النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ سورة الجمعة والأسفار : جمع سفر ، وهو الكتاب الكبير المشتمل على ألوان من العلم النافع ، وسمى بذلك لأنه يسفر ويكشف عما فيه من المعانى المفيدة للمطلع عليها . والمعنى : حال هؤلاء اليهود الذين أنزل الله - تعالى - عليهم التوراة لهدايتهم .. ولكنهم لم ينتفعوا بها .. كحال الحمار الذى يحمل كتب العلم النافع ، ولكنه لم يستفد من ذلك شيئا ، لأنه لا يفقه شيئا مما يحمله .. ففى هذا المثل شبه الله - تعالى - اليهود الذين لم ينتفعوا بالتوراة التى فيها الهداية والنور ، بحال الحمار الذين يحمل كتب العلوم النافعة دون أن يستفيد بها . ووجه الشبه بين الاثنين : هو عدم الانتفاع بما من شأنه أن ينتفع به انتفاعا عظيما ، لسمو قيمته ، وجلال منزلته . قال صاحب الكشاف : شبه اليهود فى أنهم حملة التوراة وقراؤها وحفاظ ما فيها ، ثم إنهم غير عاملين بها ، ولا يمنتفعين بآياتها ... بالحمار ، حمل أسفارا ، أى : كتبا كبارا من كتب العلم ، فهو يمشى بها ، ولا يدرى منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب ، وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله، وبئس المثل .. (١) . وقال الإِمام ابن كثير : يقول - تعالى - ذا ما لليهود الذين أعطوا التوراة فلم يعملوا بها ، إن مثلهم فى ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارا .. فهو يحملها حملا حسيا ولا يدرى ما عليه ، وكذلك هؤلاء . لم يعملوا بمقتضى ما فى التوراة بل أولوه وحرفوه ، فهم أسوأ من الحمار ، لأن الحمار لا فهم له ، وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها ، ولهذا قال - تعالى - : فى آية أخرى : أولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون .. ﴾(٢). وقال القرطبى : وفى هذا المثل تنبيه من الله - تعالى - لمن حمل الكتاب ، أن يتعلم معانيه ، ويعمل بما فيه ، لئلا يلحقه من الذم ما لحق هؤلاء اليهود ، قال الشاعر : زوامل للأسفار لا علم عندهم بجيِّدها ، إلا كعلم الأباعر لعمرك ما يدرى البعير إذا غدا بأوْساقِه، أو راح ما فى الغرائر (٣) وعبر - سبحانه - عن تكليفهم العمل بالتوراة وعن تركهم لذلك بقوله : ﴿ حملوا التوراة ثم لم يحملوها ﴾ للإشعار بأن هذا التكليف منه - تعالى - لهم ، كان عهدا مؤكدا عليهم ، حتى لكأنهم تحملوه كما يتحمل الإِنسان شيئا قد وضع فوق ظهره أو كتفيه . ولكنهم ( ١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥٣٠ . (٢) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ١٤٣ . (٣) تفسير القرطبى جـ ١٨ ص ٩٤. ٣٨٢ المجلد الرابع عشر نيذوا هذا العهد ، وألقوا بما فوق أكتافهم من أحمال ، وانقادوا لأهوائهم وشهواتهم انقياد الأعمى لقائده .. ولفظ (( ثم)) فى قوله ﴿ ثم لم يحملوها﴾ للتراخى النسبى، لأن عدم وفائهم بما عهد إليهم ، أشد عجبا من تحملهم لهذه العهود . وشبههم ، بالحمار الذى هو مثل فى البلادة والغباء ، لزيادة التشنيع عليهم ، والتقبيح لحالهم ، حيث زهدوا وأعرضوا عن الانتفاع بأثمن شىء نافع ، - وهو كتاب الله - كما هو شأن الحمار الذى لا يفرق فيما يحمله على ظهره بين الشىء النافع والشىء الضار . وجملة (« يحمل أسفارا )» فى موضع الحال من الحمار، أو فى موضع جر على أنها صفة للحمار ، باعتبار أن المقصود به الجنس ، فهو معرفة لفظا ، نكرة معنى . قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ((يحمل)) ما محله؟ قلت : محله النصب على الحال ، أو الجر على الوصف ، لأن لفظ الحمار هنا ، كلفظ اللئيم فى قول الشاعر : ولقد أمر على اللئيم يسبنى .. (١) . ثم أضاف - سبحانه - إلى ذم هؤلاء اليهود ذما آخر فقال : ﴿ بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله .. ﴾ . و﴿ بئس﴾ فعل ذم، وفاعله ما بعده وهو قوله: ﴿مثل القوم﴾ وقد أغنى هذا الفاعل عن ذكر المخصوص بالذم ، لحصول العلم بأن المذموم هو حال هؤلاء القوم الذين وصفهم - سبحانه - بأنهم قد كذبوا بآياته . أى : بئس المثل مثل هؤلاء القوم الذين كذبوا بآيات الله - تعالى - الدالة على وحدانيته وقدرته ، وعلى صدق أنبيائه فيما يبلغونه عنه - تعالى - . وقوله: ﴿والله لا يهدى القوم الظالمين) تذييل قصد به بيان الأسباب التى أدت إلى عدم توفيق الله - تعالى - لهم إلى الهداية . أى: والله - تعالى - قد اقتضت حكمته ، أن لا يهدى إلى طريق الخير ، من ظلم نفسه ، بأن آثر الغى على الرشد ، والعمى على الهدى ، والشقاوة على السعادة ، لسوء استعداده ، وإنطماس بصيرته . ثم أمر الله - تعالى - نبيه - وَ﴿ - أن يتحدى اليهود ، وأن يرد على مزاعمهم ردا يخرس (١) راجع تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥٣٠ . ٣٨٣ سورة الجمعة ألسنتهم ، ويكشف عن أكاذيبهم .. فقال - سبحانه - : ﴿ قل يأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء الله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ﴾ . قال الآلوسى: وأمر - وَل﴿ - أن يقول لهم ذلك، إظهارا لكذبهم ، فإنهم كانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ ويدعون أن الآخرة خالصة لهم عند الله .. وروى أنه لما ظهر رسول الله - ١٤ - كتب يهود المدينة إلى يهود خيبر: إن اتبعتم محمدا أطعناه، وإن خالفتموه خالفناه. فقالوا - أى: يهود خيبر -: ((نحن أبناء خليل الرحمن ، ومنا عزير ابن الله ، ومنا الأنبياء ومتى كانت النبوة فى العرب ؟ نحن أحق بها من محمد - وَ ﴿ - ، ولا سبيل إلى اتباعه، فنزلت هذه الآيات .. (١) . والمقصود بالذين هادوا ، أى : الذين ادعو أنهم على الديانة اليهودية ، يقال : هاد فلان وتَهَوَّدَ . إذا دخل فى اليهودية ، نسبة إلى يهوذا أحد أبناء يعقوب - عليه السلام - ، أو سموا بذلك حين تابوا عن عبادة العجل ، من هادَ يهُوُد هَوْدًا بمعنى تاب ، ومنه قوله - تعالى - : واكتب لنا فى هذه الدنيا حسنة وفى الآخرة إنا هدنا إليك ... ﴾ أى : تبنا إليك. ومعنى ، أولياء الله .. مقربين منه ، كرماء عليه ، لهم منزلة خاصة عنده - تعالى - وقوله : ﴿ فتمنوا الموت ... ﴾ جواب الشرط، والتمنى معناه: ارتياح النفس ، ورغبتها القوية فى الحصول على الشىء . ويستعمل التمنى فى المعنى القائم بالقلب ، بأن تتطلع نفس الشخص إلى الحصول على الشىء . كما يستعمل عن طريق النطق باللسان ، بأن يقول الإنسان بلسانه ، ليتنى أحصل على كذا . وهذا المعنى الثانى هو المراد هنا ، لأن المعنى الكائن فى القلب لا يعلمه أحد سوى الله - تعالى - . ومعنى الآية الكريمة : قل يا محمد لهؤلاء اليهود الزاعمين أنهم أبناء اللّه وأحباؤه ، وأنهم أولياء الله - تعالى - المقربون إليه من دون سائر خلقه .. قل لهم على سبيل التحدى والتعجيز والتبكيت - إن كان الأمر كما زعمتم ، فاذكروا أمام الناس بألسنتكم لفظا ، يدل على أنكم تحبون الموت وترغبون فيه ، لكى تظفروا بعد الموت بالمحبة الكاملة من اللّه ، ولكى تنتقلوا من شقاء الدنيا ومتاعبها إلى النعيم الخالص بعد موتكم . (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ٩٦. - ٣٨٤ المجلد الرابع عشر وجواب الشرط فى قوله : ﴿ إن كنتم صادقين) محذوف لدلالة ما قبله عليه. أى : إن كنتم صادقين فى دعواكم أنكم أولياء الله من دون الناس فتمنوا الموت . وافتتحت الآية الكريمة بلفظ ﴿قل﴾ للاهتمام بشأن التحدى من الرسول - صل * - لهم، ولبيان أنه أمر من الله - تعالى - وليس للرسول - * - سوى التنفيذ . وجىء بإن الشرطية المفيدة للشك ، مع أنهم قد زعموا أنهم أولياء الله فعلا ، للإِشعار بأن زعمهم هذا وإن كانوا قد كرروا النطق والتباهى به .. إلا أنه بمنزلة الشىء الذى تلوكه الألسنة ، دون أن يكون له أساس من الواقع ، فهو لوضوح بطلانه صار بمنزلة الشىء الذى يفترض وقوعه افتراضا على سبيل التوبيخ لهم . قال الآلوسى ما ملخصه : قوله: ﴿ قل يأيها الذين هادوا﴾ أى: تهودوا ﴿إن زعمتم أنكم أولياء الله﴾ أى: أحباء لله، ولم يضف - سبحانه - لفظ أولياء إليه ، كما فى قوله: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم .. ﴾ ليؤذن بالفرق بين مدعى الولاية، ومن يخصه - تعالى - بها . وقوله : ﴿ من دون الناس .. ﴾ حال من الضمير الراجع إلى اسم ﴿ إن﴾ أى: متجاوزين عن الناس . فتمنوا الموت ﴾ أى: فتمنوا من الله أن يميتكم وينقلكم من دار البلية إلى محل الكرامة . فإن من أيقن أنه من أهل الجنة أحب أن يخلص إليها من هذه الدنيا التى هى دار كدر وتعب .. (١) . ثم أخبر - سبحانه - عن واقعهم وعن حالتهم المستقبلة فقال : ﴿ ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين ﴾ . أى: أن هؤلاء اليهود لا يتمنى أحدهم الموت أبدا. بسبب ما قدمته أيديهم من آثام ، والله - تعالى - لا تخفى عليه خافية من سيئاتهم واعتداءاتهم وظلمهم بل هو - سبحانه - يسجل ذلك عليهم ، ويجازيهم بما يستحقونه من عقاب .. فالآية الكريمة خبر من الله - تعالى - عن اليهود بأنهم يكرهون الموت ، ولا يتمنونه ، ولا يستطيعون قبول ما تحداهم به - ﴿ - من طلبهم تمنى الموت ، لعلمهم بأنهم لو أجابوه إلى طلبه ، لحل بهم الموت الذى يكرهونه . وقد صح من عدة طرق عن ابن عباس أنه قال : لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه .. ( ١) تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ٩٦. ٣٨٥ سورة الجمعة وقال ابن جرير: وبلغنا أن النبى - 13 - قال: ((لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ، ولرأوا مقاعدهم من النار .. )) (١). وقال ابن كثير : وروى الإِمام أحمد عن ابن عباس قال : قال أبو جهل - لعنه الله - : إن رأيتُ محمدا عند الكعبة، لآتينه حتى أطأ عنقه. قال: فقال رسول الله - صل * -: «لو فعل لأخذته الملائكة عيانا ، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار . ولو خرج الذين يباهلون رسول الله - 14 - لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا(٢). وقال صاحب الكشاف ما ملخصه : وقوله: ﴿ولا يتمنونه أبدا﴾ أى: بسبب ما قدموا من الكفر، وقد قال لهم - وَ -: ((والذي نفسي بيده لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه)) فلولا أنهم كانوا موقنين بصدق رسول الله - رومي - لتمنوا ، ولكنهم علموا أنهم لو تمنوا لماتوا من ساعتهم ولحقهم الوعيد فما تمالك أحد منهم أن يتمنى ، وهى إحدى المعجزات - لانها إخبار بالغيب وكانت كما أخبر - . فإن قلت : ما أدراك أنهم لم يتمنوا الموت ؟ قلت : لو تمنوا لنقل ذلك عنهم ، كما نقلت سائر الحوادث ، ولكان ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولى المطاعن فى الإِسلام ، أكثر من الذر، وليس أحد منهم نقل عنه ذلك .. (٣). هذا ، ويكفى فى تحقيق هذه المعجزة ، ألا يصدر تمنى الموت عن اليهود الذين تحداهم النبى -* - بذلك ، وهم الذين كانوا يضعون العراقيل فى طريق دعوته .. ولا يقدح فى هذه المعجزة ، أن ينطق يهودى بعد العهد النبوى بتمنى الموت ، وهو حريص على الحياة ، لأن المعنيين بالتحدى هم اليهود المعاصرون للعهد النبوى . والمقصود بقوله - تعالى -: ﴿والله عليم بالظالمين﴾ التهديد والوعيد. أى: والله - تعالى - عليم علما تاما بأحوال هؤلاء الظالمين ، وسيعاقبهم العقاب الذى يتناسب مع ظلمهم وبغيهم . فالمراد من العلم لازمه ، وهو الجزاء والحساب .. وعبر - سبحانه - هنا بقوله : ﴿ ولا يتمنونه ... ﴾ وفى سورة البقرة بقوله: ﴿ولن يتمنوه ... ﴾ . للإِشعار بأنهم يكرهون الموت فى الحال وفى المستقبل كراهة شديدة . (١) راجع تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٤٢٧ . ( ٢) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ١٤٤. (٣) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥٣١ وجـ ١ ص ٢٢٥ . ٣٨٦ المجلد الرابع عشر ثم أمر الله - تعالى - رسوله - 18 - بأن يخبرهم بأنهم لا مفر لهم من الموت ، مهما حرصوا على الهروب منه . فقال - تعالى - : ﴿ قل إن الموت الذى تفرون منه ، فإنه ملاقيكم ... ﴾ . أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء اليهود الذين يكرهون الموت ، ويزعمون أنهم أحباب الله ؟ .. ٠ قل لهم على سبيل التوبيخ والتبكيت : إن الموت الذى تكرهونه ، وتحرصون على الفرار منه، لا مهرب لكم منه ، ولا محيص لكم عنه ، فهو نازل بكم إن عاجلا أو آجلا كما قال - سبحانه - ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة ... ﴾. فالمقصود بهذه الآية الكريمة إخبارهم بأن هلعهم من الموت مهما اشتد لن يفيدهم شيئا ، لأن الموت نازل بهم لا محالة .. ثم بين - سبحانه - أنهم بعد الموت ، سيجدون الجزاء العادل فقال: ﴿ ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ، فينبئكم بماكنتم تعملون ﴾ . أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - : إن الموت نازل بكم لا محالة . ثم بعد هلاككم سترجعون إلى الله - تعالى - الذى يعلم السر والعلانية ، والجهر والخفاء ، فيجازيكم على أعمالكم السيئة ، بما تستحقونه من عقاب . فالمراد بالإِنباء عما كانوا يعملونه ، الحساب على ذلك ، والمجازاة عليه . وشبيه بهذه الآيات قوله - تعالى - فى سورة البقرة : قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس ، فتمنوا الموت إن كنتم صادقين . ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين . ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ، ومن الذين أشركوا ، يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ، وما هو بمزحزحه من العذاب أن (١) يعمر ، والله بصير بما يعملون وبعد هذا التوبيخ والتحدى لليهود الذين زعموا أنهم أولياء الله من دون الناس .. وجه - سبحانه - للمؤمنين نداء أمرهم فيه بالمسارعة إلى أداء فرائضه ونهاهم عن أن تشغلهم دنياهم عن ذكره وطاعته ، فقال - تعالى - : (١) راجع تفسيرنا لسورة البقرة الآية ٩٦ ص ٢١٤ . ٣٨٧ سورة الجمعة يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِى لِلصَّلَوْةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْ إِلَى ذِكْرِ اللّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْإِنَ كُمْ تَعْلَمُونَ ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُ وا فِ اَلْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَأَذْكُرُواْاللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْنُفْلِحُونَ ﴿وَ إِذَا رَأَوْ أْتِجَرَةً أَوْلَمْوَانْفَضُوْاْ إِلَيْهَا وَتَرَّكُوَ قَابِمَاقُلْ ١٠ ١١ مَا عِندَاللّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ النِّجَرَةُ وَاللَّهُ خَيْرُ الزَّزِقِينَ والمقصود بالنداء فى قوله - سبحانه -: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة ... ﴾ جميع المكلفين بها ، الذين يجب عليهم أداؤها .. وناداهم - سبحانه - بصفة الإِيمان ، لتحريك حرارة الإِيمان فى قلوبهم ، ولتحريضهم على المسارعة إليها ، إذ من شأن المؤمن القوى ، أن يكون مطيعا لما يأمره خالقه به . والمراد بالنداء : الأذان والإِعلام بوقت حلولها . والمقصود بالصلاة المنادى لها هنا : صلاة الجمعة ، بدليل قوله - تعالى - ﴿ من يوم الجمعة ﴾ . واللام فى قوله ﴿ للصلاة﴾ للتعليل، و﴿ من) بمعنى فى، أو للبيان، أو للتبعيض، لأن يوم الجمعة زمان ، تقع فيه أعمال ، منها الصلاة المعهودة فيه وهى صلاة الجمعة لأن الأمر بترك البيع خاص بها ، لوجود الخطبة فيها . وقوله: ﴿ فاسعوا .... ﴾ جواب الشرط، من السعى، وهو المشى السريع. والمراد به هنا : المشى المتوسط بوقار وسكينة ، وحسن تهيؤ لصلاة الجمعة .. قال الآلوسى ما ملخصه: قوله: ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ أى: امشوا إليه بدون إفراط فى السرعة .. فقد أخرج الستة فى كتبهم عن أبى سلمة من حديث أبى هريرة قال : قال رسول الله - * -: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ، وأتوها وأنتم تمشون ، وعليكم السكينة ، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا)). ٣٨٨ المجلد الرابع عشر والمراد بذكر الله: الخطبة والصلاة جميعا، لاشتمالهما عليه ، واستظهر بعضهم أن المراد به الصلاة ، وقصره بعضهم على الخطبة .. (١). وإنما عبر - سبحانه - بالسعى لتضمنه معنى زائدا على المشى ، وهو الجد والحرص على التبكير ، وعلى توقى التأخير . والمعنى : يامن آمنتم بالله حق الإِيمان ، إذا نادى المنادى لأجل الصلاة فى يوم الجمعة ، فامضوا إليها بجد ، وإخلاص نية ، وحرص على الانتفاع بما تسمعونه من خطبة الجمعة ، التى هى لون من ألوان ذكر الله - تعالى - وطاعته . والأمر فى قوله - سبحانه -: ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله، وذروا البيع .. ﴾ الظاهر أنه للوجوب ، لأن الأمر يقتضى الوجوب ، ما لم يوجد له صارف عن ذلك ، ولا صارف له هنا . والمراد من البيع هنا : المعاملة بجميع أنواعها ، فهو يعم البيع والشراء وسائر أنواع المعاملات . أى: إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة ، فاخرجوا إليها بحرص وسكينة ووقار . واتركوا المعاملات الدنيوية من بيع، وشراء ، وإجارة ، وغيرها . وإنما قال - سبحانه -: ﴿وذروا البيع .. ﴾ لأنه أهم أنواع المعاملات ، فهو من باب التعبير عن الشىء بأهم أجزائه . واسم الإشارة فى قوله - سبحانه -: ﴿ ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ﴾ يعود إلى ما سبق ذكره من الأمر بالسعى إلى ذكر الله ، متى نودى للصلاة ، وترك الاشتغال بالبيع وما يشبهه . أى : ذلكم الذى أمرتكم به من السعى إلى ذكر الله عند النداء للصلاة من يوم الجمعة ، ومن ترك أعمالكم الدنيوية .. خير لكم مما يحصل لكم من رزق فى هذه الأوقات ، عن طريق البيع أو الشراء أو غيرهما . فالمفضل عليه محذوف ، لدلالة الكلام عليه ، والمفضل هو السعى إلى ذكر الله - تعالى - .. وهذا التفضيل باعتبار أن منافع السعى إلى ذكر الله - تعالى - باقية دائمة ، أما المنافع الدنيوية فهى زائلة فانية .. وجواب الشرط فى قوله ﴿ إن كنتم تعلمون﴾ محذوف. أى: إن كنتم تعلمون ما هو خير لكم، فاسعوا إلى ذكر اللّه عند النداء للصلاة، واتركوا البيع والشراء. (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ١٠٢. ٣٨٩ سورة الجمعة أو إن كنتم من أهل العلم والفقه السليم للأمور ، عرفتم أن امتثال أمر الله - تعالى - بأن تسعوا ، إلى ذكره عند النداء لصلاة الجمعة ، خير لكم من الاشتغال فى هذا الوقت بالبيع والشراء .. إذ فى هذا الامتثال سعادتكم ونجاتكم من خزى الدنيا وعذاب الآخرة . ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر تيسيره عليهم فى تشريعاته فقال : ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض ، وابتغوا من فضل الله .. ﴾. : أى : فإذا فرغتم من أداء الصلاة وأقمتموها على أكل وجه ، فانتشروا فى الأرض ، وامشوا فى مناكبها، لأداء أعمالكم التى كنتم قد تركتموها عند النداء للصلاة ، واطلبوا الربح واكتساب المال والرزق ، من فضل الله - تعالى - ومن فيض إنعامه ، والأمر هنا للإِباحة ، لأنه وارد بعد حظر، فهو كقوله - تعالى -: ﴿ وإذا حللتم فاصطادوا ... ﴾. أى : أن الانتشار فى الأرض بعد الصلاة لطلب الرزق ، ليس واجبا عليهم ، إذ طلب الرزق قد يكون فى هذا الوقت ، وقد يكون فى غيره .. والمقصود من الآية إنما هو تنبيه الناس ، إلى أن لهم فى غير وقت الصلاة ، سعة من الزمن فى طلب الرزق ، وفى الاشتغال بالأمور الدنيوية ، فعليهم أن يسعوا إلى ذكر اللّه، إذا ما نودى للصلاة من يوم الجمعة ، وأن يحرصوا على ذلك حرصا تاما ، مصحوبا بالنية الطيبة ، وبالهيئة الحسنة . وبالمضى المبكر إلى المسجد . وقوله - سبحانه -: ﴿واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) تحذير لهم من الانتشار فى الأرض لمصالحهم الدنيوية ، دون أن يعطوا طاعة الله - تعالى - وعبادته ، ما تستحقه من عناية ومواظبة . أى : إذا قضيت الصلاة ، فانتشروا فى الأرض لتحصيل معاشكم ، دون أن يشغلكم ذلك عن الإكثار من ذكر الله - تعالى - فى كل أحوالكم، فإن الفلاح كل الفلاح فى تقديم ما يتعلق بأمور الدين ، على ما يتعلق بأمور الدنيا ، وفى تفضيل ما يبقى على ما يفنى . والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها ترسم للمسلم التوازن السامى ، بين ما يقتضيه دينه ، وما تقتضيه دنياه . إنها تأمره بالسعى فى الأرض ، ولكن فى غير وقت النداء للصلاة من يوم الجمعة ، ودون أن يشغله هذا السعى عن الإكثار من ذكر الله ، فإن الفلاح فى الإقبال على الطاعات التى ترضيه - سبحانه -: ومن بين هذه الطاعات أن يكثر الإِنسان من ذكر الله - تعالى - ، حتى فى حالة سعيه لتحصيل رزقه . ٣٩٠ المجلد الرابع عشر ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بعتاب يحمل فى طياته ثوب التأديب والإِرشاد والتأنيب ، لمن آثر مطالب الدنيا على مطالب الآخرة فقال - تعالى -: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ... ﴾ قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : يعاتب - تبارك وتعالى - على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة ، التى قدمت المدينة يومئذ ، فقال: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ... ﴾. فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن جابر قال : قدمت عِيرٌ - أى : تجارة - المدينة ، ورسول الله - ﴿ - يخطب يوم الجمعة - فخرج الناس، وبقى اثنا عشر رجلا ، فنزلت هذه الآية . وفى رواية عن جابر - أيضا - أنه قال: بينما النبى - رَليه - يخطب يوم الجمعة، فقدمت عير إلى المدينة ، فابتدرها الناس، حتى لم يبق مع الرسول - ◌َليو - إلا اثنا عشر رجلا ، فقال -﴿ -: ((والذى نفسى بيده ، لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد ، لسال بكم الوادى نارا )) ونزلت هذه الآية .. (١). وفى رواية أن الذين بقوا فى المسجد كانوا أربعين ، وأن العير كانت لعبد الرحمن بن عوف ، وكان قد أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر .. (٢) . وفى رواية أن الرسول - ﴿ - كان يخطب ، فقدم دحية الكلى بتجارة له . فتلقاه أهله بالدفوف . فخرج الناس . و(( إذا)) فى قوله - تعالى -: ﴿وإذا رأوا تجارة ... ﴾ ظرف للزمان الماضى المجرد عن الشرط، لأن هذه الآية نزلت على الرسول - * - بعد أن انفض عنه من انفض وهو يخطب وقوله : ﴿انفضوا﴾ من الانقضاض، بمعنى التفرق. يقال: انفض فلان عن فلان إذا تركه وانصرف عنه ، وهو من الفض ، بمعنى كسر الشىء والتفريق بين أجزائه . والضمير فى قوله ﴿إليها﴾ يعود للتجارة، وكانت عودته إليها دون اللهو، لأن الانفضاض كان لها بالأصالة ، والمراد باللهو هنا : فرحهم بمجىء التجارة واستقبالهم لها بالدفوف ، لأنهم كانوا فى حالة شديدة من الفقر وغلاء الأسعار . والتعبير بأو يشير إلى أن بعض المنفضين قد انفضوا من أجل التجارة ، وأن البعض الآخر قد انفض من أجل اللهو . (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٨، ص ١٤٩ . ( ٢) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ١٠٥. ٣٩١ سورة الجمعة قال الجمل فى حاشيته: والذى سوغ لهم الخروج وترك الرسول - ﴿ه - يخطب ، أنهم ظنوا أن الخروج بعد تمام الصلاة جائز، لانقضاء المقصود وهو الصلاة، لأنه كان - اَلخز - فى أول الإِسلام يصلى الجمعة قبل الخطبة كالعيدين ، فلما وقعت هذه الواقعة ، ونزلت الآية ، قدم الخطبة وأخر الصلاة .. (١). وقوله - سبحانه -: ﴿ وتركوك قائما﴾ جملة حالية من فاعل ﴿ انفضوا﴾ والمقصود بها توبيخهم على هذا التصرف، حيث تركوا رسول الله - 18 - واقفا يخطب على المنبر ، وانصرفوا إلى التجارة واللهو . وقوله - سبحانه - : ﴿ قل ماعند الله خير من اللهو ومن التجارة ، والله خير الرازقين﴾ إرشاد لهم إلى ما هو الأنفع والأبقى والأكرم لهم. أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الذين انفضوا عنك وأنت تخطب .. قل لهم : ما عند الله - تعالى - من ثواب ومن عطاء خير من اللهو الذى يشغلكم عن ذكر الله، ومن التجارة التى تبتغون من ورائها الربح المادى ، والمنافع العاجلة . والله - تعالى - هو خير الرازقين ، لأنه - سبحانه - هو وحده الذى يقسم الأرزاق ، وهو الذى يعطى ويمنع، كما قال - سبحانه -: ﴿ ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ، وما يمسك فلا مرسل له من بعده ، وهو العزيز الحكيم ﴾ . وقدمت التجارة على اللهو فى صدر الآية ، لأن رؤيتها كانت الباعث الأعظم على الانفضاض إليها، وترك الرسول - ◌َ - قائما يخطب على المنبر، ولم يبق معه إلا عدد قليل من أصحابه . وأخرت فى آخر الآية وقدم اللهو عليها ، ليكون ذمهم على انفضاضهم أشد وأوجع ، حتى لا يعودوا إلى مثل ذلك . هذا ، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى : ١ - فضل يوم الجمعة ، وفضل صلاة يوم الجمعة ، والتحذير من ترك أدائها . ومن الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى ، ما رواه مسلم وأبو داود والنسائى عن أبى هريرة، أن رسول الله - وَ لجر - قال: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ، فيه خلق آدم. وفيه أدخل الجنة ، وفيه أخرج منها ، ولا تقوم الساعة إلا فى يوم الجمعة)) .. وروى الشيخان عن أبى هريرة أنه سمع النبى - ولي - يقول: ((نحن الآخرون - (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٣٤٥ . ٣٩٢ المجلد الرابع عشر أى : زمنا - السابقون يوم القيامة قبل غيرهم - ، بيد أنهم - أى : اليهود والنصارى - أوتوا الكتاب من قبلنا ، وأوتيناه من بعدهم ، ثم هذا يومهم الذى فرض عليهم - أى : تعظيمه - فاختلفوا فيه فهدانا الله ، فالناس لنا فيه تبع : اليهود غدا - أى : السبت - والنصارى بعد غد - أى: الأحد - )). وروى مسلم والنسائى عن ابن عمر أنه سمع النبى - وَلجر - يقول على أعواد منبره : (( لينتهين أقوام عن وَدْعِهم الجمعات - أى: تركهم صلاة الجمعة - أو ليختمن الله على قلوبهم ، ثم ليكونن من الغافلين .. )). قال القرطبى ما ملخصه : وإنما سميت الجمعة جمعة ، لأنها مشتقة من الجمع حيث يجتمع الناس فيها للصلاة .. وكان يقال ليوم الجمعة : العَرُوبة .. قال البيهقى : وروينا عن موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب الزهرى ، أن مصعب بن عمير ، كان أول من جمع الجمعة بالمدينة للمسلمين، قبل أن يهاجر إليها الرسول - الهرم -. ثم قال القرطبى: وأما أول جمعة جمعها - وَله - بأصحابه، قال أهل السير والتاريخ: قدم رسول الله - والقر - مهاجرا حتى نزل بقباء، على بنى عمرو بن عوف، يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين اشتد الضحى - ومن تلك السنة يعد التاريخ - فأقام بقباء إلى يوم الخميس ، وأسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة ، فأدركته الجمعة فى بنى سالم بن عوف ، فى بطن وادٍ لهم ، فجمع بهم وخطب ، وهى أول خطبة. خطبها بالمدينة ، وقال فيها : الحمد لله، أحمده وأستعينه ، وأستغفره وأستهديه .. (١). ٢ - الآية الكريمة وإن كانت قد أمرت المؤمنين بالسعى إلى صلاة الجمعة عند النداء لها ، إلا أن هناك أحاديث متعددة تحض على التبكير بالحضور إليها ، وبالغسل لها ، وبمس الطيب ، وبالحضور إليها على أحسن حالة .. ومن تلك الاحاديث مارواه الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة أن رسول الله - والله - قال: (( من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة - أى: كغسل الجنابة - ثم راح إلى المسجد ، فكأنما قرب بدنة - أى : ناقة ضخمة .. ومن راح فى الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح فى الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن - أى له قرون - ومن راح فى الساعة الرابعة ٠ (١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٨ ص ٩٩ . ٣٩٣ سورة الجمعة فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح فى الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإِمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر )). وروى ابن ماجه عن ابن مسعود قال: سمعت النبى - 18 - يقول: ((إن الناس يجلسون يوم القيامة على قدر ترواحهم إلى الجمعات ، الأول ثم الثانى ثم الثالث ثم الرابع ، وما رابع أربعة من الله ببعيد)). وروى الشيخان عن أبى سعيد الخدرى، عن النبى - 3 18 - أنه قال: ((على كل مسلم الغسل يوم الجمعة ، ويلبس من صالح ثيابه ، وإن كان له طيب مس منه .. )). ٣ - أخذ العلماء من قوله - تعالى -: ﴿ ... إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع .. ﴾ أن صلاة الجمعة فريضة محكمة، وأن السعى لأدائها واجب، وأن ترك ذلك محرم شرعا .. ومن المعروف بين العلماء أن الأمر يقتضى الوجوب ، ما لم يوجد له صارف ، ولا صارف له هنا .. قال الإِمام القرطبى : فرض الله - تعالى - الجمعة على كل مسلم ، ردا على من يقول: إنها فرض على الكفاية ، ونقل عن بعض الشافعية أنها سنة . وجمهور الأمة والأئمة أنها فرض على الأعيان ، لقوله - تعالى -: ﴿ ... إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ... ﴾. وثبت عن رسول الله - رَّ﴾ - أنه قال: ((لينتهيَنَّ أقوامٌ عن وَدْعِهِم الْجُمُعَاتِ أو ليخَتِمَنَّ اللّه على قلوبهم ثم ليكونُنَّ من الغافلين)). وهذا حجة واضحة فى وجوب الجمعة وفرضيتها .. (١). قال بعض العلماء : جاء فى الآية الكريمة الأمر بالسعى ، والأمر للوجوب فيكون السعى واجبا ، وقد أخذ العلماء من ذلك أن الجمعة فريضة ، لأنه - سبحانه - قد رتب الأمر للذكر على النداء للصلاة ، فأذا كان المراد بالذكر هو الصلاة ، فالدلالة ظاهرة ، لأنه لا يكون السعى لشىء واجبا ، حتى يكون ذلك الشىء واجبا . وأما إذا كان المراد بالذكر الخطبة فقط ، فهو كذلك لأن الخطبة شرط الصلاة ، وقد أمر بالسعى إليه ، والأمر للوجوب ، فإذا وجب السعى للمقصود تبعا ، فما ذلك إلا لأن المقصود بالذات واجب .. ( ١) تفسير القرطبى جـ ١٨ ص ١٠٥ . ٣٩٤ المجلد الرابع عشر كما أن الاشتغال بالبيع أو الشراء وقت النداء محرم ، لأن الأمر للوجوب ، وقال بعضهم : هو مكروه كراهة تحريم .. (١) . ومما يدل على أن صلاة الجمعة فريضة محكمة ، وأن السعى إليها واجب ، وأن الاشتغال عنها بالبيع أو الشراء محرم ، ما جاء فى الأحاديث من الأمر بالمحافظة عليها ، ومن التحذير من تركها، ومن ذلك ما رواه أبو داود من حديث أبي الجعد، أن رسول الله - وصلهم - قال : ((من ترك ثلاث جمع تهاونا بها، طبع الله على قلبه)). ٤ - قوله - تعالى -: ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض .. ﴾ يدل دلالة واضحة ، على سمو شريعة الإِسلام ، وعلى سماحتها ويسرها ، وجمعها بين مطالب الدنيا ومطالب الآخرة . ومع أن هذا الأمر بالانتشار بعد الصلاة للإِباحة - كما سبق أن قلنا - إلا أن بعض السلف كان إذا انتهت الصلاة ، خرج من المسجد ، ودار فى السوق ساعة ، ثم رجع إلى المسجد فصلى ما شاء أن يصلى . قال الإِمام ابن كثير : كان عراك بن مالك - أحد كبار التابعين - إذا صلى الجمعة ، انصرف فوقف على باب المسجد وقال : اللهم إنى أجبت دعوتك وصليت فريضتك ، وانتشرت كما أمرتنى، فارزقنى من فضلك وأنت خير الرازقين .. (٢). هذا ، وهناك أحكام أخرى توسع المفسرون والفقهاء فى الحديث عنها ، فليرجع إليها من شاء المزيد من معرفة هذه الأحكام والآداب .. وبعد: فهذا تفسير لسورة ((الجمعة)) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده .. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. كتبه الراجي عفو ربه د . محمد سيد طنطاوى القاهرة : مدينة نصر : صباح الثلاثاء ١٠ من شوال سنة ١٤٠٦ هـ الموافق ١٩٨٦/٦/١٧ م (١) تفسير آيات الأحكام جـ ٤ ص ١٥٢ للشيخ محمد على السايس. ( ٢) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ١٤٩ . ۔ تفسير سُؤَرَةِ المُنَّافِقُونَ 4 ٠ ٣٩٧ مقدمة بِسْمِ اللهُ الرّحمَنِ الرَّحِيمِ مقدمة وتمهيد ٠ ١ - سورة ((المنافقون)) من السور المدنية الخالصة ، وعدد آياتها إحدى عشرة آية، وكان نزولها بعد سورة ((الحج))، وقبل سورة ((المجادلة))(١). وقد عرفت بهذا الاسم منذ عهد النبوة ، فقد جاء فى حديث زيد بن أرقم - الذى سنذكره خلال تفسيرنا لها - أنه قال: ((فلما أصبحنا قرأ رسول الله - وَله - سورة المنافقين)). وقال الآلوسى : أخرج سعيد بن منصور ، والطبرانى فى الأوسط - بسند حسن - عن أبى هريرة، قال: كان رسول الله - وَله - يقرأ فى صلاة الجمعة فى الركعة الأولى بسورة الجمعة ، فيحرض بها المؤمنين ويقرأ فى الركعة الثانية بسورة المنافقين ، فيقرع بها المنافقين . ٢ - والمحققون من العلماء على أن هذه السورة ، نزلت فى غزوة بنى المصطلق ، وقد جاء ذلك فى بعض الروايات التى وردت فى سبب نزول بعض آياتها ، والتى سنذكرها خلال تفسيرنا لها - بإذن الله - وكانت هذه الغزوة فى السنة الخامسة من الهجرة . وذكر بعضهم أنها نزلت فى غزوة ((تبوك))، ومما يشهد لضعف هذا القول ، أن المنافقين فى هذا الوقت - وهو السنة التاسعة من الهجرة ، كانوا قد زالت دولتهم ، وضعف شأنهم ، وما كان لواحد منهم أن يقول: ﴿ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ﴾. ٣ - وسميت هذه السورة بسورة ((المنافقون))، لأنها فضحتهم، ووصفتهم بما هم أهله من صفات ذميمة ، ومن طباع قبيحة ، ومن مسالك سيئة .. ويكاد حديثها يكون مقصورا عليهم ، وعلى أكاذيبهم ودسائسهم . وحديث القرآن عن النفاق والمنافقين ، قد ورد فى كثير من السور المدنية ، ففى سورة البقرة نجد حديثا مستفيضا عنهم ، يبدأ بقوله - تعالى -: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر ، وما هم بمؤمنين﴾ . وفى سورة آل عمران نجد توبيخا من الله - تعالى - لهم ، كما فى قوله - عز وجل - : الذين قالوا لإِخوانهم وقعدوا ، لو أطاعونا ما قتلوا ، قل فادرأوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين﴾ . (١) راجع الإتقان فى علوم القرآن جـ ١ ص ٢٧ للسيوطى. ٣٩٨ المجلد الرابع عشر وفى سورة النساء نجد آيات متعددة تتحدث عن قبائحهم ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ، وما أنزل من قبلك ، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا . وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ، رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ﴾ . أما سورة ((التوبة)) فهى أكثر السور حديثا عنهم ، ولذا سميت بالفاضحة لأنها فضحتهم على رءوس الأشهاد ، كما سميت بالمنقرة ، لأنها نقرت عما فى قلوبهم ، وكشفت عنه ، كما سميت بالمبعثرة لأنها بعثرت أسرارهم .. (١) . والحق أنه لا تكاد تخلو سورة من السور المدنية ، من الحديث عن المنافقين وعن سوء سلوكهم وأخلاقهم . ووجوب ابتعاد المؤمنين عنهم . ٤ - والنفاق إنما يظهر ويفشو حيث تكون القوة ، لذا لم يكن للمنافقين أثر فى العهد المكى ، لأن المؤمنين كانوا قلة مستضعفين فى الأرض ، ومن كان هذا شأنه لا ينافقه الناس ، فضلا عن أن مشركى مكة كانوا بطبيعتهم جبابرة ، وكانوا يعلنون حربهم على الدعوة الإِسلامية إعلانا سافرا . لا التواء معه ولا مداهنة . أما المؤمنون فى العهد المدنى ، فقد كانوا أقوياء خصوصا بعد أن أسسوا دولتهم ، وانتصروا على المشركين فى غزوة بدر .. كما انتصروا على اليهود .. فظهرت حركة النفاق فى المدينة ، المداهنة المؤمنين ، وللحصول على نصيبهم من الغنائم التى يغنمها المؤمنون .. ولغير ذلك من الأسباب التى ذكرها العلماء والمؤرخون .. (٢). وسورة ((المنافقون)» فضحت أحوالهم ، وكشفت عن دخائلهم وعن خسة نفوسهم .. وختمت بموعظة المؤمنين ، وبحثهم على الإِنفاق فى سبيل الله ، وعلى تقديم العمل الصالح ، الذى ينفعهم فى دنياهم وفى آخرتهم . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . القاهرة - مدينة نصر مساء الثلاثاء : ١٠ من شوال سنة ١٤٠٦ هـ ١٩٨٦/٦/١٧ م د . محمد سيد طنطاوى (١ ) راجع مقدمة تفسيرنا لسورة التوبة . (٢) راجع على سبيل المثال كتاب: (سيرة الرسول - 18 -) جـ ٢ ص ١٧٦ للأستاذ محمد عزت دروزة. . ٣٩٩ مقدمة التفسير قال الله - تعالى - : ◌ِاللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذَا جَآءَ كَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ ١ اَخَذُواْأَيْمَنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّ واْعَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿ ذَلِكَ بِأَهُمْ ءَامَنُواثُمَّ كَفَرُواْ فَطْبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ﴿﴿ ﴿ وَإِذَا رَأَنْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمَّ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِمْ كَنَّهُمْ خُشُهُ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُ الْعَدُوٌ فَأَحْذَرْهُمْ فَتَهُمُ اللَّهُ أَه يُؤْفَّكُونَ (٥) افتتح الله - تعالى - السورة الكريمة ، بالحديث عن صفة من أبرز الصفات الذميمة للمنافقين ، ألا وهى صفة الكذب والخداع ، فقال - تعالى - ﴿ إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله .. ﴾. و﴿ إذا﴾ هنا ظرف للزمان الماضى، بقرينة كون جملتيها ماضيتين، وجواب ((إذا)) قوله قالوا نشهد إنك لرسول الله ... ﴾ والخطاب للرسول - والي -. المنافقون ﴾ جمع منافق، وهو من يظهر الإِسلام ويخفى الكفر ، أو من يظهر خلاف - ما يبطن من أقوال وأفعال . أى : إذا حضر المنافقون إلى مجلسك - أيها الرسول الكريم - قالوا لك على سبيل الكذب والمخادعة والمداهنة .. نشهد أنك رسول من عند الله - تعالى - ، وأنك صادق فيما تبلغه عن ربك . ٤٠٠ المجلد الرابع عشر وعبروا عن التظاهر بتصديقهم له - رَله - بقولهم ﴿نشهد ) - المأخوذ من الشهادة التى هى إخبار عن أمر مقطوع به - وأكدوا هذه الشهادة بإنّ واللام ، للإِيهام بأن شهادتهم صادقة ، وأنهم لا يقصدون بها إلا وجه الحق ، وأن ما على ألسنتهم يوافق ما فى قلوبهم . قال الشوكانى : أكدوا شهادتهم بإنّ واللام ، للإِشعار بأنها صادرة من صميم قلوبهم ، مع خلوص نياتهم ، والمراد بالمنافقين ، عبد الله بن أبىّ وأتباعه. ومعنى نشهد : نحلف ، فهو يجرى مجرى القسم ، ولذا يتلقى بما يتلقى به القسم .. ومثل نشهد : نعلم ، فإنه يجرى مجرى القسم كما فى قول الشاعر : ولقد علمت لتأتين منيتى إن المنايا لا تطيش سهامها(١) وقوله: ﴿ والله يعلم إنك لرسوله﴾ جملة معترضة مقررة لمضمون ما قبلها، من كونه - رَّد - رسول من عند الله - تعالى - حقا . وجملة : ﴿ والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) معطوفة على قوله: ﴿قالوا نشهد﴾. أى : إذا حضر المنافقون إليك - أيها الرسول الكريم - قالوا كذبا وخداعا : نشهد إنك لرسول الله، والله - تعالى - ﴿ يعلم إنك لرسوله﴾ حقا سواء شهدوا بذلك أم لم يشهدوا، فأنت لست فى حاجة إلى هذه الشهادة التى تخالف بواطنهم . والله﴾ - تعالى - ﴿ يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾ فى قولهم: نشهد إنك لرسول الله، لأن قولهم هذا يباين ما أخفته قلوبهم المريضة ، من كفر ونفاق وعداوة لك وللحق الذى جئت به . والإِيمان الحق لا يتم إلا إذا كان ما ينطق به اللسان ، يوافق ويواطئ . ما أضمره القلب ، وهؤلاء قد قالوا بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم ، فثبت كذبهم فى قولهم : نشهد إنك لرسول الله .. قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أى: فائدة فى قوله - تعالى -: ﴿ والله يعلم إنك لرسوله﴾؟ قلت: لو قال: قالوا نشهد إنك لرسول الله، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ، لكان يوهم أن قولهم هذا كذب ، فوسط بينهما قوله : ﴿والله يعلم إنك لرسوله ﴾ ليميط هذا الإِبهام .. (٢) . وجىء بالفعل ﴿ يشهد ﴾ فى الإخبار عن كذبهم فيما قالوه ، للمشاكلة ، حتى يكون إبطال خبرهم مساويا لإِخبارهم ولما نطقوا به . (١) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٥ ص ٢٣٠ . ( ٢ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥٣٨ .