم من عند الله - تعالى - ، وليس من
كلام البشر، وأن جبريل الأمين قد نزل به على قلب النبى - صل9 - .
؟

٢٩٦
المجلد الخامس عشر
تفسير
قال الله - تعالى - .
◌ِاللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحْمِ
بِسْـ
إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ ، وَ إِذَا النُّجُومُ أَنكَدَرَتْ ، وَإِذَا الْجِبَالُ
سُبِرَتْه ◌َ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِلَتْ ﴿ وَإِذَا الْوُجُوشُ حُشِرَتْ
﴿ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِرَتْ ، وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ )) وَإِذَا
اٌلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٥) بِأَيِّ ذَتْبٍ قُئِلَتْ ، وَإِذَا الضُّحُفُ نُشِرَتْ
﴿ وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ ﴿ وَ إِذَا الْجَحِيمُ سُعِرَتْ ا وَإِذَا الْخَّةُ
١٤
أَزْلِفَتْ لٌ عَلِمَتْ نَفْسُ مَّا أَحْضَرَتْ
تكرر لفظ ((إذا)) فى هذه الآيات اثنتى عشرة مرة، وجواب الشرط قوله: ﴿ علمت
نفس ما قدمت وأخرجت ﴾ . وهذا التكرار بلفظ إذا من مقاصده التشويق للجواب ، لأن
السامع عندما يجد هذا الظرف وقد تكرر يكون فى ترقب وشوق لمعرفة الجواب .
وعندما يسمعه يتمكن من نفسه كل التمكن .
ولفظ (( الشمس مرفوع على أنه فاعل بفعل محذوف يفسره ما بعده ، أى : إذا كورت
الشمس كورت . وأصل التكوير : لف الشىء على جهة الاستدارة ، تقول : كورت العمامة ،
إذا لففتها .
قال صاحب الكشاف : فى التكوير وجهان: أحدهما : أن يكون من كورت العمامة إذا.
لففتها . أى : يلف ضوء الشمس لفا فيذهب انبساطه وانتشاره فى الآفاق ، وهو عبارة عن
إزالتها والذهاب بها ، لأنها ما دامت باقية ، كان ضياؤها منبسطا غير ملفوف .
وثانيهما : أن يكون لفها عبارة عن رفعها وسترها ، لأن الثوب إذا أريد رفعه ، لف وطوى

٢٩٧
سورة التكوير
ونحوه قوله - تعالى -: ﴿ يوم نطوى السماء ﴾(١).
أى : إذا الشمس أزيل ضوؤها بعد انتشاره وانبساطه ، فأصبحت مظلمة بعد أن كانت
مضيئة ، ومستتره بعد أن كانت بارزة .
: وإذا النجوم انكدرت ﴾ أى: تناثرت وتساقطت وانقلبت هيئتها من اللمعان والظهور ،
إلى الميل نحو الظلام والسواد .
أى: وإذا النجوم تساقطت وانقضت . يقال : انكدر البازى ، إذا نزل على فريسته
بسرعة ، وانكدر الأعداء على القوم إذا جاءوا أرسالا متتابعين فانصبوا عليهم .
ويصح أن يكون المعنى : وإذا النجوم تغيرت وانطمس نورها ، وزال لمعانها، من قولهم :
كدرت الماء فانكدر، إذا خلط به ما يجعله مائلا إلى السواد والغبرة .
وإذا الجبال سيرت ﴾ أى: اقتلعت من أماكنها فسارت فى الفضاء بقدرة
الله - تعالى - . قال - تعالى - ﴿ ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم
نغادر منهم أحدا﴾ . وقال - سبحانه -: ﴿ وسيرت الجبال فكانت سرابا ﴾.
وإذا العشار عطلت﴾ والعشار: جمع عُشَراء كنْفَسَاء، وهى الناقة التى أتى على حملها
عشرة أشهر . وتسمى بهذا الاسم إلى أن تضع لتمام السنة . والنوق العشار كانت من أثمن ،
الأموال عند العرب ، وكانوا يحافظون عليها حتى فى أشد حالات الخوف .
ومعنى ((عطلت)): أهملت وتركت بدون راع يحميها ، أو يلتفت إليها ، وهذا تصوير بديع
لما يصيب الناس من أهوال ، تجعلهم لا يلتفتون إلى أعز أموالهم لديهم .
أى : وإذا النوق العشار - التى هى أغلى الأموال - عطلت ، أى تركت دون أن يلتفت
إليها أحد . لا نشغال كل إنسان بنفسه .
وقيل : المراد بالعشار : السحب المحملة بالأمطار . أى : وإذا السحب الحاملة للأمطار قد
عطلت عن نزول المطر منها ، وصارت خالية من الماء الذى يحيى الأرض بعد موتها .
قال القرطبى ما ملخصه: ﴿وإذا العشار عطلت ﴾ أى: النوق الحوامل التى فى بطونها
أولادها ، الواحدة عُشَراء .. وإنما خصت بالذكر ، لأنها أعز ما تكون عند العرب .. وهذا على
وجه المثل . لأن فى القيامة لا تكون ناقة عشراء ، ولكن أراد به المثل ، أن هول يوم القيامة ،
بحال مالو كان للرجل ناقة عشراء لعطلها واشتغل بنفسه .
: ( ١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧٠٧ .
٦

٢٩٨
المجلد الخامس عشر
وقيل : العشار : السحاب يعطل مما يكون فيه وهو الماء فلا يمطر ، والعرب تشبه السحاب
بالحامل.
وقيل : الديار تعطل فلا تسكن ... والأول أشهر، وعليه من الناس الأكثر(١).
وإذا الوحوش حشرت ﴾ أى: وإذا الحيوانات المتوحشة - كالأسد والنمر وغيرهما .
حشرت ﴾ أى : جمعت من أماكنها المتفرقة ، وخرجت فى ذهول ، وتلاقت دون أن
يعتدى بعضها على بعض ، مخالفة بذلك ما طبعت عليه من النفور والتقاتل .
قال الآلوسى قوله: ﴿وإذا الوحوش﴾ جمع وحش، وهو حيوان البر الذى ليس فى
طبعه التأنس ببنى آدم .. ﴿ حشرت﴾ أى: جمعت من كل جانب. وقيل: حشرت . أى:
أميتت .. وقيل : حشرت : بعثت للقصاص ، فيحشر كل شىء حتى الذباب .
أخرج مسلم والترمذى عن أبى هريرة فى هذه الآية قال: قال رسول الله - * - :
لتُؤَدَّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء .. ))(٢).
﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ أى : امتلأت وفاض ماؤها واختلط عذبها بملحها ، وصارت
بحرا واحداً ، مأخوذ من قولهم : سجر الحوض ، إذا ملأه حتى فاض من جانبيه .
ويصح أن يكون معنى (( سجرت)»: أحميت بالنار حتى تبخرت مياهها ، وظهرت النار فى
مكانها ، من قولهم : سجر فلان التنور، إذا ملأه بالحطب المعد للحرق .
وإذا النفوس زوجت﴾ وقوله: ﴿زوجت﴾ من التزويج وهو جعل الشىء زوجا
لغيره ، بعد أن كان كلاهما فرداً، ويطلق الزوج - أيضاً - على الصنف والنوع ، كما فى
قوله - تعالى - ﴿ ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين
أى : وإذا النفوس اقترنت كل واحدة منها بيدنها ، أو بمن يشبهها ، أو بعملها .
قال الفخر الرازى : قوله: ﴿وإذا النفوس زوجت ﴾ فيه وجوه: أحدها : قرنت
الأرواح بالأجساد .
ثانيها : يصيرون فيها - أى: يوم القيامة - ثلاثة أصناف ، كما قال - تعالى - ﴿ وكنتم
أزواجا ثلاثة
(١) تفسير القرطبى جـ ١٩ ص ٢٢٩.
( ٢) تفسير الآلوسى جـ ٣٠ ص ٥١ .

٢٩٩
سورة التكوير
ثالثها : أنه يضم إلى كل صنف من كان فى طبقته ، فيضم الطائع إلى مثله .. (١) .
ثم قال - تعالى -: ﴿وإذا الموءودة سئلت. بأي ذنب قتلت﴾ ولفظ ((الموءودة)) من
الوأد ، وهو دفن الطفلة حية .
قال صاحب الكشاف وأد يئد مقلوب من آد يؤود: إذا أثقل . قال - تعالى - ﴿ ولا
يئوده حفظهما ﴾، لأنه إثقال بالتراب.
فإن قلت : ما حملهم على وأد البنات ؟ قلت : الخوف من لحوق العار بهم من أجلهن ، أو
الخوف من الإِملاق .
فإن قلت : فما معنى سؤال الموءودة عن ذنبها الذى قتلت به ؟ وهلا سئل الوائد عن موجب
قتله لها ؟ قلت : سؤالها وجوابها تبكيت لقاتلها ، نحو التبكيت - لقوم عيسى - فى
قوله - تعالى - لعيسى: ﴿ أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله﴾(٢).
أى : وإذا الموءودة سئلت ، على سبيل التبكيت والتقريع لمن قتلها ، بأى سبب من
الأسباب قتلك قاتلك .
ولاشك أنها لم ترتكب ما يوجب قتلها ، وإنما القصد من ذلك إلزام قائلها الحجة ، حتى
يزداد افتضاحا على افتضاحه .
وقد حكى القرآن فى كثير من الآيات ، ما كان يفعله أهل الجاهلية من قتلهم للبنات ، ومن
ذلك قوله - تعالى -: ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم . يتوارى
من القوم من سوء ما بشر به ، أيمسكه على هون أم يدسه فى التراب ، ألا ساء ما يحكمون﴾ (٢).
ولم يكن الوأد معمولا به عند جميع قبائل العرب ، فقريش - مثلا - لم يعرف عنها ذلك
وإنما عرف فى قبائل ربيعة ، وكنده ، وتميم . ولكنهم لما كانوا جميعا راضين عن هذا الفعل ، جاء
الحكم عاما فى شأن أهل الجاهلية .
وقوله - سبحانه -: ﴿وإذا الصحف نشرت﴾ أى : بسطت بعد أن كانت مطوية،
وهى صحف الأعمال التى سجلتها الملائكة على أصحابها ، سواء أكانت تلك الأعمال خيرا أم
شرا ، فهذه الصحائف تطوى عند الموت ، وتنشر يوم القيامة ، يوم الحساب والجزاء .
(١) راجع تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ٣٣٩ .
( ٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧٠٨ .
(٣) سورة النحل الآيتان ٥٨، ٥٩ .
٨٦

٣٠٠
المجلد الخامس عشر
قال - تعالى -: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره فى عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه
منشورا . اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ﴾(١).
وإذا السماء كشطت ﴾ أى : قلعت وأزيلت ، وأصل الكشط إزالة جلدة الحيوان عنه.
يقال : كشطت البعير كشطا ، إذا نزعت جلده منه . أى : وإذا السماء نزعت وأزيلت ، فلم
تبق على هيئتها التى كانت عليها ، من إظلالها لما تحتها .
وإذا الجحيم سعرت ﴾ أى : أوقدت إيقادا شديدا للكفار ، والجحيم هى النار ذات
الطبقات المتعددة من الوقود كالحطب وغيره ، وتسعيرها : إيقادها بشدة .
وإذا الجنة أزلفت ﴾ أى: قربت وأدنيت من المؤمنين ، كما فى قوله - تعالى - :
وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد ﴾ . من الزلفى بمعنى القرب ، يقال : تزلف فلان إلى
فلان ، إذا تقرب منه .
وقوله: ﴿ علمت نفس ما قدمت وأخرت ﴾ هو جواب الشرط لكل تلك الظروف
السابقة . أى : إذا الشمس كورت ، وإذا النجوم انكدرت تبين لكل نفس ما عملته من خير
أو شر ، ومن حسن أو قبيح .. ورأت ذلك رأى العين ، كما قال - تعالى - : ﴿ يوم تجد كل
نفس ما عملت من خير محضرا ، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيداً .. ﴾ .
والمراد بالنفس عموم الأنفس ، لأن النكرة فى سياق النفى تشمل كل نفس
وأسند - سبحانه - الإِحضار إلى النفوس ، لأنها هى المباشرة لأعمالها فى الدنيا ، والتى ستجد
جزاءها فى الآخرة .
وجعلت معرفة النفوس لجزاء أعمالها ، حاصلة عند حصول مجموع الشروط التى ذكرت فى
الجمل الاثنتى عشرة، لأن بعض الأزمان والأحوال التى تضمنتها هذه الشروط مقارن لحصول
علم النفوس بأعمالها ، كما فى الستة الأخيرة ، فإنها تكون عند فصل القضاء ، وبعضها يحصل
قبل ذلك بقليل ، كما فى الأحوال الستة المذكورة أولا ، إلا أنه لما كان بعض هذه الأمور من
مبادىء يوم القيامة ، وبعضها من روادفه ، نسب علمها بذلك إلى زمان وقوع هذه الأمور
كلها ، تهويلا للخطب ، وتفظيعا للأمر . وإشعاراً بأن ما يسبق يوم القيامة وما يعقبه ، كل ذلك
من الأهوال التى يشيب لها الولدان .
وبعد أن ساق - سبحانه - ما ساق من أحوال تدل على شدائد يوم القيامة ، أتبع ذلك
(١) سورة الإسراء الآيتان ١٣، ١٤.