النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ سورة المدثر ثم أدبر واستكبر ﴾ أى : ثم إنه بعد هذا التفكير والتقدير ، وبعد هذا العبوس والبسور ، بعد ذلك أدبر عن الحق ، واستكبر عن قبوله . فقال ﴾ - على سبيل الغرور والجحود - ﴿ إن هذا إلا سحر يؤثر﴾ أى: ما هذا القرآن الذى يقرؤه محمد - * - علينا ، إلا سحر مأثور أى : مروى عن الأقدمين ، ومنقول من أقوالهم وكلامهم . وجملة ﴿إن هذا إلا قول البشر﴾ بدل مما قبلها، أى: ما هذا القرآن إلا سحر مأثور عن السابقين ، فهو من كلام البشر ، وليس من كلام الله - تعالى - كما يقول محمد قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى (( ثم)) الداخلة فى تكرير الدعاء ؟ قلت : الدلالة على أن الكرة الثانية أبلغ من الأولى ، ونحوه قوله: ألا يا اسلَمِى ثم اسلَمِى ، ثُمَّتَ اسلمِى . فإن قلت : ما معنى المتوسطة بين الأفعال التى بعدها ؟ قلت : الدلالة على أنه قد تأتى فى التأمل والتمهل ، وكأن بين الأفعال المتناسقة تراخيا وتباعدا .. فإن قلت : فلم قيل: ﴿ فقال إن هذا ... ﴾ بالفاء بعد عطف ما قبله بئم ؟ قلت : لأن الكلمة لما خطرت بباله بعد التطلب ، لم يتمالك أن نطق بها من غير تلبث . فإن قلت : فلم لم يوسط حرف العطف بين الجملتين ؟ قلت : لأن الأخرى جرت من الأولى مجرى التوكيد من المؤكد(١). ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الوعيد الشديد الذى توعد به هذا الشقى الأثيم فقال : سأصليه سقر ﴾ وسقر: اسم لطبقة من طبقات جهنم ، والجملة الكريمة بدل من قوله : سأرهقه صعودا ﴾ أى: سأحرقه بالنار المتأججة الشديدة الاشتعال. وقوله : ﴿ وما أدراك ما سقر ﴾ تهويل من حال هذه النار وتفظيع لشدة حرها . أى : وما أدراك ما حال سقر ؟ إن حالها وشدتها لا تستطيع العبارة أن تحيط بها . وجملة ﴿ لا تبقى ولا تذر﴾ بدل اشتمال من التهويل الذى أفادته جملة ﴿ وما أدراك ما سقر ﴾ . أى : هذه النار لا تبقى شيئا فيها إلا أهلكته ، ولا تترك من يلقى فيها سليما ، بل تمحقه محقا ، وتبلعه بلعا ، وتعيده - بأمر الله تعالى - إلى الحياة مرة أخرى ليزداد من العذاب ، كما ( ١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٥٠ . ١٨٢ المجلد الخامس عشر قال - تعالى -: ﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ... ﴾ وقوله : ﴿ لواحة للبشر ﴾ صفة ثالثة من صفات سقر. ومعنى: ﴿لواحة﴾ مُغَيْرَّة للبشرَات. مُسَوِّدة للوجوه، صيغة مبالغة من اللَّوْح بمعنى تغيير الشىء يقال: فلان لوَّحته الشمس ، إذا سَوَّدَتْ ظاهرَه وأطرافه . والبشر : جمع بشرة وهى ظاهر الجلد . أى : أن هذه النار من صفاتها - أيضا - أنها تغير ألوان الجلود ، فتجعلها مسودة بعد أن كانت على غير هذا اللون ، وأنها تنزل بالأجساد من الآلام ما لا يعلمه إلا الله - تعالى - . وقوله - تعالى -: ﴿ عليها تسعة عشر﴾ صفة رابعة من صفات سقر. أى: على هذه النار تسعة عشر ملكا ، يتولون أمرها ، وينفذون ما يكلفهم الله - تعالى - فى شأنها . قال القرطبى: قوله - تعالى - ﴿ عليها تسعة عشر﴾ أى: على سقر تسعة عشر من الملائكة ، يَلْقَوْن فيها أهلَها. ثم قيل: على جملة النار تسعة عشر من الملائكة هم خزنتها. مالك وثمانيةَ عشر ملكا . ويحتمل أن يكون التسعة عشر نقيبا . ويحتمل أن يكون تسعة عشر ملكا بأعيانهم ، وعلى هذا أكثر المفسرين .. (١). ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من مظاهر قدرته وحكمته ، وابتلائه لعباده بشتى أنواع الابتلاء ، ليتميز قوى الإِيمان من ضعيفه . فقال - تعالى - : وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَبَ النَّارِ إِلَّ مَكَبِّكَّةُ وَمَاجَعَلْنَا ◌ِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُواْلِيَسْتَيْفِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ وَيَزْدَادَالَّذِينَ ءَامَنُواْ إِيَنَّاً وَلَ يَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ وَالْمُؤْمِنُونٌ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌ٌََّ وَاُلْكَفِرُونَ مَاذَا أَرَادَاللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَبَهْدِى مَن يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُودَرَبِّكَ إِلَّهُوَ وَمَا هِىَ إِلَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ الم ◌َلَّ (١) تفسير القرطبى جـ ١٩ ص ٧٩. ١٨٣ سورة المدثر ٠٠ صم وَالْقَمَرِ) وَالَّلِ إِذْ أَذْبَرٌَ، وَالصُّبْحِإِذَا أَسْفَرَ (٦) إِنَّهَ لَإِحْدَى الْكُبَرِأَنَذِيِّ الْبَشَرِّ لِمَن شَآءُ مِنْكُمْأَنْ يَنَقَدَّمَ أَوْ يَنَأَخَرَ ( (٣٧ قال الإِمام ابن كثير : يقول الله - تعالى - : ﴿وما جعلنا أصحاب النار ﴾ أى : خزانها إلا ملائكة ﴾ أى : غلاظا شدادا. وذلك رد على مشركى قريش حين ذكر عدد الخزنة . فقال أبو جهل : يامعشر قريش ، أما يستطيع كل عشرة منكم لواحد منهم فتغلبونهم ؟ فقال الله - تعالى - : ﴿ وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة﴾. أى: شديدى الخلق لا يقاومون ولا يغالبون. وقد قيل : إن أبا الأشد - واسمه : كلدة بن أسيد بن خلف - قال : يامعشر قريش ، اكفونى منهم اثنين وأنا أكفيكم سبعة عشر ، إعجابا منه بنفسه ، وكان قد بلغ من القوة - فيما يزعمون - أنه كان يقف على جلد البقرة . ويجاذبه عشرة لينتزعوه من تحت قدميه ، فيتمزق الجلد ، ولا يتزحزح عنه .. (١). وقال الجمل فى حاشيته : قال ابن عباس : لما نزلت هذه الآية ﴿ عليها تسعة عشر﴾. قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم !. محمد - وله - يخبر أن خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الشجعان ، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم ؟ . فقال أبو الاشد : أنا أكفيكم منهم سبعة عشر ، عشرة على ظهرى ، وسبعة على بطنى . وأكفونى أنتم اثنين .. فأنزل الله - تعالى -: ﴿وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة .. ﴾ (٢). والمقصود من هذه الآية الكريمة الرد على المشركين، الذين سخروا من النبى - وَال*1 - عندما عرفوا منه أن على سقر تسعة عشر ملكا يتولون أمرها .. أى : إننا أوجدنا النار لعذاب الكافرين ، وما جعلنا خزنتها إلا من الملائكة الغلاظ الشداد ، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، والذين لا قدرة لأحد من البشر على مقاومتهم أو مخالفة أمرهم ، لأنهم أشد بأسا ، وأقوى بطشا من كافة الإِنس والجن .. والاستثناء من عموم الأنواع . أى: وما جعلنا أصحاب النار إلا من نوع الملائكة ، الذين لا قدرة لأحد من البشر على مقاومتهم .. (١) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٢٩٤. (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٤٤٠. ١٨٤ المجلد الخامس عشر وقوله - سبحانه -: ﴿وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ﴾ بيان لحكمة أخرى من ذكر هذا العدد .. والفتنة بمعنى الاختبار والامتحان . تقول : فتنت الذهب بالنار ، أى : اختبرته بها ، لتعلم جودته من رداءته . وقوله : ﴿ إلا فتنة﴾ مفعول ثان لقوله ﴿ جعلنا﴾ والكلام على حذف مضاف .. أى : وما جعلنا عدة خزنة النار تسعة عشر ، إلا ليكون هذا العدد سبب فتنة واختبار للذين كفروا ، ولقد زادهم هذا الامتحان والاختبار جحودا وضلالا ، ومن مظاهر ذلك أنهم استهزأوا بالنبى - وَّليه - عندما قرأ عليهم القرآن ، فحق عليهم عذابنا ووعيدنا .. قال الإِمام الرازى : وإنما صار هذا العدد سببا لفتنة الكفار من وجهين : الأول أن الكفار كانوا يستهزئون ويقولون : لم لا يكونون عشرين - بدلا من تسعة عشر - وما المقتضى لتخصيص هذا العدد ؟ . والثانى أن الكفار كانوا يقولون : هذا العدد القليل ، كيف يكون وافيا بتعذيب أكثر العالم من الجن والإِنس .. ؟ وأجيب عن الأول : بأن هذا السؤال لازم على كل عدد يفرض ، وأفعال الله - تعالى - لا تعلل ، فلا يقال فيها لم كان هذا العدد ، فإن ذكره لحكمة لا يعلمها إلا هو - سبحانه - . وأجيب عن الثانى : بأنه لا يبعد أن الله - تعالى - يعطى ذلك العدد القليل قوة تفى بذلك ، فقد اقتلع جبريل وحده . مدائن قوم لوط على أحد جناحيه ، ورفعها إلى السماء .. ثم قلبها ، فجعل عاليها سافلها .. - وأيضا - فأحوال القيامة ، لا تقاس بأحوال الدنيا ، وليس للعقل فيها مجال .. (١). وقوله - سبحانه - : ﴿ ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ، ويزداد الذين آمنوا إيمانا ... ﴾ علة أخرى ، لذكر هذا العدد . والاستيقان : قوة اليقين ، فالسين والتاء للمبالغة . أى : وما جعلنا عدتهم كذلك - أيضا - إلا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى، بأن الرسول - وَ ل﴿ - صادق فيما يبلغه عن ربه، إذ أن الكتب السماوية التى بين أيديهم قد ذكرت هذا العدد . كما ذكره القرآن الكريم ، وإلا ليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم ، بصدق نبيهم - ل - ، إذ أن الإِخبار عن المغيبات عن طريق القرآن الكريم ، من شأنها أن تجعل الإِيمان فى قلوب المؤمنين الصادقين ، يزداد رسوخا وثباتا . ( ١) تفسير الفخر الرازى . ١٨٥ سورة المدثر قال الإِمام ابن كثير: قوله: ﴿ ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ﴾ أى: يعلمون أن هذا الرسول حق ، فإنه نطق بمطابقة ما بأيديهم من الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء قبله .. (١). وقال الآلوسى : وأخرج الترمذى وابن مردويه عن جابر قال : قال ناس من اليهود ، لأناس من المسلمين: هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ فأخبروا بذلك رسول الله - والخ - فقال: ((هكذا وهكذا)) فى مرة عشرة. وفى مرة تسعة . وقال الآلوسى : واستشعر من هذا أن الآية مدنية ، لأن اليهود إنما كانوا فيها ، وهو استشعار ضعيف ، لأن السؤال لصحابى فلعله كان مسافرا فاجتمع بيهودى حيث كان .. - وأيضا - لا مانع إذ ذاك من إتيان بعض اليهود نحو مكة .. (٢) . وقوله - تعالى -: ﴿ ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون) معطوف على قوله : ليستيقن .. ﴾ وهو مؤكد لما قبله، من الاستيقان وازدياد الإِيمان، ونفى لما قد يعترى المستيقن من شبهة عارضة . أى: فعلنا ما فعلنا ليكتسب أهل الكتاب اليقين من نبوته - چ - ولیزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم . ولتزول كل ريبة أو شبهة قد تطرأ على قلوب الذين أوتوا الكتاب ، وعلى قلوب المؤمنين .. وقوله - سبحانه -: ﴿وليقول الذين فى قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا ﴾ بيان لعلة أخرى لكون خزنة سقر تسعة عشر . أى : ما جعلنا عدتهم كذلك إلا فتنة للذين كفروا ، وإلا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب من صدق الرسول - وي - وإلا ليزداد الذين آمنوا إيمانا ، وإلا لنزول الريبة من قلوب الفريقين ، وإلا ليقول الذين فى قلوبهم مرض ، أى : شك وضعف إيمان ، وليقول الكافرون المصرون على التكذيب : ما الأمر الذى أراده الله بهذا المثل ، وهو جعل خزنة سقر تسعة عشر؟ فالمقصود بالاستفهام فى قوله - تعالى -: ﴿ ماذا أراد الله بهذا مثلا﴾ الإنكار. والإِشارة بهذا مرجعها إلى قوله - تعالى - قبل ذلك: ﴿ عليها تسعة عشر ) وقوله : مثلا ﴾ حال من اسم الإشارة ، والمراد به العدد السابق . وسموه مثلا لغرابته عندهم . أى : ما الفائدة فى أن تكون عدة خزنة سقر تسعة عشر ، وليسوا أكثر أو أقل ؟ وهم يقصدون بذلك نفى أن يكون هذا العدد من عنده - تعالى - . (١) تفسير ابن كثير ص ٨ ص ٢٩٤ . (٢) تفسير الآلوسى جـ ٢٩ ص ١٢٧ . ١٨٦ المجلد الخامس عشر قال الآلوسى: قوله - تعالى -: ﴿ ماذا أراد الله بهذا مثلا) أى: أى شىء أراده الله - تعالى - ، أو ما الذى أراده الله - تعالى - بهذا العدد المستغرب استغراب المثل . وعلى الأول تكون ﴿ ماذا﴾ بمنزلة اسم واحد .. وعلى الثانى: هى مؤلفة من كلمة ما﴾ اسم استفهام مبتدأ، و﴿ ذا﴾ اسم موصول خبره، والجملة بعده صلة ، والعائد فيها محذوف ، ﴿ومثلا) نصب على التمييز أو على الحال .. وعنوا بالإشارة : التحقير، وغرضهم: نفى أن يكون ذلك من عند الله - تعالى - .. (١). واسم الإشارة فى قوله - تعالى - : ﴿ كذلك يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء﴾ يعود إلى ما تضمنه الكلام السابق ، من استيقان أهل الكتاب ، وازدياد المؤمنين إيمانا ، واستنكار الكافرين ومن فى قلوبهم مرض لهذا المثل . أى : مثل ذلك الضلال الحاصل للذين فى قلوبهم مرض وللكافرين ، يضل الله - تعالى - من يشاء إضلاله من خلقه ، ومثل ذلك الهدى الحاصل فى قلوب المؤمنين ، يهدى اللّه من يشاء هدايته من عباده ، إذ هو - سبحانه - الخالق لكل شىء ، وهو على كل شىء قدير . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يخرس ألسنة الكافرين ، الذين أنكروا هذا العدد الذى جعله الله - تعالى - على سقر، ليتصرف فيها على حسب إرادته - تعالى - ومشيئته ، فقال: ﴿وما يعلم جنود ربك إلا هو ﴾. والجنود: جمع جند، وهو اسم لما يتألف منه الجيش من أفراد . والمراد بهم هنا : مخلوقاته - تعالى - الذين سخرهم لتنفيذ أمره ، وسموا جنودا ، تشبيها لهم بالجنود فى تنفيذ مراده - سبحانه - . أى : وما يعلم عدد جنود ربك - أيها الرسول الكريم - ، ولا مبلغ قوتهم ، إلا هو - عز وجل - وما هذا العدد الذى ذكرناه لك إلا جزء من جنودنا ، الذين حجبنا علم عددهم وكثرتهم .. عن غيرنا . قال الإمام ابن كثير : قوله - تعالى -: ﴿وما يعلم جنود ربك إلا هو ﴾ أى: وما يعلم عددهم وكثرتهم إلا هو - تعالى - ، لئلا يتوهم متوهم أنماهم تسعة عشر فقط . وقد ثبت فى حديث الإسراء المروى فى الصحيحين وغيرهما، عن رسول الله - ولز - أنه قال فى صفة البيت المعمور، الذى فى السماء السابعة : فإذا هو يدخله كل يوم سبعون الف ملك .. (٢). (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٩ ص ١٢٧ . (٢) راجع تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٢٩٥ . ١٨٧ سورة المدثر والضمير فى قوله: ﴿وما هى إلا ذكرى للبشر﴾ يعود إلى سقر .. أى: وما سقر التى ذكرت لكم أن عليها تسعة عشر ملكا يلون أمرها ، إلا تذكرة وعظة للبشر ، لأن من يتذكر حرها وسعيرها وشدة عذابها .. من شأنه ، أن يخلص العبادة لله - تعالى - ، وأن يقدم فى دنياه العمل الصالح الذى ينفعه فى أخراه . وقيل : الضمير للآيات الناطقة بأحوال سفر . أى : وما هذه الآيات التى ذكرت بشأن سقر وأهوالها إلا ذكرى للبشر . ثم أبطل - سبحانه - ما أنكره الذين فى قلوبهم مرض ، وما أنكره الكافرون مما جاء به القرآن الكريم ، فقال: ﴿ كلا والقمر. والليل إذ أدبر. والصبح إذا أسفر. إنها لإِحدى الكبر . نذيرا للبشر . لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ﴾ . و﴿ كلا﴾ حرف زجر وردع وإبطال لكلام سابق. والواو فى قوله: ﴿والقمر ﴾ للقسم والمقسم به ثلاثة أشياء : القمر والليل والصبح ، وجواب القسم قوله : ﴿ إنها لإِحدى الكبر .. ﴾. أى : كلا ، ليس الأمر كما أنكر هؤلاء الكافرون ، من أن تكون عدة الملائكة الذين على : سقر ، تسعة عشر ملكا ، أو من أن تكون سقر مصير هؤلاء الكافرين ، أو من أن فى قدرتهم مقاومة هؤلاء الملائكة . كلا ، ليس الأمر كذلك ، وحق القمر الذى ﴿ قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم)، وحق ﴿ الليل إذا أدير﴾ أى: وقت أن ولى ذاهبا بسبب إقبال النهار عليه، وحق ﴿ الصبح إذا أسفر﴾، أى: إذا أضاء وابتدأ فى الظهور والسطوع. والضمير فى قوله - تعالى -: ﴿إنها لإحدى الكبر﴾ يعود إلى سقر. والكبر: جمع كبرى ، والمراد بها : الأمور العظام ، والخطوب الجسام . أى: إن سقر التى تهكم بها وبخزنتها الكافرون ، لهى إحدى الأمور العظام ، والدواهى الكبار ، التى قل أن يوجد لها نظير أو مثيل فى عظمها وفى شدة عذاب من يصطلى بنارها . وأقسم - سبحانه - بهذه الأمور الثلاثة ، لزيادة التأكيد ، ولإبطال ماتفوه به الجاحدون ، بأقوى أسلوب . وكان القسم بهذه الأمور الثلاثة ، لأنها تمثل ظهور النور بعد الظلام ، والهداية بعد الضلال ، ولأنها تناسب قوله - تعالى - قبل ذلك: ﴿ كذلك يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء﴾. ١٨٨ المجلد الخامس عشر وانتصب لفظ ((نذيرا)) من قوله: ﴿نذيرا للبشر﴾ على أنه حال من الضمير فى قوله إنها لإِحدى الكبر﴾ أى: إن سقر لعظمى العظائم، ولداهية الدواهى، حال كونها إنذارا للبشر ، حتى يقلعوا عن كفرهم وفسوقهم ، ويعودوا إلى إخلاص العبادة لخالقهم . ويصح أن يكون تمييزا لإِحدى الكبر ، لما تضمنته من معنى التعظيم ، كأنه قيل : إنها لإِحدى الكبر إنذارا للبشر ، وردعا لهم عن التمادى فى الكفر والضلال .. فالنذير بمعنى الإِنذار . وقوله - سبحانه -: ﴿ لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر﴾ بدل مفصل من مجمل ، هذا المجمل هو قوله ﴿ للبشر ﴾. أى: إن سقر لهى خير منذر للذين إن شاءوا تقدموا إلى الخير ففازوا، وإن شاءوا تأخروا. عنه فهلكوا . فالمراد بالتقدم نحو الطاعة والهداية . والمراد بالتأخر : التأخر عنها والانحياز نحو الضلال والكفر إذ التقدم تحرك نحو الأمام ، وهو كناية عن قبول الحق ، وبعكسه التأخر .. ويجوز أن يكون المعنى : هى خير نذير لمن شاء منكم التقدم نحوها ، أو التأخر عنها . وتعليق ﴿ نذيرا﴾ بفعل المشيئة، للإشعار بأن عدم التذكر مرجعه إلى انطاس القلب، واستيلاء المطامع والشهوات عليه ، وللإيذان بأن من لم يتذكر ، فتبعة تفريطه واقعة عليه وحده ، وليس على غيره . قال الآلوسى : قوله : ﴿ لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ﴾ الجار والمجرور بدل من الجار والمجرور فيما سبق، أعنى ﴿ للبشر﴾ وضمير ((شاء)) للموصول. أى : نذيرا للمتمكنين منكم من السبق إلى الخير ، والتخلف عنه . وقال السدى : أن يتقدم إلى النار المتقدم ذكرها ، أو يتأخر عنها إلى الجنة ، وقال الزجاج : أن يتقدم إلى المأمورات أو يتأخر عن المنهيات .. (١). ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر عدله فى أحكامه : وفى بيان الأسباب التى أدت إلى فوز المؤمنين ، وهلاك الكافرين .. فقال - تعالى - : . كُ نَفْسِ بِمَاكَسَبَتْ رَهِينَةُ ﴿١٦) إِلَّا أَضْحَبَلْيَمِينِ ﴿) فِ جَّتٍ يَتَسَاءَ لُونَ ٤) عَنِ الْمُجْرِمِينَ آ مَاسَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ نْ قَالُوْلَمْنَكُ مِنَ (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٩ ص ١٣١ . ١٨٩ سورة المدثر وَكُنَّا غَخُوضُ مَعَ ٤٤ اَلْمُصَلِّينَ ﴿﴿ وَلَوْنَكُ نَّطْعِمُ اَلْمِسْكِينَ اْخَبِضِينَ ﴿ وَكتَاتُكَذِّبُ بِيَوْمِالّذِينِ ، حَّ أَتَنْنَا الْيَقِينُ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَِّفِعِينَ ﴿ فَمَالَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِمُعْرِضِينَ (ج) كَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَفِرَةٌ (٥) فَرَتْ مِنْ قَسْوَرَةِ ، بَلْ يُرِيدُ كُلُّ أَمْرِيٍ مِّنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥) كَلَّابَلِ لَّا يَخَافُونَ ٥٥ ، فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ و كَلَّّ إِنَّهُ وتَذْكِرَةَ ٥٣ اُلْآَخِرَةَ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ النَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ! ٥٦ وقوله - تعالى -: ﴿رهينة) خبر عن ﴿ كل نفس)، وهو بمعنى مرهونة. أى: كل ۔ -- --- نفس مرهونة عند اللّه - تعالى - بكسبها ، مأخوذة بعملها ، فإن كان صالحا أنجاها من العذاب ، وإن كان سيئا أهلكها ، وجعلها محلا للعقاب . قالوا: وإنما كانت مرهونة ، لأن الله - تعالى - جعل تكليف عباده كالدِّين عليهم ، ونفوسهم تحت استيلائه وقهره ، فھی مرهونة ، فمن وفی دینه الذی کلف به ، خلص نفسه من عذاب الله - تعالى - الذين نزل منزلة علامة الرهن ، وهو أخذه فى الدين ، ومن لم يوف عذب .(١) والاستثناء فى قوله ﴿ إلا أصحاب اليمين ﴾ استثناء متصل أى أن كل نفس مرهونة بعملها .. إلا أصحاب اليمين وهم المؤمنين الصادقون فإنهم مستقرون ﴿ فى جنات ) عالية ﴿يتساءلون عن المجرمين ﴾ أى : يسأل بعضهم بعضا عن أحوال المجرمين . وهذا التساؤل إنما يكون قبل أن يروهم ، فإذا ما رأوهم سألوهم بقولهم . ﴿ ما سلككم فى سقر﴾ أى : قال أصحاب اليمين للمجرمين : ما الذى أدخلكم فى سقر ، وجعلكم وقودا لنارها وسعيرها ؟ والسؤال إنما هو على سبيل التوبيخ والتحسير لهؤلاء المجرمين . وعبر - سبحانه - بقوله : ﴿ ما سلككم ... ﴾ للإشعار بأن الزج بهم فى سقر، كان بعنف وقهر ، لأن السلك معناه : إدخال شىء بصعوبة وقسر ، ومنه قوله - تعالى - : ﴿ كذلك (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٤٤٣ . ١٩٠ المجلد الخامس عشر نسلكه فى قلوب المجرمين لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم ﴾ . ثم حكى - سبحانه - ما رد به المجرمون على أصحاب اليمين فقال: ﴿ قالوا لم نك من المصلين . ولم نك نطعم المسكين . وكنا نخوض مع الخائضين . وكنا نكذب بيوم الدين . حتى أتانا اليقين). أى: قال المجرمون لأصحاب اليمين: الذى أدى بنا إلى الإلقاء فى سقر، أننا فى الدنيا لم نقم بأداء الصلاة الواجبة علينا ، ولم نعط المسكين ما يستحقه من عطاء ، بل بخلنا عليه ، وحرمناه حقوقه .. وكنا - أيضا - فى الدنيا نخوض فى الأقوال السيئة وفى الأفعال الباطلة مع الخائضين فيها ، دون أن نتورع عن اجتناب شىء منها . وأصل الخوض : الدخول فى الماء ، ثم استعير للجدال الباطل ، وللأحاديث التى لا خير من ورائها . وكنا - أيضا - نكذب بيوم القيامة ، وننكر إمكانه ووقوعه ، وبقينا على هذا الإنكار والضلال ﴿ حتى أتانا اليقين) أى: حتى أدركنا الموت ، ورأينا بأعيننا صدق ما كنا نكذب به . فأنت ترى أن هؤلاء المجرمين قد اعترفوا بأن الإلقاء بهم فى سقر لم يكن على سبيل الظلم لهم ، وإنما كان بسبب تركهم للصلاة وللإطعام ، وتعمدهم ارتكاب الباطل من الأقوال والأفعال ، وتكذيبهم بيوم القيامة وما فيه من حساب وجزاء . وقوله - سبحانه - : ﴿ فما تنفعهم شفاعة الشافعين ﴾ حكم منه - سبحانه - عليهم بحرمانهم ممن يشفع لهم أو ينفعهم . أى : أن هؤلاء المجرمين لن تنفعهم يوم القيامة شفاعة أحد لهم ، فيما لو تقدم أحد للشفاعة لهم على سبيل الفرض والتقدير ، وإنما الشفاعة تنفع غيرهم من المسلمين . والاستفهام فى قوله : ﴿ فما لهم عن التذكرة معرضين ، كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة ﴾ للتعجيب من إصرارهم على كفرهم، ومن إعراضهم عن الحق الذى دعاهم إليه نبيهم - * - . والمراد بالتذكرة: التذكير بمواعظ القرآن وإرشاداته ، والحمر : جمع حمار ، والمراد به الحمار الوحشى المعروف بشدة نفوره وهروبه إذا ما أحس بحركة المقتنص له . وقوله : ﴿ مستنفرة﴾ أى: شديدة النفور والهرب فالسين والتاء للمبالغة. ١٩١ سورة المدثر والقسورة : الأسد ، سمى بذلك لأنه يقسر غيره من السباع ويقهرها ، وقيل : القسورة اسم لجماعة الرماة الذين يطاردون الحمر الوحشية ، ولا واحد له من لفظه ، ويطلق هذا اللفظ عند العرب على كل من كان بالغ النهاية فى الضخامة والقوة . من القسر بمعنى القهر . أى : ما الذى حدث لهؤلاء الجاحدين المجرمين ، فجعلهم يصرون إصرارا تاما على الإِعراض عن مواعظ القرآن الكريم ، وعن هداياته وإرشاداته ، وأوامره ونواهيه .. حتى لكأنهم - فى شدة إعراضهم عنه ، ونفورهم منه - حمر وحشية قد نفرت بسرعة وشدة من أسد يريد أن يفترسها ، أو من جماعة من الرماة أعدوا العدة لاصطيادها ؟ . قال صاحب الكشاف : شبههم - سبحانه - فى إعراضهم عن القرآن ، واستماع الذكر والموعظة ، وشرادهم عنه - بحمر جدت فى نفارها مما أفزعها . وفى تشبيههم بالحمر : مذمة ظاهرة ، وتهجين لحالهم بين ، كما فى قوله - تعالى - : كمثل الحمار يحمل أسفارا﴾، وشهادة عليهم بالبله وقلة العقل، ولا ترى مثل نفار حمير الوحش ، واطرادها فى العدو ، إذا رابها رائب ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب ، فى وصف الإِبل ، وشدة سيرها، بالحمر ، وعدوها إذا وردت ماء فأحست عليه بقانص .. (١) . والتعبير بقوله : ﴿ فما لهم ... ) وما يشبهه قد كثر استعماله فى القرآن الكريم، كما فى قوله - تعالى -: ﴿ فما لهم لا يؤمنون ... ﴾ والمقصود منه التعجيب من إصرار المخاطبين على باطلهم ، أو على معتقد من معتقداتهم .. مع أن الشواهد والبينات تدل على خلاف ذلك . وقال - سبحانه - ﴿ عن التذكرة ﴾ بالتعميم ، ليشمل إعراضهم كل شىء يذكرهم بالحق ، ويصرفهم عن الباطل . وقوله - سبحانه -: ﴿ بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا منشرة ﴾ معطوف على. كلام مقدر يقتضيه المقام ، وهو بيان الرذيلة أخرى من رذائلهم الكثيرة . والصحف : جمع صحيفة ، وهى ما يكتب فيها . ومنشره : صفة لها والمراد بها : الصحف : المفتوحة غير المطوية . بحيث يقرؤها كل من رآها . وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية: أن المشركين قالوا للرسول - وَل19 - لن نتبعك حتى تأتى لكل واحد منا بكتاب من السماء ، عنوانه : من رب العالمين ، إلى فلان بن فلان ، نؤمر فى هذا الكتاب باتباعك .. أى : إن هؤلاء الكافرين لا يكتفون بمواعظ القرآن .. بل يريد كل واحد منهم أن يعطى ( ١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٥٦ . ١٩٢ المجلد الخامس عشر صحفا مفتوحة ، وكتبا غير مطوية ، بحيث يقرؤها كل من يراها . وفيها الأمر من الله - تعالى - لهم بوجوب اتباعهم للرسول - ◌َا * - . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ أو ترقى فى السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه .. ﴾ . وقوله - سبحانه - ﴿ كلا بل لا يخافون الآخرة ﴾ إبطال آخر لكلامهم ، وزجر لهم عن هذا الجدال السخيف . أى : كلا ليس الأمر كما أرادوا وزعموا بل الحق أن هؤلاء القوم لا يخافون الآخرة ، وما فيها من حساب وجزاء ، لأنهم لو كانوا يخافون لما اقترحوا تلك المقترحات السخيفة المتعنتة .. وقوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿ كلا إنه تذكرة﴾ زجر آخر مؤكد للزجر السابق . أى: كلا ثم كلا ، لن نمكنهم مما يريدون ، ولن نستجيب لمقترحاتهم السخيفة .. لأن القرآن الكريم فيه التذكير الكافى ، والوعظ الشافى ، لمن هو على استعداد للاستجابة لذلك . فالضمير فى ﴿ إنه ﴾ يعود إلى القرآن ، لأنه معلوم من المقام ، والجملة بمنزلة التعليل للردع عن سؤالهم الذى اقترحوا فيه تنزيل صحف مفتوحة من عند الله - تعالى - تأمرهم باتباع الرسول - * - .. وقوله - سبحانه -: ﴿ فمن شاء ذكره﴾ تفريع عن كون القرآن تذكرة وعظة لمن كان له قلب يفقه ، أو عقل يعقل . أى : إن القرآن الكريم مشتمل على ما يذكر الإنسان بالحق ، ومايهديه إلى الخير والرشد ، فمن شاء أن يتعظ به اتعظ ، ومن شاء أن ينتفع بهداياته انتفع ، ومن شاء أن يذكر أوامره ونواهيه وتكاليفه .. فعل ذلك ، وظفر بما يسعده ، ويشرح صدره . والتعبير بقوله - تعالى - ﴿ فمن شاء ذكره ﴾ يشعر بأن تذكر القرآن وحفظه. والعمل بأحكامه وإرشاداته .. فى إمكان كل من كان عنده الاستعداد لذلك . أى : إن التذكر طوع مشيئتكم - أيها الناس - متى كنتم جادين وصادقين ومستعدين لهذا التذكر ، فاعملوا لذلك بدون إبطاء أو تردد .. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بما يدل على نفاذ مشيئته وإرادته فقال : وما يذكرون إلا أن يشاء الله ، هو أهل التقوى وأهل المغفرة ﴾ . أى : فمن شاء أن يذكر القرآن وما فيه من مواعظ ذكر ذلك ، ولكن هذا التذكر والاعتبار والاتعاظ . لا يتم بمجرد مشيئتكم ، وإنما يتم فى حال مشيئة الله - تعالى - وإرادته ، فهو ١٩٣ سورة المدثر - سبحانه - أهل التقوى ، أى : هو الحقيق بأن يتقى ويخاف عذابه ، وهو - عز وجل - (( أهل المغفرة)) أى: هو - وحده - صاحب المغفرة لذنوب عباده ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون . فالمقصود من الآية الكريمة ، بيان أن هذا التذكر لمواعظ القرآن ، لا يتم إلا بعد إرادة الله - تعالى - ومشيئة ، لأنه هو الخالق لكل شىء ، وبيان أن مشيئة العباد لا أثر لها إلا إذا كانت موافقة لمشيئة اللّه ، التى لا يعلمها أحد سواه . أخرج الإمام أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجة عن أنس أن رسول الله - وَ اله - قرأ هذه الآية ﴿ هو أهل التقوى وأهل المغفرة ) فقال: قد قال ربكم أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معى إله، فمن اتقانى فلم يجعل معى إلها آخر ، فأنا أهل أن أغفر له . وبعد : فهذا تفسير لسورة المدثر ، نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعباده ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . الاسكندرية - العجمى - السبت ١١ من ذى الحجة سنة ١٤٠٦ هـ ١٩٨٦/٨/١٦ م . د . محمد سيد طنطاوى الراجي عفو ربه ١ ١٩٥ سورة القيامة بسم اللهُ الرّحمَنّ الرَّحِيم تفسير سورة القيامة مقدمة وتمهيد ١ - سورة ((القيامة)) من السور المكية الخالصة ، وتعتبر من السور التى كان نزولها فى أوائل العهد المكى ، فهى السورة الحادية والثلاثون فى ترتيب النزول ، وكان نزولها بعد سورة ( القارعة ) وقبل سورة ( الهمزة ) . أما ترتيبها فى المصحف فهى السورة الخامسة والسبعون . وعدد آياتها أربعون آية فى المصحف الكوفى ، وتسع وثلاثون فى غيره . ٢ - والسورة الكريمة زاخرة بالحديث عن أهوال يوم القيامة ، وعن أحوال الناس فيه : وجوه يومئذ ناضرة . إلى ربها ناظرة . ووجوه يومئذ باسرة . تظن أن يفعل بها فاقرة ﴾ . كما أنها تتحدث عن إمكانية البعث ، وعن حتمية وقوعه: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى . ألم يك نطفة من منى يمنى . ثم كان علقة فخلق فسوى . فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى. أليس ذلك بقادر على أن يحبى الموتى ؟ ولقد روى عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - أنه قال : من سأل عن يوم القيامة ، أو أراد أن يعرف حقيقة وقوعه ، فليقرأ هذه السورة . ١٩٦ المجلد الخامس عشر التفسير قال الله - تعالى - : ◌ِاللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ 3.1 لَ أُقْسِمُ يَوْمِ الْقِيْمَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللََّمَةِ (٢) أَحْسَبُ اُلْإِنسَنُ أَلَّنْ تَجْمَعَ عِظَامَهُ بَ قَدِرِينَ عَنْ نُّوِّىَ بَنَنَهُ ن ◌َبَّ يُرِدُ آلْإِنْسَنُ لِيَفْجُرَأَمَامَهُ,(٥) يَسْلُ أَيَانَ يَوْمُ الْقِيْمَةِ (٦) فَإِذَابِقَ الْبَصَرُّ ﴿ وَخَسَفَ الْقَمَرُ ﴿ وَمُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُّ نْ يَقُولُ اَلْإِنْسَنُ يَوْمَيِذٍ أَيْنَ الْفَرُّ نْ كَلَّا لَ وَزَرَ (١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمِذٍ اَلْسُنَفَرُّ ◌َا يُنَبُوَ الْإِنسَنُ يَوْمَيِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخْرَ (٦) بَلِ آلْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١) وَلَوْأَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِلِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِ= () إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ. وَقُرْءَانَهُ. ﴿١٣)، فَإِذَا قَرَأْتَهُ فَّبِعْ قُرْءَانَهُ ﴿ه ◌ُمَّإِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ افتتح الله - تعالى - هذه السورة الكريمة بقوله - تعالى -: ﴿ لا أقسم بيوم القيامة ﴾ . وللعلماء فى مثل هذا التركيب أقوال منها: أن حرف ((لا)) هنا جىء به، لقصد المبالغة فى تأكيد القسم ، كما فى قولهم : لا والله . قال الآلوسى: إدخال ((لا)) النافية صورة على فعل القسم، مستفيض فى كلامهم وأشعارهم . ومنه قول امرىء القيس: لا وأبيك يابنة العامرى .. يعنى : وأبيك. ثم قال: وملخص ما ذهب إليه جار الله فى ذلك، أن ((لا)» هذه، إذا وقعت فى خلال ١١٩٧ سورة القيامة: الكلام كقوله - تعالى - ﴿ فلا وربك لا يؤمنون﴾ فهى صلة تزاد لتأكيد القسم ، مثلها فى قوله - تعالى -: ﴿ لئلا يعلم أهل الكتاب﴾ لتأكيد العلم .. (١). ومنها: أن ((لا)) هنا، جىء بها لنفى ورد كلام المشركين المنكرين ليوم القيامة، فكأنه - تعالى - يقول : لا ، ليس الأمر كما زعموا ، ثم قال : أقسم بيوم القيامة الذى يبعث فيه الخلق للجزاء . قال القرطبى : وذلك كقولهم : لا والله لا أفعل . فلا هنا رد لكلام قد مضى ، وذلك كقولك: لا والله إن القيامة لحق، كأنك أكذبت قوما أنكروها .. (٢). ومنها: أن (( لا)) فى هذا التركيب وأمثاله على حقيقتها للنفى ، والمعنى لا أقسم بيوم القيامة ولا بغيره ، على أن البعث حق، فإن المسألة أوضح من أن تحتاج إلى قسم . وقد رجح بعض العلماء القول الأول فقال : وصيغة لا أقسم ، صيغة قسم ، أدخل حرف النفى على فعل ((أقسم)) لقصد المبالغة فى تحقيق حرمة المقسم به، بحيث يوهم للسامع أن المتكلم بهم أن يقسم به ، ثم يترك القسم مخافة الحنث بالمقسم به فيقول : لا أقسم به ، أى : ولا أقسم بأعز منه عندى . وذلك كناية عن تأكيد القسم (٣) . والمراد بالنفس اللوامة : النفس التقية المستقيمة التى تلوم ذاتها على ما فات منها ، فهى - مهما أكثرت من فعل الخير - تتمنى أن لو ازدادت من ذلك ، ومهما قللت من فعل الشر ، تمنت - أيضا - أن لو ازدادت من هذا التقليل . قال ابن كثير : عن الحسن البصرى فى هذه الآية : إن المؤمن والله ما نراه إلا يلوم نفسه ، يقول : ما أردت بكلمتى ؟ ما أردت يأكلتى ؟ ... وإن الفاجر يمضى قدما ما يعاتب نفسه . وفى رواية عن الحسن - أيضا - ليس أحد من أهل السموات والأرض إلا يلوم نفسه يوم القيامة»(٤) . وجواب القسم يفهم من قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿ أيحسب الإِنسان أن لن نجمع عظامه﴾. والمراد بالإنسان: جنسه. أو المراد به الكافر المنكر للبعث. والاستفهام للتوبيخ والتقريع . (١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٩ ص ١٣٥ . (٢) راجع تفسير القرطبى جـ ١٩ ص ٩٢ . (٣) تفسير التحرير والتنوير جـ ٢٩ ص ٣٣٨ للشيخ محمد الطاهر بن عاشور. (٤) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٣٠٠. ١٩٨ المجلد الخامس عشر وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية أن بعض المشركين قالوا للنبى - 18 - : يا محمد حدثنى عن يوم القيامة، فأخبره - 1 - عنه . فقال المشرك : لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك - يا محمد - أو يجمع اللّه العظام . فنزلت هذه الآية . والمعنى : أقسم بيوم القيامة الذى لاشك فى وقوعه فى الوقت الذى نشاؤه ، وأقسم بالنفس اللوامة التقية التى تلوم ذاتها على الخير ، لماذا لم تستكثر منه ، وعلى الشر لماذا فعلته ، لنجمعن عظامكم - أيها الناس - ولنبعثنكم للحساب والجزاء . وافتتح - سبحانه - السورة الكريمة بهذا القسم ، للإِيذان بأن ما سيذكر بعده أمر مهم ، من شأن النفوس الواعية أن تستشرف له ، وأن تستجيب لما اشتمل عليه من هدايات وإرشادات . ووصف - سبحانه - النفس باللوامة بصيغة المبالغة للإِشعار بأنها كريمة مستقيمة تكثر من لوم ذاتها ، وتحض صاحبها على المسارعة فى فعل الخيرات . والعظام المراد بها الجسد ، وعبر عنه بها، لأنه لا يقوم إلا بها، وللرد على المشركين الذين استبعدوا ذلك ، وقالوا - كما حكى القرآن عنهم -: ﴿ من يحبى العظام وهي رميم﴾. وقوله - سبحانه -: ﴿ بلى قادرين على أن نسوى بنانه ﴾ تأكيد لقدرته - تعالى - على إحياء الموتى بعد أن صاروا عظاما نخرة ، وإبطال لنفيهم إحياء العظام وهى رميم . قادرين﴾ حال من فاعل الفعل المقدر بعد بلى. وقوله: ﴿ نسوى﴾ من النسوية ، وهى تقويم الشىء وجعله متقنا مستويا ، يقال : سوى فلان الشىء إذا جعله متساويا لا عوج فيه ولا اضطراب . والبنان : جمع بنانة ، وهى أصابع اليدين والرجلين ، أو مفاصل تلك الأصابع وأطرافها . أى : ليس الأمر كما زعم هؤلاء المشركون من أننا لا نعيد الإنسان إلى الحياة بعد موته للحساب والجزاء ، بل الحق أننا سنجمعه وسنعيده إلى الحياة حالة كوننا قادرين قدرة تامة ، على هذا الجمع لعظامه وجسده ، وعلى جعل أصابعه وأطرافه وأنامله مستوية الخلق ، متقنة الصنع ، كما كانت قبل الموت . وخصت البنان بالذكر ، لأنها أصغر الأعضاء، وآخر ما يتم به الخلق ، فإذا كان - سبحانه - قادرا على تسويتها مع لطافتها ودقتها ، فهو على غيرها مما هو أكبر منها أشد قدرة . وقوله - تعالى - ﴿ بل يريد الإِنسان ليفجر أمامه﴾ بيان لحال أخرى من أحوال فجور ١٩٩ سورة القيامة هؤلاء المشركين وطغيانهم ، وانتقال من إنكار الحسبان إلى الإِخبار عن حال هذا الإِنسان . والفجور : يطلق على القول البالغ النهاية فى السوء ، وعلى الفعل القبيح المنكر ، ويطلق على الكذب ، ولذا وصفت اليمين الكاذبة ، باليمين الفاجرة فیکون فجر بمعنی کذب ، وزنا ومعنى . ولفظ ((الأمام)» يطلق على المكان الذى يكون فى مواجهة الإِنسان، والمراد به هنا : الزمان المستقبل وهو يوم القيامة ، الذى دل عليه قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿ يسأل أيان يوم القيامة . أى : أن هذا الإِنسان المنكر للبعث والحساب لا يريد أن يكف عن إنكاره وكفره ، بل يريد أن يستمر على فجوره وتكذيبه لهذا اليوم بكل إصرار وجحود ، فهو يسأل عنه سؤال استهزاء وتهكم فيقول: ﴿ أيان يوم القيامة ) أى: متى يجىء يوم القيامة هذا الذى تتحدثون عنه - أيها المؤمنون - وتخشون مافيه من حساب وجزاء ؟ قال القرطبى: قوله - تعالى -: ﴿بل يريد الإِنسان ليفجر أمامه﴾ قال ابن عباس: يعنى الكافر . يكذب بما أمامه من البعث والحساب .. ودليله ﴿ يسأل أيان يوم القيامة ﴾. أى : يسأل متى يكون ؟ على وجه التكذيب والإِنكار ، فهو لا يقنع بما هو فيه من التكذيب . ولكن يأثم لما بين يديه . ومما يدل أن الفجور: التكذيب ، ما ذكره القتبى وغيره ، من أن أعرابيا قصد عمر بن الخطاب ، وشكى إليه نَقْبَ إبله ودَبَرها - أى: مرضها وجربها - وسأله أن يحمله على غيرها فلم يحمله . فقال الأعرابى . أقسم بالله أبو حفص عمر ما مسها من نقب ولا دبر فاغفر له اللهم إن كان فجر يعنى إن كان كذبنى فيما ذكرت .. (١). وأعيد لفظ الإِنسان فى هذه الآيات أكثر من مرة ، لأن المقام يقتضى توبيخه وتقريعه ، وتسجيل الظلم والجحود عليه . والضمير فى (( أمامه)) يجوز أن يعود إلى يوم القيامة. أى: بل يريد الإِنسان ليكذب بيوم القيامة . الثابت الوقوع فى الوقت الذى يشاؤه الله - عز وجل - . ويجوز أن يعود على الإِنسان ، فيكون المعنى : بل يريد الإِنسان أن يستمر فى فجوره وتكذيبه بيوم القيامة فى الحال وفى المآل . أى : أن المراد بأمامه : مستقبل أيامه . (١) تفسير القرطبى جـ ١٩ ص ٩٤. ٢٠٠ المجلد الخامس عشر وجىء بلفظ (( أيان )» الدال على الاستفهام للزمان البعيد ، للإِشعار بشدة تكذيبهم ، وإصرارهم على عدم وقوعه فى أى وقت من الأوقات . ثم ساق - سبحانه - جانبا من أهوال يوم القيامة ، على سبيل التهديد والوعيد لهؤلاء المكذبين . فقال: ﴿ فإذا يرق البصر . وخسف القمر . وجمع الشمس والقمر . يقول الإِنسان يومئذ أين المفر ﴾ . و ((برق )) - بكسر الراء وفتحها - دهش وفزع وتحير ولمع من شدة شخوصه وخوفه . يقال: برق بصر فلان - كفرح ونصر - إذا نظر إلى البرق فدهش وتحير . والمراد بخسوف القمر : انطاس نوره ، واختفاء ضوئه . والمراد بجمع الشمس والقمر : اقترانهما ببعضهما بعد افتراقهما واختلال النظام المعهود للكون ، اختلالا تتغير معه معالمه ونظمه . وجواب ﴿ إذا﴾ قوله: ﴿يقول الإِنسان ﴾ أى : فإذا برق بصر الإِنسان وتحير من شدة الفزع والخوف ، بعد أن رأى ما كان يكذب به فى · الدنيا . والتعريف فى البصر : للاستغراق ، إذ أبصار الناس جميعا فى هذا اليوم ، تكون فى حالة فزع ، إلا أن هذا الفزع يتفاوت بينهم فى شدته . وخسف القمر ﴾ أى: ذهب ضوؤه . وانطمس نوره . وجمع الشمس والقمر ﴾ أى: وقرن بينهما بعد أن كانا متفرقين. والتصقا بعد أن كانا متباعدين ، وغاب ضوؤهما بعد أن كانا منيرين . : يقول الإِنسان يومئذ أين المفر ﴾ أى: فإذا ما تم كل ذلك ، يقول الإنسان فى هذا الوقت الذى يبرق فيه البصر ، ويخسف فيه القمر ، ويجمع فيه بين الشمس والقمر : أين المفر . أى : أين الفرار من قضاء الله - تعالى - ومن قدره وحسابه . فالمفر مصدر بمعنى الفرار . والاستفهام بمعنى التمنى أى : ليت لى مكانا أفر إليه مما أراه . وقوله - سبحانه -: ﴿ كلا لا وزر. إلى ربك يومئذ المستقر﴾ إبطال لهذا التمنى ، ونفى لأن يكون لهذا الإِنسان مهرب من الحساب . والوزر : المراد به الملجأ والمكان الذى يحتمى به الشخص للتوقى مما يخافه ، وأصله : الجبل المرتفع المنيع ، من الوِزْر وهو الثقل .