النص المفهرس

صفحات 481-487

٤٨١
سورة التحريم
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ
قَالَتْ رَبِّ أَبْنِ لِى عِندَكَ بَيْنًا فِ الْجَنَّةِ وَتَحِ مِنْ فِرْعَوْنَ
وَعَمَلِهِ، وَنَجِّى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿ وَمَرْيَمَ آبْنَتَ
عِمْزَنَ الَِّى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ زُّوحِنَا
وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِهَا وَكُتُبِهِ، وَكَانَتْ مِنَ الْقَنِينَ
١٢
والمراد بضرب المثل . إيراد حالة غريبة ، ليعرف بها حالة أخرى مشابهة لها فى الغرابة .
وقوله ﴿ مثلا﴾ مفعول ثان لضرب، والمفعول الأول ﴿ امرأة نوح .... ﴾.
والمتدبر للقرآن الكريم ، يراه قد أكثر من ضرب الأمثال ، لأن فيها تقريبا للبعيد ،
وتوضيحا للغريب وتشبيه الأمر المعقول بالأمر المحسوس ، حتى يرسخ فى الأذهان ...
أى: جعل الله - تعالى - مثلا لحال الكافرين، وأنه لا يغنى أحد عن أحد ﴿امرأة نوح
وامرأة لوط ﴾ عليهما السلام.
وعدى الفعل ﴿ ضرب﴾ باللام ، للإشعار بأن هذا المثل إنما سيق من أجل أن يعتبر به
الذين كفروا ، وأن يقلعوا عن جهالاتهم التى جعلتهم يعتقدون أن أصنامهم ستشفع لهم يوم
القيامة .
وقوله - تعالى - : ﴿ كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما ... ) بيان لحال
هاتين المرأتين ، ولما قامتا به من أفعال شائنة ، تتنافى مع صلتهما بهذين النبيين الكريمين ..
والمراد بالتحتية هنا : كونهما زوجين لهذين النبيين الكريمين ، وتحت عصمتهما وصيانتها ،
وأشد الناس التصاقا بها .
وقال - سبحانه - ﴿ كانتا تحت عبدين ... ) للتعظيم، أى: كانتا فى عصمة نبيين لهما من
سمو المنزلة ما لها عند الله - تعالى - .
ووصفهما - سبحانه - بالصلاح ، مع أنهما نبيان والنبوة أعظم هبة من اللّه لعبد من
عباده - للتنويه بشأن الصالحين من الناس ، حتى يحرصوا على هذه الصفة ، ويتمسكوا بها ،
فقد مدح الله - تعالى - من هذه صفته فى آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى -: ﴿وبشرناه
بإسحاق نبيا من الصالحين ﴾ .

٤٨٢
المجلد الرابع عشر
وخيانة امرأة نوح له ، كانت عن طريق إفشاء أسراره ، وقولها لقومه : إنه مجنون .
وخيانة امرأة لوط له ، كانت عن طريق إرشاد قومه إلى ضيوفه .. مع استمرار هاتين
المرأتين على كفرهما ..
قال الإِمام ابن كثير : قوله : ﴿ فخانتاهما﴾ أى: فى الإِيمان، لم يوافقا هما على الإِيمان ،
ولا صدقاهما فى الرسالة ..
وليس المراد بقوله : ﴿ فخانتاهما﴾ فى فاحشة ، بل فى الدين ، فإن نساء الأنبياء
معصومات عن الوقوع فى الفاحشة ..
وعن ابن عباس : قال : مازنتا ، أما امرأة نوح ، فكانت تخبر أنه مجنون ، وأما خيانة
امرأة لوط ، فكانت تدل على قومها على أضيافه .
وفى رواية عنه قال : كانت خيانتهما أن امرأة نوح، كانت تفشى سره ، فإذا آمن مع نوح
أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به ، وأما امرأة لوط ، فكانت إذا أضاف لوط أحدا ،
أخبرت به أهل المدينة ممن يعمل السوء .. (١) .
وقوله - تعالى -: ﴿ فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين ﴾ بيان
لما أصابها من سوء العاقبة بسبب خيانتها .
أى : أن نوحا ولوطا - عليهما السلام - مع جلالة قدرهما ، لم يستطيعا أن يدفعا شيئا من
العذاب عن زوجتيهما الخائنتين لهما ، وإنما قيل لهاتين المرأتين عند موتهما . أو يوم القيامة ،
ادخلا النار مع سائر الداخلين من الكفرة الفجرة ..
وقوله ﴿شيئا﴾ منصوب على أنه مفعول مطلق لقوله: ﴿يغنيا﴾، وجاء منكرا للتقليل
والتحقير ، أى : فلم يغنيا عنهما شيئا من الإِغناء حتى ولو كان قليلا ..
وقوله: ﴿مع الداخلين﴾ بعد قوله: ﴿ادخلا النار ﴾ لزيادة تبكيتهما، ولتأكيد
مساواتها فى العذاب مع غيرهما من الكافرين الخائنين الذين لا صلة لها بالأنبياء من حيث
القرابة أو ما يشبهها .
ثم ضرب - سبحانه - مثلا للمؤمنين فقال: ﴿وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة
فرعون﴾ وهى آسية ابنة مزاحم، التى لم يمنعها ظلام الكفر الذى كانت تعيش فيه فى بيت
فرعون ، ولم يشغلها ما كانت فيه من متاع الحياة الدنيا وزينتها .. عن أن تطلب الحق ،
وتعرض عن الباطل ، وأن تكفر بكل ما يدعيه زوجها من كذب وطغيان .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ١٩٨

٤٨٣
سورة التحريم
قال الجمل : آمنت بموسى - عليه السلام - لما غلب السحرة ، وتبين لها أنه على الحق .
ولم تضرها الوصلة بالكافر ، وهى الزوجية التى هى من أعظم الوصل ولا نفعه إيمانها ، لأن كل
امرىء بماكسب رهين ..
وروى الشيخان عن أبى موسى الأشعرى أنه قال : كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من
النساء إلا أربع: مريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد - والتي -
وآسية بنت مزاحم ، امرأة فرعون .
قيل : إنها اسرائيلية وأنها عمة موسى . وقيل إنها ابنة عم فرعون .. ومن فضائلها أنها
اختارت القتل على الملك ، وعذاب الدنيا على النعيم الذى كانت فيه - بعد أن خالط الإِيمان
قلبها(١)
أى: وجعل الله - تعالى - حال امرأة فرعون، مثلا للمؤمنين ، حيث آمنت بالحق بعد أن
تبين لها ، دون أن يصرفها عن ذلك أى صارف ، فكان ما فعلته فى أسمى درجات الإِخلاص
وصدق اليقين
والظرف فى قوله: ﴿إذ قالت .. ﴾ متعلق بمحذوف، أو بقوله: ﴿مثلا﴾.
أى: وضرب الله - تعالى - مثلا للذين آمنوا ، حال امرأة فرعون وقت أن قالت ﴿ رب
ابن لى عندك بيتا فى الجنة﴾ أى : ابن لى بيتا فى مستقر رحمتك ، أو فى جنتك التى لا يستطيع
أحد التصرف فيها إلا بإذنك
وقوله : ﴿ فى الجنة) بدل أو عطف بيان لقوله - تعالى - ﴿ عندك) وقدم عندك،
للإِشعار بأن محبتها للقرب من رحمته - تعالى - أهم من أى شىء آخر .
ونجنى من فرعون وعمله ﴾ أى: ونجنى من طغيان فرعون ، ومن عمله الذى بلغ
النهاية فى السوء والقبح ..
ونجنى﴾ - أيضا - من القوم الظالمين ، وهم أتباع فرعون وحاشيته وملؤه ،
وشيعته ..
وفى هذا الدعاء أسمى ألوان الأدب ، فهى تسأل الله - تعالى - أن يعوضها عن دار
فرعون ، دارا فى أعلى درجات الجنة ..
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٣٧١ .

٤٨٤
المجلد الرابع عشر
وهذا الدعاء يشعر بأن فرعون وقومه ، قد صدوها عن الإِيمان ، وهددوها بأنها إن آمنت ..
حرموها من قصر فرعون ، وزينته وفخامته .
كما أنها سألت ربها - عز وجل - أن ينجيها من ذات فرعون ، ومن عمله السىء ، ومن
كل من حام حول فرعون ، واتبعه فى طغيانه وكفره .
وقوله - سبحانه -: ﴿ومريم ابنة عمران .. ﴾ معطوف على ﴿امرأة فرعون ... ﴾.
أى: وضرب الله - تعالى - مثلا آخر للمؤمنين مريم ابنة عمران ..
التى أحصنت فرجها﴾ أى حفظته وصانته ، إذ الإحصان جعل الشىء حصينا ، بحيث
لا يتوصل إليه ، وهو كناية عن عفتها وطهارتها وبعدها عن كل فاحشة ..
وقوله ﴿ فنفخنا فيه من روحنا ﴾ مفرع على ما قبله .
قال الألوسى : قوله: ﴿فنفخنا فيه ﴾ النافخ رسوله جبريل - عليه السلام - فالإسناد
مجازى . وقيل الكلام على حذف مضاف ، أى: فنفخ رسولنا ، وضمير ﴿ فيه﴾ للفرج .
واشتهر أن جبريل - عليه السلام - نفخ فى جيبها فوصل أثر ذلك إلى الفرج .
وقال الفراء : ذكر المفسرون أن الفرج جيب درعها ، وهو محتمل لأن الفرج معناه فى
اللغة ، كل فرجة بين شيئين ، وموضع جيب درع المرأة مشقوق فهو فرج ، وهذا أبلغ فى الثناء
عليها ، لأنها إذا منعت جيب درعها ، فهى للنفس أمنح .. (١) .
أی : فنفخ رسولنا جبريل فی فرجها أو فی جیب درعها ، روحا من أرواحنا هی روح عبدنا
ونبينا عيسى - عليه السلام - .
وإضافة الروح إلى ذاته - تعالى - لأنه هو الخالق والموجد وللإشارة إلى أن تكوين المخلوق
الحى فى رحمها ، كان على غير الأسباب المعتادة .
وقوله - تعالى -: ﴿وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين ﴾ زيادة فى
مدحها ، وفى الثناء عليها ..
أى : وكان من صفات مريم ابنة عمران أنها آمنت إيمانا حقا ﴿ بكلمات ربها ﴾ أى:
بشرائعه التى شرعها لعباده ، وبما ألقاه إليها من إرشادات عن طريق وحيه .
﴿ وكتبه﴾ أى: وصدقت بكتبه التى أنزلها على أنبيائه. وقرأ الجمهور ﴿وكتابه
( ١) تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ١٦٤.

٤٨٥
سورة التحريم
بالإِفراد ، على أن المراد به جنس الكتب ، أو الإنجيل الذى أنزله - سبحانه - على ابنها
عيسى .
و﴿ من﴾ فى قوله - تعالى -: ﴿وكانت من القانتين ﴾ للابتداء ، أى: وكانت من
نسل الرجال القانتين ، الذين بذلوا أقصى جهدهم فى طاعة الله - تعالى - ، وفى إخلاص
العبادة له .
ويصح أن تكون ﴿ من ﴾ للتبعيض . أى: وكانت من عداد المواظبين على الطاعة ،
وجىء بجمع الذكور على سبيل التغليب ، وللإِشعار بأن طاعتها لا تقل عن طاعة الرجال ،
الذين بلغوا الغاية فى المواظبة على طاعة الله - تعالى - .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد اشتملت على ثلاثة أمثال : مثل للكافرين ،
ومثلين للمؤمنين .
وقد تضمن مثل الكفار ، أن الكافر يعاقب على كفره ، دون أن ينفعه ما بينه وبين المؤمنين
من قرابة أو نسب .. كما حدث لامرأة نوح وامرأة لوط ..
وأما المثلان اللذان للمؤمنين ، فقد تضمنا أن اتصال المؤمن بالكافر ، لا يضره شيئا إذا
فارقه فى كفره وعمله ..
وقد وضح صاحب الكشاف هذا المعنى فقال : ما ملخصه مثّل الله - تعالى - حال الكفار ،
فى أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين .. دون أن ينفعهم ما بينهم وبينهم من صلة أو
قرابة - بحال امرأة نوح وامرأة لوط : فإنهما لما نافقتا وخانتا الرسولين . لم يغن عنهما ما بينهما
وبينهما من وصلة الزواج شيئا ..
ومثل حال المؤمنين - فى أن وصلة الكافرين لا تضرهم . ولا تنقص شيئا من ثوابهم
وزلفاهم عند الله - بحال امرأة فرعون ، فإنها مع كونها زوجة أعدى أعداء الله ، فإنها بسبب
إيمانها قد رفع منزلتها عنده ..
وبحال مريم ابنة عمران ، فقد أعطاها الله ما أعطاها من الكرامة .. مع أن قومها كانوا
كافرين ..
وفى طى هذين التمثيلين تعريض بأمى المؤمنين المذكورتين فى أول السورة ، وما فرط منها
من التظاهر على رسول الله - *- بما كرهه ، وتحذير لها على أغلظ وجه وأشده ...
وإشارة إلى أن من حقهما أن تكونا فى الإِخلاص والكمال فيه ، كمثل هاتين المؤمنتين ، وأن
لا تتكلا على أنها زوجا رسول الله -* - فإن ذلك الفضل لا ينفعها إلا مع كونها
مخلصتين ..

٤٨٦
المجلد الرابع عشر
وأسرار التنزيل ورموزه فى كل باب ، بالغة من اللطف والخفاء ، حدا يدق عن تفطن
العالم ، ويزل عن تبصره (١) ..
وبعد: فهذا تفسير لسورة ((التحريم)) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ،
ونافعا لعباده ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه الراجي عفو ربه
الاسكندرية - العجمى: مساء ٣٦ من شوال ١٤٠٦ هـ
د . محمد سيد طنطاوى
٤ من يوليو ١٩٨٦ م
( ١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥٧٠

سورة التحريم
فهرس المجلد الرابع عشر
من سورة الذاريات إلى سورة التحريم
الصفحة
السورة
١ - تفسير سورة ((الذاريات))
٥
٢ - تفسير سورة ((الطور))
٣٣
٣ - تفسير سورة ((النجم)»
٥٣
٤ - تفسير سورة ((القمر)»
٩١
٥ - تفسير سورة ((الرحمن ))
١٢٣
- تفسير سورة ((الواقعة))
٦
١٥٣
٧ - تفسير سورة (( الحدید ))
١٩١
٨ - تفسير سورة ((المجادلة ))
٢٣٩
٢٧٧
٩ - تفسير سورة ((الحشر))
٣١٥
١٠ - تفسير سورة ((الممتحنة))
١١ - تفسير سورة ((الصف))
٣٤٩
١٢ - تفسير سورة ((الجمعة))
٣٧١
١٣ - تفسير سورة ((المنافقون))
٣٩٥
١٤ - تفسير سورة (( التغابن ))
٤١٧
١٥ - تفسير سورة ((الطلاق ))
٤٣٧
١٦ - تفسير سورة ((التحريم))
٤٦٣