النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
سورة الملك
والمعنى : أأمنتم - أيها الناس - من فى السماء وهو الله - عز وجل - أن يذهب الأرض
بكم ، فيجعل أعلاها أسفلها .. فإذا هى تمور بكم وتضطرب ، وترتج ارتجاجا شديدا تزول معه
حياتكم .
فالمقصود بالآية الكريمة تهديد الذين يخالفون أمره ، بهذا العذاب الشديد ، وتحذيرهم من
نسيان بطشه وعقابه .
والباء فى قوله ﴿ بكم ﴾ للمصاحبة . أى: يخسفها وأنتم مصاحبون لها بذواتكم ، بعد أن
كانت مذللة ومسخرة لمنفعتكم ..
ثم انتقل - سبحانه - من تهديدهم بالخسف إلى تهديدهم بعذاب آخر فقال: ﴿ أم أمنتم
من فى السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير ﴾ .
أى : بل أأمنتم - أيها الناس - من السماء ، وهو الله - عز وجل - بسلطانه وقدرته ..
أن يرسل عليكم ﴿ حاصبا﴾ أى: ريحا شديدة مصحوبة بالحصى والحجارة التى تهلك،
فحينئذ ستعلمون عند معاينتكم للعذاب ، كيف كان إنذارى لكم متحققا وواقعا وحقا ..
فالاستفهام فى الآيتين المقصود به التعجيب من أمنهم عذاب الله - تعالى - عند مخالفتهم
لأمره ، وخروجهم عن طاعته .
وقدم - سبحانه - التهديد بالخسف على التهديد بإرسال الحاصب ، لأن الخسف من
أحوال الأرض ، التى سبق أن بين لهم أنه خلقها مذللة لهم ، وفيها ما فيها من منافعهم ، فهذه
المنافع ليس عسيرا على الله - تعالى - أن يحولها إلى عذاب لهم ..
ثم ذكرهم - سبحانه - بما جرى للكافرين السابقين فقال : ﴿ ولقد كذب الذين من
قبلهم فكيف كان نكير ﴾ ..
أى : ووالله لقد كذب الذين من قبل كفار مكة من الأمم السابقة ، كقوم نوح وعاد
وثمود .. فكان إنكارى عليهم ، وعقابى لهم ، شديدا ومبيرا ومدمرا لهم تدميرا تاما .
فالنكير بمعنى الإِنكار، والاستفهام فى قوله: ﴿ فكيف كان نكير ﴾ للتهويل .
أى: إن إنكارى عليهم كفرهم كان إنكارا عظيما ، لأنه ترتب عليه ، أن أخذتهم أخذ عزيز
مقتدر .
كما قال - تعالى - : ﴿ فكلا أخذنا بذنبه ، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ، ومنهم من
أخذته الصيحة ، ومنهم من خسفنا به الأرض ، ومنهم من أغرقنا ، وما كان الله ليظلمهم ،

٢٢
المجلد الخامس عشر
ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾(١) .
ثم تنتقل السورة بعد هذا التهديد والإِنذار ، إلى دعوتهم إلى التأمل والتفكر ، فى مشهد
الطير صافات فى الجو .. وفى أحوال أنفسهم عند اليأس والفقر ، وعند الهزيمة والإِعراض عن
الحق .. فيقول - سبحانه - :
أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ ضَّفَّاتٍ وَيَقْبِضِنَّ مَا
يُمْسِكُهُنَّإِلَّ الرَّحْمَنْ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ بَصِيُ ﴿ أَمَّنْ هَذَا الَّذِى
هُوَ جُنِدٌ لَّكُمْ يَنْصُرُّكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنَّإِنِ الْكَفِرُونَ إِلََّ فِ غُرُورٍ
﴿ أَمَّنْ هَذَا الَّذِىِ يَرْزُ قُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّواْ فِ عُنٍُّ
وَتُقُورٍ ) أَنْ يَمْشِى مُكِبَّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَىَ أَمَّنِ يَمْشِى سَوِيًّا
عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيٍ
٢٢
قال بعض العلماء: قوله: ﴿أو لم يروا إلى الطير .. ﴾ عطف على جملة ﴿هو الذى جعل
لكم الأرض ذلولا .. ﴾ استرسالا فى الدلائل على انفراد الله - تعالى - بالتصرف فى
الموجودات ، وقد انتقل من دلالة أحوال البشر وعالمهم، إلى دلالة أعجب أحوال
العجماوات ، وهى أحوال الطير فى نظام حركاتها فى حال طيرانها ، إذ لا تمشى على الأرض
كما هو فى حركات غيرها على الأرض ، فحالها أقوى دلالة على عجيب صنع اللّه المنفرد
به .. (٢) .
والاستفهام فى قوله - تعالى -: ﴿ أو لم يروا .. ﴾ للتعجيب من حال المشركين ، لعدم
تفكرهم فيما يدعو إلى التفكر والاعتبار ..
والواو العطف على مقدر يقتضيه المقام ، والطير : جمع طائر كصحب وصاحب ..
والمعنى : أغفل هؤلاء المشركون ، وانطمست أعينهم عن رؤية الطير فوقهم ، وهن
صافات﴾ أى: باسطات أجنحتهن فى الهواء عند الطيران فى الجو، ﴿ويقبضن﴾ أى:
(١) سورة العنكبوت آية ٤٠.
(٢) تفسير التحرير والتنوير جـ ٢٩ ص ٣٧ للشيخ محمد الطاهر بن عاشور - رحمه الله - .

٢٣
سورة الملك
ويضممن أجنحتهن تارة على سبيل الاستظهار بها على شدة التحرك فى الهواء ...
﴿ ما يمسكهن ﴾ فى حالتى البسط والقبض ﴿إلا الرحمن) الذى وسعت رحمته وقدرته كل
شىء ، والذى أحسن كل شىء خلقه ..
﴿ إنه﴾ - سبحانه - ﴿بكل شىء بصير) أى: إنه - سبحانه - مطلع على أحوال
كل شىء ، ومدبر لأمره على أحسن الوجوه وأحكمها ..
قال صاحب الکشاف : ﴿ صافات ﴾ باسطات أجنحتهن فى الجو عند طيرانها ، لأنهن إذا
بسطنها صففن قوادمها صفا ﴿ويقبضن﴾ أى: ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن.
فإن قلت : لم قيل ﴿ويقبضن﴾ ولم يقل: وقابضات؟
قلت : لأن الأصل فى الطيران هو صف الأجنحة ، لأن الطيران فى الهواء كالسباحة فى
الماء ، والأصل فى السباحة مد الأطراف وبسطها . وأما القبض فطارئ على البسط .
للاستظهار به على التحرك ، فجىء بما هو طارىء غير أصل بلفظ الفعل ، على معنى أنهن
صافات ، ويكون منهن القبض تارة كما يكون من السابح .. (١) .
والمراد بإمساكهن : عدم سقوطهن إلى الأرض بقدرته وحكمته - تعالى - حيث أودع فيها
من الخصائص ما جعلها تطير فى الجو ، كالسابح فى الماء .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ ألم يروا إلى الطير مسخرات فى جو السماء
ما يمسكهن إلا الله ... ﴾(٢).
ثم لفت أنظارهم للمرة الثانية إلى قوة بأسه ، ونفاذ إرادته ، وعدم وجود من يأخذ بيدهم
إذا ما أنزل بهم عقابه فقال : ﴿ أمن هذا الذى هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن﴾.
والاستفهام للتحدى والتعجيز ،
منقطعة بمعنى بل ، فهى للإضراب الانتقالى من
غرض إلى آخر ، ومن حجة إلى أخرى .
و﴿ من﴾ اسم استفهام مبتدأ ، وخبره اسم الإشارة ، وما بعده صفته .
والمراد بالجند : الجنود الذين يهرعون لنصرة من يحتاج إلى نصرتهم . ولفظ ﴿ دون ﴾
أصله ظرف للمكان الأسفل .. ويطلق على الشىء المغاير ، فيكون بمعنى غير كما هنا ،
والمقصود بالآية تحقير شأن هؤلاء الجند ، والتهوين من شأنهم .
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥٨١ .
(٢) سورة النحل آية ٧٩ .

٢٤
المجلد الخامس عشر
والمعنى : بل أخبرونى - أيها المشركون - بعد أن ثبتت غفلتكم وعدم تفكيركم تفكيرا
ينفعكم ، من هذا الحقير الذى تستعينون به فى نصركم ودفع الضر عنكم ، متجاوزين فى ذلك
إرادة الرحمن ومشيئته ونصره . أو من هذا الذى ينصركم نصرا كائنا غير نصر الرحمن ، أو من
ينصركم من عذاب كائن من عنده - تعالى - .
والجواب الذى لا تستطيعون جوابا سواه : هو أنه لا ناصر لكم يستطيع أن ينصركم من
دون الله - تعالى -، كما قال - سبحانه - ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو ،
وإن يردك بخير فلا راد لفضله .. ﴾
وكما قال - عز وجل -: ﴿ ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ، وما يمسك فلا
مرسل له من بعده
وقوله - سبحانه - : ﴿ إن الكافرون إلا فى غرور ﴾ كلام معترض بين ما قبله
وما بعده ، لبيان حالهم القبيح وواقعهم المنكر .
والغرور : صفة فى النفس تجعلها تعرض عن الحق جحودا وعنادا وجهلا . أى ليس
الكافرون إلا فى غرور عظيم ، وفى جهل تام ، عن تدبر الحق ، لأنهم زين لهم الشيطان سوء
أعمالهم ، فرأوها حسنة .
ثم انتقل - سبحانه - إلى إلزامهم بنوع آخر من الحجج فقال : ﴿ أمن هذا الذى
يرزقكم إن أمسك رزقه ﴾ ..
أى : بل أخبرونى من هذا الذى يزعم أنه يستطيع أن يوصل إليكم الرزق والخير ، إذا
أمسك الله - تعالى - عنكم ذلك ، أو منع عنكم الأسباب التى تؤدى إلى نفعكم وإلى قوام
حياتكم ، كمنع نزول المطر إليكم ، وكإهلاك الزروع والثمار التى تنبتها الأرض ..
إنه لا أحد يستطيع أن يرزقكم سوى الله - تعالى - .
وقوله : ﴿ بل لجوا فى عتو ونفور﴾ جملة مستأنفة جواب لسؤال تقديره: فهل انتفع
المشركون بتلك المواعظ فكان الجواب كلا إنهم لم ينتفعوا ، بل ﴿ لجوا ﴾ أى تمادوا فى اللجاج
والجدال بالباطل و﴿ فى عتو﴾ أى: وفى استكبار وطغيان، وفى ﴿نفور﴾ أى: شرود
وتباعد عن الطريق المستقيم .
أى : أنهم ساروا فى طريق أهوائهم حتى النهاية ، دون أن يستمعوا إلى صوت نذير أو واعظ
أو مرشد .
ثم ضرب - سبحانه - مثلا لأهل الإِيمان وأهل الكفر ، وأهل الحق وأهل الباطل ، فقال

٢٥
سورة الملك
- سبحانه - : ﴿ أفمن يمشى مكبا على وجهه أهدى ، أمن يمشى سويا على صراط
مستقیم
والمُكِب : هو الإِنسان الساقط على وجهه ، يقال : كبَّ فلان فلانا وأكبه ، إذا صرعه وقلبه
بأن جعل وجهه على الأرض .. فهو اسم فاعل من أكب .
وقوله : ﴿ أهدى﴾ مشتق من الهدى، وهو معرفة طريق الحق والسير فيها، والمفاضلة
هنا ليست مقصودة ، لأن الذى يمشى مكبا على وجهه ، لا شىء عنده من الهداية أو الرشد
إطلاقا حتى يفاضل مع غيره ، وفيه لون من التهكم بهذا المكب على وجهه .
و((السوى)) هو الإِنسان الشديد الاستواء والاستقامة، فهو فعيل بمعنى فاعل .
ومنه قوله - تعالى - حكاية عما قاله إبراهيم - عليه السلام - لأبيه: ﴿ يا أبت إنى قد
جاءنى من العلم ما لم يأتك فاتبعنى أهدك صراطا سويا ﴾ أى : مستويا .
. قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: ﴿ أفمن يمشى مكبا على وجهه أهدى ... ﴾ :
هذا مثل ضربه اللّه للمؤمن والكافر ، فالكافر مثله فيما هو فيه ، كمثل من يمشى مكبا على
وجهه ، أى : يمشى منحنيًا لامستويا على وجهه ، أى : لا يدرى أين يسلك ، ولا كيف
يذهب، بل هو تائه حائر ضال، أهذا أهدى ﴿ أمن يمشى سويا﴾ أى: منتصب القامة ﴿ على
صراط مستقيم ﴾ أى على طريق واضح بين ، وهو فى نفسه مستقيم وطريقه مستقيمة .
هذا مثلهم فى الدنيا ، وكذلك يكونون فى الآخرة ، فالمؤمن يحشر يمشى سويا على صراط
مستقيم .. وأما الكافر فإنه يحشر يمشى على وجهه إلى النار ..
وروى الإِمام أحمد عن أنس قال : قيل يارسول اللّه ، كيف يحشر الناس على وجوههم ؟.
فقال: ((أليس الذى أمشاهم على أرجلهم قادرا على أن يمشيهم على وجوههم))(١)؟.
. وقال الجمل : هذا مثل للمؤمن والكافر ، حيث شبه - سبحانه - المؤمن فى تمسكه بالدين
الحق ، ومشيه على منهاجه ، بمن يمشى فى الطريق المعتدل ، الذى ليس فيه ما يتعثر به ..
وشبه الكافر فى ركوبه ومشيه على الدين الباطل ، بمن يمشى فى الطريق الذى فيه حفر
وارتفاع وانخفاض ، فيتعثر ويسقط على وجهه ، وكلما تخلص من عثرة وقع فى أخرى .
فالمذكور فى الآية هو المشبه به ، والمشبه محذوف ، لدلالة السياق عليه .. (٢).
(١) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٢٠٨.
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٣٨٠.

٢٦
المجلد الخامس عشر
وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد لفتت أنظار الناس إلى التفكر والاعتبار ، ووبخت
المشركين على جهالاتهم وطغيانهم ، وساقت مثالا واضحا للمؤمن والكافر ، ليهلك من هلك عن
بينة ويحيى من حى عن بينة .
ثم أمر الله - تعالى - رسوله -# - فى بضع آيات أن يذكر الكافرين بنعم الله
- تعالى - عليهم ، وأن يرد على شبهاتهم وأكاذيبهم بما يدحضها ، وأن يكل أمره وأمرهم إليه
وحده - تعالى - فقال :
قُلْ هُوَ الَّذِىَّ أَنشَأَ كُمُ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ
وَاْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةٌ قَلِلًا مَّا تَشْكُرُونَ ﴿ قُلْ هُوَالَّذِى ذَرَأَكُمْ
فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنَ كُنْتُمُ
صَدِّقِينَ ﴿ قُلّ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَ إِنَّمَا أَنْ نَذِيرٌ مُبِينٌ}
فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةٌ سِيَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَقِيِلَ هَذَا الَّذِى
كُتُ بِهِ تَدَّعُونَ ﴿ قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَتِىَ اللَّهُ وَمَن ◌َّعِىَ
أَوْرَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ قُلْ هُوَ
الرَّحْمَنُ ءَامَنَّابِهِ، وَعَلَيْهِ تَوَكَّنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَفِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ
﴿﴿ قُلْ أَ يْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَا ؤُكُمُ غَوَرَا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِعَلِّمَعِينٍ )
سجامه
أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين - على سبيل تبصيرهم بالحجج
والدلائل الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا ، وعلى سبيل التنويع فى الإِرشاد والتوجيه .. قل لهم :
الرحمن - عز وجل - هو الذى أنشأكم وأوجدكم فى كل طور من أطوار حياتكم ، وهو
سبحانه - الذى أوجد لكم السمع الذى تسمعون به ، والأبصار التى تبصرون بها الكائنات ،
والأفئدة أى والقلوب التى تدركونها بها ..
ولكنكم - مع كل هذه النعم - ﴿ قليلا ما تشكرون ﴾ خالقكم - عز وجل - .

٢٧
سورة الملك
وجمع - سبحانه - الأفئدة والأبصار ، وأفرد السمع ، لأن القلوب تختلف باختلاف مقدار
ما تفهمه مما يلقى إليها من إنذار أو تبشير ، ومن حجة أو دليل ، فكان من ذلك تعدد القلوب
بتعدد الناس على حسب استعدادهم .
وكذلك شأن الناس فيما تنتظمه أبصارهم من آيات الله فى كونه ، فإن أنظارهم تختلف فى
عمق تدبرها وضحولته ، فكان من ذلك تعدد المبصرين ، بتعدد مقادير ما يستنبطون من آيات
الله فى الآفاق .
وأما المسموع فهو بالنسبة للناس جميعا شىء واحد ، هو الحجة يناديهم بها المرسلون ،
والدليل يوضحه لهم النبيون .
لذلك كان الناس جميعا كأنهم سمع واحد ، فكان إفراد السمع إيذانا من اللّه بأن حجته.
واحدة ، ودليله واحد لا يتعدد .
وقوله: ﴿ قليلا ما تشكرون) صفة لمصدر محذوف، أى: شكرا قليلا، و﴿ ما﴾
مزيدة لتأكيد التقليل .
وعبر - سبحانه - بقوله ﴿قليلا ﴾ لحضهم على الإكثار من شكره - تعالى - ، وذلك
عن طريق إخلاص العبادة له - عز وجل - : ونبذ عبادة غيره .
ثم أمره - سبحانه - للمرة الثانية أن يذكرهم بنعمة أخرى فقال ﴿قل هو الذى ذرأكم
فى الأرض وإليه تحشرون﴾. أى: وقل لهم - أيها الرسول الكريم - الرحمن - تعالى -
وحده ﴿هو الذى ذرأكم فى الأرض ﴾.
أى : هو الذى خلقكم وبتكم وكثركم فى الأرض ، إذ الذرء معناه : الإكثار من الموجود ..
وقوله : ﴿وإليه تحشرون) بيان لمصيرهم بعد انتهاء آجالهم فى هذه الدنيا.
أى : وإليه وحده - لا إلى غيره - يكون مرجعكم للحساب والجزاء يوم القيامة .
ثم حكى - سبحانه - أقوالهم التى تدل على طغيانهم وجهالاتهم فقال: ﴿ويقولون متى
هذا الوعد إن كنتم صادقين ﴾ .
والوعد: مصدر بمعنى الموعود، والمقصود به ما أخبرهم به - * - من أن هناك بعثا
وحساباً وجزاء .. ومن أن العاقبة والنصر للمؤمنين .
أى: ويقول هؤلاء الجاحدون للرسول - بصل - ولأصحابه، على سبيل التهكم
:

٢٨
المجلد الخامس عشر
والاستهزاء : متى يقع هذا الذى تخبروننا عنه من البعث والحساب والجزاء ، ومن النصر لكم لا
لنا .. ؟ .
وجواب الشرط محذوف والتقدير : إن كنتم صادقين فيما تقولونه لنا ، فأين هو ؟ إننا لا
نراه ولا نحسه .
وهنا يأمر الله - تعالى - رسوله - وَليزر - للمرة الثالثة، أن يرد عليهم الرد الذى يكبتهم
فيقول: ﴿ قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين ﴾.
أى : قل لهم يا محمد علم قيام الساعة ، وعلم اليوم الذى سننتصر فيه عليكم ... عند الله
- تعالى - وحده ، لأن هذا العلم ليس من وظيفتى .
وإنما وظيفتى أنى نذير لكم ، أحذركم من سوء عاقبة كفركم ، فإذا استجبتم لى نجوتم ،
وإن بقيتم على كفركم هلكتم .
واللام فى قوله: ﴿ العلم﴾ للعهد. أى: العلم بوقت هذا الوعد، عند الله - تعالى -
وحده .
والمبين : اسم فاعل من أبان المتعدى ، أى : مبين لما أمرت بتبليغه لكم بيانا واضحا لا لبس
فيه ولا غموض .
ثم حكى - سبحانه - حالهم عندما يرون العذاب الذى استعجلوه فقال : ﴿ فلما رأوه
زلفة سيئت وجوه الذين كفروا ، وقيل هذا الذى كنتم به تدعون ﴾ .
والفاء فى قوله : ﴿ فلما رأوه زلفة ... ﴾ هى الفصيحة. و﴿ لما﴾ ظرف بمعنى حين.
رأوه ﴾ مستعمل فى المستقبل وجىء به بصيغة الماضى لتحقق الوقوع، كما فى قوله
- تعالى -: ﴿ أتى أمر الله فلا تستعجلوه ... ﴾.
و﴿زلفة﴾ اسم مصدر لأزلف إزلافا، بمعنى القرب. ومنه قوله - تعالى -: ﴿وأزلفت
الجنة .. ﴾ أى: قربت للمتقين، وهو حال من مفعول ﴿ رأوه﴾.
والمعنى : لقد حل بالكافرين العذاب الذى كانوا يستعجلونه ، ويقولون : متى هذا الوعد .
فحين رأوه نازلا بهم ، وقريبا منهم ﴿ سيئت وجوه الذين كفروا﴾ أى: ساءت رؤيته
وجوههم ، وحلت عليها غبرة ترهقها فترة .
وقيل﴾ لهم على سبيل التوبيخ والتأنيب ﴿ هذا الذى كنتم به تدعون﴾ أى: هذا هو
العذاب الذى كنتم تتعجلون وقوعه فى الدنيا ، وتستهزئون بمن يحذركم منه .
فقوله ﴿ تدعون﴾ من الدعاء بمعنى الطلب، أو من الدعوى ..

٢٩
سورة الملك
و﴿سيئت﴾ فعل مبنى للمجهول. وأسند - سبحانه - حصول السوء إلى الوجوه،
لتضمينه معنى كلحت وقبحت واسودت ، لأن الخوف من العذاب قد ظهرت آثاره على
وجوههم .
وقال - سبحانه - ﴿ سيئت وجوه الذين كفروا ﴾ بالإِظهار ، ولم يقل وجوههم ، لذمهم
بصفة الكفر ، التى كانت السبب فى هلاكهم .
ومفعول ﴿ تدعون﴾ محذوف . والتقدير: وقيل لهم هذا الذى كنتم تدعون عدم وقوعه.
قد وقع ، وها أنتم تشاهدونه أمام أعينكم .
والجار والمجرور فى قوله ﴿به ﴾ متعلق بتدعون لأنه مضمن معنى تكذبون .
والقائل لهم هذا القول : هم خزنة النار ، على سبيل التبكيت لهم .
ثم أمر - سبحانه - رسوله - * - للمرة الرابعة ، أن يرد على ما كانوا يتمنونه
بالنسبة له ولأصحابه فقال: ﴿ قل أرأيتم إن أهلكنى اللّه ومن معى أو رحمنا، فمن يجير
الكافرين من عذاب أليم ﴾ .
ولقد كان المشركون يتمنون هلاك النبى - وَهّد - وكانوا يرددون ذلك فى مجالسهم ، وقد
حكى القرآن عنهم ذلك فى آيات منها قوله - تعالى - : ﴿ أم يقولون شاعر نتربص به ريب
المنون
أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - ﴿أرأيتم﴾ أى: أخبرونى ﴿إن أهلكنى
الله﴾ . - تعالى - وأهلك ﴿ من معى﴾ من أصحابى وأتباعى ﴿ أو رحمنا) بفضله
وإحسانه بأن رزقنا الحياة الطويلة ، ورزقنا النصر عليكم .
فأخبرونى فى تلك الحالة ﴿ من يجير الكافرين من عذاب أليم ﴾ أى: من يستطيع أن يمنع
عنكم عذاب الله الأليم ، إذا أراد أن ينزله بكم ؟ مما لاشك فيه أنه لن يستطيع أحد أن يمنع
ذلك عنكم .
قال صاحب الكشاف: كان كفار مكة يدعون على رسول الله - صَل - وعلى المؤمنين
بالهلاك ، فأمر بأن يقول لهم : نحن مؤمنون متربصون لإِحدى الحسنيين : إما أن نهلك كما
تتمنون ، فتنقلب إلى الجنة ، أو نرحم بالنصرة عليكم ، أما أنتم فماذا تصنعون ؟ من يجير كم
- وأنتم كافرون - من عذاب أليم لا مفر لكم منه .

٣٠
المجلد الخامس عشر
يعنى : إنكم تطلبون لنا الهلاك الذى هو استعجال للفوز والسعادة ، وأنتم فى أمر هو الهلاك
الذى لا هلاك بعده .. (١) .
والمراد بالهلاك: الموت ، وبالرحمة: الحياة والنصر بدليل المقابلة ، وقد منح الله - تعالى -
نبيه العمر المبارك النافع ، فلم يفارق - في - الدنيا إلا بعد أن بلغ الرسالة ، وأدى الأمانة ،
ودخل الناس فى دين الله أفواجا ، وكانت كلمته هى العليا .
والاستفهام فى قوله ﴿ أرأيتم﴾ للإنكار والتعجيب من سوء تفكيرهم.
والرؤية علمية ، والجملة الشرطية بعدها سدت مسد المفعولين .
وقال - سبحانه - ﴿ فمن يجير الكافرين ) للإشارة إلى أن كفرهم هو السبب فى بوارهم
وفى نزول العذاب الأليم بهم .
ثم أمره - سبحانه - للمرة الخامسة ، أن يبين لهم أنه هو وأصحابه معتمدون على الله
- تعالى - وحده، ومخلصون له العبادة والطاعة ، فقال: ﴿قل هو الرحمن آمنا به وعليه
تو كلنا ... ﴾ .
أى : وقل يا محمد لهؤلاء الجاحدين: إذا كنتم قد أشركتم مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى
العبادة ، فنحن على النقيض منكم ، لأننا أخلصنا عبادتنا للرحمن الذى أوجدنا برحمته ، وآمنا
به إيمانا حقا، وعليه وحده توكلنا وفوضنا أمورنا .
وأخر - سبحانه - مفعول ﴿ آمنا﴾ وقدم مفعول ﴿توكلنا﴾، للتعريض بالكافرين ،
الذين أصروا على ضلالهم ، فكأنه يقول : نحن آمنا ولم نكفر كما كفرتم ، وتوكلنا عليه وحده ،
ولم نتوكل على ما أنتم متوكلون عليه من أصنامكم وأموالكم وأولادكم ..
وقوله ﴿ فستعلمون من هو فى ضلال مبين ﴾ مسوق مساق التهديد والوعيد أى:
فستعلمون فى عاجل أمرنا وآجله ، أنحن الذين على الحق أم أنتم ؟ ونحن الذين على الباطل
أم أنتم ؟ ..
فالمقصود بالآية الكريمة التهديد والإِنذار ، مع إخراج الكلام مخرج الإِنصاف ، الذى
يحملهم على التدبر والتفكر لو كانوا يعقلون .
ثم أمر - سبحانه - نبيه - * - للمرة السادسة ، أن يذكرهم بنعمة الماء الذى يشربونه
فقال: ﴿ قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥٨٣ .

٣١
سورة الملك
وقوله ﴿ غَوْرا﴾ مصدر غارَت البئر، إذا نضب ماؤها وجف. يقال: غار الماء يغوُر
غَورا ، إذا ذهب وزال ..
٠-٠
والمعين : هو الماء الظاهر الذى تراه العيون ، ويسهل الحصول عليه ، وهو فعيل من معن
إذا قرب وظهر .
أى : وقل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل التوبيخ وإلزام الحجة : أخبرونى إن
أصبح ماؤكم غائرا فى الأرض ، بحيث لا يبقى له وجود أصلا .
فمن يستطيع أن يأتيكم بماء ظاهر على وجه الأرض ، تراه عيونكم ، وتستعملونه فى
شئونكم ومنافعكم .
إنه لا أحد يستطيع ذلك إلا الله - تعالى - وحده ، فعليكم أن تشكروه على نعمه ، لكى
یزیدکم منها .
وبعد: فهذا تفسير لسورة ((الملك)) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا
لعباده . والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..
القاهرة : مدينة نصر
کتبه الراجى عفو ربه
د . محمد سيد طنطاوى
صباح الاحد ٦ من ذى القعدة سنة ١٤٠٦ هـ
الموافق ١٩٨٦/٧/١٣ م

٣٣
سورة القلم
بِسْم اللهُ الرّحمَنِ الرَّحِيم
تفسير
سورة القلم
مقدمة وتمهيد
١ - سورة ((ن)) أو ((القلم)) تعتبر من أوائل السور القرآنية ، التى نزلت على النبى
- * - فقد ذكر السيوطى فى كتابه (الإتقان)) أنها السورة الثانية فى النزول ، بعد سورة
((العلق))(١).
ويرى بعض العلماء أنها السورة الرابعة فى النزول ، فقد سبقتها سور : العلق ، والمدثر ،
والمزمل ، وعدد آياتها اثنتان وخمسون آية .
٢ - والمحققون على أنها من السور المكية الخالصة ، فقد ذكر الزمخشرى وابن كثير .. أنها
مكية ، دون أن يذكرا فى ذلك خلافا .
وقال الآلوسى: هى من أوائل ما نزل من القرآن بمكة ، فقد نزلت - على ما روى عن
ابن عباس - ﴿ اقرأ باسم ربك ... ﴾ ثم هذه، ثم المزمل، ثم المدثر، وفى البحر أنها مكية
بلا خلاف فيها ، بين أهل التأويل .
وفى الإتقان: استثنى منها: ﴿ إنا بلوناهم كما بلونا ... ) إلى قوله - تعالى -: ﴿ لو
(٢)
كانوا يعلمون
٣ - والذى تطمئن إليه النفس، أن سورة ﴿ن) من السور المكية الخالصة، لأنه لم يقم
(١) الإتقان فى علوم القرآن جـ ١ ص ٢٧.
(٢) تفسير الآلوسى جـ ٢٩ ص ٢٢ .
٠٠ ١٠٠

٣٤
المجلد الخامس عشر
دليل مقنع . على أن فيها آيات مدنية ، بجانب أن أسلوبها وموضوعاتها تشير إلى أنها من
السور المكية الخالصة .
كذلك ميل إلى أن بعض آياتها قد نزلت على النبى - - بعد أن جهر بدعوته .
٤ - وقد فصل هذا المعنى بعض العلماء فقال ما ملخصه : لا يمكن تحديد التاريخ الذى
نزلت فيه هذه السورة ، سواء مطلعها أو جملتها .
والروايات التى تقول : إن هذه السورة هى الثانية فى النزول بعد سورة العلق كثيرة ،
ولكن سياق السورة وموضوعها وأسلوبها ، يجعلنا نرجح غير هذا ، حتى ليكاد يتعين أنها نزلت
بعد فترة من الدعوة العامة ، التى جاءت بعد نحو ثلاث سنوات من الدعوة الفردية ، فى
الوقت الذى أخذت فيه قريش تدفع هذه الدعوة وتحاربها، وتصف الرسول - ﴿ - بما هو
برىء منه ، كذلك ذكرت بعض الروايات فى السورة آيات مدنية ، ونحن نستبعد هذا كذلك ،
ونعتقد أن السورة كلها مكية ، لأن طابع آياتها عميق فى مكيته .
والذى نرجحه بشأن السورة كلها ، أنها ليست الثانية فى ترتيب النزول وأنها نزلت بعد
فترة من البعثة النبوية ، بل بعد الجهر بالدعوة ، وبعد أن أخذت قريش فى محاربتها بصورة
عنيفة .
١٠
والسورة قد أشارت إلى شىء من عروض المشركين: ﴿ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ وظاهر
أن مثل هذه المحاولة لا تكون والدعوة فردية ، إنما تكون بعد ظهورها ، وشعور المشركين
بخطرها .. (١) .
٥ - والذى يتدبر هذه السورة الكريمة ، يراها قد اشتملت على مقاصد من أبرزها : تحدى
المشركين بهذا القرآن الكريم ، والثناء على النبى - 13 - بأفضل أنواع الثناء ﴿ما أنت
بنعمة ربك بمجنون . وإن لك لأجرا غير ممنون . وإنك لعلى خلق عظيم ﴾.
والتسلية الجميلة له - جم - عما أصابه من أعدائه ﴿ فستبصر ويبصرون . بأيكم
المفتون . إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ﴾ .
ونهيه - * - عن مهادنة المشركين أو ملاينتهم أو موافقتهم على مقترحاتهم الماكرة ، قال
- تعالى -: ﴿ودوا لو تدهن فيدهنون . ولا تطع كل حلاف مهين، هماز مشاء بنميم ، مناع
الخير معتد أثيم ﴾ .
ثم نراها تضرب الأمثال لأهل مكة ، لعلهم يتعظون ويعتبرون ، ويتركون الجحود
(١) راجع ق ظلال القرآن جـ ٢٩ ص ٢١٤.

٣٥
سورة القلم
والبطر .. ﴿ إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة، إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين. ولا
يستثنون . فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون . فأصبحت كالصريم ﴾ .
ثم نرى من مقاصدها كذلك : المقارنة بين عاقبة الأخيار والأشرار ، ليهلك من هلك عن
بينة ، ويحيا من حى عن بينة .
وتسفيه أفكار المشركين وعقولهم ، بأسلوب مؤثر خلاب : ﴿ أفنجعل المسلمين كالمجرمين ،
ما لكم كيف تحكمون . أم لكم كتاب فيه تدرسون ﴾ ..
وتهديدهم بأقصى ألوان التهديد: ﴿ فذرنى ومن يكذب بهذا الحديث ، سنستدرجهم من
حيث لا يعلمون . وأملى لهم إن كيدى متين .. ﴾ .
ثم تختتم بتكرار التسلية للرسول - والله - وبأمره بالصبر على أذى أعدائه : ﴿ فاصبر
لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت ، إذ نادى وهو مكظوم ، لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ
بالعراء وهو مذموم ، فاجتباه ربه فجعله من الصالحين . وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك
بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون . وما هو إلا ذكر للعالمين
وبعد: فهذه كلمة مجملة عن سورة ((القلم)) تكشف عن زمان ومكان نزولها . وعن أهم
المقاصد والأهداف ، التى اشتملت عليها .
ونسأل الله - تعالى - أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ، وأنس نفوسنا .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..
د . محمد سيد طنطاوى
القاهرة - مدينة نصر مساء الأحد
٦ من ذى القعدة سنة ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦/٧/١٣ م

٣٦
المجلد الخامس عشر
التفسير
قال الله - تعالى - :
بسـ
3.1
بِاللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحْمِ
نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ آ مَآ أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ن)
وَإِنَّلَكُ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ
٤
فَسَتْصِرُ وَيُصِرُونَ ة بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ
أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَن سَبِيلِهِوَهُوَأَ عْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ فَلَا تُطِعِ
الْمُكَذِّبِينَ ﴾ وَدُواْلَوْتُدٌ مِنٌ فَيَدْ هِنُونَ ﴾ وَلَا تُطِعَ كُلّ
حَلَافٍ مَّهِينٍ ﴿ هَمَّازٍ قَشَلٍَ بِنَمِيمٍ آ مَنَّاعِلِلْخَيْرِمُعْتَدٍ
أَثِيرٍ آ عُثُلِّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴿ أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ
﴿ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِءَايَنُنَا قَالَ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ
(١٥
سَنَسِمُهُ, عَلَى ◌َْرْطُومِ
١٦
افتتحت سورة ((القلم)) بأحد الحروف المقطعة، وهى آخر سورة فى ترتيب المصحف ،
افتتحت بواحد من هذه الحروف . أما بالنسبة لترتيب النزول ، فقد تكون أول سورة نزلت
على النبى - ﴿ - فى السور المفتتحة بالحروف المقطعة .
وقد قلنا عند تفسيرنا لسورة البقرة : وردت هذه الحروف المقطعة تارة مفردة بحرف
واحد ، وتارة مركبة من حرفين أو ثلاثة ، أو أربعة ، أو خمسة .
فالسور التى بدئت بحرف واحد ثلاث سور وهى : ص ، ق ، ن .

٣٧
سورة القلم
والسور التى بدئت بحرفين تسع سور وهى : طه ، يس ، طس ، وحم ، فى ست سور ،
وهى : غافر ، فصلت ، الزخرف ، الدخان ، الجاثية ، الأحقاف .
والسور التى بدئت بثلاثة أحرف، ثلاث عشرة سورة وهى: ((ألم)) فى ست سور ، وهى :
البقرة ، آل عمران ، العنكبوت ، الروم ، لقمان ، السجدة .
و﴿ ألر﴾ فى خمس سور، وهى: يونس، هود، يوسف، إبراهيم، الحجر.
و﴿ طسم﴾ فى سورتين وهما: الشعراء، والقصص .
وهناك سورتان بدئتا بأربعة أحرف وهما: الرعد، ((المر))، والأعراف ((المص)).
وهناك سورتان - أيضا - بدئتا بخمسة أحرف ، وهما : (( مريم )) ((كهيعص))
والشورى: (( حم عسق)) فيكون مجموع السور التى افتتحت بالحروف المقطعة : تسعا
وعشرين سورة .
هذا ، وقد وقع خلاف بين العلماء فى المعنى المقصود بتلك الحروف المقطعة التى افتتحت بها
بعض السور القرآنية ، ويمكن إجمال خلافهم فى رأيين رئيسيين :
الرأى الأول يرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها غير معروف ، فهى من المتشابه الذى
استأثر الله - تعالى - بعلمه .
وإلى هذا الرأى ذهب ابن عباس - فى بعض الروايات عنه - كما ذهب إليه الشعبى ،
وسفيان الثورى وغيرهم من العلماء .
فقد أخرج ابن المنذر عن الشعبى أنه سئل عن فواتح السور فقال : إن لكل كتاب سرا ،
وإن سر هذا القرآن فى فواتح السور .
ويروى عن ابن عباس أنه قال : عجزت العلماء عن إدراكها .
وعن على بن أبى طالب أنه قال: (( إن لكل كتاب صفوة ، وصفوة هذا الكتاب حروف
التهجى » .
وفى رواية أخرى عن الشعبى أنه قال: ((سر اللّه فلا تطلبوه)).
ومن الاعتراضات التى وجهت إلى هذا الرأى ، أنه إذا كان الخطاب بهذه الفواتح غير
مفهوم للناس لأنه من المتشابه ، فإنه يترتب على ذلك أنه كالخطاب بالمهمل ، أو مثل ذلك
كمثل المتكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا يفهمونها .
وقد أجيب عن ذلك بأن هذه الألفاظ ، لم ينتف الإِفهام عنها عند كل أحد ، فالرسول
!

٣٨
المجلد الخامس عشر
- * - كان يفهم المراد منها ، وكذلك بعض أصحابه المقربين ، ولكن الذى نتفيه أن يكون
الناس جميعا فاهمين لمعنى هذه الحروف المقطعة فى أوائل بعض السور .
وهناك مناقشات أخرى للعلماء حول هذا الرأى ، يضيق المجال عن ذكرها .
أما الرأى الثانى فيرى أصحابه أن المعنى المقصود منها معلوم ، وأنها ليست من المتشابه
الذى استأثر الله - تعالى - بعلمه .
وأصحاب هذا الرأى قد اختلفوا فيما بينهم فى تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال كثيرة من
أهمها ما يأتى :
أ - أن هذه الحروف أسماء السور، بدليل قول النبى - * -: ((من قرأ حم السجدة
حفظ إلى أن يصبح))، وبدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها كسورة (( ص)) وسورة
(( يس)).
ولا يخلو هذا القول من الضعف ، لأن كثيرا من السور قد افتتحت بلفظ واحد من هذه
الفواتح ، والغرض من التسمية رفع الاشتباه .
ب - وقيل : إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة ، للدلالة على انقضاء سورة وابتداء
أخرى .
جـ - وقيل: إنها حروف مقطعة، بعضها من أسماء الله - تعالى - ، وبعضها من صفاته ،
فمثلا: ﴿ ألم﴾ أصلها : أنا الله أعلم .
د - وقيل: إنها اسم الله الأعظم . إلى غير ذلك من الأقوال التى لا تخلو من مقال ، والتى
أوصلها الإمام السيوطى فى كتابه ((الإِتقان)) إلى أكثر من عشرين قولا .
هـ - ولعل أقرب الآراء إلى الصواب أن يقال: إن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت فى
افتتاح بعض السور ، للإشعار بأن هذا القرآن الذى تحدى الله به المشركين ، هو من جنس
الكلام المركب من هذه الحروف التى يعرفونها ، ويقدرون على تأليف الكلام منها ، فإذا عجزوا
عن الإتيان بسورة من مثله ، فذلك لبلوغه فى الفصاحة والبلاغة ، مرتبة يقف فصحاؤهم
وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة .
وفضلا عن ذلك ، فإن تصدير هذه السور بمثل هذه الحروف المقطعة ، يجذب أنظار المعرضين
عن استماع القرآن حين يتلى عليهم ، إلى الإنصات والتدبر ، لأنه يطرق أسماعهم فى أول
التلاوة ألفاظ غير مألوفة فى مجارى كلامهم . وذلك مما يلفت أنظارهم ليتبينوا ما يراد منها ،
فيسمعوا حكما وحججا قد تكون سببا فى هدايتهم واستجابتهم للحق .
٠

٣٩
سورة القلم
هذه خلاصة لآراء العلماء فى الحروف المقطعة ، التى افتتحت بها بعض السور القرآنية ، ومن
أراد مزيدا لذلك فليرجع - مثلا - إلى كتاب ((البرهان)) للزركشي. وكتاب («الإتقان»
السيوطى، وتفسير ((الآلوسى)).
ولفظ ((ن)» على الرأى الذى رجحناه ، يكون إشارة إلى إعجاز القرآن ...
وقيل : هو من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه ..
وقد ذكر بعض المفسرين أقر الا أخرى ، لا يعتمد عليها لضعفها ، ومن ذلك قولهم : إن
((نون)) اسم لحوت عظيم ... أو اسم للدولة ... وقيل: ((نون)) لوح من نور .. ٤٢.
والواو فى قوله: ﴿والقلم) للقسم، والمراد بالقلم: جنسه، فهو يشمل كل قلم يكتب
به و(( ما)» فى قوله ﴿ وما يسطرون﴾ موصولة أو مصدرية. و﴿ يسطرون﴾ مضارع سطر
- من باب نصر - ، يقال : سطر الكتاب سطرا ، إذا كتبه . والسطر : الصف من الشعير
وغيره ، وأصله من السطر بمعنى القطع ، لأن صفوف الكتابة تبدو وكأنها قطع متراصة .
﴾ .
وجواب القسم قوله : ﴿ ما أنت بنعمة ربك بمجنون
أى : وحق القلم الذى يكتب به الكاتبون من مخلوقاتنا المتعددة ، إنك - أيها الرسول
الكريم - لمبرأ مما اتهمك به أعدلؤك من الجنون، وكيف تكون مجنونا وقد أنعم الله - تعالى -
عليك بالنبوة والحكمة .
فالمقصود بالآيات الكريمة تسلية النبى - - عما أصابه من المشركين ، ودفع تهمهم
الباطلة دفعا يأتى عليها من القواعد فيهدمها ، وإثبات أنه رسول من عنده - تعالى - ..
وأقسم - سبحانه - بالقلم ، لعظيم شرفه ، وكثرة منافعه ، فيه كتبت الكتب السماوية ،
وبه تكتب العلوم المفيدة .. وبه يحصل التعارف بين الناس ..
وصدق الله إذ يقول: (اقرأ وربك الأكرم. الذى علم بالقلم. علم الإنسان ما لم
يعلم ﴾ .
قال القرطبى: أقسم - سبحانه - بالقلم . لما فيه من البيان كاللسان . وهو واقع على كل
قلم مما يكتب به من فى السماء من فى الأرض ، ومنه قول أبى الفتح البستى :
وعدُّوه مما يُكْسِبُ المجد والكرّمْ
إذا أقسم الأبطال يوما بسيفهم
مدى الدهر أن الله أقسم بالقلَمْ(١)
: كفى قلم الكتاب عزا ورفعة
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٢١٣. وتفسير القرطبى جـ ١٨ ص ٢٢٣.
(٢) تفسير القرطبى جـ ١٨ ص ٢٢٥ .

٤٠
المجلد الخامس عشر
والضمير فى قوله: ﴿يسطرون) راجع إلى غير مذكور فى الكلام، إلا أنه معلوم
للسامعين ، لأن ذكر القلم يدل على أن هناك من يكتب به .
ونفى - سبحانه - عنه -* - الجنون بأبلغ أسلوب ، لأن المشركين كانوا يصفونه
بذلك ، قال - تعالى -: ﴿وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم، لما سمعوا الذكر
ويقولون إنه لمجنون
قال الآلوسى: قوله: ﴿ ما أنت بنعمة ربك بمجنون﴾. جواب القسم، والباء الثانية
مزيدة لتأكيد النفى . ومجنون خبر ما ، والباء الأولى للملابسة ، والجار والمجرور فى موضع
الحال من الضمير فى الخبر ، والعامل فيها معنى النفى .
والمعنى : انتفى عنك الجنون فى حال كونك ملتبسا بنعمة ربك أى : منعما عليك بما أنعم من
حصافة الرأى ، والنبوة .. (١).
وفى إضافته -* - إلى الرب - عز وجل - مزيد إشعار بالتسلية والقرب والمحبة .
ومزيد إشعار - أيضا - بنفى ما افتراه الجاهلون من كونه -* - مجنونا ، لأن هذه الصفة .
لا تجتمع فى عبد أنعم الله - تعالى - عليه ، وقربه ، واصطفاه لحمل رسالته وتبليغ دعوته .
ثم بشره - سبحانه - ببشارة ثانية فقال: ﴿وإن لك لأجرا غير ممنون﴾.
وقوله: ﴿ ممنون﴾ مأخوذ من المن بمعنى القطع، تقول: مننت الحبل ، إذا قطعته.
ويصح أن يكون من المن ، بمعنى أن يعطى الإنسان غيره عطية ثم يفتخر بها عليه ، ومنه قوله
- تعالى -: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ... ﴾ .
أى : وإن لك - أيها الرسول الكريم - عندنا، لأجرا عظيما لا يعلم مقداره إلا نحن ،
وهذا الأجر غير مقطوع بل هو متصل ودائم وغير ممنون .
وهذه الجملة الكريمة وما بعدها ، معطوفة على جملة جواب القسم ، لأنهما من جملة المقسم
عليه ..
ثم أثنى - سبحانه - عليه بأجمل ثناء وأطيبه فقال: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم ﴾.
والخلق - كما يقول الإمام الرازى - ملكة نفسانية ، يسهل على المتصف بها الإتيان
بالأفعال الجميلة .... و ..... (٢) .
والعظيم : الرفيع القدر، الجليل الشأن ، السامى المنزلة .
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٩ ص ٢٤.
( ٢) راجع تفسير الفخر الرازى جـ ٨ ص ١٨٥.