النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
سورة الإنسان
أى : ويقولون لهم - أيضا - عند تقديم الطعام لهم : إنا نخاف من ربنا يوما ، تعبس فيه
الوجوه ، من شدة هوله ، وعظم أمره ، وطول بلائه .
أى : أنهم لم يقدموا الطعام - مع حبهم له - رياء ومفاخرة ، وإنما قدموه ابتغاء وجه الله،
وخوفا من عذابه .
والفاء فى قوله: ﴿ فوقاهم الله شر ذلك اليوم .. ﴾ للتفريع على ما تقدم ولبيان ما ترتب
على إخلاصهم وسخائهم من ثواب . أى : فترتب على وفائهم بالتذور ، وعلى خوفهم من
عذاب الله - تعالى - وعلى سخائهم وإخلاصهم ، ترتب على كل ذلك أن دفع الله - تعالى -
عنهم شر ذلك اليوم ، وهو يوم القيامة .
ولقاهم نضرة وسرورا﴾ أى: وجعلهم يلقون فيها حسنا وبهجة فى الوجوه، وسرورا
وانشراحا فى الصدور ، بدل العبوس والكلوح الذى حل بوجوه الكفار .
وجزاهم بما صبروا﴾ أى: بسبب صبرهم ﴿جنة) عظيمة .. و﴿ حريرا﴾ جميلا
يلبسونه . ﴿متكئين فيها﴾ أى: فى الجنة ﴿على الأرائك﴾ أى: على السرر، أو على
ما يتكأ عليه من سرير أو فراش ونحوه .
لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا﴾ أى: لا يرون فيها شمسا شديدة الحرارة بحيث
تؤذيهم أو تضرهم، ولا يرون فيها كذلك ﴿زمهريرا﴾ أى: بردا مفرطا، يقال: زمهر
اليوم ، إذا اشتد برده .
والمقصود من الآية الكريمة أنهم لا يرون فى الجنة إلا جوا معتدلا ، لا هو بالحار ولا هو
بالبارد .
وقوله - سبحانه - ﴿ ودانية عليهم ظلالها .. ﴾ معطوف على قوله قبل ذلك :
.
متکتین
و((ظلالها)) فاعل ((دانية)) والضمير فى ((ظلالها)) يعود إلى الجنة.
أى : أن الأبرار جالسون فى الجنة جلسة الناعم البال، المنشرح الصدر. وظلال أشجار
الجنة قريبة منهم ، ومحيطة بهم ، زيادة فى إكرامهم .
وذللت قطوفها تذليلا ﴾ أى: أنهم - فضلا عن ذلك - قد سخرت لهم ثمار الجنة ؛
تسخيرا ، وسهل الله - تعالى - لهم تناولها تسهيلا عظيما ، بحيث إن القاعد منهم والقائم

٢٢٢
المجلد الخامس عشر
والمضطجع ، يستطيع أن يتناول هذه الثمار اللذيذة بدون جهد أو تعب .
فقوله - تعالى -: ﴿وذللت) من التذليل بمعنى الانقياد والتسخير، يقال: ذُلّل
الكرم - بضم الذال - إذا تدلت عناقيده وصارت فى متناول اليد . والقطوف: جمع قطف -
بكسر القاف - وهو العنقود حين يُقْطَف أو الثمار المقطوفة .
وبعد أن وصف - سبحانه - جانبا من طعامهم ولباسهم ومسكنهم أخذت السورة الكريمة
فى وصف شرابهم. فقال - تعالى -: ﴿ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت
قواريرا . قواريرا من فضة قدروها تقديراً ﴾ .
وقوله : ﴿ويطاف﴾ من الطواف، وهو السعى المكرر حول الشىء، ومنه الطواف
بالكعبة . والآنية : جمع إناء ، وهو اسم لكل وعاء يوضع فيه الطعام والشراب والمراد بها هنا :
الأوانى : التى يستعملونها فى مجالس شرابهم .
والأكواب : جمع كوب ، وهو القدح الذى لا عروة له ، وعطفه على الآنية من باب عطف
الخاص على العام .
والقوارير : جمع قارورة وهى فى الأصل إناء رقيق من الزجاج النقى الشفاف ، توضع فيه
الأشربة وما يشبهها ، فتستقر فيه .
أى: ويطاف على هؤلاء الأبرار بآنية كائنة من فضة، وبأكواب وأقداح من
فضة - أيضاً - وجعلت هذه الأكواب فى مثل القوارير فى صفائها ونقائها ، وفى مثل الفضة فى
جمالها وحسنها ، بحيث يرى ما بداخلها من خارجها .
وقوله - سبحانه - ﴿ قدروها تقديرا ﴾ أى: إن الطائفين بهذه الأكواب عليهم ، قد
وضعوا فيها من الشراب على مقدار ما يشبع هؤلاء الأبرار ويروهم بدون زيادة أو نقصان
والطائفون عليهم بذلك هم الخدم الذين جعلهم الله - تعالى - لخدمة هؤلاء الأبرار . وبنى
الفعل للمجهول للعلم بهم .
وقال - سبحانه - هنا ﴿ بآنية من فضة) وفى سورة الزخرف ﴿يطاق عليهم بصحاف
من ذهب وأكواب .. ﴾ زيادة فى تكريمهم وفى سمو منزلتهم ، إذ تارة يطاف عليهم بأكواب من
فضة ، وتارة يطاف عليهم بصحاف من ذهب ، ومن المعروف أنه كلما تعددت المناظر الحسنة ،
والمشارب اللذيذة ، كان ذلك أبهج للنفس .
والمراد بالكينونة فى قوله - تعالى - ﴿ كانت قواريرا .. ﴾ أنها تكونت ووجدت على هذه
الصفة .

٢٢٣
سورة الإِنسان
قال الألوسى : قوله - تعالى - ﴿ كانت قواريرا﴾ أى: كانت تلك الأكواب قوارير ،
جمع قارورة ، وهى إناء رقيق من الزجاج توضع فيه الأشربة ، ونصبه على الحال ، فإن
((كان)) تامة، وهو كما تقول: خلقت قوارير. وقوله - تعالى -: ﴿قوارير من فضة ﴾
بدل . والكلام على التشبيه البليغ .
والمراد تكونت جامعة بين صفاء الزجاجة وشفيفها ، ولون الفضة وبياضها .
وقرأ نافع والكسائى وأبو بكر بتنوين ﴿قواريرا﴾ فى الموضعين وصلا، وإبداله ألفا
وقفا . وابن كثير يمنع صرف الثانى ويصرف الأول .. والقراءة بمنع صرفهما للباقين (١).
وقال الشوكانى: وجملة ((قدروها تقديرا)). صفة لقوارير .. أى: قدرها السقاة من
الخدم ، الذين يطوفون عليهم على قدر ما يحتاج إليه الشاربون من أهل الجنة ، من دون زيادة
ولا نقصان .. ، وقيل : قدرها الملائكة . وقيل : قدرها الشاربون لها من أهل الجنة على مقدار
حاجتهم ، فجاءت كما يريدون فى الشكل لا تزيد ولا تنقص .. (٢).
ثم بين - سبحانه - محاسن شراب أهل الجنة فقال: ﴿ويسقون فيها كأسا كان مزاجها
زنجبيلا عينا فيها تسمى سلسبيلا﴾ .
والمراد بالكأس هنا : كأس الخمر . والضمير فى قوله ﴿فيها ﴾ يعود إلى الجنة .
والزنجبيل : نبات ذو رائحة عطرية طيبة ، والعرب كانوا يستلذون الشراب الممزوج به .
والسلسبيل وصف قيل مشتق من السلاسة بمعنى السهولة واللين ، يقال : ماء سلْسَل ، أى :
عذب سائغ للشاربين ، ومعنى ﴿ تسمى﴾ على هذا الرأى. أى: توصف بالسلاسة
والعذوبة .
٤١٥٠٠
وقيل : السلسبيل: اسم لهذه العين ، لقوله - تعالى - ﴿تسمى﴾.
أى : أن هؤلاء الأبرار - بجانب كل ما تقدم من نعم - يسقون فى الجنة من كأس مليئة
بالخمر ، وهذه الخمر التى يشربونها ممزوجة بالزنجبيل ، فتزداد لذة على لذتها .
ويسقون - أيضا - من عين فيها - أى : فى الجنة - تسمى سلسبيلا ، وذلك لسلاسة
مائها ولذته وعذوبته ، وسهولة نزوله إلى الحلق .
قال صاحب الكشاف: ﴿سلسبيلا) سميت بذلك - لسلاسة انحدارها فى الحلق،
وسهولة مساغها. يعنى : أنها فى طعم الزنجبيل، وليس فيها لذعة ، ولكن فيها نقيض اللذع
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٩ ص ١٥٩ .
( ٢) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٥ ص ٣٥٠.

٢٢٤
المجلد الخامس عشر
وهو السلاسة ، فقال : شراب سلسل وسلسال وسلسبيل ، وقد زيدت الباء فى التركيب حتى
صارت الكلمة خماسية . ودلت على غاية السلاسة .. (١).
ثم أخبر - سبحانه - عن نوع آخر من الخدم ، يطوفون على هؤلاء الأبرار لخدمتهم ،
فقال: ﴿ ويطوف عليهم ولدان مخلدون ، إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا.
أى: ويطوف على هؤلاء الأبرار ﴿ولدان مخلدون﴾ أى: دائمون على ماهم عليه من
النضارة والشباب .. إذا رأيتهم - أيها المخاطب ﴿ حسبتهم ﴾ وظننتهم ﴿ لؤلؤا منثورا
﴾
أى : حسبتهم من حسنهم ، وصفاء ألوانهم ، ونضارة وجوههم .. لؤلؤا ودرا مفرقا فى جنبات
المجالس وأوسطها .
فقوله - تعالى - ﴿ مخلدون ﴾ احتراس المقصود منه دفع توهم أنهم سیصیرون فی یوم من
الأيام كهولا ، قالوا : وشبهوا باللؤلؤ المنثور ، لأن اللؤلؤ إذا نثر على البساط ، كان أكثر
جمالا منه فيما لو كان منظوما .
وإذا رأيت ثم ﴾ وثم هنا ظرف مكان مختص بالبعيد ، وهو منصوب على الظرفية ،
ومفعول الرؤية غير مذكور ، لأن القصد : وإذا صدرت منك - أبها المخاطب رؤية إلى هناك ،
أى: إلى الجنة ونعيمها .. ﴿رأيت نعيما﴾ لا يقادر قدره ﴿وملكا كبيرا﴾ أى: واسعا
لا غاية له .
فقوله - سبحانه - ﴿رأيت﴾ الثانية، جواب إذا. والمشار إليه ((بِثَمَّ)) التى هى
بمعنى هناك معلوم من المقام ، لأن المقصود به الجنة التى سبق الحديث عنها فى مثل قوله :
﴿ وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا﴾ أى: وإذا سرحت ببصرك إلى هناك رأيت نعيما وملكا
كبيرا .
ثم فصل - سبحانه - جانبا من مظاهر هذا النعيم العظيم فقال ﴿ عاليهم ثياب سندس
خضر وإستبرق ، وحلوا أساور من فضة ، وسقاهم ربهم شراباً طهورا ﴾ .
وقوله ﴿ عاليهم ﴾ بفتح الياء وضم الهاء - معنی فوقهم ، فهو ظرف خبر مقدم ، وثياب
مبتدأ مؤخر ، كأنه قيل : فوقهم ثياب ويصح أن يكون حالا للأبرار . أى : تلك حال أهل
النعيم والملك الكبير وهم الأبرار .
وقرأ نافعٍ وحمزة ﴿ عاليهم ﴾ - بسكون الياء وكسر الهاء - على أن الكلام جملة مستأنفة
استئنافا بيانياً، لقوله - تعالى - ﴿رأيت نعيما وملكا كبيرا﴾، ويكون لفظ (عاليهم﴾
أسم فاعل مبتدأ .
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٧٢.

٢٢٥
سورة الإِنسان
فاعله ساد مسد الخبر ، ويصح أن يكون خبرا مقدماً ، وما
وقوله : ﴿ ثیاب سندس
بعده مبتدأ مؤخر .
وإضافة الثياب إلى السندس بيانية ، مثل : خاتم ذهب والسندس : الديباج الرقيق .
والاستبرق : الديباج الغليظ .
والمعنى : أن هؤلاء الأبرار ، أصحاب النعيم المقيم ، والملك الكبير ، فوق أجسادهم ثياب
من أفخر الثياب ، لأنهم يجمعون فى لباسهم بين الديباج الرقيق ، والديباج الغليظ ، على سبيل
التنعيم والجمع بين محاسن الثياب .
وكانت تلك الملابس من اللون الأخضر ، لأنها أبهج للنفس ، وشعار لباس الملوك .
وكلمة: ((خضر)) قرأها بعضهم بالرفع على أنها صفة لثياب ، وقرأها البعض الآخر
بالجر، على أنها صفة لسندس. وكذلك كلمة ((وإستبرق)) قرئت بالرفع عطفا على ثياب ،
وقرئت بالجر عطفا على سندس .
وقوله: ﴿ وحلوا أساور من فضة﴾ بيان لما يتزينون به فى أيديهم، أى أن هؤلاء الأبرار
يلبسون فى أيديهم أساور من فضة ، كما هو الشأن بالنسبة للملوك فى الدنيا ، ومنه ما ورد فى
الحديث من ذكر سوارى كسرى .
وقوله - تعالى -: ﴿وسقاهم ربهم شرابا طهورا﴾ أى: وفضلا عن كل تلك الملابس
الفاخرة سقاهم ربهم - بفضله وإحسانه - شراباً بالغا نهاية الطهر ، فهو ليس كخمر الدنيا ،
فيه الكثير من المساوىء التى تؤدى إلى ذهاب العقول .. وإنما خمر الآخرة : شراب لذيذ طاهر
من كل خبث وقذر وسوء .
وجاء لفظ (( طهورا)) بصيغة المبالغة ، للإشعار بأن هذا الشراب قد بلغ النهاية فى
الطهارة .
ثم ختم - سبحانه - هذا العطاء الواسع العظيم ، ببيان ما ستقوله الملائكة لهؤلاء الأبرار
على سبيل التكريم والتشريف ، فقال : ﴿ إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا ﴾ .
وهذه الآية الكريمة مقول القول محذوف ، والقائل هو الله - تعالى - أو ملائكته
بأمره - سبحانه - وإذنه ، أى : سقاهم ربهم شرابا طهورا فى الآخرة ، ويقال لهم عند تمتعهم
بكل هذا النعيم ، ﴿ إن هذا﴾ النعيم الذى تعيشون فيه ﴿كان لكم جزاء﴾ على إيمانكم
وعملكم الصالح فى الدنيا .

٢٢٦
المجلد الخامس عشر
وكان سعيكم مشكورا ﴾ أى: مرضيا ومقبولا عند خالقكم ، فازدادو - أيها الأبرار -
سرورا على سروركم ، وبهجة على بهجتكم .
وبعد هذا التفصيل لما أعده الله - تعالى - لعباده الأخيار من أصناف النعيم ، المتعلق
بمأكلهم، ومشربهم .. أخذت السورة الكريمة. فى أواخرها - فى تثبيت النبى - وَال﴾ -
وأصحابه. وفى دعوته - 18 - إلى المداومة على التحلى بفضيلة الصبر، وإلى الإكثار من
ذكره - تعالى - وأنذرت الكافرين والفاسقين إذا ما استمروا فى ضلالهم . فقال - تعالى - :
إِنَّا
نَحْنُ نَزَّنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ تَنزِيلًا () فَاصْبِرْ لِحُكْمِرَبِّكَ وَلَا تُطِعْ
مِنْهُمْءَائِمًا أَوْ كَفُورًا ، وَأَذْكُرُ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
٢٥
وَمِنَ الَيْلِ فَأَسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ﴿ إِنّ
هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَ هُمْ يَوْمَّا تَقِيلًا (١) نَّخْنُ
خَلَقْتَهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمِّ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَلَهُمْ تَبْدِيلًا
﴿ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ أَشَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا
٢٩
وَمَا تَشَدَءُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهَ إِنَّاللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ®
يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ، وَالظَّالِمِينَ أَعَلَّلَمْ عَذَابَ أَلِيمًا،
٣١١
وجاء قوله - تعالى -: ﴿ إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا ﴾ مؤكدا بجملة من
المؤكدات . منها : إن ، ونحن ، وتنزيلا .. للرد على أولئك الجاحدين الذين أنكروا أن يكون
القرآن من عند الله - تعالى - وقالوا فى شأنه: ﴿ لو نشاء لقلنا مثل هذا، إن هذا إلا
أساطير الأولين ﴾ .
أى : إنا نحن - وحدنا - أيها الرسول الكريم - ، الذين نزلنا عليك القرآن تنزيلا
محكما ، وفصلناه تفصيلا متقنا ، بأن أنزلناه على قلبك مفرقا على حسب مشيئتنا وحكمتنا .

٢٢٧
سورة الإِنسان
والفاء فى قوله: ﴿ فاصبر لحكم ربك ﴾ للإفصاح. وعدى فعل الصبر باللام، لتضمنه
معنى الخضوع والاستسلام لقضائه - سبحانه - .
أى : ما دام الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - فاصبر لحكم ربك ، واخضع
لقضائه ومشيئته ، فهو - سبحانه - الكفيل بنصرك عليهم .
وقوله : ﴿ ولا تطع منهم آثما أو كفورا﴾ أى: ولا تطع - أيها الرسول الكريم - من
هؤلاء المشركين ، من كان داعياً إلى الإِثم والفجور ، أو من كان داعيا إلى الكفر والجحود .
ولم يقل - سبحانه - ولا تطع منهم آثما وكفورا بالواو ، لأن الواو تجعل الكلام محتملا
للنهى عن المجموع ، وأن طاعة أحدهما دون الآخر تكفى فى الامتثال .
ولذا قال الزجاج: إن ((أو)» هنا أَوْكد من الواو ، لأنك إذا قلت : لا تطع زيدا وعمرا ،
فأطاع أحدَهما كان غير عاص ، فإن أيدلتها بأو ، فقد دللتَ على أن كل واحد منهما ،
أهل لأن يعصى، ويعلم منه النهى عن إطاعتهما معاً(١) .
والآثم : هو الفاجر بأقواله وأفعاله . والكفور : هو الجاحد بقلبه ولسانه .
ورحم الله صاحب الكشاف ، فقد قال عند تفسيره لهاتين الآيتين ما ملخصه : تكرير
الضمير بعد إيقاعه اسما لإِنّ : تأكيد على تأكيد ، لمعنى اختصاص الله - تعالى - بالتنزيل ،
ليتقرر فى نفس رسول الله - * - أنه إذا كان هو المنزل للقرآن، لم يكن تنزيله على أى
وجه نزل ، إلا حكمة وصوابا ، كأنه قيل: ما نزل عليك القرآن تنزيلا مفرقا منجما ، إلا أنا
لا غيرى ، وقد عرفتنى حكيما فاعلا لكل ما أفعله .
فإن قلت : كلهم كانوا كفرة، فما معنى القسمة فى قوله: ﴿ آثما أو كفورا﴾؟ قلت :
معناه لا تطع منهم راكبا لما هو إثم ، داعيا لك إليه ، أو فاعلا لما هو كفر ، داعيا لك إليه .
لأنهم إما أن يدعوه إلى مساعدتهم على فعل إثم أو كفر ، أو غير إثم ولا كفر : فنهى عن أن
يساعدهم على الاثنين دون الثالث . فإن قلت : معنى أو : ولا تطع أحدهما ، فهلا جىء بالواو
وليكون نهيا عن طاعتهما جميعا ؟
قلت : لو قيل: ولا تطعهما ، جاز أن يطيع أحدهما ، وإذا قيل : لا تطع أحدهما ، علم أن
الناهى عن طاعة أحدهما : عن طاعتهما جميعا أنهى، كما إذا نهى عن أن يقول لأبويه أف ،
علم أنه منهى عن ضربهما بالطريق الأولى .. (٢) .
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٤٦٢ .
( ٢ ) راجع تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٧٤ .

٢٢٨٠
المجلد الخامس عشر
والمقصود من هاتين الآيتين تثبيت فؤاد النبى - في - وتيئيس المشركين من
استجابته - * - لأى مطلب من مطالبهم الفاسدة .
ثم أرشده - سبحانه - إلى ما يعينه على الصبر والثبات . فقال: ﴿واذكر اسم ربك
بكرة وأصيلا. ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا ﴾ .
والبكرة: أول النهار. والأصيل: آخره . والمراد: المداومة على ذكر الله - تعالى - فى
كل وقت . أى : داوم - أيها الرسول الكريم - على ذكر الله - تعالى - فى أول النهار وفى
آخره ، وعلى صلاة الفجر ، والظهر والعصر .
ومن الليل فاسجد له ﴾ - تعالى - وأكثر من ذكره ، وواظب على صلاة المغرب
والعشاء .
وسبحه ليلا طويلا ﴾ أى: ونزهه - تعالى - وتهجد له وقتا طويلا من الليل .
فهاتان الآيتان ترشدان الرسول - - إلى ما يعينه على الازدياد من فضيلة الصبر
الجميل ، والثبات على الحق .
ومن الآيات الكثيرة التى تشبه هاتين الآيتين فى معناهما: قوله - تعالى - ﴿وأقم الصلاة
طر فى النهار وزلفا من الليل ، إن الحسنات يذهبن السيئات ، ذلك ذكرى للذاكرين . واصبر
فإن الله لا يضيع أجر المحسنين
وقوله - تعالى -: ﴿ ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ، فسبح بحمد ربك وكن
من الساجدين
﴾ .
ثم بين - سبحانه - جانبا من الأسباب التى تجعله - جزر - لا يطيع أحدا منهم فقال :
﴿ إن هؤلاء يحبون العاجلة ، ويذرون وراءهم يوما ثقيلا﴾.
أى : نحن قد نهيناك - يا محمد - عن طاعة أحد من هؤلاء المشركين ، لأنهم جميعا ديدنهم
ودأبهم أنهم يحبون ﴿ العاجلة﴾ أى: الدنيا ولذائذها وشهواتها ، العاجلة الزائلة .
﴿ ويذرون وراءهم﴾ أى: ويتركون وينبذون وراء ظهورهم ﴿يوما ثقيلا﴾ وهو يوم
القيامة ، الشديد الأهوال ، الذى يجعل الولدان شيبا .
ومع شدة هوله فهم لا يستعدون له ، ولا يحسبون له حسابا .
فالآية الكريمة توبيخ وتجهيل لهم ، حيث آثروا الفانى على الباقى ، والعاجل على الآجل .
ووصف يوم القيامة بالثقل ، لشدة ما يقع فيه من أهوال وكروب ، فهو كالشىء الثقيل
الذى لا يستطاع حمله .

٢٢٩
سورة الإنسان
ثم بين - سبحانه - مظاهر فضله عليهم ، ومع ذلك أشركوا معه فى العبادة غيره فقال :
نحن خلقناهم ، وشددنا أسرهم ، وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا ﴾.
أى : نحن وحدنا الذين خلقناهم وأوجدناهم من العدم .
ونحن وحدنا الذين ﴿ شددنا أسرهم﴾ أى: قوينا وأحكمنا وأتقنا خلقهم ، بأن منحناهم
السمع والأبصار والأفئدة والعقول .. وربطنا بين مفاصلهم وأجزاء أجسادهم ربطا عجيبا
معجزا .
يقال : أسَر الله - تعالى - فلانا، أى : خلقه - وبابه ضرب - وفرس شديد الأسْر ،
أى : شديد الخلق، والأسر: القوة، مشتق من الإِسار - بكسر الهمزة - وهو الحبل الذى
تشد به الأحمال ، يقال : أسَر فلان الحمل أسْرًا، إذا أحكم ربطه ، ومنه الأسير لأنه يُرْبَط
بالإِسار، أى : القيد .
والمقصود بالأسر هنا : الإِحكام والإتقان ، والامتنان عليهم بأن الله - تعالى - خلقهم فى
أحسن وأتقن خلق .
وقوله - سبحانه - ﴿ وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا ﴾ تأكيد لشمول قدرته - تعالى -
أى : ونحن وحدنا الذين خلقناهم ، ونحن وحدنا الذين ربطنا مفاصلهم وأعضاءهم ربطا متقنا
بديعا .
ومع ذلك ، فإننا إذا شئتا إهلاكهم أهلكناهم ، وجئنا بأمثالهم وأشباههم فى شدة الخلق ،
وبدلناهم تبديلا معجزا ، لا يقدر عليه أحد سوانا .
وقوله : ﴿ تبديلا) منصوب على أنه مفعول مطلق مؤكد لعامله وهو بدلناهم.
ومن الآيات الشبيهة لهذه الآية فى معناها قوله - تعالى - : ﴿إن يشأ يذهبكم أيها الناس
ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا ﴾(١) .
وقوله - سبحانه -: ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد . وما ذلك على الله
بعزيز ﴾(٢) .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالحض على طاعته ، وبالتحذير من معصيته فقال :
إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا
أى: إن هذه الآيات التى أنزلناها عليك ، يا محمد - تذكرة وموعظة للناس ، فمن شاء
(١) سورة النساء الآية ١٣٣.
(٢) سورة إبراهيم الآيتان ١٩ - ٢٠ .

٢٣٠
المجلد الخامس عشر
أن يتخذ إلى الله - تعالى - وسيلة وطريقة يتقرب بها إليه - تعالى - اتخذها ، لأنها خير
هداية إلى رضاه - سبحانه - .
والتعبير بقوله: ﴿ فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ﴾ تحريض شديد على المسارعة إلى
الطاعة، لأن الله - تعالى - قد مكن الناس من ذلك، حيث وهبهم الاختيار والعقول
المفكرة ، وأرسل إليهم الرسل ليخرجوهم من الظلمات إلى النور .
ثم بين - سبحانه - أن مشيئته فوق كل مشيئة فقال: ﴿ وما تشاءون إلا أن يشاء
الله ﴾ .
أى : وما تشاءون شيئا من الأشياء ، إلا بعد خضوع هذا الشىء لمشيئة الله - تعالى -
وإرادته ، إذ هو الخالق - سبحانه - لكل شىء ، وهو صاحب الخلق والأمر تبارك الله رب
العالمين .
﴿ إن الله كان عليها حكيما﴾ أى: إنه - تعالى - كان وما زال صاحب العلم المطلق
الذى لا يحده شىء ، وصاحب الحكمة البليغة التى لا نهاية لها .
يدخل﴾ - سبحانه - ﴿ من يشاء﴾ إدخاله ﴿فى رحمته﴾ لا راد لقضائه
ولا معقب لحكمه .
والظالمين أعد لهم﴾ - سبحانه - ﴿عذاباً أليما﴾ بسبب إصرارهم على ظلمهم ،
وإيثارهم الباطل على الحق ، والغى على الرشد .
نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا ممن هم أهل لرحمته ورضوانه ، وأن يبعدنا عمن هم أهل
لعذابه ونقمته .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القاهرة - مدينة نصر :
٢٥ من ذى الحجة سنة ١٤٠٦ هـ .
٣٠ من أغسطس سنة ١٩٨٦ م
الراجي عفو ربه
د . محمد سيد طنطاوى
---- - ------ ---

٢٣١
سورة المرسلات
بِسْمِ اللهُ الرَّحْمَنِّ الرَّحِيمِ
تفسير
سورة المرسلات
مقدمة وتمهيد
١ - سورة ((المرسلات)) هى السورة السابعة والسبعون فى ترتيب المصحف ، أما ترتيبها
فى النزول فهى السورة الثالثة والثلاثون، وقد كان نزولها بعد سورة ((الهمزة))، وقبل
سورة (( ق )) .
وهى من السور المكية الخالصة ، وقيل إن آية: ﴿وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون
مدنية ، وهذا القيل لا وزن له ، لأنه لا دليل عليه . وعدد آياتها : خمسون آية .
٢ - وقد ذكروا فى فضلها أحاديث منها : ما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن مسعود
قال: بينما نحن مع النبى - 18 - فى غار بمنى، إذ نزلت عليه: ((والمرسلات))، فإنه
ليتلوها ، وإنى لأتلقاها من فيه ، وإن فاه لرطب بها ..
وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: إن أم الفضل - امرأة العباس - سمعته يقرأ
((والمرسلات عرفا))، فقالت: يابنى - ذكرتنى بقراءتك هذه السورة. إنها لآخر ما سمعت
رسول الله - ◌َ﴾ - يقرأ بها فى المغرب (١).
٣ - وسورة المرسلات زاخرة بالحديث عن أهوال يوم القيامة ، وعن أحوال المكذبين فى
هذا اليوم ، وعن مظاهر قدرة الله - تعالى - ، وعن حسن عاقبة المتقين ..
(١) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٣٢٠.

٢٣٢
المجلد الخامس عشر
التفسير
وقد افتتحت هذه السورة بقوله - تعالى - :
◌ِاللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحْمِ
بـ
وَالْمُرْسَلَتِ عُرْ فَاَ فَالْعَصِفَتِ عَصْفَانَ ، وَالنَّشِرَاتِ نَشْرَاهـ
٣
فَلْفَرِقَتِ فَرْقًّاَنَ فَالْمُلْفِيَتِ ذِكْرَافَ عُذْرًا أَوْنُذْرًا ن إِنَّمَا
تُوعَدُونَ لَوَقِّعٌ ﴿ فَإِذَا النُّجُومُ طِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَآءُ فُرِجَتْ
﴿ وَإِذَاِجَالُ نُسِفَتْ ﴿ وَإِذَالرُّسُلُ أَقِّنَتْ آ الِأَمِّ يَوْمٍ أُمِّلَتْ
٢، لِيَوْمِ الْفَصْلِ ﴿٣) وَمَآ أَذْرَئِكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ ) وَيَلْ يَوْمَِذٍ
١٥
لِلْمُكَذِّبِينَ
وللمفسرين فى معنى هذه الصفات الخمس: ((المرسلات والعاصفات والناشرات والفارقات
·والملقيات)) اتجاهات ، فمنهم من صدر تفسيره ببيان أن المراد بها الملائكة . فقد قال صاحب
الكشاف : أقسم الله بطوائف من الملائكة ، أرسلهن بأوامره فعصفن فى مضيهن كما تعصف
الرياح ، تخففا فى امتثال أمره . وبطوائف منهن نشرن أجنحتهن فى الجو عند انحطاطهن
بالوحى ، أو نشرن الشرائع فى الأرض .. ففرقن بين الحق والباطل ، فألقين ذكرا إلى الأنبياء
عذرا ، للمحقين ، أو نذرا للمبطلين .
فإن قلت : ما معنى عرفا ؟ قلت : متتابعة كشعر العُرْفِ - أى : عرف الفرس - يقال :
جاءوا عرفا واحدا، وهم عليه كعرف الضبع: إذا تألبوا عليه .. (١).
ومنهم من يرى أن المراد بالمرسلات وما بعدها : الرياح ، فقد قال الجمل فى حاشيته :
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٧٧ .

٢٣٣
سورة المرسلات
أقسم الله - تعالى - بصفات خمس موصوفها محذوف ، فجعلها بعضهم الرياح فى الكل ،
وجعلها بعضهم الملائكة فى الكل ... وغاير بعضهم فجعل الصفات الثلاث الأول ، لموصوف
واحد هو الرياح وجعل الرابعة لموصوف ثان وهو الآيات ، وجعل الخامسة لموصوف ثالث وهو
الملائكة .. (١) .
وسنسير نحن على هذا الرأى الثالث ، لأنه فى تصورنا أقرب الآراء إلى الصواب ، إذ أن
هذه الصفات من المناسب أن يكون بعضها للرياح ، وبعضها للملائكة .
فيكون المعنى : وحق الرياح المرسلات لعذاب المكذبين ، فتعصفهم عصفا ، وتهلكهم إهلاكا
شديدا، فقوله: ﴿ عصفاً﴾ وصف مؤكد للإهلاك الشديد، يقال: عصفت الريح، إذا
اشتدت ، وعصفت الحرب بالقوم ، إذا ذهبت بهم ، وناقة عصوف ، إذا مضت براكبها
مسرعة ، حتى لكأنها الريح .
وقوله: ﴿ والناشرات نشرا﴾ أى: وحق الرياح التى تنتشر انتشارا عظيما فى الآفاق ،
فتأتى بالسحب ، التى تتحول بقدرة الله - تعالى - إلى أمطار غزيرة نافعة .
قال ابن كثير - بعد أن ذكر آراء العلماء فى معنى هذه الألفاظ - : والأظهر أن المرسلات
هى الرياح ، كما قال - تعالى -: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح .. ﴾ وقال - سبحانه - :
﴿ وهو الذى يرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته﴾. وهكذا العاصفات هى الرياح، يقال:
عصفت الريح إذا هبت بتصويت ، وكذا ﴿ الناشرات ﴾: هى الرياح التى تنشر السحاب فى
آفاق السماء كما يشاء الرب - عز وجل - .
وقوله - سبحانه - ﴿ فالفارقات فرقا ﴾ يصح أن يكون وصفا للملائكة الذين ينزلون
بالشرائع المفرقة بين الحق والباطل ، وبين أهل الحق وأهل الضلال .
ويصح أن يكون وصفا للآيات التى أنزلها الله - تعالى - للتمييز بين الخير والشر، والرشد
والغى .
وقوله ﴿ فالملقيات ذكرا﴾ قال القرطبى: هم الملائكة بإجماع، يلقون كتب
الله - تعالى - إلى الأنبياء - عليهم السلام - .. (٢) .
فالمراد بالذكر فى قوله ﴿ فالملقيات ذكرا﴾: وحى الله - تعالى - الذى يبلغه الملائكة
إلى الرسل .
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٤٦٣ .
(٢) تفسير القرطبى جـ ١٩ ص ١٥٦ .

٢٣٤٠٠
المجلد الخامس عشر
وقوله ﴿ عذرا أو نذرا﴾ منصوبان على أنهما يدل اشتمال من قوله ﴿ذكرا﴾ أو مفعول
لأجله . أى : أن الملائكة يلقون وحى الله - تعالى - إلى أنبيائه، لإزالة أعذار المعتذرين عن
الإِيمان ، حتى لا يقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ، ولإِنذار الكافرين والفاسمين ، حتى
يقلعوا عن كفرهم وفسوقهم .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - ﴿ رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله
حجة بعد الرسل
قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما العذر والنذر ، وبماذا انتصبا ؟ قلت : هما مصدران من
أعذر إذا محا الإِساءة ، ومن أنذر إذا خوف على فعل كالكفر والنكر ، ويجوز أن يكون جمع
عذير ، بمعنى المعذرة ، وجمع نذير بمعنى الإِنذار ... وأما انتصابهما فعلى البدل من ذكرا ... أو على
المفعول له .. (١) .
وجملة ﴿ إنما توعدون لصادق ﴾ جواب القسم، وجىء بها مؤكدة، لتقوية تحقيق وقوع
الجواب ، وما وعدوا به هو البعث والحساب .
أى : وحق الرياح المرسلة لعذاب المشركين .. وحق الملائكة الذين نرسلهم بوحينا للتفريق
بين الحق والباطل ، ولتبليغ رسلنا ما كلفناهم به .. إنكم - أيها الكافرون - لمبعوثون
ومحاسبون على أعمالكم يوم القيامة الذى لاشك فى وقوعه وحصوله وثبوته .
ثم بين - سبحانه - علامات هذا اليوم فقال: ﴿ فإذا النجوم طمست ﴾ أى : محقت
وذهب ضوؤها ، وزال نورها . يقال : طمست الشىء ، من باب ضرب - إذا محوته
واستأصلت أثره ، ﴿وإذا السماء فرجت﴾ أى: شقت أو فتحت، وتدلت أرجاؤها، ووهت
أطرافها . ﴿وإذا الجبال نسفت ﴾ أى: اقتلعت وأزيلت من أماكنها . يقال: نسف فلان
البناء ينسفه ، إذا قلعه من أصله .
وإذا الرسل أقتت ﴾ أى : بلغت وقتها الذى كانت تنتظره ، وهو يوم القيامة ، للقضاء
بينهم وبين أقوامهم . فقوله : ﴿ أقتت ﴾ من التوقيت ، وهو جعل الشىء منتهيا إلى وقته
المحدد له .
قال الألوسى: قوله ﴿وإذا الرسل أقتت﴾ أى: بلغت ميقاتها. وجوز أن يكون
المعنى : عين لها الوقت الذى تحضر فيه للشهادة على الأمم، وذلك عند مجىء يوم القيامة .. (٢).
( ١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٧٨ .
(٢) تفسير الآلوسى جـ ٢٩ ص ١٧٢ .

٢٣٥
سورة المرسلات
وجواب ﴿ إذا﴾ وما عطف عليها فى قوله ﴿فإذا النجوم طمست﴾ محذوف، والتقدير:
وقع ما وعدناكم به وهو يوم القيامة .
وقوله : ﴿لأى يوم أجلت . ليوم الفصل . وما أدراك ما يوم الفصل . ويل يومئذ
للمكذبين ﴾ تعليل لبلوغ الرسل الى الوقت الذى كانوا ينتظرونه لأخذ حقوقهم من أقوامهم
الظالمين ، والاستفهام للتهويل والتعظيم من شأن هذا اليوم .
أى : لأى يوم أخرت الأمور التى كانت متعلقة بالرسل ؟ من تعذيب الكافرين ، وإثابة
المتقين ... إنها أخرت وأجلت ، ليوم الفصل ، وهو يوم القيامة ، الذى يفصل الله - تعالى -
فيه بقضائه العادل بين العباد .
وما أدراك﴾، - أيها المخاطب - ﴿ ما يوم الفصل﴾؟ إنه يوم هائل شديد،
لا تحيط العبارة بكنهه ، ولا يعلم إلا الله - تعالى - وحده مقدار أهواله.
ويقال فى هذا اليوم لكل فاسق عن أمر ربه ، ومشرك معه فى العبادة غيره ، ﴿ ويل يومئذ
للمكذبين ﴾ أى : هلاك وحسرة فى هذا اليوم للمكذبين بالحق الذى جاء به الرسل ، وبلغوه
إلى أقوامهم .
وقد تكررت هذه الآية عشر مرات فى تلك السورة الكريمة ، على سبيل الوعيد والتهديد
لهؤلاء المكذبين لرسلهم ، والجاحدين لنعم خالقهم ، والويل : أشد السوء والشر، وهو فى
الأصل مصدر بمعنى الهلاك ، وكان حقه النصب بفعل من لفظه أو معناه ، إلا أنه رفع على
الابتداء ، للدلالة على ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه .
وقوله ﴿ يومئذ﴾ ظرف للويل أو صفة له، ولذا صح الابتداء به .
ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك ألوانا من الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ،
كإهلاك المكذبين السابقين ، وخلق الأولين والآخرين ، والإِنعام على الناس بالجبال والأنهار ..
قال - تعالى - :
أَوْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ، ثُمَّنُتْبِعُهُمُ الْآَخِينَ
﴿ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ﴿١٨)، وَيُّلٌ يَوَمَيِذٍ لِلْمُكَّذِّبِينَ )
١٧
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٩ ص ١٧٢ .

٢٣٦
المجلد الخامس عشر
أَخْلُقُكُم مِّن مَِّمَّهِينٍ ﴿ فَجَعَلْنَهُ فِ قَرَارٍمَّكِينٍ ﴿ إِلَ قَدَرٍ
مَعْلُومٍ ﴿ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَدِرُونَ ﴿ وَيَلِ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ @
أَلَتْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَانًا(٥) أَحْيَاءُ وَأَمْوَاتًا () وَجَعَلْنَافِيهَا رَوَسِىَ
شَمِخَتٍ وَأَسْقَيْنَكُم مَّاءُ فُرَاتً ٦ وَيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
أَنْطَلِقُواْإِلَى مَا كُنْتُمِيِهِ، تُكَذِّبُونَ ﴿ أَنْطَلِّقُواْ إِلَى ظِلِ ذِى تَثِ
شُعَبٍ قَالَّاغَلِيلِ وَلَا يُغْنِ مِنَ اللَّهَبِ تَ إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ
كَلَقَصْرِ ﴿ كَنَّهُ حِمَلَتُ صُفْرٌ لَ وَيِلٌ يَوَمَيِذٍ لِلْمُكَّذِّبِينَ(
٣٤
هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ ﴿ وَلَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَغْنَذِرُونَ ﴿ وَيَلْ يَوْمَِذٍ
لِلْمُكَذِّبِينَ (٦) هَذَايَوْمُ الْفَصْلِّ جَمَعْنَكُوَاْلْأَوَّلِينَ ﴿ فَإِن كَانَ
لَكُرَكَيْدٌ فَكِيدُونِ ﴿ وَيْلٌ يَوْمَِذٍ لِلْكَذِّبِينَ ﴾
والاستفهام فى قوله ﴿ ألم نهلك الأولين﴾ وفى الآيات المماثلة له بعد ذلك، للتقرير،
والمقصود به استخراج الاعتراف والإِقرار من مشركى قريش على صحة البعث ، لأن من قدر
على الإِهلاك ، قادر على الإِعادة .
أى : لقد أهلكنا الأقوام الأولين الذين كذبوا رسلهم ، كقوم نوح وعاد وثمود .
ثم نتبعهم الآخرين ﴾ أى : أهلكنا الأولين ، ثم نتبعهم بإهلاك المتأخرين عنهم ،
والذين يشبهون سابقيهم فى الكفر والجحود .
و ((ثم)» هنا للتراخى الرتبى، لأن إهلاك الآخرين الذين لم يعتبروا بمن سبقهم سيكون
أشد من إهلاك غيرهم ، وفى ذلك تهديد شديد ووعيد واضح لمشركى مكة .
وقوله: ﴿ كذك نفعل بالمجرمين ﴾ أى: مثل ذلك الفعل الشنيع، والعقاب الأليم ، نفعل
بالمجرمين الذين أصروا على كفرهم وعنادهم حتى أدركهم الموت .
.....
.

٢٣٧
سورة المرسلات
فالكاف بمعنى مثل ، والإِشارة فى قوله: ﴿ كذلك ﴾ تعود إلى الفعل المأخوذ من قوله
نفعل﴾ أى ؛ مثل ذلك الفعل نفعل بالمجرمين .
ثم كرر - سبحانه - التهديد والوعيد لهم ، لعلهم يرتدعون أو يتعظون فقال : ﴿ ويل
يومئذ للمكذبين
ثم قال - سبحانه - ممتنا على خلقه بإيجادهم فى هذه الحياة ، ومحتجا على إمكان الإِعادة
بخلقهم ولم يكونوا شيئا مذكورا ، فقال: ﴿ألم نخلقكم من ماء مهين﴾.
أى : لقد خلقناكم - أيها الناس - من نطفة حقيرة ضعيفة ، من مَهُن الشىء - بفتح الميم
وضم الهاء - إذا ضعف، وميمه أصلية، وليس هو من مادة هان، و(( من)) ابتدائية.
وقوله : ﴿ فجعلناه فى قرار مكين ﴾ تفصيل لكيفية الخلق على سبيل الإدماج ، والقرار:
اسم للمكان الذى يستقر فيه الماء ، والمراد به رحم المرأة . والمكين صفة له .
أى : خلقناكم من ماء ضعيف ، ومن مظاهر قدرتنا وحكمتنا ولطفنا بكم أننا جعلنا هذا الماء
الذى خلقتم منه ، فى مكان حصين ، قد بلغ النهاية فى تمكنه وثباته .
فقوله ﴿ مكين) بمعنى متمكن، من مَكنُ الشىء مكانة، إذا ثبت ورسخ.
وقوله: ﴿ إلى قدر معلوم﴾ بيان لبديع حكمته، والقدر بمعنى المقدار المحدد المنضبط،
الذى لا يتخلف .
أى : جعلنا هذا الماء فى قرار مكين ، إلى وقت معين محدد فى علم الله - تعالى - يأذن عنده
بخروج هذا المخلوق من رحم أمه ، إلى الحياة ، وهذا الوقت هو مدة الحمل .
وقوله - تعالى -: ﴿ فقدرنا فنعم القادرون ﴾ ثناء منه - تعالى - على ذاته بما هو
أهله . أى : فقدَّرنا ذلك الخلق تقديرا حكيما منضبطا ، وتمكنا من إيجاده فى أطوار متعددة ، فنعم
المقدرون نحن ، ونعم الموجدون نحن لما نوجده من مخلوقات .
وما دام الأمر كذلك فويل وهلاك يوم القيامة ، للمكذبين بوحدانيتنا وقدرتنا .
ثم انتقل - سبحانه - إلى الاستدلال على إمكانية البعث بطريق ثالث فقال: ﴿ألم
نجعل الأرض كِفاتا ، أحياء وأمواتاً ، وجعلنا فيها رواسى شامخات ﴾ .
والكِفات : اسم للمكان الذى يكفت فيه الشىء . أى؛ يجمع ويضم ويوضع فيه .
يقال : كفت فلان الشىء يكفِتُه كَفْتاً ، من باب ضرب - إذا جمعه ووضعه بداخل شىء
معين ، ومنه سمى الوعاء كفاتا ، لأن الشىء يوضع بداخله ، وهو منصوب على أنه مفعول ثان
لقوله ﴿نجعل﴾، لأن الجعل هنا بمعنى التصيير.
:

٢٣٨
المجلد الخامس عشر
وقوله : ﴿ أحياء وأمواتا﴾ منصوبان على أنهما مفعولان به، لقوله ﴿ كفاتا﴾. أو
مفعولان لفعل محذوف .
أى : لقد جعلنا الأرض وعاء ومكانا تجتمع فيه الخلائق : الأحياء منهم يعيشون فوقها ،
والأموات منهم يدفنون فى باطنها ، ﴿ وجعلنا فيها﴾ - أيضا - جبالا ﴿رواسى﴾ أى:
ثوابت ﴿ شامخات﴾ أى: مرتفعات ارتفاعا كبيرا، جمع شامخ وهو الشديد الارتفاع .
قال صاحب الكشاف : الكفات : من كفت الشىء إذا ضمه وجمعه .. وبه انتصب ﴿ أحياء
وأمواتا ﴾ كأنه قيل : كافتة أحياء وأمواتا ، أو انتصبا بفعل مضمر يدل عليه ، وهو تكفت .
والمعنى : تكفت أحياء على ظهرها ، وأمواتا فى بطنها .
فإن قلت : لم قيل أحياء وأمواتا على التنكير ، وهى كفات الأحياء والأموات جميعا ؟
قلت : هو من تنكير التفخيم ، كأنه قيل: تكفت أحياء لا يعدون، وأمواتاً لا يحصرون .. (١).
وقوله - سبحانه - ﴿ وأسقيناكم ماء فراتا ﴾ بيان لنعمة أخرى من أجل نعمه على
خلقه ، أى : وأسقيناكم - بفضلنا ورحمتنا - ماء ﴿ فراتا﴾ أى : عذبا سائغا للشاربين .
وقوله - تعالى - ﴿ ويل يومئذ للمكذبين﴾ تكرير للتوبيخ والتقريع على جحودهم لنعم
اللّه ، التى يرونها بأعينهم ، ويحسونها بحواسهم ويستعملونها لمنفعتهم .
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان المصير الأليم الذى ينتظر هؤلاء المكذبين ، فقال -
تعالى -: ﴿ انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون . انطلقوا إلى ظل ذى ثلاث شعب . لا ظليل
ولا يغنى من اللهب . إنها ترمي بشرر كالقصر . كأنه جمالة صفر ﴾ .
وقوله - سبحانه -: ﴿ انطلقوا﴾ مفعول لقول محذوف . أى: يقال للكافرين يوم
القيامة - على سبيل الإِهانة والإِذلال - : انطلقوا إلى ماكنتم تكذبون به فى الدنيا من
العذاب .
وقوله : ﴿ انطلقوا إلى ظل ذى ثلاث شعب .. ﴾ بدل مما قبله ، وأعيد فعل
انطلقوا .. ﴾ على سبيل التوكيد، لقصد الزيادة فى تقريعهم وتوبيخهم .
والمراد بالظل : دخان جهنم، وسمى بذلك لشدة كثافته ، أى : انطلقوا - أيها
المشركون - إلى ظل من دخان جهنم الذى يتصاعد من وقودها ، ثم يتفرق بعد ذلك إلى ثلاث
شعب ، شأن الدخان العظيم عندما يرتفع .
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٨٠.

٢٣٩
سورة المرسلات
وسمى هذا الدخان العظيم الخانق بالظل ، على سبيل التهكم بهم ، إذ هم فى هذه الحالة
يكونون فى حاجة شديدة إلى ظل يأوون إلى برده .
ثم وصف - سبحانه - هذا الظل بصفة ثانية فقال: ﴿ لا ظليل﴾ أى: ليس هو بظل
على سبيل الحقيقة ، وإنما هو دخان خانق لا برد فيه .
ثم وصفه بصفة ثالثة فقال: ﴿ولا يغنى من اللهب ﴾ أى: أن هذا الظل الذى تنطلقون
إليه لا يغنى شيئا من الإِغناء ، من حر لهب جهنم التى هى مأواكم ونهايتكم .
وبهذه الصفات يكون لفظ الظل ، قد فقد خصائصه المعروفة من البرودة والشعور عنده
بالراحة .. وصار المقصود به ظلا آخر ، لا برد فيه ، ولا يدفع عنهم شيئا من حر اللهب .
وهذه الصفات إنما جىء بها لدفع ما يوهمه لفظ ((ظل)).
وعدى الفعل (( يغنى)) بحرف من ، لتضمنه معنى يُبْعِد .
والضمير فى قوله - سبحانه -: ﴿ إنها ترمى بشرر كالقصر .. ﴾ لجهنم ، لأن السياق
كله فى شأنها وفى شأن المصطلين بلهيبها .
والشرر : واحده شررَة ، وهى القطعة التى تتطاير من النار لشدة اشتعالها .
والقصر : البناء العالى المرتفع . وقيل : هو الغليظ من الشجر . أو هو قطع من الخشب ،
يجمعها الجامعون للاستدفاء بها من البرد. وقوله: ﴿جِمالة﴾ جمع جَمَل - كحجارة وحجر.
قال الألوسى: ((جمالة)) بكسر الجيم - كما قرأ به حمزة والكسائى وحفص وهو جمع
جمل .
والتاء التأنيث الجمع . يقال : جمل وجمال وجمالة .. والتنوين للتكثير .
وقرأ الجمهور ﴿ جمالاتٌ﴾ - بكسر الجيم مع الألف والتاء - جمع جمال .. فيكون جمع
الجمع .. (١) .
والمعنى : إنها - أى : جهنم - ترمى المكذبين بالحق ، الذين هم وقودها ، ترميهم بشرر
متطاير منها لشدة اشتعالها ، كل واحدة من هذا الشرر كأنها البناء المرتفع فى عظمها
وارتفاعها .
وقوله - تعالى -: ﴿ كأنه جمالة صفر) وصف آخر للشرر، أى: كأن هذا الشرر فى
هيئته ولونه وسرعة حركته .. جمال لونها أصفر .
-
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٩ ص ١٢٦.

٢٤٠
المجلد الخامس عشر
واختير اللون الأصفر للجمال ، لأن شرر النار عندما يشتد اشتعالها يكون مائلا إلى
الصفرة .
وقيل المراد بالصفر هنا : السواد ، لأن سواد الإِبل يضرب إلى الصفرة .
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد شبه الشرر الذى ينفصل عن النار فى عظمته وضخامته
بالقصر ، وهو البناء العالى المرتفع ، وشبهه - أيضا - حين يأخذ فى الارتفاع والتفرق ..
بالجمال الصفر ، فى هيئتها ولونها وسرعة حركتها ، وتزاحمها .
والمقصود بهذا التشبيه : زيادة الترويع والتهويل ، فإن هؤلاء الكافرين لما كذبوا بالحساب
والجزاء ، وصف الله - تعالى - لهم نار الآخرة بتلك الصفات المرعبة، لعلهم يقلعون عن
شركهم ، لاسيما وأنهم يرون النار فى دنياهم ، ويرون شررها حين يتطاير .. وإن كان الفرق
شاسعا بين نار الدنيا ونار الآخرة .
وزيادة فى التخويف والإِنذار ختمت هذه الآيات - أيضا - بقوله - تعالى - ﴿ ويل
يومئذ للمكذبين
ثم صور - سبحانه - حالهم عندما يردون على النار ، ويوشكون على القذف بهم فيها ،
فقال - تعالى - ﴿ هذا يوم لا ينطقون ، ولا يؤذن لهم فيعتذرون ، ويل يومئذ للمكذبين .
هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين . فإن كان لكم كيد فكيدون . ويل يومئذ للمكذبين ﴾.
أى : ويقال لهؤلاء المجرمين - أيضاً - عند الإلقاء بهم فى النار : هذا يوم لا ينطقون فيه
بشىء ينفعهم ، أو لا ينطقون فيه إطلاقا لشدة دهشتهم ، وعظم حيرتهم .
ويكون فى الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة ، فإنهم بعد أن خوطبوا خطاب إهانة
وإذلال بقوله - تعالى -: ﴿ انطلقوا﴾ أعرض المخاطبون لهم، على سبيل الإهمال لهؤلاء
الكافرين ، وقالوا لهم : هذا يوم القيامة الذى لا يصح لكم النطق فيه .
وهذا لا يتعارض مع الآيات التى تفيد نطقهم ، كما فى قوله - تعالى -: ﴿ وأقبل بعضهم
على بعض يتساءلون ﴾ لأن فى يوم القيامة مواطن متعددة ، فهم قد ينطقون فى موطن ،
ولا ينطقون فى موطن آخر .
وقوله - تعالى - ﴿ ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾ معطوف على ما قبله. أى: فى يوم
القيامة لا ينطق هؤلاء المجرمون نطقاً يفيدهم ، ولا يؤذن لهم فى الاعتذار عما ارتكبوه من
سوء ، حتى يقبل اعتذارهم ، وإنما يرفض اعتذارهم رفضاً تاماً ، لأنه قد جاء فى غير وقته
وأوانه .