النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ سورة الممتحنة من كتاب ، فقلنا : أخرجى الكتاب أو لنلقين الثياب ، فأخرجته من عقاصها ، فأتينا به رسول الله - ٣ - فإذا فيه: من حاطب بن أبى بلتعة، إلى أناس من المشركين بمكة، يخبرهم ببعض أمر النبى - ال * - . فقال - وَ ثير - ((ماهذا يا حاطب،؟)) فقال حاطب: لا تعجل علىَّ يارسول الله إنى كنت إنسانا ملصقا فى قريش ، ولم أكن منها ، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهلهم وأموالهم بمكة ، فأحببت إذ فاتنى ذلك من النسب فيها ، أن أصطنع إليهم يدا ، يحمون بها قرابتى ، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن الإِسلام . فقال عمر: دعنى يا رسول الله أضرب عنقه، فقال، - وسلم -: ( إنه شهد بدرا ، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ماشئتم فقد غفرت لكم)) فنزلت هذه الآيات(١). وقد ذكروا أن هذه القصة كانت فى الوقت الذى أعد فيه النبى - وح ليزر - العدة لأجل العمرة، سنة صلح الحديبية. وقيل كانت هذه القصة فى الوقت الذى تهيأ النبى - والخير - لفتح مكة ، وكان من بين الذين علموا ذلك حاطب بن أبى يلتعة . والمراد بالعدو هنا : الأعداء عموما ، ويدخل فيهم دخولا أولياء كفار قريش ، الذين أرسل إليهم حاطب بن أبى بلتعة خطابه ، لكى يحذرهم من مهاجمة المسلمين لهم . والمراد بالعداوة : العداوة الدينية التى جعلت المشركين ، يحرصون كل الحرص على أذى المسلمين ، أى: يامن آمنتم بالله - تعالى - إيمانا حقا ، احذروا أن تتخذوا أعدائى وأعداءكم أولياء وأصدقاء وحلفاء . بل جاهدوهم وأغلظوا عليهم ، واقطعوا الصلة التى بينكم وبينهم . وناداهم بصفة الإِيمان ، لتحريك حرارة العقيدة الدينية فى قلوبهم ولحضهم على الاستجابة لما نهاهم عنه . وقدم - سبحانه - عداوته للمشركين ، على عداوة المؤمنين لهم ، لأن عداوة هؤلاء المشركين لله - تعالى - أشد وأقبح، حيث عبدوا غير خالقهم ، وشكروا غير رازقهم ، وكذبوا رسل ربهم وآذوهم . وفى الحديث القدسى: ((إنى والجن والإِنس فى نبأ عظيم . أخلق ويعبد غيرى ، وأرزق ويشكر سواى .. خيرى إلى العباد نازل ، وشرهم إلى صاعد ، أتحبب إليهم بالنعم . ويتبغضون إلى بالمعاصى)). (١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ٦٥ . وتفسير ابن كثير جـ ٨ ص ١٠٨ . ٣٢٢ المجلد الرابع عشر وعبر - سبحانه - بالاتخاذ الذى هو افتعال من الأخذ ، للمبالغة فى نهيهم عن موالاة هؤلاء الأعداء ، إذ الاتخاذ يشعر بشدة الملابسة والملازمة . والمفعول الأول لقوله ﴿ تتخذوا﴾ قوله: ﴿ عدوى﴾ والمفعول الثانى قوله : أولياء ﴾ . وقوله - سبحانه -: ﴿ تلقون إليهم بالمودة ﴾ تفسير وتوضيح لهذه الموالاة التى نهوا عنها أو فى موضع الحال من ضمير ﴿ لا تتخذوا ﴾. وحقيقة الإلقاء : قذف مافى اليد على الأرض أو فى الفضاء ، والمراد به هنا : إيصال ما يدخل السرور على قلوب أعدائهم . والباء فى قوله: ﴿ بالمودة﴾ لتأكيد اتصال الفعل بمفعوله . أى: احذروا أن تعاملوا أعدائى وأعداءكم معاملة الأصدقاء والحلفاء ، بأن تظهروا لهم المودة والمحبة . ويصح أن تكون الباء للسببية فيكون المعنى : تلقون إليهم بأخباركم التى لا يجوز لكم إظهارها لهم ، بسبب مودتكم لهم . وقد ذكروا أن حاطبا أرسل بهذه الرسالة إلى أهل مكة ، عندما تجهز النبى - داخلي - وأصحابه للذهاب إليها لأجل العمرة عام الحديبية ، أو لأجل فتح مكة . قال صاحب الكشاف : فإن قلت: ﴿تلقون﴾ بم يتعلق ؟ قلت : يجوز أن يتعلق بقوله: لا تتخذوا ﴾ حالا من ضميره .. ويجوز أن يكون استئنافا . والإلقاء : عبارة عن إيصال المودة والإِفضاء بها إليهم يقال: ألقى إليه خَراشِىَ صدره - أى أسرار صدره - وأفضى إليه بقشوره . والباء فى ﴿ بالمودة) إما زائدة مؤكدة للتعدى مثلها فى قوله: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) وإما ثابتة على أن مفعول تلقون محذوف، ومعناه : تلقون إليهم أخبار رسول الله - ◌َ - بسبب المودة التى بينكم وبينهم(١). ثم ساق - سبحانه - الأسباب التى من شأنها تحمل المؤمنين على عدم موالاة أعداء الله وأعدائهم ، فقال: ﴿وقد كفروا بما جاءكم من الحق ﴾ أى: لا تتخذوا - أيها المؤمنون - هؤلاء الأعداء أولياء ، وتلقون إليهم بالمودة ، والحال أن هؤلاء الأعداء قد كفروا بما جاءكم ( ١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥١٢ . ٣٢٣ سورة الممتحنة على لسان رسولكم - * - من الحق الذى يتمثل فى القرآن الكريم ، وفى كل ما أوحاه - سبحانه - إلى رسوله . فالمقصود من هذه الجملة الكريمة ، تصوير هؤلاء الكافرين ، بما ينفر المؤمنين من إلقاء المودة إليهم . وقوله - تعالى -: ﴿ يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم﴾ بيان لسبب آخر من الأسباب التى تدعو المؤمنين إلى مقاطعة أعدائهم الكافرين . وجملة : ﴿ يخرجون الرسول ﴾ يصح أن تكون مستأنفة لبيان كفرهم، أو فى محل نصب حال من فاعل ﴿ كفروا﴾ وقوله: ﴿وإياكم﴾ معطوف على الرسول، وقدم عليهم على سبيل التشريف لمقامه - ماء - وجملة ﴿ أن تؤمنوا﴾ فى محل نصب مفعول لأجله . أى: أن هؤلاء الكافرين لم يكتفوا بكفرهم بما جاءكم - أيها المؤمنون - من الحق ، بل تجاوزوا ذلك إلى محاولة إخراج رسولكم - * - وإخراجكم من مكة ، من أجل إيمانكم بالله ٠ ربكم ، وإخلاصكم العبادة له - تعالى - . وأسند - سبحانه - محاولة الإِخراج إلى جميع الأعداء ، لأنهم كانوا راضين بهذا الفعل . ومتواطئين على تنفيذه ؛ بعضهم عن طريق التخطيط له ، وبعضهم عن طريق التنفيذ الفعلى . والمتأمل فى هذه الجمل الكريمة ، يراها قد ساقت أقوى الأسباب وأعظمها ، للتشنيع على مشركى قريش ، ولإِلهاب حماس المؤمنين من أجل عدم إلقاء المودة إليهم . وجواب الشرط فى قوله - تعالى - : ﴿إن كنتم خرجتم جهادا فى سبيلى وابتغاء مرضاتى ﴾ محذوف لدلالة ما قبله عليه أى: إن كنتم - أيها المؤمنون - قد خرجتم من مكة من أجل الجهاد فى سبيلى ، ومن أجل طلب مرضاتى ، فاتركوا اتخاذ عدوى وعدوكم أولياء ، واتركوا مودتهم ومصافاتهم . فالمقصود من الجملة الكريمة ، زيادة التهييج للمؤمنين ، حتى لا يبقى فى قلوبهم أى شىء من المودة نحو الكافرين . وقوله - سبحانه -: ﴿ تسرون إليهم بالمودة ) بدل من قوله - تعالى - : قبل ذلك : تلقون إليهم بالمودة ﴾ . بدل بعض من كل . لأن إلقاء المودة أعم من أن تكون فى السر أو فى العلن . ويصح أن يكون بدل اشتمال ، لأن الإِسرار إليهم بالمودة ، مما اشتمل عليه إلقاء المودة إليهم . ٣٢٤ المجلد الرابع عشر وهذه الجملة جىء بها على سبيل العتاب والتعجيب ممن فى قلبه مودة لهؤلاء الكافرين ، بعد أن بين الله - تعالى - له ، ما يوجب قطع كل صلة بهم. ومفعول ﴿ تسرون﴾ محذوف. أى: ترسلون إليهم أخبار المسلمين سرا ، بسبب مودتكم لهم ؟ وجملة: ﴿وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ﴾ هى مناط التعجيب ممن يتخذ هؤلاء الأعداء أولياء . أو من يسر إليهم بالمودة ، وهى حالية من فاعل ﴿ تلقون وتسرون ﴾. أى : تفعلون ما تفعلون من إلقاء المودة إلى عدوى وعدوكم ، ومن إسراركم بها إليهم والحال أنى أعلم منهم ومنكم بما أخفيتموه فى قلوبكم، وما أعلنتموه، ومخبر رسولنا - وَالخز - بذلك . وما دام الأمر كذلك فكيف أباح بعضكم لنفسه ، أن يطلع عدوى وعدوكم على مالا يجوز إطلاعه عليه ؟! قال الآلوسي: قوله: ﴿ وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم﴾ فى موضع الحال و ﴿ أعلم ﴾ أفعل تفضيل . والمفضل عليه محذوف. أى: منكم .. و ﴿ ما﴾ موصولة أو مصدرية ، وذكر ما أعلنتم﴾ مع الاستغناء عنه، للإشارة إلى تساوى العلمين فى علمه - عز وجل - . ولذا قدم ﴿ ما أخفيتم﴾. وفى هذه الحال إشارة إلى أنه لا طائل لهم فى إسرار المودة إليهم كأنه قيل : تسرون إليهم بالمودة والحال أنى أعلم ما أخفيتم وما أعلنتم ، ومطلع رسولى على ما تسرون ، فأى فائدة وجدوى لكم فى الإِسرار ؟(١) . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان سوء عاقبة من يخالف أمره فقال: ﴿ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل ﴾ . والضمير فى قوله: ﴿ يفعله﴾ يعود إلى الاتخاذ المفهوم من قوله ﴿ لا تتخذوا﴾. أى ومن يفعل ذلك الاتخاذ لعدوى وعدوكم أولياء . ويلقى إليهم بالمودة ، فقد أخطأ طريق الحق والصواب . وضل عن الصراط المستقيم . ثم بين - سبحانه - حال هؤلاء الأعداء عندما يتمكنون من المؤمنين فقال : ﴿إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء ، وودوا لو تكفرون ومعنى ﴿ يثقفوكم﴾ يظفروا بكم، ويدركوا طلبتهم منكم. وأصل الثقف: الحذق فى (١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ٦٨. ٣٢٥ سورة الممتحنة إدراك الشىء وفعله ، ومنه رجل ثقف إذا كان سريع الفهم ، ويقال : ثقفت الرجلَ فى الحرب إذا أدركته وظفرت به . أى : إن يظفر بكم هؤلاء الأعداء - أيها المؤمنون - ويتمكنوا منكم ، يظهروا لكم ... ما انطوت عليه قلوبهم نحو کم من بغضاء : ولا یکتفون بذلك ، بل بمدون إلیکم أيديهم بما يضركم ، وألسنتهم مما يؤذيكم . ثم هم بعد كل ذلك يودون ويتمنون أن تصيروا كفارا مثلهم . فأنت ترى أن الآية الكريمة ، قد وضحت أن هؤلاء الكافرين ، قد سلكوا فى عداوتهم للمؤمنين كل مسلك ، فهم عند تمكنهم من المؤمنین یظهرون حقدهم القديم ، ویؤذونهم بأيديهم وألسنتهم ، ويتمنون فى جميع الأحوال أن يردوهم بعد إيمانهم كافرين . وقال - سبحانه -: ﴿ويبسطوا إليكم .. ﴾ للإشعار بكثرة ما ينزلونه بالمؤمنين من أذى ، إذ التعبير بالبسط يدل على الكثرة والسعة . وقوله: ﴿وودوا لو تكفرون ﴾ معطوف على جملة الشرط والجزاء ، ويكون - سبحانه - قد أخبر عنهم بخبرين : أحدهما : ما تضمنته الجملة الشرطية من عداوتهم للمؤمنين . وثانيهما : تمنيهم ارتدادهم من الإِيمان إلى الكفر . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف أورد جواب الشرط مضارعا مثله ، ثم قال : وودوا ﴾ بلفظ الماضى ؟ قلت : الماضى وإن كان يجرى فى باب الشرط مجرى المضارع فى علم الإِعراب . فإن فيه نكتة ، كأنه قیل : وودوا قبل كل شىء كفركم وارتدادكم . يعنى: أنهم يريدون ان يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين جميعا ، من قتل الأنفس وتمزيق الأعراض ، وردكم كفارا . وهذا الرد إلى الكفر أسبق المضار عندهم وأولها ، لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم ، لأنكم بذالون لها دونه . والعدو أهم شىء عنده ، أن يقصد أعز شىء عند صاحبه(١). ثم بين - سبحانه - الآثار السيئة التى تترتب على ضلالهم عن سواء السبيل فقال : ﴿ لن تنفعكم أرحامكم . ولا أولادكم ، يوم القيامة يفصل بينكم ... ﴾ (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥١٣ . ٣٢٦ المجلد الرابع عشر والأرحام : جمع رحم والمراد بهم الأقارب ، الذين كان بعض المؤمنين يوالون المشركين من أجلهم . أى : منكم - أيها المؤمنون - من أفشى أسراركم للكافرين ، خوفا على أقاربه أو أولاده الذين يعيشون فى مكة مع هؤلاء الكافرين ، والحق أنه لن تنفعكم قراباتكم ولا أولادكم الذين توالون المشركين من أجلهم شيئا من النفع يوم القيامة ، لأنه فى هذا اليوم ﴿ يفصل بينكم ﴾ أى يفرق بينكم وبين أقاربكم وأولادكم يوم القيامة ، كما قال - تعالى - : ﴿فإذا نفخ فى الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾ وكما قال - سبحانه -: ﴿يوم يفر المرء من أخيه ، وأمه وأبيه ، وصاحبته وبنيه ، لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه ﴾ وخص - سبحانه - الأولاد بالذكر مع أنهم من الأرحام ، لمزيد المحبة لهم - والحنو عليهم . قال الشوكانى : ، وجملة ﴿ يوم القيامة يفصل بينكم ﴾ مستأنفة لبيان عدم نفع الأرحام والأولاد فى ذلك اليوم . ومعنى ﴿يفصل بينكم﴾ يفرق بينكم ، فيدخل أهل طاعته الجنة . ويدخل أهل معصيته النار ، وقيل : المراد بالفصل بينهم ، أنه يفر كل منهم من الآخر من شدة الهول .. قيل: ويجوز أن يتعلق ﴿يوم القيامة) بما قبله. أى: لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة ، فيوقف عليه ، ويبتدأ بقوله ﴿يفصل بينكم﴾ والأولى أن يتعلق بما بعده - أى : يفصل بينكم يوم القيامة، فيوقف على ﴿ أولادكم﴾ ويبتدأ بيوم القيامة(١). وقراءة الجمهور ﴿ يُفْصَل بينكم) - بضم الياء وإسكان الفاء وفتح الصاد - على البناء للمجهول. وقرأ عاصم ﴿يَفْصِل بينكم﴾ بفتح الياء وكسر الصاد - على البناء للفاعل ، وقرأ حمزة والكسائى ﴿ يُفَصِّل بينكم﴾ - بضم الياء وفتح الفاء وتشديد الصاد مع الكسر - بالبناء للفاعل - أيضا - . وقرأ ابن عامر ﴿يُفَصِّل بينكم﴾ - بضم الياء وفتح الفاء وتشديد الصاد مع الفتح - على البناء للمجهول . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ﴿والله بما تعملون بصير﴾ أى: والله - تعالى - لا يخفى عليه شىء من أعمالكم ، بل هو مطلع عليها اطلاعا تاما وسيجازيكم يوم القيامة بما تستحقونه من ثواب أو عقاب . هذا ، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من الآيات الكريمة ما يأتى : (١) فتح القدير للشوكانى جـ ٥ ص ٢١١ . ٣٢٧ سورة الممتحنة ١ - أن هذه الآيات أصل فى النهى عن موالاة الأعداء ومصافاتهم بأية صورة من الصور ، وشبيه بها قوله - تعالى -: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبيناً﴾(١). وقوله - سبحانه -: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا . ودّوا ماعنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر ﴾(٢) . ٢ - أن هذه الآيات الكريمة تتجلى فيها رحمة الله - تعالى - بعباده المؤمنين ، حيث ناداهم بهذه الصفة مع وقوع بعضهم فى الخطأ الجسيم ، وهو إفشاء أسرار المؤمنين لأعدائهم قالوا : وفى هذا رد على المعتزلة الذين يقولون : إن المعصية تنافى الإِيمان . ٣ - أن هذه الآيات الكريمة فيها ما فيها من الأساليب الحكيمة فى الدعوة إلى الفضائل واجتناب الرذائل ، لأن الله - تعالى - عندما نهى المؤمنين عن موالاة أعدائه وأعدائهم ، ساق لهم الأسباب التى تحملهم على قطع كل صلة بهؤلاء الأعداء . بأن ذكر لهم أن هؤلاء الأعداء قد كفروا بالحق ، وحرصوا على إخراج الرسول والمؤمنين من ديارهم ، وأنهم إن يتمكنوا من المؤمنين ، فسينزلون بهم أشد ألوان الأذى . وهكذا يجب أن يتعلم الدعاة إلى الله - تعالى - أن على رأس الوسائل التى توصلهم إلى النجاح فى دعوتهم ، أن يأتوا فى دعوتهم بالأسباب المقنعة لاعتناق الحق ، واجتناب الباطل . ٤ - أن هذه الآيات الكريمة صريحة فى أن ما يتعلق بالدين والعقيدة ، يجب أن يقدم على ما يتعلق بالأرحام والأولاد ، لأن الأرحام والأولاد لن تنفع يوم القيامة ، وإنما الذى ينفع هو ما يتعلق بالاستجابة لما يفرضه الدين علينا من واجبات وتكاليف . وبعد هذا النهى للمؤمنين عن موالاة أعداء الله وأعدائهم .. ساقت لهم السورة الكريمة ، جانبا من قصة إبراهيم - عليه السلام - الذى تبرأ من كل صلة تربطه بغيره سوى صلة الإِيمان ، وإخلاص العبادة لله - تعالى - ، وأمرتهم بأن يقتدوا به فى ذلك لينالوا رضا الله - عز وجل - فقال - تعالى - : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ فِ إِّزَهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ: إِذْقَالُوْلِقَوْمِهِمْ (١) سورة النساء الآية ١٤٤. (٢) سورة آل عمران الآية ١١٨. ٣٢٨ المجلد الرابع عشر إِنَّابُرَءَ وُاْ مِنْكُمْ وَمِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الَّهِ كَفَرْنَا بِكُرْ وَبَدَا بَيْنَّنَا وَيَبْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ إلَّا قَوْلَ إِبْرَهِيمَ لِأَبِهِلَأَ سْتَغْفِرَنَّلَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَّنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيُ ن ◌ْ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَاَ غْفِرْلَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ ٥ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَّةٌ لِمَنْ كَانَ يَرّجُوا لَه وَاليَوْمَ الْآَخِرَّ وَمَنْ يَثَوَلَّ فَإِنَّاللّهَ هُوَالْغَنِىُّاَلْحِيدُ والأسوة كالقدوة ، وهى اتباع الغير على الحالة التى يكون عليها ، قال - تعالى - : لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة ؟ قال الآلوسي : قوله - تعالى -: ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة فى إبراهيم ﴾ تأكيد لأمر الإِنكار عليهم ، والتخطئة فى موالاة الكفار ، بقصة إبراهيم - عليه السلام - ومن معه ، ليعلم أن الحب فى الله - تعالى - والبغض فيه - سبحانه - من أوثق عرا الإِيمان ، فلا ينبغى أن يغفل عنها . والأسوة - بضم الهمزة وكسرها - بمعنى الائتساء والاقتداء ، وتطلق على الخصلة التى من حقها أن يؤتسى ويقتدى بها ، وعلى نفس الشخص المؤتسى به (١) . والمعنى : قد كان لكم - أيها المؤمنون - أسوة حسنة ، وخصلة حميدة ، ومنقبة كريمة ، فى قصة أبيكم إبراهيم - عليه السلام - ، وفى قصة الذين آمنوا معه . وافتتح - سبحانه - الكلام بقوله: ﴿ قد كانت ﴾ لتأكيد الخبر، فإن هذا الأسلوب المشتمل على قد وفعل الكون ، يفيد التأكيد بموجب الخبر ، والتعريض بغفلة من يخالفه . ووصف - سبحانه - الأسوة بالحسن ، على سبيل المدح لها والتحريض على الاقتداء يصاحبها . (١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ٦٩ . ٣٢٩ سورة الممتحنة وعطف - سبحانه - على إبراهيم الذين آمنوا معه ، ليتم التمثيل لحال المسلمين مع رسولهم - وَل - أى: كونوا - أيها المؤمنون - متأسين ومقتدين برسولكم - ﴿ - ومطيعين له ، ومستجيبين لتوجيهاته ، كما كان أتباع أبيكم إبراهيم كذلك . ثم بين - سبحانه - ما يجب عليهم الاقتداء به من حال إبراهيم - عليه السلام - والمؤمنين معه ، فقال: ﴿ إذا قالوا لقومهم إنا برآء منكم ، ومما تعبدون من دون الله ، كفرنا بكم ، وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا، حتى تؤمنوا بالله وحده ﴾ و ﴿ إذ﴾ ظرف زمان بمعنى وقت وحين ، وهو يدل اشتمال من إبراهيم والذين معه . أو خبر لكان . و ﴿ برآء﴾ جمع برىء. يقال: برئ فلان من كذا يبرأ براء وبراءة. إذا ابتعد عنه، لكراهته له . أى : قد كان لكم - أيها المؤمنون - أسوة حسنة فى إبراهيم - عليه السلام - وفى الذين آمنوا معه ، وقت أن قالوا لقومهم الكافرين ، بشجاعة وقوة: إنا برآه منكم ، ومن آلهتكم التى تعبدونها من دون الله - عز وجل - وإننا قد كفرنا بكم وبمعبوداتكم ﴿وبدا﴾ أى: وظهر بيننا وبينكم العداوة والبغض على سبيل التأييد والاستمرار ، ولن نتخلى عن ذلك معكم ، حتى تؤمنوا بالله - تعالى - وحده ، وتتركوا عبادتكم لغيره - تعالى - . فأنت ترى أن إبراهيم - عليه السلام - والمؤمنين معه ، قد أعلنوا بكل شجاعة وشدة ، إيمانهم الكامل بالحق ، وبراءتهم وكراهيتهم واحتقارهم ، لكل من أشرك مع الله - تعالى - فى العبادة آلهة أخرى . وأنهم لم يكتفوا بالتغيير القلبى للمنكر ، بل جاهروا بعداوتهم له ، وبالتنزه عن اقترابهم منه . وبتجافيهم عنه ... ولعل هذا هو أقصى ما كانوا يملكونه بالنسبة لتغيير هذا المنكر فى ذلك الوقت . وقد أخبرنا القرآن الكريم أن إبراهيم - عليه السلام - لم يكتف بذلك ، بل حطم الأصنام التى كان يعبدها قومه وقال لهم: ﴿ أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ﴾ . قال صاحب الكشاف : أى : كان فيهم - أى : فى إبراهيم ومن آمن معه - مذهب حسن مرضى ، جدير بأن يؤتسى به ، ويتبع أثره ، وهو قولهم لكفار قومهم ما قالوا ، حيث كاشفوهم بالعداوة ، وقشروا لهم العصا ، وأظهروا لهم البغضاء والمقت ، وصرحوا بأن سبب عداوتهم وبغضائهم ، ليس إلا كفرهم بالله . وما دام هذا السبب قائما ، كانت العداوة قائمة ، حتى إن أزالوه وآمنوا بالله وحده ، ٣٣٠ المجلد الرابع عشر انقلبت العداوة موالاة ، والبغضاء مودة ، والمقت محبة - فأفصحوا عن محض الإِخلاص .. (١). وقوله - تعالى -: ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه ، لأستغفرن لك .. ﴾ كلام معترض بين الأقوال التى حكاها - سبحانه - عن إبراهيم - عليه السلام - . والاستثناء يترجح أنه منقطع ، لأن هذا القول من إبراهيم لأبيه ، ليس من جنس الكلام السابق ، الذى تبرأ فيه هو ومن معه مما عليه أقوامهم الكافرون . والمعنى : اقتدوا - أيها المؤمنون - بأبيكم إبراهيم - عليه السلام - وبالذين آمنوا معه ، فى براءتهم من الشرك والمشركين .. ولكن لا تقتدوا به فى استغفاره لأبيه الكافر ، لأن استغفاره له كان عن موعدة وعدها إياه ، فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه . قال الإمام الشوكانى ما ملخصه : قوله: ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك .. ﴾ هو استثناء متصل من قوله : ﴿ فى إبراهيم ﴾ بتقدير مضاف .. أى: قد كانت لكم أسوة حسنة فى مقالات إبراهيم ، إلا فى قوله لأبيه : لأستغفرن لك . ويصح أن يكون استثناء متصلا من قوله: ﴿أسوة حسنة ) وصح ذلك لأن القول من جملة الأسوة ، فكأنه قيل : قد كانت لكم أسوة حسنة فى إبراهيم فى جميع أقواله وأفعاله ، إلا فى قوله لأبيه لأستغفرن لك . أو هو استثناء منقطع ، أى: اقتدوا بإبراهيم فى كل أقواله وأحواله ، لكن لا تقتدوا به فى قوله لأبيه المشرك : لأستغفرن لك ، بأن تستغفروا لآبائكم المشركين ، لأن استغفار إبراهيم لأبيه المشرك كان عن موعدة وعدها إياه ، أو أنه ظن أن أباه قد أسلم .. (٣) . وقوله - سبحانه - ﴿ وما أملك لك من الله من شىء ﴾ حكاية لبقية كلام إبراهيم لأبيه ، وليس الاستثناء متوجها إليه ، لأن هذه الجملة بيان لما تحلى به إبراهيم - عليه السلام - من آداب مع ربه - تعالى - حيث فوض الأمر إليه - سبحانه - . أى: وعد إبراهيم أباه بالاستغفار له، أملا فى هدايته ، وقال له : يا أبت إنى لا أملك لك من أمر قبول الاستغفار شيئا ، بل الأمر كله لله ، إن شاء عذبك وإن شاء عفا عنك ، والجملة الكريمة فى محل نصب على الحال من فاعل ﴿لأستغفرن لك﴾ أى: لأستغفرن لك حالة كونى لا أملك من أمر المغفرة أو غيرها شيئا ، وإنما الذى يملك ذلك هو الله - عز وجل - . ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جانبا مما تضرع به إبراهيم - عليه السلام - إلى خالقه فقال: ﴿ ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ﴾. (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥١٤. (٢) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٥ ص ٢١٢ . ٣٣١ سورة الممتحنة أى : يا ربنا عليك وحدك فوضنا أمورنا ، وإليك وحدك قبول توبتنا ، وإليك لا إلى أحد سواك مرجعنا ومصيرنا . ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ﴾ والفتنة هنا مصدر بمعنى المفتون ، أى : المعذب، مأخوذ من فتن فلان الفضة إذا أذابها . أى : ياربنا لا تجعلنا مفتونين معذبين لهؤلاء الكافرين ، بأن تسلطهم علينا فيفتنونا بعذاب لا نستطيع صده، كما قال - تعالى -: ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات .. ﴾ أى: عذبوهم وحاولوا إنزال الضرر والأذى بهم . ويصح أن يكون المعنى : ياربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ، بأن تعذبنا بأيديهم ، فيظنوا بسبب ذلك أنهم على الحق ، ونحن على الباطل ، ويزعموا أننا لو كنا على الحق ما انتصروا علينا . ولبعض العلماء رأى آخر فى فهم هذه الآية ، وهو أن المراد بالفتنة هنا : اضطراب حال المسلمين وفساده . وكونهم لا يصلحون أن يكونوا قدوة لغيرهم فى وجوه الخير ... فيكون المعنى : ياربنا لا تجعل أعمالنا وأقوالنا سيئة . فيترتب على ذلك أن ينفر الكافرون من ديننا ، بحجة أنه لو كان دينا سليما ، لظهر أثر ذلك على أتباعه ، ولكانوا بعيدين عن كل تفرق وتباعد وتأخر . قال بعض العلماء ما ملخصه : قوله : ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ﴾. الفتنة : اضطراب الحال وفساده ، وهى اسم مصدر، فتجىء بمعنى المصدر ، كقوله - تعالى - : والفتنة أشد من القتل ﴾ . وتجىء وصفاً للمفتون والفاتن . ومعنى جعلهم فتنة للذين كفروا : جعلهم مفتونين يفتنهم الذين كفروا ، فيصدق ذلك بأن يتسلط عليهم الذين كفروا فيفتنون . ويصدق - أيضا - بأن تختل أمور دينهم بسبب الذين كفروا . أى : بسبب محبتهم والتقرب منهم . وعلى الوجهين، فالفتنة من إطلاق المصدر على اسم المفعول .. واللام فى ((للذين كفروا )) على الوجهين - أيضا - للملك ، أى : مفتونين مسخرين لهم . ويجوز عندى أن تكون (( فتنة)) مصدرا بمعنى اسم الفاعل ، أى: لا تجعلنا فاتنين ، أى: سبب فتنة للذين كفروا ، فيكون كناية عن معنى : لا تغلب الذين كفروا علينا ، واصرف عنا ٠٠ ٣٣١ المجلد الرابع عشر ما يكون من اختلال أمرنا ، وسوء الأحوال ، كى لا يكون شىء من ذلك فاتنا للذين كفروا .. أى : يزيدهم كفرا، لأنهم يظنون أنا على الباطل وأنهم على الحق(١). وقوله: ﴿واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم ﴾ أى: واغفر لنا ياربنا ذنوبنا، إنك أنت الغالب الذى لا يغالب ، الحكيم فى كل أقواله وأفعاله . وقوله - سبحانه -: ﴿لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ تأكيد لقوله - تعالى - قبل ذلك: ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة فى إبراهيم ﴾ والغرض من هذا التأكيد ، تحريض المؤمنين على التأسى بالسابقين فى قوة إيمانهم وشدة إخلاصهم . أى : لقد كان لكم - أيها المؤمنون - أسوة حسنة ، وقدوة طيبة ، فى أبيكم إبراهيم - عليه السلام - وفيمن آمن به ، وهذه القدوة إنما ينتفع بها من كان يرجو لقاء الله - تعالى - ورضاه ، ومن كان يرجو ثوابه وجزاءه الطيب . وجىء بلام القسم فى قوله : ﴿ لقد كان لكم .. ﴾ على سبيل المبالغة فى التأكيد بوجوب التأسى بإبراهيم ، وبمن آمن معه . وجملة ﴿ لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ بدل من قوله ﴿لكم﴾ بدل اشتمال. وفائدة هذا البدل : الإِيذان بأن من يؤمن بالله واليوم الآخر ، لا يترك الاقتداء بإبراهيم - عليه السلام - وبمن آمن معه ، وأن ترك ذلك من علامات عدم الإِيمان الحق . كما ينبىء عنه التحذير فى قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿ومن يتول فإن الله هو الغنى الحميد ﴾ . أى : ومن يعرض عن هذا التأسى ، فوبال إعراضه عليه وحده ، فإن الله - تعالى - هو الغنى عن جميع خلقه ، الحميد لمن يمتثل أمره . والمتدبر فى هذه الآيات الكريمة ، من أول السورة إلى هنا ، يجد أن الله - تعالى - لم يترك وسيلة للتنفير من موالاة أعدائه ، إلا أظهرها وكشف عنها . ثم فتح - سبحانه - لعباده باب رحمته وفضله ، فبشرهم بأنه قد يهدى إلى الإِسلام قوما من الأعداء الذين تربط بينهم وبين المؤمنين رابطة الدم والقرابة، وحدد لهم القواعد التى عليها يبنون مودتهم وعداوتهم لغيرهم ، فقال - تعالى - : (١) تفسير التحرير والتنوير جـ ٢٨ ص ١٣٩ للشيخ محمد الطاهر بن عاشور. ٣٣٣ سورة الممتحنة عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ يَيْنَكُمْوَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَ يْتُمْ مِنْهُمْ قَوَدَّةً وَالله ◌َدِيْرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌرَّحِيمٌ ﴿ لَا يَنْهَكُاللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَئِلُوكُمْ فِ الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَزِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوْاْ إِلَّهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ ﴿ْ إِنَّمَايَنْهَكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ قَتَلُوكُمْ فِ الدِّينِ وَأَخْرَ جُوعُم مِنِيَزِكُمْوَظَهَرُوا عَلَّإِخْرَاِكُمْأَنْ تَوَلَّهُمْ وَمَن يَنَوْلَكُمْ فَأُوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ أ (( عسى)) فعل مقاربة يدل على الرجاء ، وإذا صدر من الله - تعالى - كان متحقق الوقوع ، لصدوره من أكرم الأكرمين . قال صاحب الكشاف: ((عسى)) وعد من اللّه على عادات الملوك ، حيث يقولون فى بعض الحوائج: عسى أو لعل، فلا تبقى شبهة للمحتاج فى تمام ذلك ، أو قصد به إطماع المؤمنين (١) . وقال الجمل فى حاشيته : لما أمر الله المؤمنين بعداوة الكفار، عادى المؤمنون أقرباءهم المشركين وأظهروا لهم العداوة والبراءة . وعلم الله شدة ذلك على المؤمنين ، فوعد - سبحانه - المسلمين بإسلام أقاربهم الكفار ، فيوالونهم موالاة جائزة ، وذلك من رحمته - سبحانه - بالمؤمنين ، ورأفته بهم، فقال: ﴿ عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم ,(٢) منهم مودة والمعنى : عسى الله - تعالى - أن يجعل بينكم - أيها المؤمنون - وبين الذين عاديتموهم من أقاربكم الكفار ، مودة ومحبة .. بأن يهديهم إلى الدخول فى دين الإِسلام ، فتتحول عداوتكم لهم ، إلى أخوة صادقة . وصلة طيبة ، ومحبة شديدة . وقد أنجز الله - تعالى - وعده ، فهدى كثيراً من كفار قريش إلى الدخول فى الإِسلام ، ( ١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥١٥ . (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٣٢٨ . ٣٣٤ المجلد الرابع عشر والتقوا هم وأقاربهم الذين سبقوهم إلى الإِسلام ، على طاعة الله ومحبته ، والدفاع عن دينه ، وبذل أنفسهم وأموالهم فى سبيله . والله قدير ، والله غفور رحيم﴾ أى: والله - تعالى - شديد القدرة على أن يغير أحوال القلوب ، فيصبح المشركون مؤمنين ، والأعداء أصدقاء ، والله - تعالى - واسع المغفرة والرحمة ، لمن استجاب لأمره ونهيه ، وأقلع عن المعصية إلى الطاعة ، ونبذ الكفر وتحول إلى الإِيمان . فالآية الكريمة بشارة عظيمة للمؤمنين ، بأنه - سبحانه - كفيل بأن يجمع شملهم بكثير من أقاربهم الكافرين ، وبأن يحول العداء الذى بينهم ، إلى مودة ومحبة ، بسبب التقاء الجميع على طاعة الله - تعالى - وإخلاص العبادة له . وقد تم ذلك بصورة موسعة ، بعد أن فتحت مكة ، ودخل الناس فى دين الله أفواجا . ثم بين - سبحانه - للمؤمنين القاعدة التى يسيرون عليها فى مودتهم وعداوتهم وصلتهم ومقاطعتهم . فقال - تعالى -: ﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم ، أن تبروهم وتقسطوا إليهم ، إن الله يحب المقسطين وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية والتى بعدها روايات منها ، ما أخرجه البخارى وغيره عن أسماء بنت أبى بكر الصديق قالت : أتتنى أمى راغبة - أى : فى عطائى - وهى مشركة فى عهد قريش ... فسألت رسول الله - وَلجر - أأصلها؟ فأنزل الله - تعالى - : لا ينهاكم الله ﴾. فقال رسول الله - رَلو -: ((نعم صلى أمك)). وروى الإمام أحمد وجماعة عن عبد الله بن الزبير قال : قدمت قتيلة بنت عبد العزى - وهى مشركة - على ابنتها أسماء بنت أبى بكر بهدايا ، فأبت أسماء أن تقبل هديتها ، أو تدخلها بيتها، حتى أرسلت إلى عائشة، لكى تسأل رسول الله - * - عن هذا ، فسألته ، فأنزل الله - تعالى - ﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين وقال الحسن وأبو صالح : نزلت هذه الآية فى قبائل من العرب كانوا قد صالحوا النبى - وَل ـ - على أن لا يقاتلوه ، ولا يعينوا عليه. وقال مجاهد : نزلت فى قوم بمكة آمنوا ولم يهاجروا ، فكان المهاجرون والأنصار يتحرجون من برهم ، لتركهم فرض الهجرة . قال الآلوسى - بعد أن ذكر هذه الروايات وغيرهما -: والأكثرون على أنها فى كفرة ٣٣٥ سورة الممتحنة اتصفوا بما فى حيز الصلة .. (١) . والذى تطمئن إليه النفس أن هاتين الآيتين ، ترسمان للمسلمين المنهج الذى يجب أن يسيروا عليه مع غيرهم ، وهو أن من لم يقاتلنا من الكفار ، ولم يعمل أو يساعد على إلحاق الأذى والضرر بنا ، فلا يأس من بره وصلته . ومن قاتلنا ، وحاول إيذاءنا منهم . فعلينا أن نقطع صلتنا به ، وأن نتخذ كافة الوسائل لردعه وتأديبه ، حتى لا يتجاوز حدوده معنا . والمعنى: ﴿ لا ينهاكم الله﴾ - تعالى - أيها المؤمنون - ﴿عن﴾ مودة وصلة الكافرين الذين لم يقاتلوكم ، فى الدين ، ولم يخرجوكم من دياركم﴾ أى: لم يقاتلوكم من أجل أنكم مسلمون ، ولم يحاولوا إلحاق أى أذى بكم ، كالعمل على إخراجكم من دياركم . لا ينهاكم الله - تعالى - عن ﴿ أن تبروهم﴾ أى: عن أن تحسنوا معاملتهم وتكرموهم. وعن أن ﴿ تقسطوا إليهم ﴾ أى تقضوا إليهم بالعدل ، وتعاملوهم بمثل معاملتهم لكم ، ولا تجوروا عليهم فى حكم من الأحكام . ﴿ إن الله يحب المقسطين ﴾ أى العادلين فى أقوالهم وأفعالهم وأحكامهم ، الذين ينصفون الناس ، ويعطونهم العدل من أنفسهم ، ويحسنون إلى من أحسن إليهم . ﴿ إنما ينهاكم الله﴾ - تعالى - ﴿عن﴾ بر وصلة ﴿الذين قاتلوكم فى الدين ﴾ أى قاتلوكم لأجل أنكم على غير دينهم ﴿وأخرجوكم من دياركم﴾ التى تسكنونها ﴿وظاهروا على إخراجكم ﴾ . أى : وعاونوا غيرهم على إخراجكم من دياركم ، يقال: ظاهر فلان فلانا على كذا ، إذا · عاونه فى الوصول إلى مطلبه . وقوله: ﴿ أن تولوهم﴾ بدل اشتمال ﴿من الذين قاتلوكم﴾ أى: ينهاكم - سبحانه - عن موالاة ، ومواصلة ، وبر الذين قاتلوكم فى الدين ، وأخرجوكم من دياركم . ومن يتولهم ﴾ أى : ومن يبر منكم - أيها المؤمنون - هؤلاء الذين قاتلوكم فأولئك ﴾ الذين يفعلون ذلك ﴿هم الظالمون) لأنفسهم ظلما شديدا يستحقون بسببه العقاب الذى لا يعلمه إلا هو - سبحانه - . فأنت ترى أن الآية الأولى قد رخصت لنا فى البر والصلة - قولا وفعلا - للكفار الذين لم يقاتلونا لأجل ديننا ، ولم يحاولوا الإِساءة إلينا ، بينما الآية الثانية قد نهتنا عن البر أو الصلة ( ١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ٧٤ . ٣٣٦ المجلد الرابع عشر لأولئك الكافرين ، الذين قاتلونا من أجل مخالفتنا لهم فى العقيدة ، وحاولوا إخراجنا من ديارنا أو أخرجوا بعضنا بالفعل - وعاونوا غيرهم على إنزال الأذى بنا . هذا ، ويرى بعض العلماء أن الآية الأولى منسوخة . قال القرطبى : قال ابن زيد: كان هذا فى أول الإِسلام عند الموادعة ، وترك الأمر بالقتال ، ثم نسخ هذا الحكم . قال قتادة : نسخها قوله - تعالى - ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾(١). والذى عليه المحققون من العلماء ، أن الآية محكمة وليست منسوخة ، لأنها تقرر حكما يتفق مع شريعة الإِسلام فى كل زمان ومكان ، وهو أننا لا نؤذى إلا من آذانا ، ولا نقاتل إلا من أظهر العداوة لنا بأية صورة من الصور . وأقوال النبى - ول# - وأفعاله تؤيد عدم النسخ، فقد كان - وَالقر - يستقبل الوفود التى تأتيه لمناقشتها فى بعض الأمور الدينية ، مقابلة كريمة ، ويتجلى ذلك فيما فعله مع وفد نجران ، ووفد تميم وغيرهما . كذلك مما يؤيد عدم النسخ ، أنه لا تعارض بين هذه الآية ، وبين آية السيف ، لأن الأمر بالقتال إنما هو بالنسبة لقوم يستحقونه ، بأن يكونوا قد قاتلونا أو أخرجونا من ديارنا ، كما جاء فى الآية الثانية . وأما الرخصة فى البر والصلة ، فهى فى شأن الذين لم يقاتلونا ولم يخرجونا من ديارنا ، وهذا ماصرحت به الآية الأولى . ورحم الله الإِمام ابن جرير فقد قال بعد أن ذكر الآراء فى ذلك: وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب قول من قال: عنى بقوله - تعالى -: ﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين .. ﴾ جميع أصناف الملل والأديان ، أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم .. ويشمل ذلك من كانت تلك صفته ، دون تخصيص لبعض دون بعض . ولا معنى لقول من قال : ذلك منسوخ ، لأن بر المؤمن من أهل الحرب ، ممن بينه وبينه قرابة نسب ، أو ممن لا قرابة بينه ولا نسب ، غير محرم ، ولا منهى عنه ، إذا لم يكن فى ذلك ، دلالة له أو لأهل الحرب ، على عورة لأهل الإِسلام، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح(٢). (١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٨ ص ٥٩ . ( ٢) راجع تفسير ابن جرير جـ ٢٨ ص ٤٣ . ٣٣٧ سورة الممتحنة ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان بعض الأحكام التى تتعلق بالنساء المؤمنات ، اللاتى تركن أزواجهن الكفار، ورغبن فى الهجرة إلى دار السلام فقال - تعالى -: يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْإِذَا جَاءَ كُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَتِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّمُؤْمِنَاتٍ فَرْ جِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِلَ هُنَّ حِلٌ لَهُمْوَلَهُمْ يَحِلُوَ لَهُنَّ وَءَا تُهُمٍ مَّا أَنْفَقُواْ وَلَاجُنَاحَ عَلَيْكُمْأَنْ تَنكِحُوهُنَّإِذَآءَانَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ اَلْكَوَاِ وَسْتَلُواْمَّا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْتَلُواْمَا أَنْفَقُواْ ذَلِكُمُ حُكْمُاللهِ يَحْكُمُبَيْنَكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ () وَإِن فَاتَّكُمُ. شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَا قَبْتُمْ فَشَاتُواْالَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُواْ وَنَّقُوا اللَّهُ الَّذِىَّ أَنْتُمْ بِهِ، مُؤْمِنُونَ قال الإِمام القرطبى: قوله - تعالى - : ﴿يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ﴾: لما أمر الله المسلمين بترك مؤالاة المشركين ، واقتضى ذلك مهاجرة المسلمين عن بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، وكان التناكح من أوكد أسباب الموالاة ، فبين - سبحانه - أحكام مهاجرة النساء . قال ابن عباس : جرى الصلح مع مشركى قريش عام الحديبية على أن من أتاه من أهل مكة رده إليهم ، فجاءت سعيدة بنت الحارث الأسلمية بعد الفراغ من الكتاب ، والنبى - وَ * - بالحديبية بعدُ ، فأقبل زوجها - وكان كافرا .. فقال : يا محمد ، اردد على امر أتى ، فإنك شرطت ذلك ، وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد ، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية . وقيل: جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فجاء أهلها يسألون رسول الله - دولار - أن يردها . وقيل: هربت من زوجها عمرو بن العاص ومعها أخواها فرد رسول الله - وَالخير - أخويها وحبسها، فقالوا للنبى - 19 - ردها علينا للشرط، فقال: ((كان الشرط فى الرجال لا فى ٣٣٨ المجلد الرابع عشر النساء)) فأنزل الله هذه الآية(١). والمعنى : يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإِيمان، ﴿ إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ﴾ ، من دار الكفر إلى دار الإِيمان ، وراغبات فى فراق الكافرين ، والبقاء معكم . فامتحنوهن ﴾ أى : فاختبروهن اختبارا يغلب معه الظن بأنهن صادقات فى هجرتهن وفى إيمانهن ، وفى موافقة قلوبهن لألسنتهن . وقد ذكر ابن جرير فى كيفية امتحانهن صيغا منها : ما جاء عن ابن عباس أنه قال : كانت المرأة إذا أتت رسول الله - جزر - حلفها بأنها ما خرجت بغضا لزوجها ، ولا رغبة فى الانتقال من أرض إلى أرض ، ولا التماسا لدنيا، وإنما خرجت حبا لله ولرسوله (٢). وجملة : ﴿ اللّه أعلم بإيمانهن) معترضة لبيان أن معرفة خفايا القلوب، مردها إلى الله - تعالى - وحده . قال صاحب الكشاف : قوله: ﴿اللّه أعلم بإيمانهن﴾ أى: منكم، لأنكم لا تكسبون فيه علما تطمئن معه نفوسكم ، وإن استحلفتموهن ودرستم أحوالهن، وعند الله حقيقة العلم به (٣). والمراد بالعلم فى قوله - تعالى -: ﴿ فإن علمتموهن مؤمنات فلاترجعوهن إلى الكفار ﴾ الظن الغالب . أى : فإن غلب على ظنكم بعد امتحانهن أنهن مؤمنات صادقات فى إيمانهن ، فأبقوهن عندكم ، ولا ترجعوهن إلى أزواجهن أو إلى أهلهن من الكفار . وسمى الظن القوى علما للإِيذان بأنه كالعلم فى وجوب العمل بمقتضاه، وإنما رد الرسول - وَرّ - الرجال الذين جاءوه مؤمنين بعد صلح الحديبية ، ولم يرد النساء المؤمنات ، لأن شرط الرد كان فى الرجال ولم يكن فى النساء - كما سبق أن ذكرنا نقلا عن القرطبى - ، ولأن الرجل لا يخشى عليه من الفتنة فى الرد ما يخشى على المرأة ، من إصابة المشرّك إياها ، وتخويفها ، وإكراهها على الردة . قال بعض العلماء : قال كثير من المفسرين : إن هذه الآية مخصصة لما جاء فى معاهدة صلح الحديبية ، والتى كان فيها من جاء من الكفار مسلما إلى المسلمين ردوه إلى المشركين ، ومن جاء من المسلمين كافرا للمشركين ، لا يردونه على المسلمين ، فأخرجت الآية النساء من المعاهدة ، (١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٨ ص ٦١ . ( ٢ ) تفسير ابن جرير جـ ٢٨ ص ٤٥ . (٣) راجع تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥١٧ . ٣٣٩ سورة الممتحنة وأبقت الرجال ، من باب تخصيص العموم . وتخصيص السنن بالقرآن ، وتخصيص القرآن بالسنن ، أمر معلوم . ومن أمثلة تخصيص السنة بالكتاب، قوله : - 3 18 -: ((ما أبين من حى فهو ميت)) أى : فهو محرم ، فقد جاء تخصيص هذا العموم بقوله - تعالى - : ﴿ومن أصوافها وأوبارها ﴾ أى: ليس محرما ، ومن أمثلة تخصيص الكتاب بالسنة قوله - تعالى - : حرمت عليكم الميتة والدم ﴾ فقد جاء تخصيص هذا العموم بحديث: ((أحلت لنا ميتتان ودمان ، أما الميتتان: فالجراد والحوت ، وأما الدمان: فالكبد والطحال)). وقال بعض المفسرين : إنها ليست مخصصة للمعاهدة ، لأن النساء لم يدخلن فيها ابتداء ، وإنما كانت فى حق الرجال فقط . والذى يظهر - والله أعلم - أنها مخصصة لمعاهدة الحديبية ، وهى من أحسن الأمثلة لتخصيص السنة بالقرآن - كما قال الإِمام ابن كثير (١) . وقوله - سبحانه -: ﴿ لاهن حل لهم ولا هم يحلون لهن ﴾ تعليل للنهى عن رد المؤمنات المهاجرات إلى دار الكفر ، أو إلى أزواجهن الكفار . أى : لا ترجعوا - أيها المؤمنون - النساء المؤمنات المهاجرات إليكم من أرض الكفر إلى أزواجهن الكافرين ، فإن هؤلاء المؤمنات صرن بسبب إيمانهن لا يصح ارتباطهن بأزواجهن الكفار ، كما لا يصح لهؤلاء الكافرين الارتباط بالنساء المؤمنات . فالجملة الكريمة المقصود بها تأكيد النهى عن رد المؤمنات المهاجرات إلى أرض الكفر ، ووجوب التفرقة بين المرأة المؤمنة وزوجها الكافر فى جميع الأحوال . قال ابن كثير : هذه الآية هى التى حرمت المسلمات على المشركين وقد كان ذلك جائزا فى أول الإِسلام، أن يتزوج المشرك المؤمنة .. (٢). وقوله - تعالى -: ﴿وآتوهم ما أنفقوا ﴾ بيان لمظهر من مظاهر عدالة الإِسلام فى أحكامه . والخطاب لولاة الأمور . وهذا الإِيتاء إنما هو للأزواج المعاهدين ، أما إذا كانوا حزبيين فلا يعطون شيئا . أى : وسلموا إلى المشركين الذين جاءكم نساؤهم مؤمنات ، مادفعوه لهن من مهور ، قال ١ (١) راجع أضواء البيان جـ ٨ ص ١٦٠. (٢) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ١١٨ . ٣٤٠ المجلد الرابع عشر القرطبى: قوله: ﴿وآتوهم ما أنفقوا﴾: أمر الله - تعالى - إذا أُمسِكَتْ المرأة المسلمة، أن يرد إلى زوجها المشرك ماأنفق ، وذلك من الوفاء بالعهد ، لأنه لما مُنِع من أهله ، بحرمة الإِسلام ، أمر - سبحانه - برد المال إليه ، حتى لا يقع عليهم خسران من الوجهين : الزوجة والمال(١). فالمراد بقوله - تعالى - ﴿ ما أنفقوا): ما دفعه المشركون لأزواجهم المؤمنات. وعبر عن هذه المهور بالنفقة ، للإِشعار بأن هؤلاء الزوجات المؤمنات ، أصبحت لا صلة لهن بأزواجهن المشركين . وقوله - سبحانه -: ﴿ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ تکریم لهؤلاء النساء المسلمات اللائى فررن بدينهن من أزواجهن المشركين . أى : ولا حرج عليكم - أيها المؤمنون - فى نكاح هؤلاء المؤمنات ، بعد فراقهن لأزواجهن المشركين ، وبعد استبرائكم الأرحامهن ، وعليكم أن تدفعوا لهن مهورهن كاملة غير منقوصة . ونص على دفع المهر لهن - مع أنه أمر معلوم - لكى لا يتوهم متوهم ، أن رد المهر الى الزوج الكافر ، يغنى عن دفع مهر جديد لهن إذا تزوجن بعد ذلك بأزواج مسلمين ، إذ المهر المردود للكفار ، لا يقوم مقام المهر الذى يجب على المسلم إذا ما تزوج بامرأة مسلمة فارقت زوجها الكافر . والمراد بالإِيتاء : ما يشمل الدفع العاجل ، والتزام الدفع فى المستقبل . ثم نهى الله - تعالى - المسلمين عن إبقاء الزوجات المشركات فى عصمتهم فقال : ولا تمسكوا بعصم الكوافر ﴾ . والعصم : جمع عصمة ، والمراد بها هنا : عقد النكاح الذى يربط بين الزوج والزوجة ، والكوافر : جمع كافرة ، كضوارب جمع ضاربة . أى: ولا يصح لكم - أيها المؤمنون - أن تبقوا فى عصمتكم، زوجاتكم اللائى آثرن الكفر على الإِيمان ، وأبين الهجرة معكم من دار الكفر إلى دار الإِسلام ، وقد بادر المسلمون بعد نزول هذه الآية بتطليق زوجاتهم الكافرات فطلق عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - امرأتين له كانتا مشركتين ، وطلق طلحة بن عبيد الله إحدى زوجاته وكانت مشركة . (١) تفسير القرطبى جـ ١٨ ص ٦٥ . --