النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
مقدمة
التفسير
قال الله - تعالى - :
ـمِاللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحْمِ
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
هُوَ الَّذِىَ أَخْرَجَالَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَبِ مِن دِيَرِهِمْ
١
لِأَوَّلِ الْحَشِّرِّ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُواْ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ
خُصُوبُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَنَهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَّذَفَ
فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَّ ◌ُخرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِ بِهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ
فَاعْتَبِرُوايَتَأُوْلِ اَلْأَبْصَرِ ، وَلَوْلَا أَنْ كَنَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ
الْجَلَآءَ لَعَذَّبَهُمْ فِ الدُّنْيَّهُ وَلَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِهِ
٣
ذَلِكَ بِأَّهُمْ شَاقُواْاللَّهَ وَرَسُولَةٌ، وَ مَن يُشَآقِ اللَّهَ فَإِنَّاللَّهَ شَدِيدُ
اَلْعِقَابِ أَ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِيِنَةٍ أَوْتَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً
عَلَى أُصُولِهَا فَبَإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِىَ الْفَسِفِينَ ﴾)
افتتحت سورة ((الحشر )) بالثناء على الله - تعالى - وبتنزيهه عن كل مالا يليق بذاته
الجليلة ، فقال - عز وجل -: ﴿سبح لله ما فى السموات وما فى الأرض وهو العزيز
الحكيم ﴾ .
وأصل التسبيح لغة: الإبعاد عن السوء . وشرعا : تنزيه الله - تعالى - عن كل مالا يليق
بجلاله وكماله .

٢٨٢
المجلد الرابع عشر
والذى يتدبر القرآن الكريم ، يجد أن الله - تعالى - قد ذكر فيه أن كل شىء فى هذا
الكون يسبح بحمده - تعالى - ، كما فى قوله : ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن
لا تفقهون تسبيحهم ﴾ كما ذكر - سبحانه - أن الملائكة تسبح له ، كما فى قوله: ﴿ ونحن
نسبح بحمدك ونقدس لك ... ﴾ .
وكذلك الرعد، كما فى قوله: ﴿ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ... ﴾.
وكذلك الجبال والطير قال - تعالى - : ﴿ إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشى
والإِشراق. والطير محشورة كل له أواب ﴾(١).
وقد سبق أن ذكرنا خلال تفسيرنا لقوله - تعالى -: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده
ولكن لا تفقهون تسبيحهم ... ﴾ أن الرأى الذى تطمئن إليه النفس ، أن التسبيح حقيقى ،
ولكن بلغة لا يعلمها إلا الله - تعالى -(٢) .
والمعنى: سبح لله - تعالى - ونزهه عن كل مالا يليق به ، جميع ما فى السموات وجميع
ما فى الأرض من كائنات ومخلوقات . وهو - عز وجل - ﴿العزيز ﴾ الذى لا يغلبه غالب
الحكيم ﴾ فى أقواله وأفعاله .
وقد افتتحت بعض السور - كسورة الحديد والحشر والصف - بالفعل الماضى ، لإفادة
الثبوت والتأكيد ، وأن التسبيح قد تم فعلا .
وافتتحت بعض السور، كسورة الجمعة والتغابن - بالفعل المضارع ((يسبح)) لإفادة تجدد
هذا التسبيح فى كل وقت ، وحدوثه فى كل لحظة .
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على المؤمنين ، حيث نصرهم على أعدائهم ،
فقال : ﴿ هو الذى أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ... ﴾.
والمراد بالذين كفروا من أهل الكتاب هنا : يهود بنى النضير ، وقصتهم معروفة فى كتب
السنة والسيرة ، وملخصها : أن هؤلاء اليهود كانوا يسكنون فى ضواحى المدينة فذهب إليهم
النبى - ﴿ - ليستعين بهم فى دفع دية لقتيلين قتلهما بعض المسلمين خطأ، فاستقبلوه
استقبالا حسنا، وأظهروا له - لي - استعدادهم للمساعدة فيما يطلبه منهم ، ثم خلا بعضهم
ببعض وقالوا : إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه ، فمن منكم يصعد إلى أعلى هذا
البيت الذى يجلس تحته محمد - ﴿ - فيلقى عليه حجرا فيريحنا منه .
(١) سورة ص آية ١٨، ١٩.
( ٢) راجع تفسيرنا لسورة الإسراء الآية ٤٤ ص ٣٦١.

٢٨٣
سورة الحشر
فتعهد واحد منهم بذلك ، وقبل أن يتم فعله ، نزل جبريل - عليه السلام - على النبى
- وَ﴾ - فأخبره بما أضمره اليهود من غدر وخيانة فرجع - والله - إلى المدينة - وأخبر
أصحابه بما أضمره له يهود بنى النضير ، ونزل قوله - تعالى - : ﴿ يأيها الذين آمنوا اذكروا
نعمة الله عليكم ، إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ، فكف أيديهم عنكم واتقوا الله، وعلى
(١)
الله فليتوكل المؤمنون
ثم أمر النبى - وَ ﴿ - أصحابه أن يستعدوا لحصار بنى النضير، وتأديبهم على غدرهم ..
فحاصرهم المؤمنون بضعا وعشرين ليلة ، وانتهى الأمر بإجلائهم ، عن المدينة ، فمنهم من
ذهب إلى خبير ، ومنهم من ذهب إلى غيرها .
واللام فى قوله - تعالى -: ﴿لأول الحشر﴾ متعلقة بأخرج، والحشر: الجمع، يقال:
حشر القائد جنده إذا جمعهم ، ومنه قوله - تعالى -: ﴿وحشر لسليمان جنوده من الجن
والإِنس والطير فهم يوزعون ﴾ .
أى : هو - سبحانه - الذى أخرج - بقدرته - الذين كفروا من أهل الكتاب من
ديارهم ، وهم يهود بنى النضير عند مبدأ الحشر المقدر لهم فى علمه ، بأن مكنكم - أيها
المؤمنون - من محاصرتهم وجمعهم فى مكان واحد ، ثم طردهم من المدينة المنورة إلى أماكن
أخرى ، بسبب غدرهم وسوء صنيعهم .
قال صاحب الكشاف : اللام فى قوله: ﴿ لأول الحشر﴾ تتعلق بأخرج ، وهى مثل اللام
فى قوله: ﴿ ياليتنى قدمت لحياتي ﴾ وفى قولك: جئته لوقت كذا ..
والمعنى : أخرج الذين كفروا عند أول الحشر . ومعنى أول الحشر : أن هذا أول حشرهم
إلى الشام ، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء قط .. أو المعنى : هذا أول حشرهم ، وآخر
حشرهم : إجلاء عمر - رضى الله عنه - لهم من خيبر إلى الشام .
وقيل معناه : أخرجهم من ديارهم لأول ما حشر لقتالهم ، لأنه أول قتال قاتلهم رسول الله
. ‘’ .. - 雞-
وقصر - سبحانه - إخراجهم عليه فقال : هو الذى أخرج الذين كفروا ، مع أن المسلمين
قد اشتركوا فى إخراجهم عن طريق محاصرتهم؛للإشعار بأن السبب الحقيقى فى إخراجهم من
ديارهم ، هو ما قذفه الله - تعالى - فى قلوبهم من الرعب .. أما محاصرة المؤمنين لهم فهى
(١) سورة المائدة الآية ١١.
( ٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧٩ .

٢٨٤
المجلد الرابع عشر
أسباب فرعية ، قد تؤدى إلى إخراجهم ، وقد لا تؤدى ، وللإشعار - أيضا - بأن كل شىء
إنما هو بقضاء الله وقدره ..
ووصفهم - سبحانه - بالكفر وبأنهم من أهل الكتاب ، للتشنيع عليهم وزيادة مذمتهم ،
حيث إنهم جمعوا بين رذيلتين : رذيلة الكفر بالحق ، ورذيلة عدم العمل بكتابهم الذى أمر باتباع
الرسول - ﴿ - الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل، والذى يأمرهم
بالمعروف ، وينهاهم عن المنكر .
و((من)) فى قوله - تعالى -: ﴿من أهل الكتاب) للبيان ، حتى لا يظن بأن المراد بالذين
كفروا هنا ، مشركو قريش ، وإن كان الجميع يشتركون فى الكفر والفسوق والعصيان .
وقوله - تعالى -: ﴿ ما ظننتم أن يخرجوا .... ﴾ تذكير للمؤمنين بنعم الله - تعالى -
عليهم .
أى : ما ظننتم - أيها المؤمنون - أن يهود بنى النضير سيخرجون من ديارهم بتلك
السهولة ، وذلك لتملكهم لألوان من القوة ، كقوة السلاح ، وكثرة العدد ، ووجود من يحميهم
ممن يسكنون معكم فى المدينة ، وهم حلفاؤهم من بنى قومهم ، کبنى قريظة وغيرهم ، ومن غير
بنى قومهم كالمنافقين الذين وعدوهم ومنوهم .
وقوله: ﴿ وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ﴾ معطوف على ما قبله .
أى : أنتم - أيها المؤمنون - ظننتم أن اليهود لن يخرجوا من ديارهم لما معهم من قوة ،
وهم - أيضا - ظنوا أن حصونهم ستمنع بأس الله عنهم ، وأنها ستحول بينهم وبين خروجهم
منها ، ونَصْرِ كم علیھم .
١
وقوله - سبحانه - : ﴿ فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف فى قلوبهم الرعب ... ﴾ متفرع
عن الظن السابق ، الذى ظنه المؤمنون ، والذى ظنه أعداؤهم وهم بنو النضير .
أى : أنتم ظننتم أنهم لن يخرجوا من ديارهم ، وهم ظنوا - أيضا - أن حصونهم ستمنعهم
من نصركم عليهم ، فكانت النتيجة أن أتاهم بأس الله وعقابه من حيث لم يحتسبوا ومن حيث
لم يخطر ببال ، بأن قذف فى قلوبهم الرعب والفزع فخرجوا من حصونهم التى تمنعوا بها ، ومن
ديارهم التى سكنوها زمنا طويلا صاغرين أذلاء .
والتعبير بقوله: ﴿من حيث لم يحتسبوا﴾ إشارة إلى أن ما نزل بهم من هزيمة، لم يكونوا
يتوقعونها أصلا ، إذ الاحتساب مبالغة فى الحسبان ، أى : أتاهم عقاب الله - تعالى - من
المكان الذى كانوا يعتقدون أمانهم فيه ، وفى زمان لم يكونوا أصلا يتوقعون حلول هزيمتهم
عنده .

٢٨٥
سورة الحشر
وعبر - سبحانه - بالقذف ، لأنه كناية عن الرمى بقوة وعنف وسرعة . والرعب : شدة
الخوف والفزع، وأصله: الامتلاء. تقول : رعبت الحوض إذا ملأته .
أى : وقذف - سبحانه - فى قلوبهم الرعب الذى ملأها بالجزع والفزع فاستسلموا بسبب
ذلك لما حكم به الرسول - صلقر - عليهم .
ثم بین - سبحانه - ما حدث منهم خلال جلائهم فقال : ﴿ يخربون بيوتهم بأيديهم وأیدی
المؤمنين ، فاعتبروا يا أولى الأبصار ﴾ والتخريب : إسقاط البناء وهدمه أو إفساده.
أى : أن هؤلاء اليهود ، بلغ من سوء نيتهم ، ومن اضطراب أمرهم ، أنهم عندما أجمعوا
أمرهم على الرحيل عن المدينة ، أخذوا يخربون بيوتهم بأيديهم ، عن طريق إسقاط بنائها ،
وهدم السليم منها ، وإزالة ما اشتملت عليه من أبواب وغيرها .. حتى لا ينتفع المسلمون بها
من بعدهم ..
وأخذوا يخربونها - أيضا - بأيدى المؤمنين ، أى : بسبب أن المؤمنين كانوا يزيلون من
طريقهم كل عقبة حتى يقتحموا عليهم ديارهم ، فترتب على ذلك أن هدموا بعض بيوت بنى
النضير من الخارج، ليستطيعوا التمكن منهم .
قال صاحب الكشاف : ما معنى تخريبهم لها بأيدى المؤمنين ؟ قلت : لما عرَّضوهم لذلك ،
وكانوا السبب فيه. فكأنهم أمروهم به ، وكلفوهم إياه .. (١).
أى : أن يهود بنى النضير بسبب تحصنهم فى ديارهم ، ومحاولتهم عدم النزول على حكم
الرسول - ﴿ - حملوا المؤمنين على تخريب هذه الحصون من الخارج، ليدخلوا عليهم ..
والخطاب فى قوله - تعالى -: ﴿فاعتبروا يا أولى الأبصار﴾ لكل من يصلح له .
قال الجمل فى حاشيته : والاعتبار مأخوذ من العبور والمجاوزة من شىء إلى شىء ، ولهذا
سميت العبرة عبرة ، لأنها تنتقل من العين إلى الخد . وسمى علم التعبير بذلك ، لأن صاحبه
ينتقل من المتخيل إلى المعقول ، وسميت الألفاظ عبارات ، لأنها تنقل المعانى من لسان القائل
إلى عقل المستمع ، ويقال : السعيد من اعتبر بغيره ، لأنه ينتقل بواسطة عقله من حال ذلك
الغير إلى حال نفسه .
ولهذا قال القشيرى : الاعتبار هو النظر فى حقائق الأشياء ، وجهات دلالتها ، ليعرف
بالنظر فيها شىء آخر .. (٢) .
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٨١ .
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٣١١.

٢٨٦
المجلد الرابع عشر
أى : إذا كان الأمر كما بينا لكم - أيها الناس - ، فاعتبروا واتعظوا يا أصحاب العقول
السليمة ، والعيون الناظرة ، بما جرى لهؤلاء اليهود ، حيث دبر الله - تعالى أمر إخراجهم من
ديارهم تدبيرا حكيما ، ونصر المؤمنين عليهم بأيسر طريق ، وجعل ديارهم من بعدهم ، خير
عبرة وعظة لكل ذى بصر ، فقد خلفوها من بعدهم شاهد صدق على أن الغدر نهايته
الخسران .. وعلى أن النصر إنما هو لمن اتبع الصدق والوفاء بالعهد ..
قال الآلوسى : واشتهر الاستدلال بهذه الجملة ، على مشروعية العمل بالقياس الشرعى ،
قالوا : لأنه - تعالى - أمر فيها بالاعتبار ، وهو العبور والانتقال من الشىء إلى غيره ، وذلك
متحقق فى القياس ، إذ فيه نقل الحكم من الأصل إلى الفرع .. (١) .
ثم بين - سبحانه - جانبا من حكمته فى إخراجهم فقال: ﴿ولولا أن كتب الله عليهم
الجلاء ، لعذبهم فى الدنيا ، ولهم فى الآخرة عذاب النار ﴾ .
ولفظ ((لولا)» هنا حرف امتناع لوجود أى: امتنع وجود جوابها لوجود شرطها .. و((أن))
مصدرية ، وهى مع ما فى حيزها فى محل رفع على الابتداء . لأن لولا الامتناعية لا يليها إلا المبتدأ ،
والخبر محذوف .
والجلاء : الإِخراج . يقال: جلا فلان عن مكان كذا ، إذا خرج منه . وأجلاه عنه غيره ،
إذا أخرجه عنه :
قال القرطبى : والجلاء مفارقة الوطن ، يقال جلا بنفسه جلاء ، وأجلاه غيره إجلاء ،
والفرق بين الجلاء والإِخراج - وإن كان معناهما فى الإِبعاد واحدا - من وجهين :
أحدهما : أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد ، والإِخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد .
الثانى: أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة، والإِخراج يكون لواحد ولجماعة ... (٢).
أى : ولولا أن الله - تعالى - قد قدر على هؤلاء اليهود، الجلاء عن ديارهم، لولا أن ذلك
موجود ، لعذبهم فى الدنيا عذابا شديدا ، استأصل معه شأفتهم .
ولكن الله - تعالى - كتب عليهم الجلاء دون القتل والإِهلاك لمصلحة اقتضتها حكمته ،
لعل من مظاهرها أن يغنتم المسلمون ديارهم وأموالهم ، دون أن تراق دماء من الفريقين ، ودون
أن يعرض المؤمنون أنفسهم لمخاطر القتال .
وجملة (( ولهم فى الآخرة عذاب النار)) مستأنفة. أى : أن هؤلاء اليهود إن نجوا من القتل
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ٤١ .
(٢) تفسير القرطبى جـ ١٨ ص ٦.

٢٨٧
سورة الحشر
والإِهلاك فى الدنيا ، فلن ينجوا فى الآخرة من العذاب الذى يذلهم ويهينهم ، بل سيحل بهم
عذاب مقيم ، لافكاك لهم منه .
واسم الإشارة فى قوله - تعالى - ﴿ ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ﴾ يعود إلى ما نزل
وسينزل بهم من عذاب .
وقوله - تعالى -: ﴿ شاقوا﴾ من المشاقة بمعنى المعاداة والمخاصمة ، حتى لكأن كل
واحد من المتخاصمين فى شق ومكان يخالف شق صاحبه ومكانه .
أى : ذلك الذى حل بهم فى الدنيا من عقاب، والذى سيحل بهم فى الآخرة من عذاب ،
سببه أن هؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب ، عادوا الله - تعالى - وخالفوا دعوة رسوله
. - 19 -
ومن يشاق الله﴾ بأن يخالف ما أمر به، أو نهى عنه. يعذبه الله - تعالى - ويخذله، فإنه
- سبحانه - شديد العقاب .
وجملة ﴿ فإن الله شديد العقاب) قائمة مقام جواب الشرط، أى: ومن يخالف أمر الله
- تعالى - عذبه ، فإنه - سبحانه - شديد العقاب ، لمن أعرض عن طاعته وذكره .
ثم ساق - سبحانه - ما يغرس الطمأنينة فى قلوب المؤمنين ، الذين اشتركوا فى تخريب دياربنى
النضير ، وفى قطع نخيلهم ، فقال - تعالى -: ﴿ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها
٠ .
فبإذن الله وليخزى الفاسقين
و((ما)» شرطية فى موضع نصب، بقوله: ﴿ قطعتم) وقوله: ﴿من لينة ﴾ بيان لها ..
وقوله: ﴿ فبإذن الله﴾ جزاء الشرط. واللام فى قوله - تعالى - : ﴿ وليخزى
الفاسقين ﴾ متعلقة بمحذوف .
واللينة : واحدة اللين ، وهو النخل كله ، أو كرام النخل فقط .
قال الألوسى ما ملخصه : اللينة هى النخلة مطلقا .. وهى فعلة من اللّونِ ، وياؤها مقلوبة عن واو
لكسر ما قبلها - فأصل لِينَة : لِوْنَة ..
وقيل : اللينة : النخلة مطلقا .. وقيل : هى النخلة القصيرة ، وقيل : الكريمة من النخل ..
ويمكن أن يقال : أراد باللينة النخلة الكريمة .. (١).
وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : أن المسلمين عندما أخذوا فى تقطيع نخيل
(١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ٤٣.

٢٨٨
المجلد الرابع عشر
اليهود، قال اليهود للنبى - ﴿ه - : يا محمد إنك تنهى عن الفساد ، فما بالك تأمر بقطع
النخيل ؟ فأنزل الله هذه الآية .
وقيل : إن المسلمين بعد أن قطعوا بعض النخيل ، ظنوا أنهم قد أخطأوا فى ذلك ، فقالوا :
لنسألن رسول الله - صل﴿ - فنزلت هذه الآية.
وقيل : إن المسلمين نهى بعضهم بعضا عن قطع النخيل ، وقالوا إنما هى مغانم المسلمين ،
فنزلت هذه الآية ؛ لتصديق من نهى عن القطع ، وتحليل من قطع من الإِثم .
والمعنى : لا تختلفوا - أيها المؤمنون - فى شأن ما فعلتموه بنخيل بنى النضير ، فإن الذى
قطع شيئا من هذه النخيل لا إثم عليه ، والذى لم يقطع لا إثم عليه - أيضا - لأن كلا
الأمرين بإذن الله - تعالى - ورضاه ، وفى كليهما مصلحة لكم .
لأن من قطع يكون قد فعل ما يغيظ العدو ويذله ، ويحمله على الاستسلام والخضوع
لأمركم ..
ومن ترك يكون قد فعل ما يعود بالخير عليكم ، لأن تلك النخيل الباقية ، منفعتها ستئول
إليكم ..
وقد شرع - سبحانه - لكم كلا الأمرين فى هذا المقام ﴿ وليخزى الفاسقين ﴾ عن
أمره ، وهم يهود بنى النضير ، ومن ناصرهم ، وأيدهم ، وسار على طريقتهم فى الخيانة والغدر .
فالآية الكريمة المقصود بها : إدخال المسرة والبهجة فى قلوب المؤمنين ، حتى لا يتأثروا بما
حدث منهم بالنسبة لنخيل بنى النضير ، وحتى يتركوا الخلاف فى شأن هذه المسألة ، بعد أن
صدر حكم الله - تعالى - فيها ، وهو أن القطع والترك بإذنه ورضاه ، لأن كلا الأمرين يغرس
الحسرة فى قلوب الأعداء ..
وعبر - سبحانه - باللينة عن النخلة، لأن لفظ (( لينة )» أخف لفظا، وأدخل فى كونها
نخلة من كرام النخل .
وقال - سبحانه -: ﴿ أو تركتموها قائمة على أصولها) لتصوير هيئتها وحسنها وأن
فروعها قد بقيت قائمة على أصولها ، التى هى جذورها وجذوعها .
قال الآلوسى: وقوله: ﴿وليخزى الفاسقين) متعلق بمقدر على أنه علة له، وذلك المقدر
عطف على مقدر آخر . أى : ليعز المؤمنين ، وليخزى الفاسقين أى : ليذلهم ..
والمراد بالفاسقين : أولئك الذين كفروا من أهل الكتاب . ووضع الظاهر موضع المضمر ،

٢٨٩
سورة الحشر
إشعارا بعلة الحكم - أى أن فسقهم هو السبب فى إخزائهم .. (١) .
هذا ، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية : أن تخريب ديار العدو ، وقطع
الأشجار التى يملكها ، وهدم حصونه ومعسكراته .. جائز مادام فى ذلك مصلحة تعود على
المسلمين ، وما دامت هناك حرب بينهم وبين أعدائهم .
ثم بين - سبحانه - حكم الفىء الذى أفاءه على المسلمين فى غزوة بنى النضير وفيما
يشبهها من غزوات، وأمر المؤمنين بأن يطيعوا رسوله - وَهليه - فى أمره ونهيه ، وأثنى
- سبحانه - على المهاجرين والأنصار لقوة إيمانهم ، ولنقاء قلوبهم وسخاء نفوسهم .. فقال
- تعالى - :
وَمَا أَفَاءَاللَّهُ
عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَارِكَابٍ
وَلَكِنَّ اللَّه يُسَلِطُ رُسُلَهُ, عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيْرٌ لَ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ
وَلِذِى الْقُرْبَ وَاَلْبَنَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ كَى لَا يَكُونَ
دُوْلَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَآ ءَانَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا
تَتَكُمْ عَنْهُ فَانَهُواْ وَتَّقُواْاللَّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُالْعِقَابِ
٧
لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن ◌ِيَرِهِمْ وَأَمْوَ لِهِمْ
يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اْللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, أُوْلَكَ
هُمُ الصَّدِقُونَ ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّهُ وَ الذَّارَ وَاَلْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ
يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ٤٣.

٢٩٠
المجلد الرابع عشر
ج
◌ِمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْكَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ
وَمَن يُوقَ شُعَّنَفْسِهِ، فَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
وَالَّذِينَ جَمُ و مِنْ بَعْدِ هِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْلَنَا
وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا
١٠
غِلَّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْرَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمُ
وقوله : ﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم، فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ... ﴾
معطوف على قوله - تعالى -: ﴿ ما قطعتم من لينة ... ﴾ لبيان نعمة أخرى من النعم التى
أنعم بها - سبحانه - على المؤمنين ، فى غزوة بنى النضير .
أفاء ﴾ من الفىء بمعنى الرجوع، يقال: فاء عليه، إذا رجع، ومنه قوله - تعالى -
فى شأن الإِيلاء: ﴿ فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم ﴾ ..
والمراد به هنا معناه الشرعى : وهو ما حصل عليه المؤمنون من أموال أعدائهم بدون
قتال ، كأن يكون هذا المال عن طريق الصلح ، كما فعل بنو النضير ، فقد صالحوا المؤمنين على
الخروج من المدينة ، على أن يكون لكل ثلاثة منهم حمل بعير - سوى السلاح - وأن يتركوا
بقية أموالهم للمسلمين .
والضمير فى قوله ﴿ منهم ﴾ يعود إلى بنى النضير، الذى عبر - سبحانه - عنهم بقوله :
هو الذى أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب ... ﴾ .
وقوله: ﴿ فما أوجفتم ... ) من الإِيجاف بمعنى الإِسراع فى السير يقال: وجَفَ الفرس يجف وجفا
ووجيفا، إذا أسرع فى سيره. والجملة خبر ((ما)) الموصولة فى قوله: ﴿ وما أفاء .. ﴾ و﴿َمَا ﴾ فى
قوله ﴿ فما أوجفتم ﴾ نافية.
والركاب : اسم جمع للإِبل التى تركب ، وفى الكلام حذف أغنى عنه قوله - سبحانه - :
فما أوجفتم ... ﴾
والمعنى : أعلموا - أيها المؤمنون - أن ما أعطاه الله - تعالى - لرسوله - 9 - من
أموال بنى النضير التى صالحوه عليها ، فلا حق لكم فيها لأنكم لم تنالوها بقتالكم لهم على
الخيل أو الإِبل، وإنما تفضل بها - سبحانه - على نبيه - ◌َليزر - بلا قتال يذكر ، فقد كانت

٢٩١
سورة الحشر
ديار بنى النضير على بعد ميلين من المدينة ، فذهب إليها المسلمون راجلين ، وحاصروها حتى تم
استسلام بنى النضير لهم ..
قال الآلوسى : روى أن بنى النضير لما أجلوا عن أوطانهم ، وتركوا رباعهم وأموالهم .
طلب المسلمون تخميسها كغنائم بدر ، فأنزل الله - تعالى -: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم
فيما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ... ﴾ فكانت لرسول الله - اليوم - خاصة.
فقد أخرج البخارى ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذى ، والنسائى ، وغيرهم عن عمر بن
الخطاب - رضى الله عنه - قال: كانت أموال بنى النضير، مما أفاء الله - تعالى - : على
رسوله - ولي - مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، وكانت لرسول الله - الهرم -
خاصة ، فكان ينفق على أهله منها نفقة سنة ، ثم يجعل ما بقى فى السلاح والكراع عدة فى
سبيل الله - تعالى - .
وقال الضحاك: كاننت أموال بنى النضير لرسول الله - وَالله - خاصة، فآثر بها
المهاجرين . وقسمها عليهم ، ولم يعط الأنصار منها شيئا ، إلا ثلاثة منهم أعطاهم
لفقرهم .. (١) .
وقوله - سبحانه - : ﴿ولكن الله يسلط رسله على من يشاء ... ﴾ استدراك على النفى فى
قوله - تعالى -: ﴿ فما أوجفتم عليه ... ﴾.
أى: ليس لكم الحق - أيها المؤمنون - فى أموال بنى النضير ، لأنكم لم تظفروا بها عن
طريق قتال منكم لهم، ولكن الله - تعالى - سلط رسوله - 19 - عليهم وعلى ما فى
أيديهم ، كما كان يسلط رسله على من يشاء من أعدائهم ، والله - تعالى - قدير على كل
شىء ..
وما دام الأمر كذلك، فاتركوا رسولكم - ◌َليه - يتصرف فى أموال بنى النضير بالطريقة
التى يريدها وبختارها بإلهام من الله - عز وجل - .
وقوله - تعالى -: ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى، فلله وللرسول ولذى
القربى ... ﴾ يرى كثير من العلماء أنه وارد على سبيل الاستئناف الابتدائى، وأنه سيق لبيان
حكم شرعى جديد ، يختلف عن الحكم الذى أوردته الآية السابقة على هذه الآية ..
إذ أن الآية السابقة ، واردة فى حكم أموال بنى النضير بصفة خاصة ، وهذه فى حكم الفىء
بعد ذلك بصفة عامة .
( ١) تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ٤٥ .
-
=

٢٩٢
المجلد الرابع عشر
وعليه يكون المعنى : لقد بينت لكم - أيها المؤمنون - حكم أموال بنى النضير ، وهى أنها
لرسولنا - * - يضعها حيث يشاء.
أما ما أفاءه الله - تعالى - على رسوله - وسلم - من أموال أهل القرى الأخرى،
كقريظة وفدك وغيرهما فحكم هذا الفى أنه يقسم إلى خمسة أقسام :
قسم للرسول - وَهر - ينفق منه على نفسه وأهله وما تبقى منه يكون فى مصالح المسلمين.
وقسم لأقاربه - نَّر - وهم: بنو هاشم وبنو المطلب ..
وقسم لليتامى : وهم أطفال المسلمين الذين مات آباؤهم عنهم قبل أن يبلغوا .
وقسم للمساكين : وهم الذين ليس لهم مال يكفيهم ضروريات الحياة .
وقسم لأبناء السبيل : وهم المسافرون المنقطعون عن مالهم فى سفرهم ، ولو كانوا أغنياء فى
بلدهم ..
وقد رجح الإِمام ابن جرير هذا الرأى ، فقال بعد استعراضه للأقوال : والصواب من
القول فى ذلك عندى أن هذه الآية حكمها غير حكم الآية التى قبلها وذلك أن الآية التى
قبلها ، مال جعله الله - عز وجل - لرسوله - ◌َطير - خاصة دون غيره . لم يجعل فيه لأحد
نصيبا ..
فإذا كانت هذه الآية التى قبلها مضت، وذكر المال الذى خص الله به رسوله - وَالقر - ولم
يجعل لأحد منه شيئا ، وكانت هذه الآية خبرا عن المال الذى جعله الله لأصناف شتى ، كان
معلوما بذلك أن المال الذى جعله لأصناف من خلقه . غير المال الذى جعله للنبى
. (1)- 1953 -
وقال الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية ما مخلصه: قوله - تعالى -: ﴿ ما أفاء الله على
رسوله من أهل القرى ... ﴾ بيان لحكم ما أفاءه الله على رسوله من قرى الكفار على العموم ،
بعد بيان حكم ما أفاءه من بنى النضير ..
فالجملة جواب سؤال مقدر ناشىء مما فهم من الكلام السابق ، فكأن قائلا يقول : قد
علمنا حكم ما أفاءه الله - تعالى - من بنى النضير، فما حكم ما أفاء الله - عز وجل - من
غيرهم ؟ ..
فقيل: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذى القربى . ولذا لم يعطف على
ما تقدم، ولم يذكر فى الآية قيد الإِيجاف ولا عدمه ..
(١) راجع تفسير ابن جرير جـ ٢٨ ص ٣٨ .

٢٩٣
سورة الحشر
وسهمه - سبحانه - وسهم رسوله واحد ، وذكره - تعالى - : افتتاح كلام للتيمن
والتبرك . فإن اللّه ما فى السموات وما في الأرض ، وفيه تعظيم لشأن الرسول - )) - .
وأهل القرى المذكورون فى الآية هم : أهل الصفراء ، وينبع ، ووادى القرى ، وما هنالك
من قرى العرب ، التى تسمى قرى عرينة ، وحكمها مخالف لحكم أموال بنى النضير(١) .
ومن العلماء من يرى أن الآية التى معنا ، بمنزلة البيان والتفسير للآية التى قبلها ، لأن الآية
الأولى لم تبين المستحقين للفىء الذى أفاءه الله - تعالى - على رسوله من أموال بنى النضير ،
فجاءت الآية الثانية وبينت المستحقين له .
وعلى رأس المفسرين الذين قالوا بهذا الرأى صاحب الكشاف ، فقد قال عند تفسيره لهذه الآية :
لم يدخل - سبحانه - العاطف على هذه الجملة - وهى قوله: ﴿ ما أفاء ... ) - لأنها بيان
للأولى، فهى منها غير أجنبية عنها. بين لرسوله - ليزر - ما يصنع بما أفاءه اللّه عليه، وأمره أن
يضعه حيث يضع الخمس من الغنائم، مقسوما على الأقسام الخمسة (٢).
وقال الإِمام ابن كثير: قوله - تعالى -: ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾: أى
جميع البلدان التى تفتح هكذا ، فحكمها حكم أموال بنى النضير، ولهذا قال: ﴿فقه وللرسول ولذى
القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾. فهذه مصارف أموال الفىء ووجوهه .. (٣).
ومن هذا نرى أن أصحاب الرأى الأول ، يقولون : إن الآيتين فى حكمين مختلفين ، لأن الآية
الأولى فى بيان حكم أموال بنى النضير، وأن الله - تعالى - قد جعلها للرسول -# - يضعها
حيث يشاء ، وأما الآية الثانية فهى فى حكم أموال القرى الأخرى التى أفاءها الله - تعالى - على
رسوله - ٣ -، وأن الله - تعالى - قد حدد له وجوه صرفها، فقال: ﴿فقه وللرسول ولذى
القربى ... ﴾ .
وأما أصحاب الرأى الثانى فيرون أن الآية الثانية مفصلة لما أجملته الآية الأولى ، وأن كل
فى يقسم بالطريقة التى بينتها الآية الثانية .
ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب ، لأن الثابت فى السنة الصحيحة : أن أموال
بنى النضير، لم يخمسها - - بل كانت له خاصة ، يوزعها كما يشاء ، وقد آثر بها
المهاجرين ، وقسمها عليهم : ولم يعط الأنصار منها شيئا سوى ثلاثة رجال منهم ، كانت بهم
( ١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ٤٥ .
( ٢) راجع تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٨٢ .
(٣) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٣٣٥.

٢٩٤
المجلد الرابع عشر
حاجة فأعطاهم، وبذلك نرى أنه - وَله - لم يتقيد فى التوزيع لهذه الأموال ، بمن ورد ذكرهم
فى الآية الثانية .
وما دام الأمر كذلك ، فلا حاجة إلى القول بأن الآية الثانية ، ببيان وتفصيل للآية الأولى .
هذا وهناك أقوال أخرى فى معنى هذه الآية ، مبسوطة فى كتب الفقه والتفسير ، فليرجع
إليها من شاء المزيد من الأحكام الفقهية .. (١) .
وقوله - سبحانه -: ﴿ كى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ... ﴾ بيان لحكمة هذا
التشريع الذى شرعه - سبحانه - بالنسبة للأموال التى أتت عن طريق الفىء .. والضمير
المستتر فى قوله : ﴿ يكون ﴾ للفىء.
و((الدُّولة)) بضم الدال المشددة اسم لما يتداوله الناس فيما بينهم من أموال، فيكون فى يد هذا ..
تارة ، وفى يد ذاك تارة أخرى .
والدّولة - بفتح الدال المشددة - اسم للنوبة من الظفر والنصر فى الحرب وغيرها .
يقال : لفلان على فلان دولة ، أى : غلبة ونصر .
وبعضهم يرى أن الدولة - بالضم والفتح - بمعنى واحد ، وهو ما يدور ويدول للإِنسان من
الغنى والنصر .
والمعنى : شرعنا لكم هذه الأحكام المتعلقة بتقسيم الفىء ، كى لا يكون المال الناجم عنه ،
متداولا بين أيدى أغنيائكم دون فقرائكم .
والمقصود بهذه الجملة الكريمة ، إبطال ما كان شائعا فى الجاهلية ، من استئثار قواد
الجيوش ، ورؤساء القبائل ، بالكثير من الغنائم دون غيرهم ممن اشترك معهم فى الحروب ، کما
قال أحد الشعراء ، لأحد الرؤساء أو القادة :
لك الِرِبَاعِ منها والصفايا وحُكْمُك والنَّشِطَةُ والفُضُول
أى : لك - أيها القائد وحدك - من الغنيمة ربعها ، والصفايا أى : والنفيس منها ، ولك
: - أيضا ما تحكم به على العدو ، ولك النشيطة ، وهى ما يصيبه الجيش من العدو قبل الحرب ،
ولك - كذلك - الفضول ، أى : ما يبقى بعد قسمة الغنائم .
وقد أبطل الإِسلام كل ذلك ، حيث جعل مصارف الفىء ، تعود إلى المسلمين جميعا ،
بطريقة عادلة ، بينها - سبحانه - فى هذه الآية وفى غيرها ..
(١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٨ ص ١٢ .
٠٠ ٠ ٠٠۔۔۔
.... ..

٢٩٥
سورة الحشر
قال بعض العلماء : والجدير بالذكر هنا : أن دعاة المذاهب الاقتصادية الفاسدة ، يحتجون
بهذه الآية على مذهبهم الفاسد ، ويقولون : ويجوز للدولة أن تستولى على مصادر الإنتاج
ورءوس الأموال ، لتعطيها أو تشرك فيها الفقراء ، وما يسمونهم طبقة العمال ، وهذا على
ما فيه من كساد اقتصادى ، وفساد اجتماعى ، قد ثبت خطؤه وظهر بطلانه مجانبا لحقيقة
الاستدلال .
لأن هذا المال ترك لمرافق المسلمين العامة ، من الإنفاق على المجاهدين ، وتأمين الغزاة فى
الحدود والثغور ، وليس يعطى للأفراد كما يقولون ، ثم - هو أساسا - مال جاء غنيمة
للمسلمين ، وليس نتيجة كدح الفرد وكسبه الحلال .
ولما كان مال الغنيمة ليس ملكا لشخص ، ولا هو - أيضا - كسب لشخص معين ، تحقق
فيه العموم فى مصدره ، وهو الغنيمة ، والعموم فى مصرفه وهو عموم مصالح الأمة ، ولا دخل
ولا وجود للفرد فيه ، فشتان بين هذا الأصل فى التشريع، وهذا الفرع فى التضليل .. (١).
ثم أمر - سبحانه - المسلمين أن يمتثلوا أمر رسولهم - * - امتثالا تاما ، فقال :
وما آتاكم الرسول فخذوه ، وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب
وقوله: ﴿ آتاكم﴾ من الإتيان، والمقصود به هنا ما جاءهم به الرسول - عليه - من
هدايات وتشريعات ، وآداب . ويدخل فى ذلك دخولا أوليا قسمته لفى بنى النضير بين
المهاجرين ، دون الأنصار .
أى: ما أمركم الرسول - ﴿ - بفعله - أيها المؤمنون - فافعلوه، وما نهاكم عن فعله
فاجتنبوه ، واتقوا الله فى كل أحوالكم ، فإنه - سبحانه - شديد العقاب لمن خالف أمره .
ومنهم من جعل ﴿ آتاكم﴾ هنا بمعنى أعطاكم من الفىء ، وجعل ﴿ نهاكم ﴾ بمعنی نهاكم عن
الأخذ منه ، وكأن صاحب هذا الرأى يستعين على ما ذهب إليه بفحوى المقام .
قال صاحب الكشاف : قوله : ﴿وما آتاكم الرسول﴾ من قسمة غنيمة أو فىء فخذوه
وما نهاكم عنه، أى : عن أخذه منه ﴿ فانتهوا﴾ عنه .
والأجود أن يكون - الأمر والنهى - عاما فى كل ما آتى رسول الله - 13 - ونهى عنه ، وأمر
الفى داخل فى عمومه .. (٢) .
( ١) راجع تفسير أضواء البيان جـ ٨ ص ٥٤ للشيخ الشنقيطى - رحمه اقه -
(٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٨٢ .

٢٩٦
المجلد الرابع عشر
وقال الإِمام ابن كثير : وقوله - تعالى -: ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه
فانتھوا
أى : مهما أمركم به فافعلوه ، ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه ، فإنه إنما يأمر بخير ، وينهى عن
شر .
أخرج الشيخان عن ابن مسعود أنه قال : لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات ،
والمتفلجات للحسن ، والمغيرات لخلق الله - عز وجل - فبلغ ذلك امرأة من بنى أسد يقال لها
أم يعقوب ، وكان تقرأ القرآن ، فأتته فقالت : بلغنى انك قلت كذا وكذا ، فقال : ومالى لا
ألعن من لعن رسول الله - وَل18 - وهو فى كتاب الله.
فقالت : لقد قرأت ما بين لوحى المصحف فما وجدته . فقال : إن كنت قرأتيه فقد
وجدتيه ، أما قرأت: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾؟ قالت :
بلی .
قال: فإن رسول الله - رَالله - نهى عنه. قالت: إنى لأظن أهلك يفعلونه !!..
قال : اذهبى فانظرى ، فذهبت فلم تر من حاجتها شيئا . فجاءت فقالت : ما رأيت
شيئا . قال: لو كان كذا لم تجامعنا .. (١).
وقال بعض العلماء وفى الآية دليل على وجوب الأخذ بالسنن الصحيحة فى كل الأمور .
وعن أبى رافع أن رسول الله - ول﴿ - قال: ((لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه أمر مما
أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدرى !! ما وجدنا فى كتاب الله اتبعناه .. ))
وهذا الحديث من أعلام النبوة ، فقد وقع ذلك بعدُ من الجاهلين بكتاب الله ، وبمنصب الرسالة ،
ومن الزنادقة الصادين عن سبيل الله .. (٢) .
ثم أثنى - سبحانه - على المهاجرين الذين فارقوا أموالهم وعشيرتهم ، من أجل إعلاء
كلمته - تعالى - فقال : ﴿ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون
فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله ، أولئك هم الصادقون ﴾ .
قال الإِمام الرازى : اعلم أن هذا بدل من قوله - تعالى - : ﴿ولذى القربى واليتامى
والمساكين وابن السبيل ... ﴾ كأنه قيل: أعنى بأولئك الأربعة، هؤلاء الفقراء المهاجرين
الذين من صفتهم كذا وكذا .
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٣٣٦.
(٢) ((تفسير صفوت البيان)) جـ ٢ ص ٤١٦ لفضيلة للشيخ حسنين مخلوف.

٢٩٧
سورة الحشر
ثم إنه - تعالى - وصفهم بأمور ، أولها : أنهم فقراء ، ثانيها : أنهم مهاجرون وثالثها :
أنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم ، يعنى أن الكفار أجبروهم على الخروج .. ورابعها : أنهم
يبتغون فضلا من الله ورضوانا، والمراد بالفضل ثواب الجنة ، وبالرضوان : قوله :
ورضوان من الله أكبر
وخامسها : قوله: ﴿وينصرون الله ورسوله﴾ أى: بأنفسهم وأموالهم.
وسادسها : قوله: ﴿ أولئك هم الصادقون) يعنى أنهم لما هجروا لذَّات الدنيا وتحملوا
شدائدها لأجل الدين ، ظهر صدقهم فى دينهم .. (١) .
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف المهاجرين فى سبيله ، بجملة من المناقب الحميدة .
التى استحقوا بسببها الفلاح والفوز برضوان الله .
ثم مدح - سبحانه - بعد ذلك الأنصار ، الذين يحبون من هاجر إليهم فقال: ﴿ والذين
تبوأوا الدار والإِيمان من قبلهم ، يحبون من هاجر إليهم ﴾ .
والجملة الكريمة معطوفة على ﴿المهاجرين﴾ أو مبتدأ وخبره: ﴿يحبون﴾ والتبوؤ:
النزول فى المكان ، ومنه المباءة للمنزل الذى ينزل فيه الإِنسان .
والمراد بالدار : المدينة المنورة ، وأل للعهد . أى : الدار المعهودة المعروفة وهى دار
الهجرة .
وقوله : ﴿ والإِيمان﴾ منصوب بفعل مقدر. أى: وأخلصوا الإِيمان.
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى عطف الإِيمان على الدار ، ولا يقال : تبوأوا
الإِيمان ؟ ..
قلت معناه : تبوأوا الدار وأخلصوا الإِيمان . كقوله : علفتها تبنا وماء باردا .
أى : وجعلوا الإِيمان مستقرا ومتوطنا لهم ، لتمكنهم منه ، واستقامتهم عليه ، كما جعلوا
المدينة كذلك .
أو أراد : دار الهجرة ودار الإِيمان ، فأقام لام التعريف فى الدار مقام المضاف إليه ، وحذف
المضاف من دار الإِيمان ، ووضع المضاف إليه مقامه ..
أو سمى المدينة - لأنها دار الهجرة، ومكان ظهور الإِيمان - بالإِيمان .. (٢) .
وقوله : ﴿ من قبلهم﴾ أى: من قبل المهاجرين ، وهو متعلق بقوله ﴿ تيوأوا ﴾
(١) راجع تفسير الفخر الرازى جـ ٢٩ ص ٢٨٧ .
(٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٨٣.

٢٩٨
المجلد الرابع عشر
وقوله : ﴿ يحبون من هاجر إليهم ﴾ خبر المبتدأ ، أو حال من الذين تبوأوا الدار ..
أى : هذه هى صفات المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ... وهذا هو جزاؤهم ..
أما الذين سكنوا دار الهجرة وهى المدينة المنورة ، من قبل المهاجرين ، وأخلصوا إيمانهم
وعبادتهم لله - تعالى - ، فإن من صفاتهم أنهم يحبون إخوانهم الذين هاجروا إليهم حبا
شديدا ، لأن الإِيمان ربط قلوبهم برباط المودة والمحبة . وقوله: ﴿ولا يجدون فى صدورهم
حاجة مما أوتوا ﴾ صفة أخرى من صفات الأنصار .
ومعنى : ﴿ يجدون﴾ هنا: يحسون ويعلمون، والضمير للأنصار، وفى قوله ﴿أوتوا﴾
للمهاجرين . والحاجة فى الأصل: اسم مصدر بمعنى الاحتياج ، أى الافتقار إلى الشىء.
والمراد بها هنا: المأرب أو الرغبة الناشئة عن التطلع إلى ما منحه النبى - اَلر -
للمهاجرين دون الأنصار، من فىء أو غيره .
أى : أن من صفات الأنصار - أيضا - أنهم لا تتطلع نفوسهم إلى شىء مما أعطى
للمهاجرين من الفىء أو غيره ، لأن المحبة التى ربطت قلوب الأنصار بالمهاجرين ، جعلت
الأنصار يرتفعون عن التشوف إلى شىء مما أعطاه النبى - بَير - المهاجرين وحدهم ...
ثم وصفهم - سبحانه - بصفة ثالثة كريمة فقال: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم
خصاصة ... ﴾ .
والإِيثار معناه : أن يؤثر الإِنسان غيره على نفسه، على سبيل الإِكرام والنفع ،
والخصاصة : شدة الحاجة ، وأصلها من خصاص البيت ، وهو ما يبقى بين عيدانه من الفرج
والفتحات .
أى : أن من صفات الأنصار أنهم كانوا يقدمون فى النفع إخوانهم المهاجرين على أنفسهم ،
ولو كانوا فى حاجة ماسة ، وفقر واضح، إلى ما يقدمونه لإِخوانهم المهاجرين .
ولقد ضرب الأنصار - رضى الله عنهم - أروع الأمثال وأسماها فى هذا المضمار ، ومن ذلك
مارواه الشيخان والترمذى والنسائى وغيرهم عن أبى هريرة قال: أتى رجل رسول الله - وَالخمر -
فقال: يارسول الله، أصابنى الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد شيئا، فقال - وَالى -: ((ألا رجل
يضيف هذا الرجل الليلة رحمه الله))؟ فقام رجل من الأنصار - وفى رواية أنه أبو طلحة - فقال : أنا
يارسول الله، فذهب به إلى أهله، فقال لامرأته: أكرمى ضيف رسول الله - ليزر - قالت: والله
ما عندى إلا قوت الصبية !! قال : إذا أراد الصبية العشاء فنوميهم ، وتعالى فأطفئى السراج ،
ونطوى بطوننا الليلة لضيف رسول الله - * - ففعلت.

٢٩٩
سورة الحشر
ثم غدا الضيف على رسول الله - عليه - فقال رسول الله - صل -: ((لقد عجب اللّه الليلة من
فلان وفلانة)) وأنزل اللّه فيها: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ... ﴾(١).
وقوله - سبحانه - : ﴿ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ تذییل قصد به حض الناس
على التحلى بفضيلة السخاء والكرم .
والشح : يرى بعضهم أنه بمعنى البخل ، ويرى آخرون أن الشح غريزة فى النفس تحملها على
الإِمساك والتقتير ، وأما البخل فهو المنع ذاته، فكأن البخل أثر من آثار الشح .
قال صاحب الكشاف: ((الشح)) - بالضم والكسر وقد قرئ بها - : اللؤم، وأن تكون
نفس المرء كزة حريصة على المنع كما قال الشاعر :
يمارس نفسا بين جنبيه كَرَّةً إذا هَّ بالمعروف قالت له مهلا
وقد أضيف إلى النفس لأنه غريزة فيها ، وأما البخل فهو المنع نفسه ، ومنه قوله
- تعالى -: ﴿ وأحضرت الأنفس الشح ... ﴾(٢).
أى : ومن يوق - بتوفيق الله وفضله - شح نفسه وحرصها على الإمساك ، فيخالفها فيما
تأمره به من المنع والتقتير . فأولئك الذين يخالفونها هم المفلحون ، الفائزون برضا الله - عز
وجل - .
ومن الأحاديث التى وردت فى النهى عن الشح ، ما أخرجه مسلم - فى صحيحه - عن
جابر بن عبد الله، أن رسول الله - والر - قال: ((إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم
القيامة ، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماءهم ،
واستحلوا محارمهم))(٣) .
ثم مدح - سبحانه - كل من سار على نهج المهاجرين والأنصار فى قوة الإِيمان ، وفى طهارة
القلب ، وسماحة النفس فقال - تعالى - : ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا
ولإِخواننا الذين سبقونا بالإِيمان ولا تجعل فى قلوبنا غلا للذين آمنوا ... ﴾ .
قال الآلوسى: قوله: ﴿ والذين جاءوا من بعدهم ... ﴾ عطف عند الأكثرين أيضا على
المهاجرين ، والمراد بهؤلاء : قيل : الذين هاجروا حين قوى الإِسلام ، فالمجىء حسى ، وهو مجيئهم
إلى المدينة ، وضمير من بعدهم ، للمهاجرين الأولين .
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ٥٢. وراجع تفسير القرطبى" جـ ١٨ ص ٢٤ .
( ٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٨٤ .
(٣) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٣٣٩.

٣٠٠
المجلد الرابع عشر
وقيل هم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة ، فالمجىء إما إلى الوجود أو إلى الايمان
وضمير ﴿ من بعدهم﴾ للفريقين: المهاجرين والأنصار.
وهذا هو الذى يدل عليه كلام عمر - رضى الله عنه - وكلام كثير من السلف كالصريح
فيه ، فالآية قد استوعبت جميع المؤمنين .. (١) .
ويبدو لنا أن هذا الرأى الثانى ، وهو كون الذين جاءوا من بعدهم يشمل المؤمنين الصادقين
جميعا ، أقرب إلى الصواب ، لأنهم هم التابعون بإحسان للمهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة ، كما
قال - تعالى -: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ، والذين اتبعوهم بإحسان رضى
الله عنهم ورضوا عنه ... ﴾(٢).
وعليه يكون المعنى: والذين جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار ، واتبعوهم بإحسان إلى
يوم القيامة ﴿يقولون﴾ على سبيل الدعاء لأنفسهم ولإخوانهم فى العقيدة، ﴿ربنا اغفر
لنا﴾ أى: ياربنا اغفر لنا ذنوبنا، واغفر، لإِخواننا فى الدين ﴿الذين سبقونا بالإِيمان
فهم أسبق منا إلى الخير والفضل .. ﴿ ولا تجعل﴾ ياربنا ﴿ فى قلوبنا غلا﴾ أى: حسدا
وحقدا ﴿ للذين آمنوا﴾ أى: ياربنا لا تجعل فى قلوبنا أى غل أو حسد الإِخواننا المؤمنين
جميعا .
ربنا إنك رءوف رحيم ﴾ أى: ياربنا إنك شديد الرأفة بعبادك واسع الرحمة بهم.
وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، أن من حق الصحابة - رضى الله عنهم - على من
جاءوا بعدهم ، أن يدعوا لهم، وأن ينزلوهم فى قلوبهم منزلة الاحترام والتبجيل والتكريم ..
ورحم الله الإِمام القرطبى فقد أفاض فى بيان هذا المعنى ، فقال ما ملخصه : قوله
- تعالى -: ﴿والذين جاءوا من بعدهم ... ﴾ يعنى التابعين، ومن دخل فى الإسلام إلى يوم
القيامة .
قال ابن أبى ليلى : الناس على ثلاثة منازل : المهاجرون ، والذين تبوأوا الدار والإِيمان ،
والذين جاءوا من بعدهم، فاجتهد ألا تخرج من هذه المنازل .
وهذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة ..
وقال الإِمام الرازى: واعلم أن هذه الآيات قد استوعبت جميع المؤمنين لأنهم إما
المهاجرون ، أو الأنصار ، أو الذين جاءوا من بعدهم ، وبين أن من شأن من جاء من بعد
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٨ ص ٥٤ .
( ٢ ) سورة التوبة الآية ١٠٠ .