النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١
سورة النازعات
بِسْمِ اللهُ الرَّجَمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير
سورة النازعات
مقدمة وتمهيد
١ - سورة ((النازعات)) من السور المكية الخالصة. وتسمى بسورة ((والنازعات))
بإثبات الواو، حكاية لأول ألفاظها، ومن ذكرها بدون واو، جعل لفظ ((النازعات)) علما
عليها، وتسمى - أيضا - سورة ((الساهرة)) وسورة ((الطامة)) ، لوقوع هذين اللفظين
فيها دون غيرها .
٢ - وهى السورة التاسعة والسبعون فى ترتيب المصحف ، أما ترتيبها فى النزول فهى
السورة الحادية والثمانون من بين السور المكية ، وكان نزولها بعد سورة ((النبأ))، وقبل سورة
((الانفطار))، أى : أن سورة النازعات تعتبر من أواخر السور المكية نزولا .
٣ - وعدد آياتها خمس وأربعون آية فى المصحف الكوفى، وست وأربعون فى غيره .
٤ - ومن أهم مقاصدها : إقامة الأدلة على وحدانية الله - تعالى - ، وعلى أن البعث
حق ، وذكر جانب كبير من علاماته وأهواله ، والرد على الجاحدين الذين أنكروا وقوعه ،
وتذكير الناس بجانب مما دار بين موسى - عليه السلام - وبين فرعون من مناقشات ، وكيف
أن الله - تعالى - قد أخذ فرعون أخذ عزيز مقتدر .
كما أن السورة الكريمة اشتملت على مظاهر قدرته - تعالى - ، التى نراها ونشاهدها فى
خلقه - سبحانه - السموات والأرض .. وما اشتملتا عليه عن عجائب .
... ...... .
ثم ختمت ببيان حسن عاقبة المتقين ، وسوء عاقبة الكافرين ، وبالإِجابة على أسئلة
السائلين عن يوم القيامة، وبيان أن موعد مجىء هذا اليوم مرده إلى الله - تعالى - وحده .
قال - تعالى -: ﴿ يسألونك عن الساعة أيان مرساها . فيم أنت من ذكراها . إلى ربك
منتهاها . إنما أنت منذر من يخشاها. كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ﴾ .
٢٦٢
المجلد الخامس عشر
التفسير
وقد افتتح - سبحانه - سورة النازعات بقوله - تعالى - :
◌ِاللَّهِ الرَّمَنِالرَّحْمِ
وَالنَّزِعَتِ غَرْقَانِ وَالنَّشِطَتِ نَشْطَان وَالسَّبِحَتِ سَبْحًا
فَالسَّبِقَتِ سَبْقَان ◌َالْمُدَِّرَاتِ أَمْرَانَ يَوْمَتَرْجُفُ الرَّاحِفَةُ
٦ تَتْعُهَا الرَّادِفَةُ { قُلُوبٌ يَوْمَيِذٍ وَاجِفَةُ (٨) أَبْصَرُهَا
خَشِعَةٌ يَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرْدُ ودُونَ فِ الْحَافِرَةِ أَِ ذَاكُنَّا
يعِظَمَا تَخِرَةً ا قَالُوْتِلْكَ إِذَا كَرَّةٌّ ◌َاسِرَةٌ ﴿ فَإِّمَا هِىَ زَجْرَةٌ
وَحِدَةٌ (٣) فَإِذَاهُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١)
والواو فى قوله ﴿والنازعات ... ﴾ وما بعده ، للقسم، وجواب القسم محذوف دل عليه
ما بعده ، والتقدير : وحق هذه المخلوقات العظيمة ... لتبعثن .
وكذلك المقسم به محذوف ، إذ أن هذه الألفاظ وهى : النازعات ، والناشطات
والسابحات ، والسابقات ، والمدبرات ، صفات لموصوفات محذوفة ، اختلف المفسرون فى المراد
بها على أقوال كثيرة . أشهرها: أن المراد بهذه الموصوفات ، طوائف من الملائكة ، كلفهم الله
- تعالى - بالقيام بأعمال عظيمة ، وأفعال جسيمة .
والنازعات : جمع نازعة . والنزع : جذب الشىء بقوة ، كنزع القوس عن كبده .
ومنه قوله - تعالى - فى النزع الحسى: ﴿ونزع يده فإذا هى بيضاء للناظرين) وقوله
- سبحانه - فى النزع المعنوى : ﴿ونزعنا ما فى صدورهم من غل إخوانا على سرر
﴾.
متقابلین
٢٦٣
سورة النازعات
وقوله : ﴿ غرقا﴾ اسم مصدر من أغرق، وأصله إغراقا. والإغراق فى الشىء، المبالغة
فيه والوصول به إلى نهايته ، يقال : أغرق فلان هذا الأمر ، إذا أوغل فيه ، ومنه قوله : نزع
فلان فى القوس فأغرق ، أى : بلغ غاية المد حتى انتهى إلى النّصْل .
وهو منصوب على المصدرية، لالتقائه مع اللفظ الذى قبله فى المعنى ، وكذلك الشأن بالنسبة
للالفاظ التى بعده، وهى: ((نشطا)) و((سبحا)) و((سبقا)).
والمعنى : وحق الملائكة الذين ينزعون أرواح الكافرين من أجسادهم ، نزعا شديدا ، يبلغ
الغاية فى القسوة والغلظة .
.ويشير إلى هذا المعنى قوله - تعالى - فى آيات متعددة ، منها قوله - سبحانه - : ﴿ولو
ترى إذ يتوفى الذين كفروا ، الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق ﴾ .
وقوله : ﴿والناشطات نشطا): المقصود به طائفة أخرى من الملائكة. والناشطات من
النَّشْط ، وهو السرعة فى العمل ، والخفة فى أخذ الشىء ، ومنه الأنشوطة، للعقدة التى يسهل
حلها ، ويقال : نَشَطْتُ الدلو من البئر - من باب ضرب - إذا نزعتها بسرعة وخفة .
أى : وحق الملائكة الذين ينشطون ويسرعون إسراعا شديدا لقبض أرواح المؤمنين بخفة
وسهولة ويقولون لهم - على سبيل البشارة والتكريم -: ﴿يأيتها النفس المطمئنة . ارجعى
إلى ربك راضية مرضية ﴾ .
. وقوله - سبحانه -: ﴿ والسابحات سبحا ﴾ قسم ثالث بطائفة ثالثة من طوائف
الملائكة ، التى تَسْبَحُ فى هذا الكون ، أى : تنطلق بسرعة لتنفيذ أمر الله - تعالى - ،
ولتسبيحه ، وتحميده ، وتكبيره ، وتقديسه .
أى : وحق الملائكة الذين يسرعون التنقل فى هذا الكون إسراعا شديدا ، لتنفيذ ما كلفهم
- سبحانه - به ، ولتسبيحه وتنزيهه عن كل نقص ..
وقوله - تعالى -: ﴿ فالسابقات سبقا ﴾ المقصود به طائفة رابعة من الملائكة ، تسبق
غيرها فى تنفيذ أمر الله - تعالى - ، إذ السبق معناه : أن يتجاوز السائر من يسير معه ،
ويسبقه إلى المكان المقصود الوصول إليه ، كما قال - تعالى - فى صفات المتقين: ﴿ أولئك
﴾.
يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون
وقوله: ﴿ فالمدبرات أمرا﴾ المقصود به طائفة خامسة من الملائكة، من وظائفهم تدبير
1 م
٢٦٤
المجلد الخامس عشر
شأن الخلائق ، وتنظيم أحوالهم بالطريقة التى يأمرهم - سبحانه - بها ، فنسبة التدبير إليهم ،
إنما هى على سبيل المجاز، لأن كل شىء فى هذا الكون إنما هو بقضاء الله وتقديره وتدبيره .
والمراد بالأمر : الشأن والغرض المهم ، وتنوينه للتعظيم ، ونصبه على المفعولية للفظ
المدبرات . أى : وحق الملائكة الذين يرتبون شئون الخلائق ، وينظمون أمورهم بالطريقة التى
یکلفهم - سبحانه - بها .
وجاء العطف فى قوله: ﴿ فالسابقات ﴾ ﴿فالمدبرات ) بالفاء، للدلالة على ترتيب
ما بعدها على ما قبلها بغير مهلة . وللإِيذان بأن هاتين الصفتين متفرعتين عما قبلها .
وعلى هذا التفسير الذى سرنا فيه على أن هذه الصفات لموصوف واحد ، سار كثير من
المفسرين : فصاحب الكشاف صدر تفسيره لهذه الآيات بقوله : أقسم - سبحانه - بطوائف
الملائكة ، التى تنزع الأرواح من الأجساد وبالطوائف التى تنشطها ، أى تخرجها .. وبالطوائف
التى تسبح فى مضيها ، أى : تسرع فتسبق إلى ما أمروا به ، فتدبر أمرا من أمور العباد مما
يصلحهم فى دينهم ودنياهم ، كما رسم الله - تعالى - لهم .. وأسند التدبير إليهم - أى إلى
الملائكة - لأنهم من أسبابه .. (١) .
وقال الشوكانى : أقسم - سبحانه - بهذه الأشياء التى ذكرها ، وهى الملائكة التى تنزع
أرواح العباد عن أجسادهم ، كما ينزع النازع القوس فيبلغ بها غاية المد ، وكذا المراد
بالناشطات ، والسابحات ، والسابقات ، والمدبرات ، يعنى الملائكة . والعطف مع اتحاد الكل
لتنزيل التغاير الوصفى ، منزلة التغاير الذاتى ، كما فى قول الشاعر :
إلى الملك القرم، وابن الهمام وليث الكتيبة فى المزدحم
وهذا قول الجمهور من الصحابة ، والتابعين ، ومن بعدهم .. (٢).
ومنهم من يرى أن المراد بالنازعات : النجوم تنتقل من مكان إلى مكان ، أو الأقواس التى
تنزع السهام، أو الغزاة ينزعون من دار الاسلام إلى دار الحرب ..
ومنهم من يرى أن المراد بالناشطات : الكواكب السيارة ، أو السفن التى تمخر عباب
الماء .. وأن المراد بالسابحات والسابقات : النجوم ، أو الشمس والقمر ، والليل والنهار ..
أما المدبرات فقد أجمعوا على أن المراد بها الملائكة .
قال الجمل : اختلفت عبارات المفسرين فى هذه الكلمات ، هل هى صفات لشىء واحد ، أو
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٩٣ .
(٢) تفسير فتح القدير جـ ٥ ص ٣٧٢ .
٢٦٥
سورة النازعات
لأشياء مختلفة ، على أوجه : واتفقوا على أن المراد بقوله: ﴿ فالمدبرات أمرا ﴾ وصف لشىء
واحد ، وهم الملائكة .. (١).
ويبدو لنا أن كون هذه الصفات جميعها لشىء واحد ، هو الملائكة ، أقرب إلى الصواب ،
لأنه المأثور عن كثير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم .
ثم شرع - سبحانه - فى بيان علامات القيامة وأهوالها فقال: ﴿يوم ترجف الراجفة .
تتبعها الرادفة ... ﴾. والراجفة: من الرجف وهو الاضطراب الشديد ، والحركة القوية ، لأن
بسببها تضطرب الأمور ، وتختل الشئون . يقال : رجفت الأرض والجبال ، إذا اهتزت اهتزازا
شديدا .
والمراد بها : ما يحدث فى هذا الكون عند النفخة الأولى التى يموت بعدها جميع الخلائق .
والمراد بالرادفة : النفخة الثانية ، التى تردف الأولى ، أى : تأتى بعدها ، وفيها يبعث الموتى
بإذن الله - تعالى - ، يقال: فلان جاء ردف فلان ، إذا جاء فى أعقابه .
أى : اذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ ، يوم ينفخ فى الصور فتضطرب الأرض وتهتز ،
ويموت جميع الخلق ، ثم يتبع ذلك نفخة أخرى يبعث بعدها الموتى - بإذن الله - - تعالى - .
وجملة ((تتبعها الرادفة)» فى محل نصب على الحال من الراجفة.
وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : ﴿ ونفع فى الصور فصعق من فى السموات ومن فى
الأرض إلا من شاء اللّه ، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ﴾.
وقوله - سبحانه -: ﴿ قلوب يومئذ واجفة . أبصارها خاشعة ﴾ بيان لما يترتب على قيام
الساعة ، وبعث الخلائق ، من خوف ورعب .
أى : قلوب كثيرة فى هذا اليوم الهائل الشديد تكون فى نهاية الاضطراب والفزع . يقال :
وجف القلبُ يَجف وَجْفًا ووجيفا، إذا ارتفعت ضرباته من شدة الخوف ..
وتكون أبصار أصحاب هذه القلوب خاشعة ، أى ذليلة مهينة ، لما يعتريهم من الفزع
الشديد ، والرعب الذى لا حدود له ..
ولفظ ((قلوب)) مبتدأ، وتتكيره للتكثير، وقوله: ﴿واجفة ﴾ صفة للقلوب ، وجملة
(( أبصارها خاشعة)) خبر ثان للقلوب .
والمراد بهذه القلوب : قلوب المشركين الذين أنكروا فى الدنيا البعث والجزاء ، فلما بعثوا
: (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٤٧٧ .
٢٦٦
المجلد الخامس عشر
اعتراهم الرعب الشديد ، والفزع الذى لا يقاربه فزع ..
فأما قلوب المؤمنين فهى - بفضل الله ورحمته - تكون فى أمان واطمئنان ، كما قال
- تعالى -: ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذى كنتم توعدون ﴾.
وإضافة الأبصار إلى ضمير القلوب لأدنى ملابسة ، لأن الأبصار لأصحاب هذه القلوب ،
وكلاهما من جوارح الأجساد .
وقوله - سبحانه -: ﴿يقولون أننا لمردودون فى الحافرة . أئذا كنا عظاما نخرة ﴾
حكاية لما كان يقوله هؤلاء الكافرون فى الدنيا ، من إنكار للبعث ، ومن استهزاء لمن كان
يذكرهم به ، ومن استبعاد شديد لحصوله ..
والمراد بالحافرة : العودة إلى الحياة مرة أخرى بعد موتهم وتحولهم إلى عظام بالية .
قال صاحب الكشاف: ﴿فى الحافرة). أى: فى الحالة الأولى يعنون: الحياة بعد
الموت .
فإن قلت : ما حقيقة هذه الكلمة ؟ قلت : يقال : رجع فلان فى حافرته ، أى : فى طريقه
التى جاء فيها فحفرها . أى : أثر فيها بمشيه فيها : جعل أثر قدميه حفرا .. ثم قيل لمن كان فى
أمر فخرج منه ثم عاد إليه: رجع إلى حافرته، أى: طريقته وحالته الأولى .. (١).
وقوله: ﴿ نخرة﴾ صفة مشتقة من قولهم: نَخِر العظم - بفتح النون وكسر الخاء - إذا
بَلِى وصار سهل التفتيت والكسر. وقرأ حمزة والكسائى ((ناخرة )» بمعنى بالية فارغة جوفاء،
يسمع منها عند هبوب الريح نخير ، أى : صوت .
أى : أن هؤلاء المشركين كانوا يقولون فى الدنيا - على سبيل التعجيب والاستهزاء
والإِنكار لأمر البعث والحساب : أنرد إلى الحياة مرة أخرى بعد موتنا وبعد أن نصير فى قبورنا
عظاما بالية .
وعبر - سبحانه - عن قولهم هذا بالمضارع ((يقولون)) لاستحضار حالتهم الغريبة ،
حيث أنكروا ما قام الدليل على عدم إنكاره ، وللإِشعار بأن هذا الإِنكار كان متجددا ومستمرا
منهم .
وقد ساق - سبحانه - أقوالهم هذه بأسلوب الاستفهام ، للإِيذان بأنهم كانوا يقولون
ما يقولون فى شأن البعث على سبيل التهكم والتعجب ممن يحدثهم عنه ، كما هو شأن المستفهم
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٩٤ .
٢٦٧
سورة النازعات
عن شىء الذى لا يقصد معرفة الحقيقة ، وإنما يقصد التعجيب والإنكار .
وجملة (( أئذا كنا عظاما نخرة)) مؤكدة للجملة السابقة عليها ، التى يستبعدون فيها أمر
البعث بأقوى أسلوب .
وقوله - تعالى -: ﴿ قالوا تلك إذا كرة خاسرة ﴾ حكاية لقول آخر من أقوالهم
الفاسدة ، وهو بدل اشتمال من قوله - سبحانه - قبل ذلك: ﴿ يقولون أننا لمردودون فى
الحافرة ﴾ .
واسم الإشارة ((تلك)) يعود إلى الردة المستفادة من قولهم ((أننا لمردودون ... )).
ولفظ ((إذًا)) جواب لكلامهم المتقدم . والكَرَّة: المرة من الكَرّ بمعنى الرجوع، وجمعها:
كرَّات أى : يقول هؤلاء الجاحدون : أنرد إلى الحياة التى كنا فيها بعد أن نموت ونفنى ؟ وبعد
أن نصير عظاما نخرة ؟ لو حدث هذا بأن رددنا إلى الحياة مرة أخرى ، لكانت عودتنا عودة
خاسرة غير رابحة ، وهم يقصدون بهذا الكلام الزيادة فى التهكم والاستهزاء بالبعث .
والخسران: أصله عدم الربح فى التجارة ، والمراد به هنا : حدوث ما يكرهونه لهم .
ونسب الخسران إلى الكرة على سبيل المجاز العقلى ، للمبالغة فى وصفهم الرجعة بالخيبة
والفشل ، وإلا فالمراد خيبتهم وفشلهم هم ، لأنهم تبين لهم كذبهم ، وصدق من أخبرهم بأن
الساعة حق .
وقد رد - سبحانه - عليهم ردا سريعا حاسما يخرس ألسنتهم فقال: ﴿فإنما هى زجرة
واحدة . فإذا هم بالساهرة ﴾ .
والزجرة : المرة من الزجر ، وهو الصياح المصحوب بالغضب ، يقال : زجر فلان فلانا ،
إذا أمره أو نهاه عن شىء بحدة وغضب .
والساهرة : الأرض المستوية الخالية من النبات .
والمراد بها هنا : الأرض التى يحشر الله - تعالى - فيها الخلائق .
قال القرطبى : قوله : ﴿ فإذا هم بالساهرة﴾ أى: على وجه الأرض ، بعد أن كانوا فى
بطنها . سميت بهذا الاسم ، لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم ، والعرب تسمى الفلاة ووجه
الأرض ساهرة ، بمعنى ذات سهر ، لأنه يسهر فيها خوفا منها ، فوصفها بصفة ما فيها .. (١) .
والفاء فى قوله: ﴿فإنما هى زجرة ... ﴾ للتفريع على قولهم السابق، وضمير ((هى)) يعود
(١) تفسير القرطبى جـ ١٩ ص ١٩٨.
٢٦٨
المجلد الخامس عشر
إلى الحالة والقصة التى أنكروها ، وهى قيام الساعة .
أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل التوبيخ والتقريع : ليس الأمر كما
زعمتم من أنه لا بعث ولا جزاء .. بل الحق أن ذلك آت لا ريب فيه ، وأن عودتكم إلى الحياة
مرة أخرى لا تقتضى من خالقكم سوى صيحة واحدة يصيحها ملك من ملائكته بكم ، فإذا
أنتم قيام من قبوركم ، ومجتمعون فى المكان الذى يحدده الله - تعالى - لاجتماعكم ولحسابكم
وجزائكم .
1
وعبر - سبحانه - عن اجتماعهم بأرض المحشر بإذا الفجائية فقال : ﴿ فإذا هم
بالساهرة﴾ للإِيذان بأن اجتماعهم هذا سيكون فى نهاية السرعة والخفة ، وأنه سيتحقق فى
أعقاب الزجرة بدون أقل تأخير .
ووصف - سبحانه - الزجرة بأنها واحدة ، لتأكيد ما فى صيغة المرة من معنى الوحدة ،
أى : أن الأمر لا يقتضى سوى الإذن منا بصيحة واحدة لا أكثر ، تنهضون بعدها من قبوركم
للحساب والجزاء ، نهوضا لا تملكون معه التأخر أو التردد .. والمراد بها : النفخة الثانية .
وقال - سبحانه -: ﴿ فإذا هم ﴾ بضمير الغيبة ، إهمالا لشأنهم ، وتحقيرا لهم عن
استحقاق الخطاب .
وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : ﴿ ونفخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن فى
الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ﴾.
وإلى هنا نجد السورة الكريمة قد حدثتنا حديثا بليغا مؤثرا عن أهوال يوم القيامة ، وعن
أحوال المجرمين فى هذا اليوم العسير .
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من قصةموسى مع فرعون ، لتكون تسلية للنبى
- ﴿ - عما أصابه من هؤلاء الجاحدين ، وتهديدا لهم حتى يقلعوا عن غيهم .. فقال
- تعالى - :
١٥
هَلْ أَنْنِكَ حَدِيثُ مُوسَى
١٧
إِذْ نَادَ نُ رَبَّهُ بِالْوَادِ الْقَدَّسِ طُوَى ) اذْهَبْ إِلَى فِرْهَوْنَ إِنَّهُطَغَى
فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَنْ تَزَّكَّه ◌ُوَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ، فَرَنُهُ
الْآَيَةَ الْكُبْرَى ◌ْا فَكَذَّبَ وَعَصَى ◌ْ ثُمَّ أَذْبَرَيَسْعَى ﴿ فَحَشَرَ
٢٦٩
سورة النازعات
فَادَى ، فَقَالَ أَنَاْرَبِّكُمُ الْأَعْلَى { فَأَخَذَهُاللّهُنَكَالْآَخِرَةِ وَالْأُولَ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةٌ لِمَنْ يَخْشَىَ ﴾
٢٥
قال الإِمام الرازى : اعلم أن وجه المناسبة بين هذه القصة وبين ما قبلها من وجهين :"
الأول : أنه - تعالى - حكى عن الكفار إصرارهم على إنكار البعث ، حتى انتهوا فى ذلك
الإِنكار إلى حد الاستهزاء فى قولهم: ﴿ تلك إذا كرة خاسرة ﴾، وكان ذلك يشق على
الرسول - ﴿ - فذكر - سبحانه - قصة موسى - عليه السلام - ، وبين أنه تحمل المشقة
فى دعوة فرعون، ليكون ذلك تسلية للرسول - والف - .
الثانى : أن فرعون كان أقوى من كفار قريش .. فلما تمرد على موسى ، أخذه الله
- تعالى - نكال الآخرة والأولى ، فكذلك هؤلاء المشركون فى تمردهم عليك ، إن أصرواً ،
أخذهم الله وجعلهم نكالا ... (١).
والمقصود من الاستفهام فى قوله - تعالى - : ﴿ هل أتاك حديث موسى .. ﴾ التشويق إلى
الخبر ، وجعل السامع فى أشد حالات الترقب لما سيلقى إليه ، حتى يكون أكثر وعيا لما
٨٠
سيسمعه .
والخطاب للرسول - * - لقصد تسليته ، ويندرج فيه كل من يصلح له .
والمعنى : هل وصل إلى علمك - أيها الرسول الكريم - خبر موسى - عليه السلام - مع
فرعون ؟ إن كان لم يصل إليك فهاك جانبا من خبره نقصه عليك ، فتنبه له ، لتزداد ثباتا على
ثباتك ، وثقة فى نصر الله - تعالى - لك على ثقتك .
والظرف ((إذا)) فى قوله - تعالى -: ﴿إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى ﴾ متعلق بلفظ
((حديث))، والجملة بدل اشتمال مما قبلها .
و(( الواد)) المكان المنخفض بين جبلين، أو بين مكانين مرتفعين. و((المقدس)): بمعنى
المطهر. و((طوى)) اسم للوادى . وقد جاء الحديث عنه فى آيات متعددة ، منها قوله
- تعالى -: ﴿ فلما أتاها: أى النار - نودى ياموسى . إنى أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد
(٢)
المقدس طوى
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٨ ص ٣٢١.
(٢) سورة طه الآيتان ١١ - ١٢ .
٢٧٠
المجلد الخامس عشر
والمعنى : هل بلغك - أيها الرسول الكريم - خبر موسى ، وقت أن ناديناه وهو بالواد
المقدس طوى ، الذى هو بجانب الطور الأيمن ، بالنسبة للقادم من أرض مدين التى هى فى
شمال الحجاز .
ويدل على ذلك قوله - تعالى -: ﴿ فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب
الطور نارا قال لأهله امكثوا إنى آنست نارا . لعلى آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم
تصطلون . فلما أتاها نودى من شاطىء الواد الأيمن فى البقعة المباركة من الشجرة ، أن ياموسى
﴾(١) .
إنى أنا الله رب العالمين
وقوله - سبحانه - : ﴿ اذهب الى فرعون ... ﴾ مقول لقول محذوف ، أى: ناديناه وقلنا
له: ﴿ اذهب ﴾ ياموسى إلى فرعون إنه طغى، أى: إنه تجاوز كل حد فى الكفر والغرور
والعصيان .
وفرعون : لقب لكل ملك من ملوك مصر فى ذلك الزمان ، وقد قالوا إن فرعون الذى
أرسل الله - تعالى - إليه موسى - عليه السلام - هو منفتاح بن رمسيس الثانى .
: ثم بين - سبحانه - ما قاله لموسى على سبيل الإِرشاد إلى أحكم وأفضل وسائل الدعوة
إلى الحق فقال: ﴿ فقل هل لك إلى أن تزكى ، وأهديك إلى ربك فتخشى
والمقصود بالاستفهام هنا : الحض والترغيب فى الاستجابة للحق ، كما تقول لمن تنصحه :
هل لك فى كذا، والجار والمجرور ((لك)) خبر لمبتدأ محذوف، أى : هل لك رغبة فى التزكية.
أى : اذهب ياموسى إلى فرعون ، فقل له على سبيل النصح الحكيم . والإِرشاد البليغ:
هل لك يا فرعون رغبة فى أن أدلك على مايزكيك ويطهرك من الرجس والفسوق والعصيان .
وهل لك رغبة - أيضا - فى أن أرشدك إلى الطريق الذى يوصلك إلى رضى ربك ، فيترتب
على وصولك إلى الطريق السوى ، الخشية منه - تعالى - والمعرفة التامة بجلاله وسلطانه .
قال صاحب الكشاف : قوله: ﴿وأهديك إلى ربك ... ﴾ أى: وأرشدك إلى معرفة الله،
أى : أنبهك عليه فتعرفه ﴿ فتخشى﴾ لأن الخشية لا تكون إلا بالمعرفة .. وذكر الخشية ،
لأنها ملاك الأمر ، من خشى الله أتى منه كل خير ، ومن أمن اجترأ على كل شىء . ومنه قوله
-* -: ((من خاف أدلج، - أى: سار فى أول الليل - ومن أدلج بلغ المنزل)».
· بدأ مخاطبته بالاستفهام الذى معناه العرض ، كما يقول الرجل لضيفه : هل لك أن تنزل
بنا ؟ وأردفه الكلام الرقيق ليستدعيه بالتلطف فى القول ، ويستنزله بالمداراة من عتوه ، كما أمر
-
(١) سورة القصص الآيتان ٢٩ - ٣٠.
٢٧١
سورة النازعات
بذلك فى قوله - تعالى - ﴿ فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى .. ﴾(١).
والحق أن هاتين الآيتين فيهما أسمى ألوان الإِرشاد إلى الدعوة إلى الحق بالحكمة والموعظة
الحسنة .
والفاء فى قوله - تعالى -: ﴿ فأراه الآية الكبرى . فكذب وعصى ﴾ للإفصاح والتفريع
على كلام محذوف يفهم من المقام . والتقدير : فامتثل موسى - عليه السلام - أمر ربه ،
فذهب إلى فرعون ، فدعاه إلى الحق ، فكذبه فرعون ، فماكان من موسى إلا أن أراه الآية
الكبرى التى تدل على صدقه ، وهى أن ألقى أمامه عصاه فإذا هى حية تسعى ، وأن نزع يده
من جيبه فإذا هى بيضاء من غير سوء .
ولكن فرعون لم يستجب لدعوة موسى، بعد أن أراه الآية الكبرى الدالة على صدقه ، بل
كذب ما رآه تكذيبا شديدا ، وعصى أمر ربه عصيانا كبيرا .
ثم أدبر يسعى ﴾ أى: ثم أضاف إلى تكذيبه وعصيانه . إعراضه وتوليه عن الإيمان
والطاعة . وسعيه سعيا حثيثا فى إبطال أمر موسى ، وإصراره على تكذيب معجزته .
وجاء العطف هنا بثم ، للدلالة إلى أنه قد تجاوز التكذيب والعصيان ، إلى ما هو أشد منهما
فى الجحود والعناد ، وهو الإعراض عن الحق والسعى الشديد فى إبطاله .
ثم بين - سبحانه - ما فعله بعد ذلك فقال: ﴿فحشر فنادى فقال أنا ربكم
الأعلى ﴾ .
والحشر : جمع الناس ، والنداء : الجهر بالصوت لإِسماع الغير ، ومفعولاهما محذوفان .
أى : فجمع فرعون الناس عن طريق جنده ، وناداهم بأعلى صوته ، قائلا لهم : أنا ربكم
الأعلى الذى لا رب أعلى منه ، وليس الأمر كما يقول موسى من أن لكم إلها سواى .
والتعبير بالفاء فى قوله : ﴿ فنادى ﴾ للإشعار بأنه بمجرد أن جمعهم دعاهم إلى الاعتراف
بأنه هو رب الأرباب .
وجاء نداؤه بالصيغة الدالة على الحصر ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ للرد على ما قاله موسى له .
من وجوب إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده .
ثم بين - سبحانه - ما ترتب على هذا الفجور الذى تلبس به فرعون ، وعلى هذا الطغيان
الذى تجاوز معه كل حد، فقال: ﴿ فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ﴾.
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٩٥ .
٢٧٢
المجلد الخامس عشر
والنكال : مصدر بمعنى التنكيل ، وهو العقاب الذى يجعل من رآه فى حالة تمتعه وتصرفه عما
يؤدى إليه ، يقال: نَكّلَ فلان بفلان ، إذا أوقع به عقوبة شديدة تجعله نكالا وعبرة لغيره .
وهو منصوب على أنه مصدر مؤكد لقوله ﴿ فأخذه ﴾، لأن معناه نكل به ، والتعبير بالأخذ
للإشعار بأن هذه العقوبة كانت محيطة بالمأخوذ بحيث لا يستطيع التفلت منها .
والمراد بالآخرة : الدار الآخرة ، والمراد بالأولى : الحياة الدنيا .
أى : أن فرعون عندما تمادى فى تكذيبه وعصيانه وطغيانه .. كانت نتيجة ذلك أن أخذه الله
- تعالى - أخذ عزيز مقتدر ، بأن أنزل به فى الآخرة أشد أنواع الإِحراق ، وأنزل به فى الدنيا
أفظع ألوان الإِغراق .
وقدم - سبحانه - عذاب الآخرة على الأولى ، لأنه أشد وأبقى .
ومنهم من يرى أن المراد بالآخرة قوله لقومه: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾، وأن المراد بالأولى
تكذيبه لموسى - عليه السلام - أى ، فعاقبه الله - تعالى - على هاتين المعصيتين وهذا العقاب
الأليم ، بأن أغرقه ومن معه جميعا ..
ويبدو لنا أن التفسير الأول هو الأقرب إلى ما تفيده الآية الكريمة ، إذ من المعروف أن
الآخرة ، هى ما تقابل الأولى وهى دار الدنيا ، ولذا قال الإِمام ابن كثير : قوله - تعالى - :
فأخذه الله نكال الآخرة والأولى﴾ أى: انتقم الله منه انتقاما جعله به عبرة ونكالا
لأمثاله من المتمردين فى الدنيا . ويوم القيامة بئس الرفد المرفود ، كما قال - تعالى - :
وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون﴾. هذا هو الصحيح فى معنى
الآية، أن المراد بقوله: ﴿نكال الآخرة والأولى﴾ أى: الدنيا والآخرة. وقيل المراد بذلك
كلمتاه الأولى والثانية . وقيل: كفره وعصيانه، والصحيح الذى لاشك فيه الأول .. (١).
والإِشارة فى قوله - تعالى -: ﴿إن فى ذلك لعبرة لمن يخشى)، تعود إلى حديث موسى
الذى دار بينه وبين فرعون ، وما ترتب عليه من نجاة لموسى ومن إهلاك لفرعون .
أى : إن فى ذلك الذى ذكرناه عما دار بين موسى وفرعون ، لعبرة وعظة ، لمن يخشى الله
- تعالى - ، ويقف عند حدوده ، لا لغيره ممن لا يتوبون ولا يتذكرون ولا تخالط أنفسهم
خشية الله - تعالى - .
والمقصود من هذه القصة كلها ، تسلية الرسول - وَ﴿ - ، وتهديد المشركين بأنهم إذا
ما استمروا فى طغيانهم ، كانت عاقبتهم كعاقبة فرعون .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٣٨ .
٢٧٣
سورة النازعات
وبعد هذا الاستطراد عن طريق ذكر جانب مما دار بين موسى وفرعون .. عادت السورة
الكريمة ، كما بدأت إلى الحديث عن أهوال يوم القيامة ، وعن إمكانية وقوعه ، وعن أحوال
الناس فيه . وعن أن موعد قيامه مرد علمه إلى الله - تعالى - وحده، فقال - سبحانه - :
ءَأَنْتُمْ أَشَدُ خَلْقَّ أَمِالسَّمَاءُبَنَهَا
◌ْ رَفَعَ سَمْكَهَا فَوَّنَهَا () وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَتِهَا(®)
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَهَآ ® أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَ هَا وَمَرْ عَنْهَا
وَارْجِبَالَ أَرْسَنِهَا مَا لَكُمُوَ لِأَنْعَمِكُ (٦) فَإِذَا جَآءَ تِالطََّمَّةُ
اَلْكُبْرَىَ ﴿ يَوْمَ يَتَذَكْرُ الْإِنسَنُ مَاسَعَى ﴾ وَبُرْزَتِ الْجَحِيمُ
لِمَنْ يَرَىَّ ◌َ فَأَمَّا مَن ◌َغَى ﴾ وَءَاثَرِ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَ) فَإِنَّالْجَحِيمَ
هِىَ الْمَأْوَى (١٥) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَى
﴿﴿ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى ◌ْ يَسْتَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَانَ مُرَّسَهَا
﴿ فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَبَهَا () إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَنَهَ ®) إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ
مَنْ يَخْشَهَا كَهُمْ يَوَمَ يَوْنَهَا لَمْيَكْبَنُوا إِلََّعَشِيَّةً أَوْضُحَهَا(٥)
والخطاب فى قوله - تعالى -: ﴿ أأنتم أشد خلقا ... ) لأولئك الجاحدين الجاهلين الذين
استنكروا إعادتهم إلى الحياة بعد موتهم ، وقالوا : ﴿ أئنا لمردودون فى الحافرة.
﴾ .
وجاء هذا الخطاب على سبيل التقريع والتوبيخ لهم، حيث بين لهم - سبحانه - أن
إعادتهم إلى الحياة ، ليست بأصعب من خلق السموات والأرض .
أشد﴾ أفعل تفضيل، والمفضل عليه محذوف، لدلالة قوله - تعالى -: ﴿ أم
السماء ﴾ عليه .
والمراد بالأشد هنا : الأصعب بالنسبة لاعتقاد المخاطبين ، إذ كل شىء فى هذا الكون
خاضع لإِرادة الله - تعالى - ومشيئته ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون
،۔۔
٢٧٤
المجلد الخامس عشر
والمعنى : أخلقكم - أيها الجاهلون - بعد موتكم ، وإعادتكم إلى الحياة بعد هلاككم ، أشد
وأصعب فى تقديركم ، أم خلق السماء التى ترون بأعينكم عظمتها وضخامتها ، والتى أوجدها
- سبحانه ه وبناها بقدرته .
فالمقصود من الآية الكريمة لفت أنظارهم إلى أمر معلوم عندهم بالمشاهدة ، وهو أن خلق
السماء أعظم وأبلغ من خلقهم ، ومن كان قادرا على الأبلغ والأعظم كان على ما هو أقل منه
- وهو خلقهم وإعادتهم بعد موتهم - أقدر .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ لخلق السموات والأرض أكبر من خلق
الناس ... ﴾ .
ثم بين - سبحانه - جانبا من بديع قدرته فى خلق السماء فقال: ﴿ رفع سمكها
فسواها
والسَّمْك - بفتح السين - المشددة وسكون الميم - : الرفع فى الفضاء ، وجعل الشىء
عاليا عن غيره .
تقول : سمكت الشىء، إذا رفعته فى الهواء ، وبناء مسموك ، أى : مرتفع ، ومنه قول
الشاعر :
إن الذى سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعز وأطول
أى: أن الله - تعالى - بقدرته ، جعل مقدار ارتفاع السماء عن الأرض عظيما، وبجانب
ذلك سوى بحكمته هذه السماء ، بأن جعلها خالية من الشقوق والثقوب .. كما قال
- سبحانه -: ﴿ما ترى فى خلق الرحمن من تفاوت ... ﴾.
وجملة ((وأغطش ليلها ... )) معطوفة على ((بناها))، والإِغطاش : الإِظلام الشديد .
يقال : غطش الليل - من باب ضرب - إذا اشتد ظلامه .
أى : وجعل - بقدرته - ليل هذه السماء مظلما غاية الإظلام : بسبب مغيب شمسها .
وأخرج ضحاها ﴾ أى: وأبرز وأضاء نهارها ، إذ الضحى فى الأصل : انتشار
الشمس ، وامتداد النهار . ثم سمى به هذا الوقت ، لبروز ضوء الشمس فيه أكثر من غيره ،
فهو من باب تسمية الشىء باسم أشرف أجزائه وأطيبها .
وأضاف - سبحانه - الليل والضحى إلى السماء لأنهما يحدثان بسبب غروب شمسها
وطلوعها .
ثم انتقلت الآيات الكريمة من الاستدلال على قدرته - تعالى - عن طريق خلق السماء ،
٢٧٥
سورة النازعات
الى الاستدلال على قدرته عن طريق خلق الأرض فقال: ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها
ولفظ ((الأرض)) منصوب على الاشتغال. واسم الإشارة ((ذلك)) يعود إلى خلق السماء
وتسويتها ورفعها وإغطاش ليلها . وقوله ﴿ دحاها ﴾ من الدحو بمعنى البسط ، تقول :
دحوت الشىء أدحوه ، إذا بسطته ..
أى : خلق - سبحانه - السماء وسواها ، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها ، والأرض بعد
كل ذلك الخلق البديع للسماء ، بسطها وأوسعها لتكون مستقرا لكم وموضعا لتقلبكم عليها ..
وقد أخذ بعض العلماء من هذه الآية ، تأخر خلق الأرض عن خلق السماء ..
وجمهور العلماء على أن خلق الأرض متقدم على خلق السماء ، بدليل قوله - تعالى - :
﴿ هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو
بكل شىء عليم ﴾(١) .
قالوا فى الجمع بين هذه الآية التى معنا ، وبين آية سورة البقرة ، بما روى عن ابن عباس
من أنه سئل عن الجمع بين هاتين الآيتين فقال: خلق الله - تعالى - الأرض أولا غير
مدحوة ، ثم خلق السماء ، ثم دحا الأرض بعد ذلك ، وجعل فيها الرواسى والأنهار وغيرهما .
أى : أن أصل خلق الأرض كان قبل خلق السماء ، ودحوها بجبالها وأشجارها ، كان بعد خلق
السماء .
وقالوا - أيضا - فى وجه الجمع ، إن لفظ بعد فى قوله - تعالى - ﴿ بعد ذلك ﴾ بمعنى
مع. أى: والأرض مع ذلك بسطها ومهدها لسكنى أهلها فيها .. (٢).
وقدم - سبحانه - هنا خلق السماء على الأرض ، لأنه أدل على القدرة الباهرة ، لعظم
السماء وانطوائها على الأعاجيب .
وقوله - سبحانه - ﴿ أخرج منها ماءها ومرعاها . والجبال أرساها ) بدل اشتمال من
قوله ﴿ دحاها)، أو بيان وتفسير لدحوها، والمرعى: مصدر ميمى أطلق على المفعول ،
كالخلق بمعنى المخلوق ، أى أخرج منها ما يُرْعَى .
أى: والأرض جعلها مستقرا لكم ، ومكانا لانتفاعكم ، بأن أخرج منها ماءها ، عن طريق
تفجير العيون والآبار والبحار ، وأخرج منها ﴿ مرعاها ﴾ أى: جميع ما يقتات به الناس
والدواب ، بدليل قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿ متاعا لكم ولأنعامكم﴾.
(١) سورة البقرة الآية ٢٩ .
(٢) راجع تفسيرنا لسورة فصلت ، المجلد الثانى عشر.
د
٢٧٦
المجلد الخامس عشر
وكذلك من مظاهر قدرته - تعالى - ورحمته بكم ، أنه أثبت الجبال فى الأرض حتى لا تميد
أو تضطرب ، فالمقصود بإرساء الجبال : تثبيتها فى الأرض .
وقوله - تعالى -: ﴿ متاعا لكم ولأنعامكم ﴾ بيان لوجه المنة فى خلق الأرض على هذه
الطريقة البديعة .
والمتاع : اسم لما يتمتع به الإِنسان من منافع الحياة الدنيا لمدة محدودة من الزمان ، وانتصب
لفظ ((متاعا)» هنا بفعل مقدر من لفظه، أى : متعناكم متاعا .
والمعنى : دحونا الأرض ، وأخرجنا منها ماءها ومرعاها .. لتكون موضع منفعة لكم ،.
تتمتعون بخيراتها أنتم وأنعامكم ، إلى وقت معين من الزمان ، تتركونها لانتهاء أعماركم .
٠
ثم بين - سبحانه - حال الأشقياء والسعداء يوم القيامة ، فقال: ﴿ فإذا جاءت الطامة
الكبرى﴾. والطامة: اسم المصيبة العظمى، التى تَطَّمَ وتغلب وتعلو ماسواها من
مصائب ، من قولهم : طَّ الشىء يطُمُّه طًّا ، إذا غمره . وكل شىء كثر وعلا على غيره ، فقد
طم عليه . ويقال : طم الماء الأرض إذا غمرها .
وهذا الوصف ليوم القيامة ، من أوصاف التهويل والشدة ، لأن أحوالها تغمر الناس
وتجعلهم لا يفكرون فى شىء سواها .
وجواب الشرط محذوف ، والمجىء هنا : بمعنى الحدوث والوقوع ، أى : فإذا وقعت
القيامة ، وقامت الساعة .. حدث ما حدث ما لم يكن فى الحسبان من شدائد وأهوال .
وقوله : ﴿ يوم يتذكر الإِنسان ما سعى﴾ بدل اشتمال من الجملة التى قبلها وهى قوله:
فإذا جاءت الطامة) لأن ما أضيف إليه لفظ ((يوم)) من الأحوال التى يشملها يوم
القيامة ، وتذكر الإِنسان لسعيه فى الدنيا ، يكون بإطلاعه على أعماله التى نسيها ، ورؤيته إياها
فى كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .
أى : فإذا قامت القيامة ، وتذكر الإِنسان فى هذا الوقت ما كان قد نسيه من أعمال فى
دنياه ، وقع له من الخوف والفزع مالا يدخل تحت وصف ..
وقوله : ﴿وبرزت الجحيم لمن يرى﴾ معطوف على قوله ﴿جاءت). أى: فإذا
جاءت الطامة الكبرى ، وتذكر الإِنسان فيها ما كان قد نسيه من أعمال دنيوية ﴿ وبرزت
الجحيم﴾ أى: وأظهرت إظهارا واضحا لا خفاء فيه ولا لبس ﴿لمن يرى﴾ أى: لكل
راء . كان الهول الأعظم .
وقوله - سبحانه -: ﴿ فأما من طغى ... ﴾ تفصيل لأحوال الناس فى هذا اليوم .
٢٧٧
سورة النازعات
أى: ﴿فأما من طغى﴾ بأن تجاوز الحدود فى الكفر والفسوق والعصيان ﴿وآثر الحياة
الدنيا﴾ بأن قدم متاعها الفانى، على نعيم الآخرة الخالد ..
فإن الجحيم هى المأوى ﴾ أى: فإن مصير هذا الإِنسان الشقى سيكون إلى النار
الملتهبة ، لا منزل له سواها فى هذا اليوم .
وأما من خاف مقام ربه ﴾ أى: خاف عظمته وجلاله ، وسلح نفسه بالإِيمان والعمل
الصالح استعدادا لهذا اليوم الذى يجازى فيه كل إنسان بما يستحقه .
ونهى النفس عن الهوى ﴾ أى: وزجر نفسه وكفها عن السيئات والمعاصى والميول نحو
الأهواء الضالة المضلة .
فإن الجنة هى المأوى ﴾ أى: فإن الجنة فى هذا اليوم، ستكون هى مأواه ومنزله
ومستقره ..
.--
ثم لقن الله - تعالى - نبيه - * - الجواب الذى يرد به على المشركين ، الذين كانوا
يكثرون من سؤاله عن يوم القيامة ، على سبيل الإِنكار والاستهزاء ، فقال - تعالى - :
يسألونك عن الساعة أيان مرساها ﴾ .
وأيان: اسم يستفهم به عن تعيين الوقت وتحديده ، فهو ظرف زمان متضمن معنى (( متى))
ومرساها : مصدر ميمى من أرسى الشىء إذا ثبته وأقره ، ولا يكاد يستعمل هذا اللفظ إلا فى
الشىء الثقيل ، كما فى قوله - تعالى - : ﴿ والجبال أرساها .. ﴾.
ونسبة الإِرساء إلى الساعة ، باعتبار تشبيه المعانى بالأجسام. و((أيان)) خبر مقدم،
و((مرساها)» مبتدأ مؤخر .
والمعنى : يسألك يا محمد هؤلاء القوم عن وقت قيام الساعة ، قائلين لك : متى يكون
استقرارها وإرساؤها ووقوعها ؟ .
وأطلق على يوم القيامة ساعة لوقوع بغتة ، أو لسرعة مافيه من الحساب ، أو لأنه على
طوله ، زمان يسير عند الله - تعالى - .
وقوله - سبحانه -: ﴿ فيم أنت من ذكراها . إلى ربك منتهاها ﴾ واقع موقع الجواب
عن سؤالهم عن الساعة ، وعن وقت وقوعها .
والمقصود بهذا الجواب توبيخهم على إلحاحهم فى السؤال عنها ، مع أن الأولى بهم كان
الاستعداد لها بالإِيمان والعمل الصالح .
و((ما)» فى قوله ﴿ فيم) اسم استفهام بمعنى: أى شىء، وهى هنا مستعملة فى التعجيب
٢٧٨
المجلد الخامس عشر
من كثرة أسئلتهم عن شىء لا يهمهم حدوثه ، وإنما الذى يهمهم - لو كانوا يعقلون - هو
حسن الاستعداد له .
قال الآلوسى: قوله: ﴿ فيم أنت من ذكراها ﴾ إنكار ورد لسؤال المشركين عنها. أى:
فى أى شىء أنت من أن تذكر لهم وقتها ، وتعلمهم به حتى يسألونك بيانها ، كقوله - تعالى -
يسألونك كأنك حفى عنها﴾ فالاستفهام للإِنكار. وفيم خبر مقدم، وأنت مبتدأ مؤخر.
وقوله ﴿ من ذكراها﴾ على تقدير مضاف، أى: ذكرى وقتها، وهو متعلق بما تعلق به
الخبر .
وقيل: ﴿ فيم﴾ إنكار لسؤالهم، وما بعده استئناف تعليل للإنكار، وبيان لبطلان
السؤال . أى : فيم هذا السؤال ، ثم ابتدىء فقيل: أنت من ذكراها . أى : إرسالك وأنت
خاتم النبيين .. علامة من علاماتها .(١) .
وقوله - تعالى -: ﴿ إلى ربك منتهاها﴾ أى: إلى ربك وحده منتهى علم قيامها، لأنه
- سبحانه - هو وحده - دون غيره - العليم علما تاما بالوقت الذى ستقوم فيه الساعة .
ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله : ﴿ إن الله عنده علم الساعة ... ) وقوله
- سبحانه - ﴿ يسألونك عن الساعة أيان مرساها ، قل إنما علمها عند ربى ، لا يجليها
لوقتها إلا هو ... ﴾ .
وقوله - تعالى -: ﴿ إنما أنت منذر من يخشاها ﴾ تحديد لوظيفته - ملح - أى: ليست
وظيفتك - أيها الرسول الكريم - معرفة الوقت الذى تقوم فيه الساعة ، فهذا أمر مرد
معرفته إلى الله وحده .. وإنما وظيفتك امتثال ما أمرت به ، من بيان اقترابها ، وتفصيل أهوالها ،
ودعوة الناس إلى حسن الاستعداد لها بالإِيمان والعمل الصالح ..
وإذا كان الأمر كذلك فلماذا ترك هؤلاء الجاهلون ما يجب عليهم من الإِيمان والعمل
الصالح ، وأخذوا يسألونك عن أشياء خارجة عن وظيفتك ؟ .
وخص - سبحانه - الإِنذار بمن يخشى قيام الساعة، مع أن رسالته - 18 - إلى الناس
كافة . وإنذاره إنما هو لهم جميعا ، لأن هؤلاء الذين يخشون وقوعها ، ويعملون العمل الصالح
الذى ينجيهم من أهوالها ، هم الذين ينتفعون بهذا الإِنذار .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ، ببيان حالهم عند قيام الساعة ، فقال - تعالى - :
كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ،
(١) تفسير الآلوسى جـ ٣٠ ص ٣٧.
٢٧٩
سورة النازعات
والعشية : هى الوقت الكائن من الزوال إلى الغروب . والضحى : الوقت الكائن من
أوائل النهار إلى الزوال .
أى : كأن هؤلاء المشركين حين يرون الساعة وقد فاجأتهم بأهوالها ، لم يلبثوا فى دنياهم أو
فى قبورهم إلا وقتا يسيرا ، يشبه العشية أو الضحى بالنسبة للزمان الطويل .
فالمقصود من الآية الكريمة : بيان أن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن المشركين عند إتيانها
كأنهم ما لبثوا فى انتطارها إلا يوما أو بعض يوم ..
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف صحت إضافة الضحى إلى العشية ؟ قلت : لما
بينهما من الملابسة لاجتماعها فى نهار واحد .
فإن قلت : فهلا قيل : إلا عشية أو ضحى وما فائدة الإضافة ؟ قلت : للدلالة على أن مدة
لبثهم ، كأنها لم تبلغ يوما كاملا ، ولكن ساعة منه عشيته أو ضحاه ، فلما ترك اليوم أضافه إلى
عشيته ، فهو كقوله: ﴿ لم يلبثوا إلا ساعة من نهار﴾(١).
وبعد: فهذا تفسير لسورة ((النازعات)) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه
ونافعا لعباده .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القاهرة - مدينة نصر
مساء الأربعاء ١٣ من المحرم سنة ١٤٠٧ هـ.
١٧ / ٩ / ١٩٨٦
م.
٠
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٩٩ .