النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ سورة الإنسان أى : ويقولون لهم - أيضا - عند تقديم الطعام لهم : إنا نخاف من ربنا يوما ، تعبس فيه الوجوه ، من شدة هوله ، وعظم أمره ، وطول بلائه . أى : أنهم لم يقدموا الطعام - مع حبهم له - رياء ومفاخرة ، وإنما قدموه ابتغاء وجه الله، وخوفا من عذابه . والفاء فى قوله: ﴿ فوقاهم الله شر ذلك اليوم .. ﴾ للتفريع على ما تقدم ولبيان ما ترتب على إخلاصهم وسخائهم من ثواب . أى : فترتب على وفائهم بالتذور ، وعلى خوفهم من عذاب الله - تعالى - وعلى سخائهم وإخلاصهم ، ترتب على كل ذلك أن دفع الله - تعالى - عنهم شر ذلك اليوم ، وهو يوم القيامة . ولقاهم نضرة وسرورا﴾ أى: وجعلهم يلقون فيها حسنا وبهجة فى الوجوه، وسرورا وانشراحا فى الصدور ، بدل العبوس والكلوح الذى حل بوجوه الكفار . وجزاهم بما صبروا﴾ أى: بسبب صبرهم ﴿جنة) عظيمة .. و﴿ حريرا﴾ جميلا يلبسونه . ﴿متكئين فيها﴾ أى: فى الجنة ﴿على الأرائك﴾ أى: على السرر، أو على ما يتكأ عليه من سرير أو فراش ونحوه . لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا﴾ أى: لا يرون فيها شمسا شديدة الحرارة بحيث تؤذيهم أو تضرهم، ولا يرون فيها كذلك ﴿زمهريرا﴾ أى: بردا مفرطا، يقال: زمهر اليوم ، إذا اشتد برده . والمقصود من الآية الكريمة أنهم لا يرون فى الجنة إلا جوا معتدلا ، لا هو بالحار ولا هو بالبارد . وقوله - سبحانه - ﴿ ودانية عليهم ظلالها .. ﴾ معطوف على قوله قبل ذلك : . متکتین و((ظلالها)) فاعل ((دانية)) والضمير فى ((ظلالها)) يعود إلى الجنة. أى : أن الأبرار جالسون فى الجنة جلسة الناعم البال، المنشرح الصدر. وظلال أشجار الجنة قريبة منهم ، ومحيطة بهم ، زيادة فى إكرامهم . وذللت قطوفها تذليلا ﴾ أى: أنهم - فضلا عن ذلك - قد سخرت لهم ثمار الجنة ؛ تسخيرا ، وسهل الله - تعالى - لهم تناولها تسهيلا عظيما ، بحيث إن القاعد منهم والقائم ٢٢٢ المجلد الخامس عشر والمضطجع ، يستطيع أن يتناول هذه الثمار اللذيذة بدون جهد أو تعب . فقوله - تعالى -: ﴿وذللت) من التذليل بمعنى الانقياد والتسخير، يقال: ذُلّل الكرم - بضم الذال - إذا تدلت عناقيده وصارت فى متناول اليد . والقطوف: جمع قطف - بكسر القاف - وهو العنقود حين يُقْطَف أو الثمار المقطوفة . وبعد أن وصف - سبحانه - جانبا من طعامهم ولباسهم ومسكنهم أخذت السورة الكريمة فى وصف شرابهم. فقال - تعالى -: ﴿ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا . قواريرا من فضة قدروها تقديراً ﴾ . وقوله : ﴿ويطاف﴾ من الطواف، وهو السعى المكرر حول الشىء، ومنه الطواف بالكعبة . والآنية : جمع إناء ، وهو اسم لكل وعاء يوضع فيه الطعام والشراب والمراد بها هنا : الأوانى : التى يستعملونها فى مجالس شرابهم . والأكواب : جمع كوب ، وهو القدح الذى لا عروة له ، وعطفه على الآنية من باب عطف الخاص على العام . والقوارير : جمع قارورة وهى فى الأصل إناء رقيق من الزجاج النقى الشفاف ، توضع فيه الأشربة وما يشبهها ، فتستقر فيه . أى: ويطاف على هؤلاء الأبرار بآنية كائنة من فضة، وبأكواب وأقداح من فضة - أيضاً - وجعلت هذه الأكواب فى مثل القوارير فى صفائها ونقائها ، وفى مثل الفضة فى جمالها وحسنها ، بحيث يرى ما بداخلها من خارجها . وقوله - سبحانه - ﴿ قدروها تقديرا ﴾ أى: إن الطائفين بهذه الأكواب عليهم ، قد وضعوا فيها من الشراب على مقدار ما يشبع هؤلاء الأبرار ويروهم بدون زيادة أو نقصان والطائفون عليهم بذلك هم الخدم الذين جعلهم الله - تعالى - لخدمة هؤلاء الأبرار . وبنى الفعل للمجهول للعلم بهم . وقال - سبحانه - هنا ﴿ بآنية من فضة) وفى سورة الزخرف ﴿يطاق عليهم بصحاف من ذهب وأكواب .. ﴾ زيادة فى تكريمهم وفى سمو منزلتهم ، إذ تارة يطاف عليهم بأكواب من فضة ، وتارة يطاف عليهم بصحاف من ذهب ، ومن المعروف أنه كلما تعددت المناظر الحسنة ، والمشارب اللذيذة ، كان ذلك أبهج للنفس . والمراد بالكينونة فى قوله - تعالى - ﴿ كانت قواريرا .. ﴾ أنها تكونت ووجدت على هذه الصفة . ٢٢٣ سورة الإِنسان قال الألوسى : قوله - تعالى - ﴿ كانت قواريرا﴾ أى: كانت تلك الأكواب قوارير ، جمع قارورة ، وهى إناء رقيق من الزجاج توضع فيه الأشربة ، ونصبه على الحال ، فإن ((كان)) تامة، وهو كما تقول: خلقت قوارير. وقوله - تعالى -: ﴿قوارير من فضة ﴾ بدل . والكلام على التشبيه البليغ . والمراد تكونت جامعة بين صفاء الزجاجة وشفيفها ، ولون الفضة وبياضها . وقرأ نافع والكسائى وأبو بكر بتنوين ﴿قواريرا﴾ فى الموضعين وصلا، وإبداله ألفا وقفا . وابن كثير يمنع صرف الثانى ويصرف الأول .. والقراءة بمنع صرفهما للباقين (١). وقال الشوكانى: وجملة ((قدروها تقديرا)). صفة لقوارير .. أى: قدرها السقاة من الخدم ، الذين يطوفون عليهم على قدر ما يحتاج إليه الشاربون من أهل الجنة ، من دون زيادة ولا نقصان .. ، وقيل : قدرها الملائكة . وقيل : قدرها الشاربون لها من أهل الجنة على مقدار حاجتهم ، فجاءت كما يريدون فى الشكل لا تزيد ولا تنقص .. (٢). ثم بين - سبحانه - محاسن شراب أهل الجنة فقال: ﴿ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا عينا فيها تسمى سلسبيلا﴾ . والمراد بالكأس هنا : كأس الخمر . والضمير فى قوله ﴿فيها ﴾ يعود إلى الجنة . والزنجبيل : نبات ذو رائحة عطرية طيبة ، والعرب كانوا يستلذون الشراب الممزوج به . والسلسبيل وصف قيل مشتق من السلاسة بمعنى السهولة واللين ، يقال : ماء سلْسَل ، أى : عذب سائغ للشاربين ، ومعنى ﴿ تسمى﴾ على هذا الرأى. أى: توصف بالسلاسة والعذوبة . ٤١٥٠٠ وقيل : السلسبيل: اسم لهذه العين ، لقوله - تعالى - ﴿تسمى﴾. أى : أن هؤلاء الأبرار - بجانب كل ما تقدم من نعم - يسقون فى الجنة من كأس مليئة بالخمر ، وهذه الخمر التى يشربونها ممزوجة بالزنجبيل ، فتزداد لذة على لذتها . ويسقون - أيضا - من عين فيها - أى : فى الجنة - تسمى سلسبيلا ، وذلك لسلاسة مائها ولذته وعذوبته ، وسهولة نزوله إلى الحلق . قال صاحب الكشاف: ﴿سلسبيلا) سميت بذلك - لسلاسة انحدارها فى الحلق، وسهولة مساغها. يعنى : أنها فى طعم الزنجبيل، وليس فيها لذعة ، ولكن فيها نقيض اللذع (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٩ ص ١٥٩ . ( ٢) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٥ ص ٣٥٠. ٢٢٤ المجلد الخامس عشر وهو السلاسة ، فقال : شراب سلسل وسلسال وسلسبيل ، وقد زيدت الباء فى التركيب حتى صارت الكلمة خماسية . ودلت على غاية السلاسة .. (١). ثم أخبر - سبحانه - عن نوع آخر من الخدم ، يطوفون على هؤلاء الأبرار لخدمتهم ، فقال: ﴿ ويطوف عليهم ولدان مخلدون ، إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا. أى: ويطوف على هؤلاء الأبرار ﴿ولدان مخلدون﴾ أى: دائمون على ماهم عليه من النضارة والشباب .. إذا رأيتهم - أيها المخاطب ﴿ حسبتهم ﴾ وظننتهم ﴿ لؤلؤا منثورا ﴾ أى : حسبتهم من حسنهم ، وصفاء ألوانهم ، ونضارة وجوههم .. لؤلؤا ودرا مفرقا فى جنبات المجالس وأوسطها . فقوله - تعالى - ﴿ مخلدون ﴾ احتراس المقصود منه دفع توهم أنهم سیصیرون فی یوم من الأيام كهولا ، قالوا : وشبهوا باللؤلؤ المنثور ، لأن اللؤلؤ إذا نثر على البساط ، كان أكثر جمالا منه فيما لو كان منظوما . وإذا رأيت ثم ﴾ وثم هنا ظرف مكان مختص بالبعيد ، وهو منصوب على الظرفية ، ومفعول الرؤية غير مذكور ، لأن القصد : وإذا صدرت منك - أبها المخاطب رؤية إلى هناك ، أى: إلى الجنة ونعيمها .. ﴿رأيت نعيما﴾ لا يقادر قدره ﴿وملكا كبيرا﴾ أى: واسعا لا غاية له . فقوله - سبحانه - ﴿رأيت﴾ الثانية، جواب إذا. والمشار إليه ((بِثَمَّ)) التى هى بمعنى هناك معلوم من المقام ، لأن المقصود به الجنة التى سبق الحديث عنها فى مثل قوله : ﴿ وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا﴾ أى: وإذا سرحت ببصرك إلى هناك رأيت نعيما وملكا كبيرا . ثم فصل - سبحانه - جانبا من مظاهر هذا النعيم العظيم فقال ﴿ عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق ، وحلوا أساور من فضة ، وسقاهم ربهم شراباً طهورا ﴾ . وقوله ﴿ عاليهم ﴾ بفتح الياء وضم الهاء - معنی فوقهم ، فهو ظرف خبر مقدم ، وثياب مبتدأ مؤخر ، كأنه قيل : فوقهم ثياب ويصح أن يكون حالا للأبرار . أى : تلك حال أهل النعيم والملك الكبير وهم الأبرار . وقرأ نافعٍ وحمزة ﴿ عاليهم ﴾ - بسكون الياء وكسر الهاء - على أن الكلام جملة مستأنفة استئنافا بيانياً، لقوله - تعالى - ﴿رأيت نعيما وملكا كبيرا﴾، ويكون لفظ (عاليهم﴾ أسم فاعل مبتدأ . (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٧٢. ٢٢٥ سورة الإِنسان فاعله ساد مسد الخبر ، ويصح أن يكون خبرا مقدماً ، وما وقوله : ﴿ ثیاب سندس بعده مبتدأ مؤخر . وإضافة الثياب إلى السندس بيانية ، مثل : خاتم ذهب والسندس : الديباج الرقيق . والاستبرق : الديباج الغليظ . والمعنى : أن هؤلاء الأبرار ، أصحاب النعيم المقيم ، والملك الكبير ، فوق أجسادهم ثياب من أفخر الثياب ، لأنهم يجمعون فى لباسهم بين الديباج الرقيق ، والديباج الغليظ ، على سبيل التنعيم والجمع بين محاسن الثياب . وكانت تلك الملابس من اللون الأخضر ، لأنها أبهج للنفس ، وشعار لباس الملوك . وكلمة: ((خضر)) قرأها بعضهم بالرفع على أنها صفة لثياب ، وقرأها البعض الآخر بالجر، على أنها صفة لسندس. وكذلك كلمة ((وإستبرق)) قرئت بالرفع عطفا على ثياب ، وقرئت بالجر عطفا على سندس . وقوله: ﴿ وحلوا أساور من فضة﴾ بيان لما يتزينون به فى أيديهم، أى أن هؤلاء الأبرار يلبسون فى أيديهم أساور من فضة ، كما هو الشأن بالنسبة للملوك فى الدنيا ، ومنه ما ورد فى الحديث من ذكر سوارى كسرى . وقوله - تعالى -: ﴿وسقاهم ربهم شرابا طهورا﴾ أى: وفضلا عن كل تلك الملابس الفاخرة سقاهم ربهم - بفضله وإحسانه - شراباً بالغا نهاية الطهر ، فهو ليس كخمر الدنيا ، فيه الكثير من المساوىء التى تؤدى إلى ذهاب العقول .. وإنما خمر الآخرة : شراب لذيذ طاهر من كل خبث وقذر وسوء . وجاء لفظ (( طهورا)) بصيغة المبالغة ، للإشعار بأن هذا الشراب قد بلغ النهاية فى الطهارة . ثم ختم - سبحانه - هذا العطاء الواسع العظيم ، ببيان ما ستقوله الملائكة لهؤلاء الأبرار على سبيل التكريم والتشريف ، فقال : ﴿ إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا ﴾ . وهذه الآية الكريمة مقول القول محذوف ، والقائل هو الله - تعالى - أو ملائكته بأمره - سبحانه - وإذنه ، أى : سقاهم ربهم شرابا طهورا فى الآخرة ، ويقال لهم عند تمتعهم بكل هذا النعيم ، ﴿ إن هذا﴾ النعيم الذى تعيشون فيه ﴿كان لكم جزاء﴾ على إيمانكم وعملكم الصالح فى الدنيا . ٢٢٦ المجلد الخامس عشر وكان سعيكم مشكورا ﴾ أى: مرضيا ومقبولا عند خالقكم ، فازدادو - أيها الأبرار - سرورا على سروركم ، وبهجة على بهجتكم . وبعد هذا التفصيل لما أعده الله - تعالى - لعباده الأخيار من أصناف النعيم ، المتعلق بمأكلهم، ومشربهم .. أخذت السورة الكريمة. فى أواخرها - فى تثبيت النبى - وَال﴾ - وأصحابه. وفى دعوته - 18 - إلى المداومة على التحلى بفضيلة الصبر، وإلى الإكثار من ذكره - تعالى - وأنذرت الكافرين والفاسقين إذا ما استمروا فى ضلالهم . فقال - تعالى - : إِنَّا نَحْنُ نَزَّنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ تَنزِيلًا () فَاصْبِرْ لِحُكْمِرَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْءَائِمًا أَوْ كَفُورًا ، وَأَذْكُرُ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ٢٥ وَمِنَ الَيْلِ فَأَسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ﴿ إِنّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَ هُمْ يَوْمَّا تَقِيلًا (١) نَّخْنُ خَلَقْتَهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمِّ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَلَهُمْ تَبْدِيلًا ﴿ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ أَشَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ٢٩ وَمَا تَشَدَءُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهَ إِنَّاللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ® يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ، وَالظَّالِمِينَ أَعَلَّلَمْ عَذَابَ أَلِيمًا، ٣١١ وجاء قوله - تعالى -: ﴿ إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا ﴾ مؤكدا بجملة من المؤكدات . منها : إن ، ونحن ، وتنزيلا .. للرد على أولئك الجاحدين الذين أنكروا أن يكون القرآن من عند الله - تعالى - وقالوا فى شأنه: ﴿ لو نشاء لقلنا مثل هذا، إن هذا إلا أساطير الأولين ﴾ . أى : إنا نحن - وحدنا - أيها الرسول الكريم - ، الذين نزلنا عليك القرآن تنزيلا محكما ، وفصلناه تفصيلا متقنا ، بأن أنزلناه على قلبك مفرقا على حسب مشيئتنا وحكمتنا . ٢٢٧ سورة الإِنسان والفاء فى قوله: ﴿ فاصبر لحكم ربك ﴾ للإفصاح. وعدى فعل الصبر باللام، لتضمنه معنى الخضوع والاستسلام لقضائه - سبحانه - . أى : ما دام الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - فاصبر لحكم ربك ، واخضع لقضائه ومشيئته ، فهو - سبحانه - الكفيل بنصرك عليهم . وقوله : ﴿ ولا تطع منهم آثما أو كفورا﴾ أى: ولا تطع - أيها الرسول الكريم - من هؤلاء المشركين ، من كان داعياً إلى الإِثم والفجور ، أو من كان داعيا إلى الكفر والجحود . ولم يقل - سبحانه - ولا تطع منهم آثما وكفورا بالواو ، لأن الواو تجعل الكلام محتملا للنهى عن المجموع ، وأن طاعة أحدهما دون الآخر تكفى فى الامتثال . ولذا قال الزجاج: إن ((أو)» هنا أَوْكد من الواو ، لأنك إذا قلت : لا تطع زيدا وعمرا ، فأطاع أحدَهما كان غير عاص ، فإن أيدلتها بأو ، فقد دللتَ على أن كل واحد منهما ، أهل لأن يعصى، ويعلم منه النهى عن إطاعتهما معاً(١) . والآثم : هو الفاجر بأقواله وأفعاله . والكفور : هو الجاحد بقلبه ولسانه . ورحم الله صاحب الكشاف ، فقد قال عند تفسيره لهاتين الآيتين ما ملخصه : تكرير الضمير بعد إيقاعه اسما لإِنّ : تأكيد على تأكيد ، لمعنى اختصاص الله - تعالى - بالتنزيل ، ليتقرر فى نفس رسول الله - * - أنه إذا كان هو المنزل للقرآن، لم يكن تنزيله على أى وجه نزل ، إلا حكمة وصوابا ، كأنه قيل: ما نزل عليك القرآن تنزيلا مفرقا منجما ، إلا أنا لا غيرى ، وقد عرفتنى حكيما فاعلا لكل ما أفعله . فإن قلت : كلهم كانوا كفرة، فما معنى القسمة فى قوله: ﴿ آثما أو كفورا﴾؟ قلت : معناه لا تطع منهم راكبا لما هو إثم ، داعيا لك إليه ، أو فاعلا لما هو كفر ، داعيا لك إليه . لأنهم إما أن يدعوه إلى مساعدتهم على فعل إثم أو كفر ، أو غير إثم ولا كفر : فنهى عن أن يساعدهم على الاثنين دون الثالث . فإن قلت : معنى أو : ولا تطع أحدهما ، فهلا جىء بالواو وليكون نهيا عن طاعتهما جميعا ؟ قلت : لو قيل: ولا تطعهما ، جاز أن يطيع أحدهما ، وإذا قيل : لا تطع أحدهما ، علم أن الناهى عن طاعة أحدهما : عن طاعتهما جميعا أنهى، كما إذا نهى عن أن يقول لأبويه أف ، علم أنه منهى عن ضربهما بالطريق الأولى .. (٢) . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٤٦٢ . ( ٢ ) راجع تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٧٤ . ٢٢٨٠ المجلد الخامس عشر والمقصود من هاتين الآيتين تثبيت فؤاد النبى - في - وتيئيس المشركين من استجابته - * - لأى مطلب من مطالبهم الفاسدة . ثم أرشده - سبحانه - إلى ما يعينه على الصبر والثبات . فقال: ﴿واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا. ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا ﴾ . والبكرة: أول النهار. والأصيل: آخره . والمراد: المداومة على ذكر الله - تعالى - فى كل وقت . أى : داوم - أيها الرسول الكريم - على ذكر الله - تعالى - فى أول النهار وفى آخره ، وعلى صلاة الفجر ، والظهر والعصر . ومن الليل فاسجد له ﴾ - تعالى - وأكثر من ذكره ، وواظب على صلاة المغرب والعشاء . وسبحه ليلا طويلا ﴾ أى: ونزهه - تعالى - وتهجد له وقتا طويلا من الليل . فهاتان الآيتان ترشدان الرسول - - إلى ما يعينه على الازدياد من فضيلة الصبر الجميل ، والثبات على الحق . ومن الآيات الكثيرة التى تشبه هاتين الآيتين فى معناهما: قوله - تعالى - ﴿وأقم الصلاة طر فى النهار وزلفا من الليل ، إن الحسنات يذهبن السيئات ، ذلك ذكرى للذاكرين . واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين وقوله - تعالى -: ﴿ ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ، فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين ﴾ . ثم بين - سبحانه - جانبا من الأسباب التى تجعله - جزر - لا يطيع أحدا منهم فقال : ﴿ إن هؤلاء يحبون العاجلة ، ويذرون وراءهم يوما ثقيلا﴾. أى : نحن قد نهيناك - يا محمد - عن طاعة أحد من هؤلاء المشركين ، لأنهم جميعا ديدنهم ودأبهم أنهم يحبون ﴿ العاجلة﴾ أى: الدنيا ولذائذها وشهواتها ، العاجلة الزائلة . ﴿ ويذرون وراءهم﴾ أى: ويتركون وينبذون وراء ظهورهم ﴿يوما ثقيلا﴾ وهو يوم القيامة ، الشديد الأهوال ، الذى يجعل الولدان شيبا . ومع شدة هوله فهم لا يستعدون له ، ولا يحسبون له حسابا . فالآية الكريمة توبيخ وتجهيل لهم ، حيث آثروا الفانى على الباقى ، والعاجل على الآجل . ووصف يوم القيامة بالثقل ، لشدة ما يقع فيه من أهوال وكروب ، فهو كالشىء الثقيل الذى لا يستطاع حمله . ٢٢٩ سورة الإنسان ثم بين - سبحانه - مظاهر فضله عليهم ، ومع ذلك أشركوا معه فى العبادة غيره فقال : نحن خلقناهم ، وشددنا أسرهم ، وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا ﴾. أى : نحن وحدنا الذين خلقناهم وأوجدناهم من العدم . ونحن وحدنا الذين ﴿ شددنا أسرهم﴾ أى: قوينا وأحكمنا وأتقنا خلقهم ، بأن منحناهم السمع والأبصار والأفئدة والعقول .. وربطنا بين مفاصلهم وأجزاء أجسادهم ربطا عجيبا معجزا . يقال : أسَر الله - تعالى - فلانا، أى : خلقه - وبابه ضرب - وفرس شديد الأسْر ، أى : شديد الخلق، والأسر: القوة، مشتق من الإِسار - بكسر الهمزة - وهو الحبل الذى تشد به الأحمال ، يقال : أسَر فلان الحمل أسْرًا، إذا أحكم ربطه ، ومنه الأسير لأنه يُرْبَط بالإِسار، أى : القيد . والمقصود بالأسر هنا : الإِحكام والإتقان ، والامتنان عليهم بأن الله - تعالى - خلقهم فى أحسن وأتقن خلق . وقوله - سبحانه - ﴿ وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا ﴾ تأكيد لشمول قدرته - تعالى - أى : ونحن وحدنا الذين خلقناهم ، ونحن وحدنا الذين ربطنا مفاصلهم وأعضاءهم ربطا متقنا بديعا . ومع ذلك ، فإننا إذا شئتا إهلاكهم أهلكناهم ، وجئنا بأمثالهم وأشباههم فى شدة الخلق ، وبدلناهم تبديلا معجزا ، لا يقدر عليه أحد سوانا . وقوله : ﴿ تبديلا) منصوب على أنه مفعول مطلق مؤكد لعامله وهو بدلناهم. ومن الآيات الشبيهة لهذه الآية فى معناها قوله - تعالى - : ﴿إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا ﴾(١) . وقوله - سبحانه -: ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد . وما ذلك على الله بعزيز ﴾(٢) . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالحض على طاعته ، وبالتحذير من معصيته فقال : إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا أى: إن هذه الآيات التى أنزلناها عليك ، يا محمد - تذكرة وموعظة للناس ، فمن شاء (١) سورة النساء الآية ١٣٣. (٢) سورة إبراهيم الآيتان ١٩ - ٢٠ . ٢٣٠ المجلد الخامس عشر أن يتخذ إلى الله - تعالى - وسيلة وطريقة يتقرب بها إليه - تعالى - اتخذها ، لأنها خير هداية إلى رضاه - سبحانه - . والتعبير بقوله: ﴿ فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ﴾ تحريض شديد على المسارعة إلى الطاعة، لأن الله - تعالى - قد مكن الناس من ذلك، حيث وهبهم الاختيار والعقول المفكرة ، وأرسل إليهم الرسل ليخرجوهم من الظلمات إلى النور . ثم بين - سبحانه - أن مشيئته فوق كل مشيئة فقال: ﴿ وما تشاءون إلا أن يشاء الله ﴾ . أى : وما تشاءون شيئا من الأشياء ، إلا بعد خضوع هذا الشىء لمشيئة الله - تعالى - وإرادته ، إذ هو الخالق - سبحانه - لكل شىء ، وهو صاحب الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين . ﴿ إن الله كان عليها حكيما﴾ أى: إنه - تعالى - كان وما زال صاحب العلم المطلق الذى لا يحده شىء ، وصاحب الحكمة البليغة التى لا نهاية لها . يدخل﴾ - سبحانه - ﴿ من يشاء﴾ إدخاله ﴿فى رحمته﴾ لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه . والظالمين أعد لهم﴾ - سبحانه - ﴿عذاباً أليما﴾ بسبب إصرارهم على ظلمهم ، وإيثارهم الباطل على الحق ، والغى على الرشد . نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا ممن هم أهل لرحمته ورضوانه ، وأن يبعدنا عمن هم أهل لعذابه ونقمته . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. القاهرة - مدينة نصر : ٢٥ من ذى الحجة سنة ١٤٠٦ هـ . ٣٠ من أغسطس سنة ١٩٨٦ م الراجي عفو ربه د . محمد سيد طنطاوى ---- - ------ --- ٢٣١ سورة المرسلات بِسْمِ اللهُ الرَّحْمَنِّ الرَّحِيمِ تفسير سورة المرسلات مقدمة وتمهيد ١ - سورة ((المرسلات)) هى السورة السابعة والسبعون فى ترتيب المصحف ، أما ترتيبها فى النزول فهى السورة الثالثة والثلاثون، وقد كان نزولها بعد سورة ((الهمزة))، وقبل سورة (( ق )) . وهى من السور المكية الخالصة ، وقيل إن آية: ﴿وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون مدنية ، وهذا القيل لا وزن له ، لأنه لا دليل عليه . وعدد آياتها : خمسون آية . ٢ - وقد ذكروا فى فضلها أحاديث منها : ما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن مسعود قال: بينما نحن مع النبى - 18 - فى غار بمنى، إذ نزلت عليه: ((والمرسلات))، فإنه ليتلوها ، وإنى لأتلقاها من فيه ، وإن فاه لرطب بها .. وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: إن أم الفضل - امرأة العباس - سمعته يقرأ ((والمرسلات عرفا))، فقالت: يابنى - ذكرتنى بقراءتك هذه السورة. إنها لآخر ما سمعت رسول الله - ◌َ﴾ - يقرأ بها فى المغرب (١). ٣ - وسورة المرسلات زاخرة بالحديث عن أهوال يوم القيامة ، وعن أحوال المكذبين فى هذا اليوم ، وعن مظاهر قدرة الله - تعالى - ، وعن حسن عاقبة المتقين .. (١) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٣٢٠. ٢٣٢ المجلد الخامس عشر التفسير وقد افتتحت هذه السورة بقوله - تعالى - : ◌ِاللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحْمِ بـ وَالْمُرْسَلَتِ عُرْ فَاَ فَالْعَصِفَتِ عَصْفَانَ ، وَالنَّشِرَاتِ نَشْرَاهـ ٣ فَلْفَرِقَتِ فَرْقًّاَنَ فَالْمُلْفِيَتِ ذِكْرَافَ عُذْرًا أَوْنُذْرًا ن إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَقِّعٌ ﴿ فَإِذَا النُّجُومُ طِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَآءُ فُرِجَتْ ﴿ وَإِذَاِجَالُ نُسِفَتْ ﴿ وَإِذَالرُّسُلُ أَقِّنَتْ آ الِأَمِّ يَوْمٍ أُمِّلَتْ ٢، لِيَوْمِ الْفَصْلِ ﴿٣) وَمَآ أَذْرَئِكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ ) وَيَلْ يَوْمَِذٍ ١٥ لِلْمُكَذِّبِينَ وللمفسرين فى معنى هذه الصفات الخمس: ((المرسلات والعاصفات والناشرات والفارقات ·والملقيات)) اتجاهات ، فمنهم من صدر تفسيره ببيان أن المراد بها الملائكة . فقد قال صاحب الكشاف : أقسم الله بطوائف من الملائكة ، أرسلهن بأوامره فعصفن فى مضيهن كما تعصف الرياح ، تخففا فى امتثال أمره . وبطوائف منهن نشرن أجنحتهن فى الجو عند انحطاطهن بالوحى ، أو نشرن الشرائع فى الأرض .. ففرقن بين الحق والباطل ، فألقين ذكرا إلى الأنبياء عذرا ، للمحقين ، أو نذرا للمبطلين . فإن قلت : ما معنى عرفا ؟ قلت : متتابعة كشعر العُرْفِ - أى : عرف الفرس - يقال : جاءوا عرفا واحدا، وهم عليه كعرف الضبع: إذا تألبوا عليه .. (١). ومنهم من يرى أن المراد بالمرسلات وما بعدها : الرياح ، فقد قال الجمل فى حاشيته : (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٧٧ . ٢٣٣ سورة المرسلات أقسم الله - تعالى - بصفات خمس موصوفها محذوف ، فجعلها بعضهم الرياح فى الكل ، وجعلها بعضهم الملائكة فى الكل ... وغاير بعضهم فجعل الصفات الثلاث الأول ، لموصوف واحد هو الرياح وجعل الرابعة لموصوف ثان وهو الآيات ، وجعل الخامسة لموصوف ثالث وهو الملائكة .. (١) . وسنسير نحن على هذا الرأى الثالث ، لأنه فى تصورنا أقرب الآراء إلى الصواب ، إذ أن هذه الصفات من المناسب أن يكون بعضها للرياح ، وبعضها للملائكة . فيكون المعنى : وحق الرياح المرسلات لعذاب المكذبين ، فتعصفهم عصفا ، وتهلكهم إهلاكا شديدا، فقوله: ﴿ عصفاً﴾ وصف مؤكد للإهلاك الشديد، يقال: عصفت الريح، إذا اشتدت ، وعصفت الحرب بالقوم ، إذا ذهبت بهم ، وناقة عصوف ، إذا مضت براكبها مسرعة ، حتى لكأنها الريح . وقوله: ﴿ والناشرات نشرا﴾ أى: وحق الرياح التى تنتشر انتشارا عظيما فى الآفاق ، فتأتى بالسحب ، التى تتحول بقدرة الله - تعالى - إلى أمطار غزيرة نافعة . قال ابن كثير - بعد أن ذكر آراء العلماء فى معنى هذه الألفاظ - : والأظهر أن المرسلات هى الرياح ، كما قال - تعالى -: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح .. ﴾ وقال - سبحانه - : ﴿ وهو الذى يرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته﴾. وهكذا العاصفات هى الرياح، يقال: عصفت الريح إذا هبت بتصويت ، وكذا ﴿ الناشرات ﴾: هى الرياح التى تنشر السحاب فى آفاق السماء كما يشاء الرب - عز وجل - . وقوله - سبحانه - ﴿ فالفارقات فرقا ﴾ يصح أن يكون وصفا للملائكة الذين ينزلون بالشرائع المفرقة بين الحق والباطل ، وبين أهل الحق وأهل الضلال . ويصح أن يكون وصفا للآيات التى أنزلها الله - تعالى - للتمييز بين الخير والشر، والرشد والغى . وقوله ﴿ فالملقيات ذكرا﴾ قال القرطبى: هم الملائكة بإجماع، يلقون كتب الله - تعالى - إلى الأنبياء - عليهم السلام - .. (٢) . فالمراد بالذكر فى قوله ﴿ فالملقيات ذكرا﴾: وحى الله - تعالى - الذى يبلغه الملائكة إلى الرسل . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٤٦٣ . (٢) تفسير القرطبى جـ ١٩ ص ١٥٦ . ٢٣٤٠٠ المجلد الخامس عشر وقوله ﴿ عذرا أو نذرا﴾ منصوبان على أنهما يدل اشتمال من قوله ﴿ذكرا﴾ أو مفعول لأجله . أى : أن الملائكة يلقون وحى الله - تعالى - إلى أنبيائه، لإزالة أعذار المعتذرين عن الإِيمان ، حتى لا يقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ، ولإِنذار الكافرين والفاسمين ، حتى يقلعوا عن كفرهم وفسوقهم . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - ﴿ رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما العذر والنذر ، وبماذا انتصبا ؟ قلت : هما مصدران من أعذر إذا محا الإِساءة ، ومن أنذر إذا خوف على فعل كالكفر والنكر ، ويجوز أن يكون جمع عذير ، بمعنى المعذرة ، وجمع نذير بمعنى الإِنذار ... وأما انتصابهما فعلى البدل من ذكرا ... أو على المفعول له .. (١) . وجملة ﴿ إنما توعدون لصادق ﴾ جواب القسم، وجىء بها مؤكدة، لتقوية تحقيق وقوع الجواب ، وما وعدوا به هو البعث والحساب . أى : وحق الرياح المرسلة لعذاب المشركين .. وحق الملائكة الذين نرسلهم بوحينا للتفريق بين الحق والباطل ، ولتبليغ رسلنا ما كلفناهم به .. إنكم - أيها الكافرون - لمبعوثون ومحاسبون على أعمالكم يوم القيامة الذى لاشك فى وقوعه وحصوله وثبوته . ثم بين - سبحانه - علامات هذا اليوم فقال: ﴿ فإذا النجوم طمست ﴾ أى : محقت وذهب ضوؤها ، وزال نورها . يقال : طمست الشىء ، من باب ضرب - إذا محوته واستأصلت أثره ، ﴿وإذا السماء فرجت﴾ أى: شقت أو فتحت، وتدلت أرجاؤها، ووهت أطرافها . ﴿وإذا الجبال نسفت ﴾ أى: اقتلعت وأزيلت من أماكنها . يقال: نسف فلان البناء ينسفه ، إذا قلعه من أصله . وإذا الرسل أقتت ﴾ أى : بلغت وقتها الذى كانت تنتظره ، وهو يوم القيامة ، للقضاء بينهم وبين أقوامهم . فقوله : ﴿ أقتت ﴾ من التوقيت ، وهو جعل الشىء منتهيا إلى وقته المحدد له . قال الألوسى: قوله ﴿وإذا الرسل أقتت﴾ أى: بلغت ميقاتها. وجوز أن يكون المعنى : عين لها الوقت الذى تحضر فيه للشهادة على الأمم، وذلك عند مجىء يوم القيامة .. (٢). ( ١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٧٨ . (٢) تفسير الآلوسى جـ ٢٩ ص ١٧٢ . ٢٣٥ سورة المرسلات وجواب ﴿ إذا﴾ وما عطف عليها فى قوله ﴿فإذا النجوم طمست﴾ محذوف، والتقدير: وقع ما وعدناكم به وهو يوم القيامة . وقوله : ﴿لأى يوم أجلت . ليوم الفصل . وما أدراك ما يوم الفصل . ويل يومئذ للمكذبين ﴾ تعليل لبلوغ الرسل الى الوقت الذى كانوا ينتظرونه لأخذ حقوقهم من أقوامهم الظالمين ، والاستفهام للتهويل والتعظيم من شأن هذا اليوم . أى : لأى يوم أخرت الأمور التى كانت متعلقة بالرسل ؟ من تعذيب الكافرين ، وإثابة المتقين ... إنها أخرت وأجلت ، ليوم الفصل ، وهو يوم القيامة ، الذى يفصل الله - تعالى - فيه بقضائه العادل بين العباد . وما أدراك﴾، - أيها المخاطب - ﴿ ما يوم الفصل﴾؟ إنه يوم هائل شديد، لا تحيط العبارة بكنهه ، ولا يعلم إلا الله - تعالى - وحده مقدار أهواله. ويقال فى هذا اليوم لكل فاسق عن أمر ربه ، ومشرك معه فى العبادة غيره ، ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ﴾ أى : هلاك وحسرة فى هذا اليوم للمكذبين بالحق الذى جاء به الرسل ، وبلغوه إلى أقوامهم . وقد تكررت هذه الآية عشر مرات فى تلك السورة الكريمة ، على سبيل الوعيد والتهديد لهؤلاء المكذبين لرسلهم ، والجاحدين لنعم خالقهم ، والويل : أشد السوء والشر، وهو فى الأصل مصدر بمعنى الهلاك ، وكان حقه النصب بفعل من لفظه أو معناه ، إلا أنه رفع على الابتداء ، للدلالة على ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه . وقوله ﴿ يومئذ﴾ ظرف للويل أو صفة له، ولذا صح الابتداء به . ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك ألوانا من الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، كإهلاك المكذبين السابقين ، وخلق الأولين والآخرين ، والإِنعام على الناس بالجبال والأنهار .. قال - تعالى - : أَوْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ، ثُمَّنُتْبِعُهُمُ الْآَخِينَ ﴿ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ﴿١٨)، وَيُّلٌ يَوَمَيِذٍ لِلْمُكَّذِّبِينَ ) ١٧ (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٩ ص ١٧٢ . ٢٣٦ المجلد الخامس عشر أَخْلُقُكُم مِّن مَِّمَّهِينٍ ﴿ فَجَعَلْنَهُ فِ قَرَارٍمَّكِينٍ ﴿ إِلَ قَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴿ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَدِرُونَ ﴿ وَيَلِ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ @ أَلَتْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَانًا(٥) أَحْيَاءُ وَأَمْوَاتًا () وَجَعَلْنَافِيهَا رَوَسِىَ شَمِخَتٍ وَأَسْقَيْنَكُم مَّاءُ فُرَاتً ٦ وَيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ أَنْطَلِقُواْإِلَى مَا كُنْتُمِيِهِ، تُكَذِّبُونَ ﴿ أَنْطَلِّقُواْ إِلَى ظِلِ ذِى تَثِ شُعَبٍ قَالَّاغَلِيلِ وَلَا يُغْنِ مِنَ اللَّهَبِ تَ إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ كَلَقَصْرِ ﴿ كَنَّهُ حِمَلَتُ صُفْرٌ لَ وَيِلٌ يَوَمَيِذٍ لِلْمُكَّذِّبِينَ( ٣٤ هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ ﴿ وَلَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَغْنَذِرُونَ ﴿ وَيَلْ يَوْمَِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٦) هَذَايَوْمُ الْفَصْلِّ جَمَعْنَكُوَاْلْأَوَّلِينَ ﴿ فَإِن كَانَ لَكُرَكَيْدٌ فَكِيدُونِ ﴿ وَيْلٌ يَوْمَِذٍ لِلْكَذِّبِينَ ﴾ والاستفهام فى قوله ﴿ ألم نهلك الأولين﴾ وفى الآيات المماثلة له بعد ذلك، للتقرير، والمقصود به استخراج الاعتراف والإِقرار من مشركى قريش على صحة البعث ، لأن من قدر على الإِهلاك ، قادر على الإِعادة . أى : لقد أهلكنا الأقوام الأولين الذين كذبوا رسلهم ، كقوم نوح وعاد وثمود . ثم نتبعهم الآخرين ﴾ أى : أهلكنا الأولين ، ثم نتبعهم بإهلاك المتأخرين عنهم ، والذين يشبهون سابقيهم فى الكفر والجحود . و ((ثم)» هنا للتراخى الرتبى، لأن إهلاك الآخرين الذين لم يعتبروا بمن سبقهم سيكون أشد من إهلاك غيرهم ، وفى ذلك تهديد شديد ووعيد واضح لمشركى مكة . وقوله: ﴿ كذك نفعل بالمجرمين ﴾ أى: مثل ذلك الفعل الشنيع، والعقاب الأليم ، نفعل بالمجرمين الذين أصروا على كفرهم وعنادهم حتى أدركهم الموت . ..... . ٢٣٧ سورة المرسلات فالكاف بمعنى مثل ، والإِشارة فى قوله: ﴿ كذلك ﴾ تعود إلى الفعل المأخوذ من قوله نفعل﴾ أى ؛ مثل ذلك الفعل نفعل بالمجرمين . ثم كرر - سبحانه - التهديد والوعيد لهم ، لعلهم يرتدعون أو يتعظون فقال : ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ثم قال - سبحانه - ممتنا على خلقه بإيجادهم فى هذه الحياة ، ومحتجا على إمكان الإِعادة بخلقهم ولم يكونوا شيئا مذكورا ، فقال: ﴿ألم نخلقكم من ماء مهين﴾. أى : لقد خلقناكم - أيها الناس - من نطفة حقيرة ضعيفة ، من مَهُن الشىء - بفتح الميم وضم الهاء - إذا ضعف، وميمه أصلية، وليس هو من مادة هان، و(( من)) ابتدائية. وقوله : ﴿ فجعلناه فى قرار مكين ﴾ تفصيل لكيفية الخلق على سبيل الإدماج ، والقرار: اسم للمكان الذى يستقر فيه الماء ، والمراد به رحم المرأة . والمكين صفة له . أى : خلقناكم من ماء ضعيف ، ومن مظاهر قدرتنا وحكمتنا ولطفنا بكم أننا جعلنا هذا الماء الذى خلقتم منه ، فى مكان حصين ، قد بلغ النهاية فى تمكنه وثباته . فقوله ﴿ مكين) بمعنى متمكن، من مَكنُ الشىء مكانة، إذا ثبت ورسخ. وقوله: ﴿ إلى قدر معلوم﴾ بيان لبديع حكمته، والقدر بمعنى المقدار المحدد المنضبط، الذى لا يتخلف . أى : جعلنا هذا الماء فى قرار مكين ، إلى وقت معين محدد فى علم الله - تعالى - يأذن عنده بخروج هذا المخلوق من رحم أمه ، إلى الحياة ، وهذا الوقت هو مدة الحمل . وقوله - تعالى -: ﴿ فقدرنا فنعم القادرون ﴾ ثناء منه - تعالى - على ذاته بما هو أهله . أى : فقدَّرنا ذلك الخلق تقديرا حكيما منضبطا ، وتمكنا من إيجاده فى أطوار متعددة ، فنعم المقدرون نحن ، ونعم الموجدون نحن لما نوجده من مخلوقات . وما دام الأمر كذلك فويل وهلاك يوم القيامة ، للمكذبين بوحدانيتنا وقدرتنا . ثم انتقل - سبحانه - إلى الاستدلال على إمكانية البعث بطريق ثالث فقال: ﴿ألم نجعل الأرض كِفاتا ، أحياء وأمواتاً ، وجعلنا فيها رواسى شامخات ﴾ . والكِفات : اسم للمكان الذى يكفت فيه الشىء . أى؛ يجمع ويضم ويوضع فيه . يقال : كفت فلان الشىء يكفِتُه كَفْتاً ، من باب ضرب - إذا جمعه ووضعه بداخل شىء معين ، ومنه سمى الوعاء كفاتا ، لأن الشىء يوضع بداخله ، وهو منصوب على أنه مفعول ثان لقوله ﴿نجعل﴾، لأن الجعل هنا بمعنى التصيير. : ٢٣٨ المجلد الخامس عشر وقوله : ﴿ أحياء وأمواتا﴾ منصوبان على أنهما مفعولان به، لقوله ﴿ كفاتا﴾. أو مفعولان لفعل محذوف . أى : لقد جعلنا الأرض وعاء ومكانا تجتمع فيه الخلائق : الأحياء منهم يعيشون فوقها ، والأموات منهم يدفنون فى باطنها ، ﴿ وجعلنا فيها﴾ - أيضا - جبالا ﴿رواسى﴾ أى: ثوابت ﴿ شامخات﴾ أى: مرتفعات ارتفاعا كبيرا، جمع شامخ وهو الشديد الارتفاع . قال صاحب الكشاف : الكفات : من كفت الشىء إذا ضمه وجمعه .. وبه انتصب ﴿ أحياء وأمواتا ﴾ كأنه قيل : كافتة أحياء وأمواتا ، أو انتصبا بفعل مضمر يدل عليه ، وهو تكفت . والمعنى : تكفت أحياء على ظهرها ، وأمواتا فى بطنها . فإن قلت : لم قيل أحياء وأمواتا على التنكير ، وهى كفات الأحياء والأموات جميعا ؟ قلت : هو من تنكير التفخيم ، كأنه قيل: تكفت أحياء لا يعدون، وأمواتاً لا يحصرون .. (١). وقوله - سبحانه - ﴿ وأسقيناكم ماء فراتا ﴾ بيان لنعمة أخرى من أجل نعمه على خلقه ، أى : وأسقيناكم - بفضلنا ورحمتنا - ماء ﴿ فراتا﴾ أى : عذبا سائغا للشاربين . وقوله - تعالى - ﴿ ويل يومئذ للمكذبين﴾ تكرير للتوبيخ والتقريع على جحودهم لنعم اللّه ، التى يرونها بأعينهم ، ويحسونها بحواسهم ويستعملونها لمنفعتهم . ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان المصير الأليم الذى ينتظر هؤلاء المكذبين ، فقال - تعالى -: ﴿ انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون . انطلقوا إلى ظل ذى ثلاث شعب . لا ظليل ولا يغنى من اللهب . إنها ترمي بشرر كالقصر . كأنه جمالة صفر ﴾ . وقوله - سبحانه -: ﴿ انطلقوا﴾ مفعول لقول محذوف . أى: يقال للكافرين يوم القيامة - على سبيل الإِهانة والإِذلال - : انطلقوا إلى ماكنتم تكذبون به فى الدنيا من العذاب . وقوله : ﴿ انطلقوا إلى ظل ذى ثلاث شعب .. ﴾ بدل مما قبله ، وأعيد فعل انطلقوا .. ﴾ على سبيل التوكيد، لقصد الزيادة فى تقريعهم وتوبيخهم . والمراد بالظل : دخان جهنم، وسمى بذلك لشدة كثافته ، أى : انطلقوا - أيها المشركون - إلى ظل من دخان جهنم الذى يتصاعد من وقودها ، ثم يتفرق بعد ذلك إلى ثلاث شعب ، شأن الدخان العظيم عندما يرتفع . (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٨٠. ٢٣٩ سورة المرسلات وسمى هذا الدخان العظيم الخانق بالظل ، على سبيل التهكم بهم ، إذ هم فى هذه الحالة يكونون فى حاجة شديدة إلى ظل يأوون إلى برده . ثم وصف - سبحانه - هذا الظل بصفة ثانية فقال: ﴿ لا ظليل﴾ أى: ليس هو بظل على سبيل الحقيقة ، وإنما هو دخان خانق لا برد فيه . ثم وصفه بصفة ثالثة فقال: ﴿ولا يغنى من اللهب ﴾ أى: أن هذا الظل الذى تنطلقون إليه لا يغنى شيئا من الإِغناء ، من حر لهب جهنم التى هى مأواكم ونهايتكم . وبهذه الصفات يكون لفظ الظل ، قد فقد خصائصه المعروفة من البرودة والشعور عنده بالراحة .. وصار المقصود به ظلا آخر ، لا برد فيه ، ولا يدفع عنهم شيئا من حر اللهب . وهذه الصفات إنما جىء بها لدفع ما يوهمه لفظ ((ظل)). وعدى الفعل (( يغنى)) بحرف من ، لتضمنه معنى يُبْعِد . والضمير فى قوله - سبحانه -: ﴿ إنها ترمى بشرر كالقصر .. ﴾ لجهنم ، لأن السياق كله فى شأنها وفى شأن المصطلين بلهيبها . والشرر : واحده شررَة ، وهى القطعة التى تتطاير من النار لشدة اشتعالها . والقصر : البناء العالى المرتفع . وقيل : هو الغليظ من الشجر . أو هو قطع من الخشب ، يجمعها الجامعون للاستدفاء بها من البرد. وقوله: ﴿جِمالة﴾ جمع جَمَل - كحجارة وحجر. قال الألوسى: ((جمالة)) بكسر الجيم - كما قرأ به حمزة والكسائى وحفص وهو جمع جمل . والتاء التأنيث الجمع . يقال : جمل وجمال وجمالة .. والتنوين للتكثير . وقرأ الجمهور ﴿ جمالاتٌ﴾ - بكسر الجيم مع الألف والتاء - جمع جمال .. فيكون جمع الجمع .. (١) . والمعنى : إنها - أى : جهنم - ترمى المكذبين بالحق ، الذين هم وقودها ، ترميهم بشرر متطاير منها لشدة اشتعالها ، كل واحدة من هذا الشرر كأنها البناء المرتفع فى عظمها وارتفاعها . وقوله - تعالى -: ﴿ كأنه جمالة صفر) وصف آخر للشرر، أى: كأن هذا الشرر فى هيئته ولونه وسرعة حركته .. جمال لونها أصفر . - (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٩ ص ١٢٦. ٢٤٠ المجلد الخامس عشر واختير اللون الأصفر للجمال ، لأن شرر النار عندما يشتد اشتعالها يكون مائلا إلى الصفرة . وقيل المراد بالصفر هنا : السواد ، لأن سواد الإِبل يضرب إلى الصفرة . فأنت ترى أن الله - تعالى - قد شبه الشرر الذى ينفصل عن النار فى عظمته وضخامته بالقصر ، وهو البناء العالى المرتفع ، وشبهه - أيضا - حين يأخذ فى الارتفاع والتفرق .. بالجمال الصفر ، فى هيئتها ولونها وسرعة حركتها ، وتزاحمها . والمقصود بهذا التشبيه : زيادة الترويع والتهويل ، فإن هؤلاء الكافرين لما كذبوا بالحساب والجزاء ، وصف الله - تعالى - لهم نار الآخرة بتلك الصفات المرعبة، لعلهم يقلعون عن شركهم ، لاسيما وأنهم يرون النار فى دنياهم ، ويرون شررها حين يتطاير .. وإن كان الفرق شاسعا بين نار الدنيا ونار الآخرة . وزيادة فى التخويف والإِنذار ختمت هذه الآيات - أيضا - بقوله - تعالى - ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ثم صور - سبحانه - حالهم عندما يردون على النار ، ويوشكون على القذف بهم فيها ، فقال - تعالى - ﴿ هذا يوم لا ينطقون ، ولا يؤذن لهم فيعتذرون ، ويل يومئذ للمكذبين . هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين . فإن كان لكم كيد فكيدون . ويل يومئذ للمكذبين ﴾. أى : ويقال لهؤلاء المجرمين - أيضاً - عند الإلقاء بهم فى النار : هذا يوم لا ينطقون فيه بشىء ينفعهم ، أو لا ينطقون فيه إطلاقا لشدة دهشتهم ، وعظم حيرتهم . ويكون فى الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة ، فإنهم بعد أن خوطبوا خطاب إهانة وإذلال بقوله - تعالى -: ﴿ انطلقوا﴾ أعرض المخاطبون لهم، على سبيل الإهمال لهؤلاء الكافرين ، وقالوا لهم : هذا يوم القيامة الذى لا يصح لكم النطق فيه . وهذا لا يتعارض مع الآيات التى تفيد نطقهم ، كما فى قوله - تعالى -: ﴿ وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ﴾ لأن فى يوم القيامة مواطن متعددة ، فهم قد ينطقون فى موطن ، ولا ينطقون فى موطن آخر . وقوله - تعالى - ﴿ ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾ معطوف على ما قبله. أى: فى يوم القيامة لا ينطق هؤلاء المجرمون نطقاً يفيدهم ، ولا يؤذن لهم فى الاعتذار عما ارتكبوه من سوء ، حتى يقبل اعتذارهم ، وإنما يرفض اعتذارهم رفضاً تاماً ، لأنه قد جاء فى غير وقته وأوانه .