النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
سورة الحاقة
الله - تعالى - ملائكته بقوله: ﴿ خذوه فغلوه ﴾ ..
وقوله : ﴿ فغلوه ﴾ من الغل - بضم الغين - وهو ربط اليدين إلى العنق على سبيل
الإذلال .
﴿ ثم الجحيم صلوه ﴾ أى: ثم بعد هذا التقييد والإذلال .. اقذفوا به إلى الجحيم ، وهى
ـة ، الشديدة التأجج والتوهج .
النار
ومعنى ﴿صلوه﴾ بالغوا فى تصليته النار، بغمسه فيها مرة بعد أخرى. يقال: صَلى فلان
النار، إذا ذاق حرها ، وصَلّى فلان فلانا النار ، إذا أدخله فيها . وقلبه على جمرها كما تقلب
الشاة فى النار .
﴿ ثم فى سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه ﴾ والسلسلة: اسم لمجموعة من حَلَق
الحديد ، يربط بها الشخص لكى لا يهرب ، أو لكى يزاد فى إذلاله وهو المراد هنا .
وقوله : ﴿ ذرعها﴾ أى: طولها. والمراد بالسبعين: حقيقة هذا المقدار فى الطول ، أو
يكون هذا العدد كناية عن عظيم طولها ، كما فى قوله - تعالى - : ﴿ استغفر لهم أو
لا تستغفر لهم ، إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ... ﴾(١).
وقوله: ﴿ فاسلكوه﴾ من السَّلك بمعنى الإدخال فى الشىء، كما فى قوله - تعالى -
﴿ ما سلككم فى سقر﴾ أى: ما أدخلكم فيها.
أى : خذوا هذا الكافر ، فقيدوه ثم أعدوه للنار المحرقة . ثم اجعلوه مغلولا فى سلسلة
طولها سبعون ذراعا ، بحيث تكون محيطة به إحاطة تامة . أى ألقوا به فى الجحيم وهو مكبل فى
أغلاله .
و﴿ ثم﴾ فى كل آية جىء بها للتراخى الرتبى ، لأن كل عقوبة أشد من سابقتها . إذ
إدخاله فى السلسلة الطويلة . أعظم من مطلق إلقائه فى الجحيم كما أن إلقاءه فى الجحيم ، أشد
من مطلق أخذه وتقييده .
وفى هذه الآيات ما فيها من تصوير يبعث فى القلوب الخوف الشديد ، ويحملها على حسن
الاستعداد لهذا اليوم . الذى لا تغنى فيه نفس عن نفس شيئاً .
وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات بعض الأحاديث والآثار ، منها : ما رواه
ابن أبى حاتم ، عن المنهال بن عمرو قال: إذا قال الله - عز وجل - ﴿ خذوه .. ﴾ ابتدره
( ١) سورة التوبة الآية ٨٠ .

٨٢
المجلد الخامس عشر
سبعون ألف ملك ، وإن الملك منهم ليقول هكذا - أى : ليفعل هكذا - فيلقى سبعين ألفا فى
النار﴾(١).
ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت بهذا الشقى إلى هذا المصير الأليم فقال : ﴿ إنه
﴾ .
كان لا يؤمن بالله العظيم ، ولا يحض على طعام المسكين
أى : إن هذا الشقى إنما حل به ما حل من عذاب .. لأنه كان فى الدنيا ، مصرا على
الكفر ، وعلى عدم الإِيمان بالله الواحد القهار ..
وكان كذلك ﴿ لا يحض﴾ أى: لا يحث نفسه ولا غيره ﴿ على طعام المسكين﴾ أى:
على بذل طعامه أو طعام غيره للمسكين ، الذى حلت به الفاقة والمسكنة .
ولعل وجه التخصيص لهذين الأمرين بالذكر ، أن أقبح شىء يتعلق بالعقائد ، وهو الكفر
بالله - تعالى - وأن أقبح شىء فى الطباع ، هو البخل وقسوة القلب .
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات ، بزيادة البيان للمصير الأليم لهذا الشقى فقال :
فليس له اليوم ﴾ أى: يوم القيامة ﴿هاهنا حميم) أى: ليس له فى هذا اليوم من صديق
ينفعه ، أو من قريب يشفق عليه ، أو يحميه ، أو يدفع عنه .
ولا طعام إلا من غسلين ﴾ أى: وليس له فى جهنم من طعام سوى الغسلين وهو صدید
أهل النار .. أو شجر يأكله أهل النار ، فيغسل بطونهم ، أى : يخرج أحشاءهم منها ، أو ليس
لهم إلا شر الطعام وأخبته .
لا يأكله﴾ أى: الغسلين ﴿إلا الخاطئون﴾ أى: إلا الكافرون الذين تعمدوا
ارتكاب الذنوب، وأصروا عليها ، من خَطِىّ الرجل : إذا تعمد ارتكاب الذنب .
فالخاطىء هو من يرتكب الذنب عن تعمد وإصرار . والمخطىء : هو من يرتكب الذنب
عن غير إصرار وتعمد .
١٥٠٠
وهكذا . نجد الآيات الكريمة قد ساقت أشد ألوان الوعيد والعذاب .. للكافرين ، بعد أن
ساقت قبل ذلك ، أعظم أنواع النعيم المقيم للمؤمنين .
وبعد هذا العرض - الذى بلغ الذروة فى قوة التأثير - لأهوال يوم القيامة ، ولبيان حسن
عاقبة المتقين ، وسوء عاقبة المكذبين .. بعد كل ذلك أخذت السورة فى أواخرها ، فى تقرير
حقيقة هذا الدين، وفى تأكيد صدق الرسول -# - فيما يبلغه عن ربه ، وفى بيان أن هذا
القرآن من عنده - تعالى - وحده .. فقال - سبحانه - :
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٢٤٣ .

٨٣
سورة الحاقة
٣٩
فَلَ أُقْسِمُ بِمَانُصِرُونَ () وَمَا لَ نُبْصِرُونَ
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِمٍ ، وَمَا هُوَبِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّانُوْمِنُونَ (@)
وَلَ بِقَوْلِ كَاِهِنَّ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ﴿٦ تَزِيلٌ مِّن رَّبِّالْعَلَمِينَ () وَلَوْ
نَقَوَلَ عَلَيْنَ بَعْضَ الْأَقَاوِلِ ﴿ لَأَخَذْ نَامِنَّهُ بِأَلْيَمِينِ ، ثُمَّ ◌َقَطَعْنَا
مِنْهُ الْوَتِنَ ﴿ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنَّهُ حَجِزِينَ ، وَإِنَّهُ لَنَذْكِرَةِ
لِلْمُتَّقِينَ ﴿ وَإِنَّا لَتَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمُكَذِّبِينَ (٥) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةُ عَلَى
اُلْكَفِينَ ﴿ وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٦) فَسَيِّ بِأَسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ!
٥٢
والفاء فى قوله : ﴿ فلا أقسم بما تبصرون ومالا تبصرون ﴾ للتفريع على ما فهم مما تقدم ،
من إنكار المشركين ليوم القيامة ، ولكون القرآن من عند الله .
و ﴿لا ﴾ فى مثل هذا التركيب يرى بعضهم أنها مزيدة، فيكون المعنى: أقسم بما
تبصرون من مخلوقاتنا كالسماء والأرض والجبال والبحار ... وبما لا تبصرون منها ، كالملائكة
والجن .
وقوله: ﴿ إنه لقول رسول كريم﴾ جواب القسم، وهو المحلوف عليه أى: أقسم إن
هذا القرآن لقول رسول كريم، هو محمد - * - .
وأضاف - سبحانه - القرآن إلى الرسول - - باعتبار أنه هو الذى تلقاه عن
الله - تعالى - وهو الذى بلغه عنه بأمره وإذنه .
أى: أن الرسول - - يقول هذا القرآن، وينطق به ، على وجه التبليغ عن
الله - تعالى - .
قال الإِمام ابن كثير: قوله ﴿ إنه لقول رسول كريم) يعنى محمدا - - أضافه إليه
على معنى التبليغ ، لأن الرسول من شأنه أن يبلغ عن المُرُسِل ، ولهذا أضافه فى سورة التكوير
إلى الرسول الملكى فقال: ﴿ إنه لقول رسول كريم . ذى قوة عند ذى العرش مكين ، مطاع
ثم أمين ﴾ وهو جبريل - عليه السلام -(١).
(١) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٢٤٤.

٨٤
المجلد الخامس عشر
وبعضهم يرى أن ((لا)) فى مثل هذا التركيب ليست مزيدة ، وإنما هى أصلية ، ويكون
المقصود من الآية الكريمة ، بيان أن الأمر من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى قسم ، إذ كل عاقل
عندما يقرأ القرآن ، يعتقد أنه من عند الله .
ويكون المعنى : فلا أقسم بما تبصرونه من مخلوقات ، وبما لا تبصرونه .. لظهور الأمر
واستغنائه عن القسم .
قال الشوكانى : قوله : ﴿ فلا أقسم بما تبصرون ومالا تبصرون ﴾ هذا رد لكلام
المشركين، كأنه قال: ليس الأمر كما تقولون. و((لا)) زائدة والتقدير: فأقسم بما تشاهدونه
وبما لا تشاهدونه .
وقيل إن ((لا)) ليست زائدة ، بل هى لنفى القسم، أى : لا أحتاج إلى قسم لوضوح
الحق فى ذلك . والأول أولى(١).
وتأكيد قوله: ﴿ إنه لقول رسول كريم﴾ بإنّ وباللام، للرد على المشركين الذين قالوا
عن القرآن الكريم : أساطير الأولين .
ثم أضاف - سبحانه - إلى هذا التأكيد تأكيدات أخرى فقال : ﴿ وما هو بقول شاعر ،
قليلا ما تؤمنون . ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون ﴾ .
والشاعر : هو من يقول الشعر . والكاهن : هو من يتعاطى الكهانة عن طريق الزعم بأنه
يعلم الغيب .
وانتصب ((قليلا)) فى الموضعين على أنه صفة المصدر محذوف، و((ما)) مزيدة لتأكيد القلة.
والمراد بالقلة فى الموضعين انتفاء الإِيمان منهم أصلا أو أن المراد بالقلة : إيمانهم اليسير ،
كإيمانهم بأن الله هو الذى خلقهم، مع إشراكهم معه آلهة أخرى فى العبادة .
أى : ليس القرآن الكريم بقول شاعر ، ولا بقول كاهن ، وإنما هو تنزيل من رب
العالمين، على قلب نبيه محمد - ﴿ - لكى يبلغه إليكم، ولكى يخرجكم بواسطته من ظلمات
الكفر ، إلى نور الإِيمان .
ولكنكم - أيها الكافرون - لا إيمان عندكم أصلا ، أو قليلا ما تؤمنون بالحق ، وقليلا
ما تتذكرونه وتتعظون به .
-
(١) تفسير فتح القدير جـ ٥ ص ٢٨٥ .

٨٥
سورة الحاقة
ففى الآيتين رد على الجاحدين الذين وصفوا الرسول - وصل﴿ - بأنه شاعر أو كاهن .
وخص هذين الوصفين بالذكر هنا لأن وصفه - 10 - بأنه ﴿ رسول كريم﴾ كاف لنفى
الجنون أو الكذب عنه - * - أما وصفه بالشعر والكهانة فلا ينافى عندهم وصفه بأنه کریم ،
لأن الشعر والكهانة كان معدودين عندهم من صفات الشرف ، لذا نفى - سبحانه -
عنه - - - أنه شاعر أو كاهن ، وأثبت له أنه رسول كريم .
وقوله : ﴿تنزيل من رب العالمين﴾ تأكيد لكون القرآن من عند الله - تعالى - وأنه
ليس بقول شاعر أو كاهن .
أى : هذا القرآن ليس كما زعمتم - أيها الكافرون - وإنما هو منزل من رب العالمين ،
لا من أحد سواه - عز وجل - .
ثم بين - سبحانه - ما يحدث للرسول - وَ ل﴿ - لو أنه - على سبيل الفرض - غيَرّ أو
بدل شيئا من القرآن فقال: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل ، لأخذنا منه باليمين ، ثم
" لقطعنا منه الوتين . فما منكم من أحد عنه حاجزين ﴾.
والتقول : افتراء القول ، ونسبته إلى من لم يقله ، فهو تفعل من القول يدل على التكلف
والتصنع والاختلاق .
والأقاويل : جمع أقوال ، الذى هو جمع قول ، فهو جمع الجمع .
أى: ولو أن محمداً - وَله - افترى علينا بعض الأقوال، أو نسب إلينا قولا لم نقله ، أو
لم تأذن له فى قوله .. لو أنه فعل شيئا من ذلك على سبيل الفرض .
﴿ لأخذنا منه باليمين ﴾ أى: لأخذنا منه باليد اليمنى من يديه ، وهو كناية عن إذلاله .
وإهانته .
أو: لأخذناه بالقوة والقدرة ، وعبر عنهما باليمين ، لأن قوة كل شىء فى ميامنه .
والمقصود بالجملة الكريمة : التهويل من شأن الأخذ ، وأنه أخذ شديد سريع لا يملك معه
تصرفا أو هربا .
ثم أضاف - سبحانه - إلى هذا التهويل ما هو أشد منه فى هذا المعنى فقال : ﴿ ثم لقطعنا
منه الوتين ﴾ .
أى : ثم بعد هذا الأخذ بقوة وسرعة ، لقطعنا وتينه . وهو عرق يتصل بالقلب . متى قطع
مات صاحبه .

٨٦
المجلد الخامس عشر
وهذا التعبير من مبتكرات القرآن الكريم ، ومن أساليبه البديعة ، إذ لم يسمع عن العرب
أنهم عبروا عن الإهلاك بقطع الوتين .
ثم بين - سبحانه - أن أحدا لن يستطيع منع عقابه فقال: ﴿ فما منكم من أحد عنه
حاجزين ﴾ .
أى : فما منكم من أحد - أيها المشركون - يستطيع أن يدفع عقابنا عنه ، أو يحول بيننا
وبين ما نريده، فالضمير فى ((عنه)» يعود إلى الرسول - ﴾ - .
قال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآيات : التقول : افتعال القول ، كأن فيه تكلفا
من المفتعل، وسمى الأقوال المتقولة (( أقاويل)) ، تصغيراً بها وتحقيرا ، كقولك : الأعاجيب
والأضاحيك ، كأنها جمع أفعولة من القول .
والمعنى : ولو ادعى علينا شيئا لم نقله لقتلناه صبرا ، كما يفعل الملوك بمن يتكذب عليهم .
معاجلة بالسخط والانتقام ، فصور قتل الصبر بصورته ليكون أهول ، وهو أن يؤخذ بيده ،
وتضرب رقبته .
وخص اليمين عن اليسار ، لأن القاتل إذا أراد أن يوقع الضرب فى قفا المقتول أخذ
بيساره، وإذا أراد أن يوقعه فى جيده وأن يكفحه بالسيف - وهو أشد على المصبور لنظره إلى
السيف - أخذ بيمينه .
ومعنى: ﴿لأخذنا منه باليمين): لأخذنا بيمينه. كما أن قوله: ﴿ ثم لقطعنا منه
الوتين ): لقطعنا وتينه، والوتين: نياط القلب، وهو حبل الوريد، إذا قطع مات
صاحبه(١).
وفى هذه الآيات الكريمة أقوى الأدلة على أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - لأنه لو
كان - كما زعم الزاعمون أنه من تأليف الرسول - ﴿ - لما نطق بهذه الألفاظ التى فيها
ما فيها من تهديده ووعيده .
كما أنها كذلك فيها إشارة إلى أنه -# - لم يتقول شيئا .. وإنما بلغ هذا القرآن عن
ربه - عز وجل - دون أن يزيد حرفا أو ينقص حرفا .. لأن حكمة الله - تعالى - قد
اقتضت أن يهلك كل من يفترى عليه الكذب ، ومن يزعم أن الله - تعالى - أوحى إليه ، مع
أنه - سبحانه - لم يوح إليه .
( ١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٠٧ .

٨٧
سورة الحاقة
وقوله - سبحانه - ﴿ وإنه لتذكرة للمتقين) معطوف على قوله: ﴿إنه لقول رسول
کریم ﴾ .
أى: إن هذا القرآن لقول رسول كريم بلغه عن الله - تعالى - وإنه لتذكير وإرشاد لأهل
التقوى ، لأنهم هم المنتفعون بهداياته .
وقوله - تعالى -: ﴿وإنا لنعلم أن منكم مكذبين) تيكيت وتوبيخ لهؤلاء الكافرين ،
الذين جحدوا الحق بعد أن تبين لهم أنه حق .
أى : وإنا لا يخفى علينا أن منكم - أيها الكافرون - من هو مكذب للحق عن جحود
وعناد ، ولكن هذا لن يمنعنا من إرسال رسولنا بهذا الدين لكى يبلغه إليكم ، ومن شاء بعد ذلك
فليؤمن ومن شاء فليكفر ، وسنجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب .
وقوله - سبحانه -: ﴿وإنه لحسرة على الكافرين ) بيان لما يكون عليه الكافرون من
ندم شديد ، عندما يرون حسن مصير المؤمنين ، وسوء مصير المكذبين .
والحسرة : هى الندم الشديد المتكرر، على أمر نافع قد مضى ولا يمكن تداركه .
أى : وإن هذا القرآن الكريم ، ليكون يوم القيامة ، سبب حسرة شديدة وندامة عظيمة ،
على الكافرين ، لأنهم يرون المؤمنين به فى هذا اليوم فى نعيم مقيم ، أما هم فيجدون أنفسهم فى
عذاب أليم .
وقوله: ﴿وإنه لحق اليقين) معطوف على ما قبله، أى: وإن هذا القرآن لهو الحق
الثابت الذى لاشك فى كونه من عند الله - تعالى - وأن محمدا - * - قد بلغه إلى الناس
دون أن يزيد فيه حرفا ، أو ينقص منه حرفا .
وإضافة الحق إلى اليقين ، من إضافة الصفة إلى الموصوف . أى : لهو اليقين الحق ، أو هو
من إضافة الشىء إلى نفسه مع اختلاف اللفظين، كما فى قوله: ﴿حبل الوريد﴾، إذ الحبل
هو الوريد .
والمقصود من مثل هذا التركيب : التأكيد .
وقد قالوا : إن مراتب العلم ثلاثة : أعلاها : حق اليقين ، ويليها : عين اليقين ، ويليها :
علم اليقين .
فحق اليقين : كعلم الإِنسان بالموت عند نزوله به ، وبلوغ الروح الحلقوم . وعين اليقين :
كعلمه به عند حلول أماراته وعلاماته الدالة على قربه .. وعلم اليقين : كعلمه بأن الموت
سينزل به لا محالة مهما طال الأجل .. والفاء فى قوله - تعالى - ﴿ فسبح باسم ربك

٨٨
المجلد الخامس عشر
العظيم ﴾ للإِفصاح. أى: إذا كان الأمر كما ذكرنا لك من أن هذا الدين حق ، وأن البعث
حق ، وأن القرآن حق ، فنزه اسم ربك العظيم عما لا يليق به ، من النقائص ، فى الاعتقاد ،
أو فى العبادة ، أو فى القول ، أو فى الفعل .
والباء فى قوله : ﴿ باسم ربك ﴾ للمصاحبة. أى: نزه ربك تنزيها مصحوبا بكل ما يليق
به من طاعة وإخلاص ومواظبة على مراقبته وتقواه .
والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات - وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
وسلم .
كتبه الراجي عفو ربه
القاهرة - مدينة نصر
مساء الخميس ١٧ من ذى القعدة سنة ١٤٠٦ هـ
د . محمد سيد طنطاوى
الموافق ٢٤ / ٧ / ١٩٨٦ م

٨٩
سورة المعارج
بِسْمِ اللهُ الرَّحمَنِّ الرَّحِيمِ
تفسير
سورة المعارج
مقدمة وتمهيد
١ - سورة ( المعارج ) هى السورة السبعون فى ترتيب المصحف ، أما ترتيبها فى النزول
فهى السورة الثامنة والسبعون ، وكان نزولها بعد سورة ( الحاقة ) وقبل سورة ( النبأ ) .
وتسمى - أيضا - بسورة ( سأل سائل ) ، وذكر السيوطى فى كتابه ( الإِتقان ) أنها
تسمى كذلك بسورة ( الواقع ) .
وهذه الأسماء الثلاثة قد وردت ألفاظها فى السورة الكريمة . قال - تعالى - ﴿ سأل سائل
بعذاب واقع . للكافرين ليس له دافع . من اللّه ذى المعارج ﴾.
وهى من السور المكية الخالصة ، وعدد آياتها أربع وأربعون آية فى عامة المصاحف ، وفى
المصحف الشامى ثلاث وأربعون آية .
والسورة الكريمة نراها فى مطلعها ، تحكى لنا جانبا من استهزاء المشركين بما أخبرهم به
النبى - * - من بعث وثواب وعقاب .. وترد عليهم بما يكبتهم ، حيث تؤكد أن يوم القيامة
حق ، وأنه واقع ، وأن أهواله شديدة .
قال - تعالى - ﴿سأل سائل بعذاب واقع. للكافرين ليس له دافع. من الله ذى
المعارج . تعرج الملائكة والروح إليه فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة . فاصبر صبرا جميلا .
إنهم يرونه بعيدا . ونراه قريبا . يوم تكون السماء كالمهل . وتكون الجبال كالعهن . ولا يسأل
حميم حميا ﴾ .
٣ - ثم تنتقل السورة بعد ذلك إلى تصوير طبيعة الإِنسان ، وتمدح المحافظين عى صلاتهم ،
وعلى أداء حقوق الله - تعالى - فى أموالهم ، كما تمدح الذين يؤمنون بأن البعث حق ،

٩٠
المجلد الخامس عشر
ويستعدون لهذا اليوم بالإِيمان والعمل الصالح .
قال - تعالى - ﴿ إن الإنسان خلق هلوعا. إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير
منوعا . إلا المصلين ، الذين هم على صلاتهم دائمون
٤ - ثم أخذت السورة الكريمة فى أواخرها فى تسلية الرسول -# - وفى توبيخ
الكافرين على مسالكهم الخبيثة بإزاء الدعوة الإسلامية ، وفى بيان أن يوم القيامة الذى
یکذبون به آت لا ريب فيه .
قال - تعالى -: ﴿ فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذى يوعدون . يوم
· يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون . خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ، ذلك
اليوم الذى كانوا يوعدون
٥ - هذا والمتدبر فى هذه السورة الكريمة ، يرى أن على رأس القضايا التى اهتمت بالحديث
عنها : التذكير بيوم القيامة ، وبأهواله وشدائده ، وببيان ما فيه من حساب ، وجزاء ، وثواب
وعقاب .
والحديث عن النفس الإنسانية بصفة عامة فى حال عسرها ويسرها ، وصحتها ومرضها ،
وأملها ويأسها ... واستثناء المؤمنين الصادقين ، من كل صفة لا يحبها الله - تعالى - وأنهم
بسبب إيمانهم الصادق ، وعملهم الصالح ، سيكونون يوم القيامة . فى جنات مكرمين .
كما أن السورة الكريمة اهتمت بالرد على الكافرين ، وبتسلية الرسول - - عما لحقه
منهم ، وببيان مظاهر قدرة الله - تعالى - التى لا يعجزها شىء .
الراجي عفو ربه
د. محمد سيد طنطاوى

٩١
سورة المعارج
١
التفسیر
افتتح - سبحانه - سورة ( المعارج ) بقوله - تعالى - :
◌ِاللَّهِ الرَّحْمنِالرَّحْمِ
سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَفِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعُ ن ◌َامِنَ
اَللَّهِ ذِى الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِى
يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ن ◌َاضْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا(٥)
إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (١) وَثَرَنَّهُ قَرِيبَنِ يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَلَهْلِ
﴿ وَتَكُونُ الْجَالُ كَلْعِهْنِ ) وَلَا يَسْتَلُ حَمِيمٌ حَيْمَان
يُضَّرُونَهُمْ بَوَدُ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابٍ يَوْمِذٍ بِبَنِيهِ ®
وَصَحِبَتِهِ، وَأَخِيهِ ﴿ وَفَصِيلَتِّهِ آلَتِى تُتْوِهِ ) وَمَن فِى الْأَرْضِ
جَمِيعًا تُمَّ يُجِهِ ﴿ كَلَّ إِنَّهَا لَظَى ◌َانَزَّاعَةٌ لِلِشَّوَى ®) تَدْعُواْ
مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّ ﴿ وَجَعَ فَأَوْعَ
١٨
وقوله - تعالى - ﴿ سأل سائل بعذاب واقع ﴾ قرأه الجمهور بإظهار الهمزة فى
سأل ﴾ .
وقرأه نافع وابن عامر ﴿سال﴾ بتخفيف الهمزة .
قال الجمل : قرأ نافع وابن عامر بألف محضة ، والباقون ، بهمزة محققة وهى الأصل .
فأما القراءة بالألف ففيها ثلاثة أوجه : أحدها : أنها بمعنى قراءة الهمزة ، وإنما خففت بقلبها
ألفا . والثانى : أنها من سَالَ يَسَالُ ، مثل خاف يخاف، والألف منقلبة عن واو ، والواو منقلبة
عن الهمزة .
١

٩٢
المجلد الخامس عشر
والثالث : من السيلان، والمعنى : سال واد فى جهنم بعذاب، فالألف منقلبة عن ياء(١).
وقد حكى القرآن الكريم عن كفار مكة، أنهم كانوا يسألون النبى - وَله - على سبيل
التهكم والاستهزاء عن موعد العذاب الذى يتوعدهم به إذا ما استمروا على كفرهم ،
ويستعجلون وقوعه .
قال - تعالى -: ﴿ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ﴾ وقال - سبحانه -
ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده
وعلى هذا يكون السؤال على حقيقته، وأن المقصود به الاستهزاء بالنبى - الهرم -
وبالمؤمنين .
ومنهم من يرى أن سأل هنا بمعنى دعا . أى : دعا داع على نفسه بعذاب واقع .
قال الآلوسى ما ملخصه : ﴿ سأل سائل بعذاب واقع ﴾ أى: دعا داع به ، فالسؤال بمعنى
الدعاء ، ولذا عدى بالباء تعديته بها فى قوله ﴿يدعون فيها بكل فاكهة آمنين﴾. والمراد :
استدعاء العذاب وطلبه .. وقيل إنها بمعنى (( عن)) كما فى قوله : ﴿فاسأل به خبيرا ﴾.
والسائل هو النضر بن الحارث - كما روى النسائى وجماعة وصححه الحاكم - حيث قال
إنكارا واستهزاء ((اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ، أو
ائتنا بعذاب أليم)). وقيل السائل: أبو جهل، حيث قال: ((فأسقط علينا كسفا من
السماء))(٢).
وعلى أية حال فسؤالهم عن العذاب ، يتضمن معنى الإِنكار والتهكم ، كما يتضمن معنى
الاستعجال ، كما حكته بعض الآيات الكريمة ..
ومن بلاغة القرآن ، تعدية هذا الفعل هنا بالباء ، ليصلح لمعنى الاستفهام الإنكارى ، ولمعنى
الدعاء والاستعجال .
أى: سأل سائل النبى - * - سؤال تهكم ، عن العذاب الذى توعد به الكافرين إذا
ما استمروا على كفرهم . وتعجَّلَه فى وقوعه بل أضاف إلى ذلك - لتجاوزه الحد فى عناده
وطغيانه - أن قال: ((اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو
ائتنا بعذاب أليم )).
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٤٠٣ .
( ٢) تفسير الكشاف جـ ٢٩° ص ٥٥ .

٩٣
سورة المعارج
وقال - سبحانه - ﴿ بعذاب واقع ﴾ ولم يقل بعذاب سيقع، للإشارة إلى تحقق وقوع
هذا العذاب فى الدنيا والآخرة .
أما الدنيا فمن هؤلاء السائلين من قتل فى غزوة بدر وهو النضر بن الحارث ، وأبو جهل
وغيرهما ، وأما فى الآخرة فالعذاب النازل بهم أشد وأبقى .
ثم وصف - سبحانه - العذاب بصفات أخرى ، غير الوقوع فقال: ﴿ للكافرين ليس
له دافع. من اللّه ذى المعارج﴾. واللام فى قوله ﴿ للكافرين﴾ بمعنى على. أو للتعليل.
أى : سأل سائل عن عذاب واقع على الكافرين ، هذا العذاب ليس له دافع يدفعه عنهم ،
لأنه واقع من الله - تعالى - ﴿ذى المعارج﴾.
والمعارج جمع معرج، وهو المصعد ، ومنه قوله - تعالى - ﴿ولولا أن يكون الناس أمة
واحدة ، لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ﴾(١) .
وقد ذكر المفسرون فى المراد بالمعارج وجوها منها : أن المراد بها السموات ، فعن ابن عباس
أنه قال أى : ذى السموات ، وسماها معارج لأن الملائكة يعرجون فيها .
ومنها : أن المراد بها : النعم والمنن . فعن قتادة أنه قال: ذى المعارج ، أى : ذى الفواضل
والنعم . وذلك لأن لأياديه ووجوه إنعامه مراتب ، وهى تصل إلى الناس على مراتب مختلفة .
ومنها : أن المراد بها الدرجات التى يعطيها لأوليائه فى الجنة .
وفى وصفه - سبحانه - ذاته بـ ﴿ ذى المعارج﴾: استحضار لصورة عظمة جلاله،
وإشعار بكثرة مراتب القرب من رضاه وثوابه ، فإن المعارج من خصائص منازل العظماء .
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هذا العذاب الواقع على الكافرين . بجملة من
الصفات ، لتكون رداً فيه ما فيه من التهديد والوعيد للجاحدين ، الذين استهزأوا به
وأنكر وه .
والمراد بالروح فى قوله: ﴿ تعرج الملائكة والروح إليه فى يوم كان مقداره خمسين ألف
سنة﴾: جبريل - عليه السلام - وأفرد بالذكر لتمييزه وفضله ، فهو من باب عطف الخاص
على العام .
والضمير فى ((إليه)) يعود إلى الله - تعالى - .
أى : تصعد الملائكة وجبريل - عليه السلام - معهم ، إليه - تعالى - .
(١) سورة الزخرف الآية ٣٣ .

٩٤
المجلد الخامس عشر
والسلف على أن هذا التعبير وأمثاله ، من المتشابه الذى استأثر - سبحانه - بعلمه . مع
تنزيهه - عز وجل - عن المكان والجسمية . ولوازم الحدوث ، التى لا تليق بجلاله .
وقيل: ((إليه)) أى: إلى عرشه - تعالى - أو إلى محل بره وكرامته .
قال القرطبى ما ملخصه: قوله: ﴿ فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾ أى: عروج
الملائكة إلى المكان الذى هو محلهم فى وقت كان مقداره على غيرهم لو صعد ، خمسين ألف
سنة .
وعن مجاهد : هذا اليوم هو مدة عمر الدنيا ، من أول ما خلقت إلى آخر ما بقى منها ،
خمسون ألف سنة .
وقال ابن عباس : هو يوم القيامة ، جعله الله على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة .
ثم قال القرطبى: ((وهذا القول أحسن ما قيل فى الآية - إن شاء الله - بدليل مارواه
قاسم بن أصبغ من حديث أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله - * - ((فى يوم كان
مقداره خمسين ألف سنة))، فقلت: ما أطول هذا؟ فقال - * - ((والذى نفسى بيده ،
إنه ليخفف عن المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة المكتوبة يصليها فى الدنيا )).
وفى رواية عن ابن عباس - أيضا - أنه سئل عن هذه الآية فقال : أيام سماها الله - عز
وجل - ، وهو أعلم بها كيف تكون وأكره أن أقول فيها مالا أعلم .
وقيل : ذكر خمسين ألف سنة تمثيل - لما يلقاه الناس فى موقف الحساب من شدائد ،
والعرب تصف أيام الشدة بالطول، وأيام الفرح بالقصر(١).
وقال بعض العلماء : وقد ذكر - سبحانه - فى سورة السجدة أنه ﴿ يدبر الأمر من السماء
إلى الأرض ثم يعرج إليه فى يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ؟
وقال فى سورة الحج: ﴿وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ﴾ وذكر هنا ﴿ فى يوم
كان مقداره خمسين ألف سنة ﴾
والجمع بين هذه الآيات من وجهين : أولهما : ما جاء عن ابن عباس من أن يوم الألف فى
سورة الحج، هو أحد الأيام الستة التى خلق الله - تعالى - فيها السموات والأرض .
ويوم الألف فى سورة السجدة ، هو مقدار سير الأمر وعروجه إليه - تعالى - .
ويوم الخمسين ألفا هنا : هو يوم القيامة .
(١) تفسير القرطبى جـ ١٨ ص ٢٨٢ .

٩٥
سورة المعارج
وثانيهما : أن المراد بجميعها يوم القيامة ، وأن الاختلاف باعتبار حال المؤمن والكافر .
ويدل لهذا الوجه قوله - تعالى -: ﴿ فذلك يومئذ يوم عسير ، على الكافرين غير
(١)
يسير
أى : أن يوم القيامة يتفاوت طوله بحسب اختلاف الشدة ، فهو يعادل فى حالة ألف سنة
من سنى الدنيا ، ويعادل فى حالة أخرى خمسين ألف سنة .
وقوله - تعالى -: ﴿فاصبر صبرا جميلا. إنهم يرونه بعيدا. ونراه قريبا .. ﴾ متفرع
على قوله - سبحانه - ﴿سأل سائل ﴾ لأن السؤال كان سؤال استهزاء ، يضيق به الصدر ،
وتغتم له النفس .
والصبر الجميل : هو الصبر الذى لا شكوى معه لغير الله - عز وجل - ولا يخالطه شىء
من الجزع ، أو التبرم بقضاء الله وقدره .
أى : لقد سألوك - أيها الرسول الكريم - عن يوم القيامة ، وعن العذاب الذى تهددهم
به ... سؤال تهكم واستعجال ... فاصبر صبرا جميلا على غرورهم وجحودهم وجهالاتهم .
إنهم يرون هذا اليوم وما يصحبه من عذاب .. يرونه ((بعيدا)) من الإمكان أو من
الوقوع ، ولذلك كذبوا بما جئتهم به من عندنا ، واستهزؤا بك .. ونحن نراه قريبا من
الإِمكان ، بل هو كائن لا محالة فى الوقت الذى تقتضيه حكمتنا ومشيئتنا .
ثم بين - سبحانه - جانبا من أهوال هذا اليوم فقال: ﴿يوم تكون السماء كالمهل .
وتكون الجبال كالعهن . ولا يسأل حميم حميا ﴾ .
ولفظ ((يوم)) متعلق بقوله: ((قريبا)» أو بمحذوف يدل عليه قوله: ﴿واقع﴾ أى: هو
واقع هذا العذاب يوم تكون السماء فى هيئتها ومظهرها ((كالمهل)) أى: تكون واهية
مسترخية .. كالزيت الذى يتبقى فى قعر الإِناء .
وتكون الجبال كالعهن ﴾ أى: كالصوف المصبوغ ألوانا ، لاختلاف ألوان الجبال ،
فإن الجبال إذا فتتت وتمزقت فى الجو ، أشبهت الصوف المنفوش إذا طيرته الرياح ، قيل : أول
ما تتغير الجبال تصير رملا مهيلا، ثم عهنا منفوشا ، ثم هباء منبئا .
ووجه الشبه أن السماء فى هذا اليوم تكون فى انحلال أجزائها ، كالشىء الباقى فى قعر
الإِناء من الزيت ، وتكون الجبال فى تفرق أجزائها كالصوف المصبوغ الذى تطاير فى الجو .
وفى هذا اليوم - أيضا - ﴿ لا يسأل حميم حميا﴾ أى: لا يسأل صديق صديقه النصرة
(١) تفسير أضواء البيان جـ ٦ ص ٥٣ للشيخ محمد الأمين الشنقيطى.

: ٩٦
المجلد الخامس عشر
أو المعونة ، ولا يسأل قريب قريبه المساعدة والمؤازرة .. لأن كل واحد منهما مشغول بهموم
نفسه من شدة هول الموقف ، كما قال - تعالى -: ﴿ يوم يفر المرء من أخيه . وأمه وأبيه.
وصاحبته وبنيه . لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه ﴾ .
والحميم : هو الصديق الوفى القريب من نفس صديقه .
وضمير الجمع فى قوله - سبحانه - ﴿ يبصرونهم ﴾ يعود إلى الحميمين ، نظرا لعمومهما،
لأنه ليس المقصود صديقين مخصوصين ، وإنما المقصود كل صديق مع صديقه .
والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا ، إجابة عن سؤال تقديره : ولماذا لا يسأل الصديق صديقه
فى هذا اليوم؟ ألأنه لا يراه ؟ فكان الجواب : لا ، إنه يراه ويشاهده ، ويعرف كل قريب
قريبه ، وكل صديق صديقه فى هذا اليوم .. ولكن كل واحد منهم مشغول بهمومه .
قال صاحب الكشاف: ﴿يبصرونهم﴾ أى: يبصر الأحماءُ الأحماءَ، فلا يخفون عليهم ،
فلا يمنعهم من المساءلة أن بعضهم لا يبصر بعضا ، وإنما يمنعهم التشاغل .
فإن قلت: ما موقع يبصرونهم ؟ قلت: هو كلام مستأنف، كأنه لمّا قال: ﴿ولا يسأل
حميم حميما﴾ قيل: لعله لا يبصره ، فقيل فى الجواب : يبصرونهم ، ولكنهم لتشاغلهم لم
يتمكنوا من تساؤلهم .
فإن قلت: لم جمع الضميرين فى ﴿يبصرونهم﴾ وهى للحميمين؟ قلت: المعنى على
العموم لكل حميمين، لا لحميمين اثنين (١).
ثم بين - سبحانه - حالة المجرمين فى هذا اليوم فقال: ﴿يود المجرم ﴾ أى: يحب
المجرم فى هذا اليوم ويتمنى .
﴿ لو يفتدى من عذاب يومئذ بينيه ﴾ أى : يتمنى ويحب لو يفتدى نفسه من عذاب هذا
اليوم بأقرب الناس إليه ، وألصقهم بنفسه .. وهم بنوه وأولاده .
ويود - أيضا - لو يفتدى نفسه بـ ﴿ صاحبته وأخيه ﴾ أى: بزوجته التى هى أحب
الناس إليه ، وبأخيه الذى يستعين به فى النوائب .
﴿ وفصيلته التى تؤويه ﴾ أى: ويود كذلك أن ينقذ نفسه، من العذاب بأقرب الأقرباء
إليه . وهم أهله وعشيرته التى ينتسب إليها ، إذ الفصيلة هم الأقرباء الأدنون من القبيلة ،
والذين هو واحد منهم .
ومعنى ﴿تؤويه﴾ تضمه إليها، وتعتبره فردا منها، وتدافع عنه بكل وسيلة.
( ١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٠٩.

٩٧
سورة المعارج
وقوله: ﴿ ومن فى الأرض جميعا ثم ينجيه﴾ داخل فى إطار ما يتمناه ويوده .
أى : يود هذا المجرم أن يفتدى نفسه من عذاب هذا اليوم، بأولاده ، ويصاحبته ،
وبأخيه ، وبعشيرته التى هو فرد منها ، وبأهل الأرض جميعا من الجن والإِنس .
ثم يتمنى - أيضا - أن يقبل منه هذا الافتداء ، لكى ينجو بنفسه من هذا العذاب .
فقوله ﴿ ثم ينجيه﴾ معطوف على قوله ﴿يفتدى)، أى: يود لو يفتدى ثم لو ينجيه
الافتداء . وكان العطف بثم ، للإشعار باستبعاد هذا الافتداء ، وأنه عسير المنال .
وقوله : ﴿ومن فى الأرض﴾ معطوف على ﴿بنيه﴾ أى: ويفتدى نفسه بجميع أهل
الأرض .
وهكذا نرى الآيات الكريمة تحكى لنا بهذا الأسلوب المؤثر ، حالة المجرم فى هذا اليوم ،
وأنه يتمنى أن يفتدى نفسه مما حل به من عذاب ، بأقرب وأحب الناس إليه ، بل بأهل الأرض
جميعا .. ولكن هيهات أن يقبل منه شىء من ذلك .
ولذا جاء الرد الزاجر له عما تمناه فى قوله - تعالى - ﴿ كلا إنها لظى ﴾ وكلا حرف ردع
وزجر ، وإبطال لكلام سابق ، وهو هنا ما كان يتمناه ويحبه .. من أن يفتدى نفسه ببنيه ،
وبصاحبته وأخيه .. الخ .
و ((لظى)) علم لجهنم، أو لطبقة من طبقاتها . واللظى: اللهب الخالص ، والضمير للنار
المدلول عنها بذكر العذاب .
أى : كلا - أيها المجرم - ليس الأمر كما وددت وتمنيت .. وإنما الذى فى انتظارك ، هو
النار التى هى أشد ما تكون اشتعالا .
والتى من صفاتها كونها ﴿نزاعة للشوى﴾ .. أى: قلاعة لجلدة الرأس وأطراف البدن،
كاليد والرجل ، ثم تعود هذه الجلدة والأطراف كما كانت .
فقوله: ﴿ نزاعة) صيغة مبالغة من النزع بمعنى القلع والفصل. والشوى: جمع شواة -
بفتح الشين - ، وهى من جوارح الإِنسان مالم يكن مقتلا ، مثل اليد والرجل . والجمع باعتبار
ما لكل أحد من جوارح وأطراف . يقال : فلان رمى فأشوى ، إذا لم يصب مقتلا ممن رماه .
وقيل : الشواة : جلدة الرأس . والجمع باعتبار كثرة الناس .
وهذه النار الملتهبة من صفاتها - أيضا - أنها ﴿ تدعو من أدبر وتولى﴾ أى: تدعو
لدخولها والاصطلاء بحرها ، من أدبر وأعرض وتولى عن الحق والرشد ، ونآى بجانبه عن
طريق الهدى والاستقامة .

٩٨
المجلد الخامس عشر
قال ابن كثير : هذه النار تدعو إليها أبناءها الذين خلقهم الله - تعالى - لها وقدر لهم أنهم
فى الدار الدنيا يعملون عملها ، فتدعوهم يوم القيامة بلسان طَلْقِ ذَلْقٍ - أى: فصيح بليغ -
ثم تلتقطهم من بين أهل المحشر ، كما يلتقط الطير الحب ، وذلك أنهم كانوا كما قال -
سبحانه - ممن أدبر وتولى. أى: ممن كذب بقلبه، وترك العمل بجوارحه(١).
وجمع فأوعى ﴾ أى جمع المال بعضه على بعض فأوعاه ، أى: فأمسكه فى وعائه وكنزه
ومنع حق الله - تعالى - فيه، ويخل به على مستحقيه. فقوله ﴿فأوعى﴾ أى: فجعله فى
وعاء. وفى الحديث الشريف، يقول - ﴿ه -: ((لا توعى - أى لا تجمع مالك فى الوعاء
على سبيل الكنز - فيوعى الله عليك)) - أى: فيمنع اللّه - تعالى - فضله عنك، كما منعت
وقترت .
وفى قوله - سبحانه - ﴿وجمع﴾ إشارة إلى الحرص والطمع، وفى قوله ﴿فأوعى﴾
إشارة إلى بخله وطول أمله .
قال قتادة ﴿جمع فأوعى﴾: كان جموعا للخبيث من المال .
وبعد هذا البيان المؤثر الحكيم عن طبائع المجرمين ، وعن أهوال يوم الدين ، وعن سوء
عاقبة المكذبين .. اتجهت السورة الكريمة إلى الحديث عن سجايا النفوس البشرية فى حالتى
الخير والشر ، والغنى والفقر ، والشكر والجحود .. واستثنت من تلك السجايا نفوس المؤمنين
الصادقين ، فقال - تعالى - .
إِنَّالْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا
﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّجُزُوعًا تَقْ وَإِذَا مَسَّهُ اَلْخَيْرُ مَنُوعًا () إِلَّا
الْمُصَلِِّنَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَآئِعُونَ )، وَالَّذِينَ فِىّ
أَوَهِمْ حَقٌ مَّعْلُومُ الْلِسَآئِلِ وَالْمَحْرُومِ ) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ
بَوْمِ الدّينِ﴿)، وَالَّذِينَ هُمْ مِّنْ عَذَابٍ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴿ إِنَّ عَذَابَ
(١) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٢٥٢ .

٩٩
سورة المعارج
رَيِهِمْ غَيْرٌ مَأْمُونٍ ﴿٢) وَالَّذِينَ هُمْلِفُرُوجِهِمْ خَفِظُونَ ) إِلَّا عَلَى
أَزْوَجِهِمْأَمَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ) فَنِ أَبَغَى وَّةَ
ذَلِكَ فَأُوْلَ هُالْعَادُونَ ﴿١٦) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمََِّهِمْ وَعَهْدِ هِم ◌َعُونَ
تَ وَالَّذِينَ هُم ◌ِشَادَتِهِمْ قَِّمُونَ ﴿٢٦) وَالَّذِينَ هُ عَلَى صَلَاتِهِمْيُحَا فِظُونَ
أُوْلَئِكَ فِ جَتَّتٍ مُّكْرَمُونَ
٣٤
والمراد بالإِنسان فى قوله - تعالى -: ﴿إن الإِنسان خلق هلوعا، إذا مسه الشر
جزوعا ، وإذا مسه الخير منوعا ﴾ جنسه لافرد معين منه، كما فى قوله - تعالى - :
( والعصر إن الإنسان لفى خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات .. ﴾ وكما فى
قوله - سبحانه -: ﴿ خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتى فلا تستعجلون ﴾.
ويدخل فيه الكافر دخولا أولياً ، لأن معظم الصفات التى استثنيت بعد ذلك من صفات
المؤمنين الصادقين ، وعلى رأسها قوله - سبحانه -: ﴿ إلا المصلين ﴾.
وقوله : ﴿ هلوعا﴾ صيغة مبالغة من الهلع، وهو إفراط النفس، وخروجها عن التوسط
والاعتدال ، عندما ينزل بها ما يضرها ، أو عند ما تنال ما يسرها .
والمراد بالشر : ما يشمل الفقر والمرض وغيرهما مما يتأذى به الإِنسان .
والمراد بالخير : ما يشمل الغنى والصحة وغير ذلك مما يحبه الإِنسان ، وتميل إليه نفسه .
والجزوع: هو الكثير الجزع. أى: الخوف . والمنوع: هو الكثير المنع لنعم
الله - تعالى - وعدم إعطاء شىء منها للمحتاجين إليها .
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله: ﴿إن الإِنسان خلق هلوعا﴾ الهلع: سرعة الجزع عند".
مس المكروه ، وسرعة المنع عند مس الخير ، من قولهم : ناقة هلوع ، أى : سريعة السير .
وسئل ابن عباس عن الهلوع فقال: هو كما قال الله - تعالى -: ﴿إذا مسه الشر
جزوعا ، وإذا مسه الخير منوعا ﴾ .
ولا تفسير أبين من تفسيره - سبحانه - .

١٠٠
المجلد الخامس عشر
والإِنسان: المراد به الجنس ، أو الكافر .. وأل فى الشر والخير للجنس - أيضا(١) .
والتعبير بقوله: ﴿ خلق هلوعا﴾ يشير إلى أن جنس الإِنسان - إلا من عصم الله -
مفطور ومطبوع ، على أنه إذا أصابه الشر جزع ، وإذا مسه الخير بخل .. وأن هاتين الصفتين
ليستا من الصفات التى يحبها الله - تعالى - بدليل أنه - سبحانه - قد استثنى المصلين
وغيرهم من التلبس بهاتين الصفتين .
وبدليل أن من صفات المؤمن الصادق أن يكون شكورا عند الرخاء صبورا عند الضراء .
وفى الحديث الشريف، يقول - * -: ((شر ما فى الرجل: شح هالع، وجبن خالع))
وفى حديث آخر يقول - # -: ((عجبا لأمر المؤمن ، إن أمره كله له خير ، إن أصابته
سراء شكر فكان خيراً له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له)).
قال الجمل: وقوله: ﴿جزوعا﴾ و﴿ منوعا﴾ فيهما ثلاثة أوجه : أحدها: أنهما
منصوبان على الحال من الضمير فى ﴿ هلوعا﴾، وهو العامل فيهما. والتقدير: هلوعا حال
كونه جزوعا وقت مس الشر، ومنوعا وقت مس الخير : الثانى : أنهما خبران لكان أو صار
مضمرة . أى : إذا مسه الشر كان أوصار جزوعا ، وإذا مسه الخير كان أوصار منوعا .
الثالث: أنهما نعتان لقوله: ((هلوعا))(٢).
ثم وصف - سبحانه - من استثناهم من الإِنسان الهلوع ، بجملة من الصفات الكريمة ،
﴾ .
فقال: ﴿إلا المصلين . الذين هم على صلاتهم دائمون
أى : إن الناس جميعا قد جبلوا على الجزع عند الضراء ، وعلى المنع عند السراء .. إلا
المصلين منهم ، الذين يواظبون على أدائها مواظبة تامة ، دون أن يشغلهم عن أدائها : عسر أو
يسر ، أو غنى أو فقر، أو إقامة أو سفر .
فهم ممن قال - سبحانه - فى شأنهم: ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله،
وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ﴾ .
وقال - سبحانه -: ﴿ على صلاتهم دائمون﴾ للإشارة إلى أنهم لا يشغلهم عنها
شاغل ، إذ الدوام على الشىء عدم تركه .
وفى إضافة ((الصلاة)) إلى ضمير ((المصلين)) تنويه بشأنهم ، وإشعار باختصاصها بهم، إذ
هم أصحابها الملازمون لها .
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٩ ص ٦١ .
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٤٠٦.