النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١
سورة الحديد
وشبه حال الدنيا بسرعة تقضيها ، مع قلة جدواها ، بنبات أنبته الغيث فاستوى واكتمل ،
وأعجب به الكفار الجاحدون لنعمة الله ، فيما رزقهم من الغيث ، والنبات .. فبعث عليه العامة
فهاج واصفر وصار حطاما(١) .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان عظم الآخرة ، وهوان الدنيا فقال: ﴿وفى
الآخرة عذاب شديد﴾ أى: لمن كفر بالله - تعالى - وفسق عن أمره .
ومغفرة من الله ورضوان﴾ أى: لمن آمن بالله - تعالى - واتبع ما جاء به الرسول
- رَ﴿ - وحافظ على أداء ما كلف به بإخلاص وحسن اقتداء .
وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ﴾ أى: وما أحوال الحياة الدنيا وما اشتملت عليه من
شهوات ، إلا متاع زائل ، لا يقدم عليه ، ولا يتشبع به إلا من خدع بزخرفه ،
واغتر بمظهره .
فالمراد بالغرور: الخديعة ، مصدر غره . أى : خدعه وأطمعه بالباطل .
ثم أمرهم - سبحانه - بالمسارعة الى ما يسعدهم ، بعد أن بين لهم حال الحياة الدنيا
فقال: ﴿ سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ﴾.
وقوله - تعالى - ﴿ سابقوا﴾ من المسابقة وهى محاولة أن يسبق الإِنسان غيره .
و﴿ من﴾ فى قوله ﴿من ربكم) ابتدائية، والجار والمجرور صفة المغفرة.
أى : سارعوا - أيها المؤمنون - مسارعة السابقين لغيرهم ، إلى مغفرة عظيمة كائنة من
ربکم .
فالتعبير بقوله : ﴿ سابقوا ﴾ الإِلهاب الحماس وحض النفوس إلى الاستجابة لما أمروا به،
حتى لكأنهم فى حالة مسابقة يحرص كل قرين فيها إلى أن يسبق قرينه .
وقوله : ﴿ وجنة عرضها كعرض السماء والأرض .. ﴾ معطوف على المغفرة . أى:
سابقوا غيركم - أيها المؤمنون - إلى مغفرة عظيمة من ربكم ، وإلى جنة كريمة ؛ هذه الجنة
عرضها وسعتها ورحابتها .. كسعة السماء والأرض .
وهذه الجنة قد ﴿ أعدت للذين آمنوا بالله ورسله﴾ إيمانا حقا، جعلهم لا يقصرون فى
أداء واجب من الواجبات التى كلفهم - سبحانه - بها .
قال الإِمام الفخر الرازى ما ملخصه : فى كون الجنة عرضها كعرض السماء والأرض
وجوه : .
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٥.
٢٢٢
المجلد الرابع عشر
منها : أن المراد لو جعلت السموات والأرضون طبقا طبقا .. لكان ذلك مثل عرض الجنة ،
وهذا غاية فى السعة لا يعلمها إلا الله - تعالى - .
ومنها : أن المقصود المبالغة فى الوصف بالسعة للجنة ، وذلك لأنه لاشىء عندنا أعرض
منها(١).
وخص - سبحانه - العرض بالذكر ، ليكون أبلغ فى الدلالة على عظمها ، واتساع
طولها ، لأنه إذا كان عرضها كهذا ، فإن العقل يذهب كل مذهب فى تصور طولها ، فقد جرت
العادة أن يكون الطول أكبر من العرض .
قال الإِمام ابن كثير : وقد روينا فى مسند الإمام أحمد أن هرقل - ملك الروم - كتب إلى
النبى - 18 - فقال: إنك دعوتنى إلى جنة عرضها السموات والأرض ، فأين النار ؟ فقال
- وَّة -: ((سبحان الله، فأين الليل إذا جاء النهار))(٢).
وإسم الإِشارة فى قوله - تعالى -: ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل
العظيم ﴾ يعود إلى الذى وعد الله - تعالى - به عباده المؤمنين من المغفرة والجنة .
أى : ذلك العطاء الجزيل فضل الله - تعالى - وحده وهو صاحب الفضل العظيم لا يعلم
مقداره إلا هو - عز وجل - .
فأنت ترى أن الله - تعالى - بعد أن بين حال الحياة الدنيا . دعا المؤمنين إلى المسابقة إلى
العمل الصالح ، الذى يوصلهم الى ماهو أكرم وأبقى ... وهو الجنة .
وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى -: ﴿ زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين
والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا
والله عنده حسن المآب. قل أونبئكم بخير من ذلكم ... ﴾(٢).
ثم بين - سبحانه - أن كل شىء فى هذه الحياة ، خاضع لقضاء الله - تعالى - وقدره ،
وأن على المؤمن الصادق أن يكون شاكرا عند الرخاء ، صابرا عند البلاء ... فقال
- تعالى - :
مَا أَصَابَ
مِن مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِى أَنفُسِكُمْإِلَّا فِىكِتَسِ
(١) راجع تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص ٤ .
( ٢ ) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٠٤ .
( ٣) سورة آل عمران الآيات ١٤ - ١٧ .
٢٢٣
سورة الحديد
مِن قَبْلِ أَنْ تَّبْرَأَهَاْ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِيَسِيرٌ ﴾ لِكَيْلَا
تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَ حُواْبِمَآءَ اتَّنكُمْ وَاللَّهُ
لَا يُحِبُّ كُلَّ ◌ُخْتَالٍ فَخُورٍ ) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ
٢٤
النَّاسَ بِالْبُخْلُ وَ مَن يَنَّوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُ اَلْحَمِيدُ
و﴿ ما﴾ فى قوله - تعالى - ﴿ ما أصاب من مصيبة) نافية، و﴿ من ﴾ مزيدة
لتأكيد هذا النفى وإفادة عمومه. ومفعول ((أصاب)) محذوف، وقوله ﴿ فى الأرض﴾،
إشارة إلى المصائب التى تقع فيها من فقر وقحط ، وزلازل .
وقوله : ﴿ ولا فى أنفسكم﴾ للإشارة إلى ما يصيب الإنسان فى ذاته، كالأمراض،
والهموم .
والاستثناء فى قوله - تعالى - ﴿ إلا فى كتاب﴾ من أعم الأحوال، والمراد بالكتاب :
اللوح المحفوظ ، أو علمه - عز وجل - الشامل لكل شىء .
وقوله: ﴿ نبرأها ﴾ من البرء - بفتح الباء - بمعنى الخلق والإِيجاد ، والضمير فيه يعود
إلى النفس ، أو إلى الأرض، أو إلى جميع ما ذكره الله - تعالى - من خلق المصائب فى الأرض
والأنفس .
والمعنى : واعلموا - أيها المؤمنون علما يترتب عليه آثاره من العمل الصالح - أنه
ما أصابكم أو ما أصاب أحدا مصيبة ، هذه المصيبة كائنة فى الأرض - كالقحط والزلازل - أو
فى أنفسكم - كالأسقام والأوجاع - إلا وهذه المصائب مسجلة فى كتاب لا يغادر صغيرة
ولا كبيرة إلا أحصاها .. وهذا التسجيل كائن من قبل أن نخلق هذه الأنفس ، وهذه
المصائب .
وكرر - سبحانه - حرف النفى فى قوله ﴿ ولا فى أنفسكم ﴾ للإيماء إلى أن المصائب التى
تتعلق بذات الإِنسان ، يكون أشد تأثرا واهتماما بها ، أكثر من غيرها .
واسم الإشارة فى قوله: ﴿إن ذلك على الله يسير﴾ يعود إلى الكتابة فى الكتاب.
أى : إن ذلك الذى أثبتناه فى لوحنا المحفوظ وفى علمنا الشامل لكل شىء .. قبل أن
نخلقكم ، وقبل أن نخلق الأرض .. يسير وسهل علينا ، لأن قدرتنا لا يعجزها شىء ، وعلمنا
لا يعزب عنه شىء .
٢٢٤
المجلد الرابع عشر
فالآية الكريمة صريحة فى بيان أن ما يقع فى الأرض وفى الأنفس من مصائب - ومن غيرها
من مسرات - مكتوب ومسجل عند الله - تعالى - قبل خلق الأرض والأنفس .
وخص - سبحانه - المصائب بالذكر ، لأن الإِنسان يضطرب لوقوعها اضطرابا شديدا ،
وكثيرا ما يكون إحساسه بها ، وإدراكه لأثرها ، أشد من إحساسه وإدراكه للمسرات .
ومن الآيات التى تشبه هذه الآية فى معناها قوله - تعالى - : ﴿ قل لن يصيبنا إلا ما كتب
الله لنا، هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾(١).
ثم بين - سبحانه - الحكم التى من أجلها فعل ذلك فقال: ﴿ لكى لا تأسوا على
ما فاتكم ، ولا تفرحوا بما آتاكم ﴾ .
فاللام فى قوله: ﴿لكى لا تأسوا .. ﴾ متعلقة بمحذوف. وقوله: ﴿تأسوا﴾ من
الأسى ، وهو الحزن والضيق الشديد . يقال : أسى فلان على كذا - كفرح - فهو يأسى
أسى ، إذا حزن واغتم لما حدث ، ومنه قوله - تعالى - حكاية عن شعيب - عليه
السلام - : ﴿ فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم ، فكيف آسى
على قوم كافرين ﴾(٢).
أى : فعلنا ما فعلنا من إثبات ما يصيبكم فى كتاب من قبل خلقكم ، وأخبر ناكم بذلك ،
لكى لا تحزنوا على ما أصابكم من مصائب حزنا يؤدى بكم إلى الجزع ، وإلى عدم الرضا
بقضاء الله وقدره ولكى لا تفرحوا بما أعطاكم الله - تعالى - من نعم عظمى وكثيرة .. فرحا
يؤدى بكم إلى الطغيان وإلى عدم استعمال نعم الله - تعالى - فیما خلقت له .. فإن من علم
ذلك علما مصحوبا بالتدبر والاتعاظ ... هانت عليه المصائب ، واطمأنت نفسه لما قضاه الله
- تعالى - وكان عند الشدائد صبورا ، وعند المسرات شكورا .
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : يعنى : أنكم إذا علمتم أن كل
شىء مقدر مكتوب عند الله ، قلّ أساكم على الفائت ، وفرحكم على الآتى ، لأن من علم أن
ما عنده مفقود لا محالة ، لم يتفاقم جزعه عند فقده ، لأنه وطن نفسه على ذلك ، وكذلك من
علم أن بعض الخير واصل إليه ، وأن وصوله لا يفوته بحال ، لم يعظم فرحه عند نيله .
فإن قلت : فلا أحد يملك نفسه عند مضرة تنزل به ، ولا عند منفعة ينالها ، أن لا يحزن
ولا يفرح ؟
%
(١) سورة التوبة الآية ٥١ .
( ٢ ) سورة الأعراف الآية ٩٣ .
٩٠
٢٢٥
سورة الحديد
قلت : المراد الحزن المخرج إلى ما يذهل صاحبه عن الصبر والتسليم لأمر الله - تعالى -
ورجاء ثواب الصابرين ، والفرح المطغى الملهى عن الشكر .
فأما الحزن الذى لا يكاد الإِنسان يخلو منه مع الاستسلام ، والسرور بنعمة الله،
والاعتداد بها مع الشكر، فلا بأس بها (١) .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ﴿والله لا يجب كل مختال فخور﴾.
أى: والله - تعالى - لا يحب أحداً من شأنه الاختيال بما آتاه - سبحانه - من نعم دون
أن يشكره - تعالى - عليها ، ومن شأنه - أيضاً - التفاخر والتباهى على الناس بما عنده من
أموال وأولاد .. وإنما يحب الله - تعالى - من كان من عباده متواضعا حليما شاكرا لخالقه - عز
وجل - .
فأنت ترى أن هاتين الآيتين قد سكبتا فى قلب المؤمن ، كل معانى الثقة والرضا بقضاء الله فى
كل الأحوال .
وليس معنى ذلك عدم مباشرة الأسباب التى شرعها الله - تعالى - لأن ما سجله الله فى
كتابه علينا قبل أن يخلقنا ، لا علم لنا به . وإنما علمه مرده إليه وحده - تعالى - .
وهو - سبحانه - لا يحاسبنا على مانجهله ، وإنما يحاسبنا على ما أمرنا به ، أو نهانا عنه ،
عن طريق رسوله - وال﴾ - .
وكما سجل - سبحانه - أحوالنا قبل أن يخلقنا ، فقد شرع الأسباب وأمرنا بمباشرتها ،
وبين لنا فى كثير من آياته ، أن جزاءنا من خير أو شر على حسب أعمالنا .
وعندما قال بعض الصحابة للنبى - وَر - : أفلا نتكل على ما قدره الله علينا؟.
أجابهم بقوله: ((اعملوا فكل ميسر لما خلق له)).
وقوله - سبحانه - بعد ذلك : ﴿ الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ﴾ بدل من قوله
- تعالى -: ﴿ كل مختال فخور﴾ والمراد بالذين يبخلون: كل من يبخل بما له أو بعلمه ..
فكأنه - تعالى - يقول : والله لا يجب الذين يبخلون بما أعطاهم من فضله ، بخلا يجعلهم
لا ينفقون شيئا منه فى وجوه الخير ، لأن حبهم لأموالهم جعلهم يمسكونها ويشحون بها شحا
شديدا .. ولا يكتفون بذلك ، بل يأمرون غيرهم بالبخل والشح .
وعلى رأس هؤلاء الذين لا يحبهم الله - تعالى - المنافقون ، فقد كانوا يبخلون بأموالهم
عن إنفاق شىء منها فى سبيل الله ، وكانوا يتواصون بذلك فيما بينهم ، فقد قال - سبحانه -
(١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٦٦ .
٢٢٦
المجلد الرابع عشر
فى شأنهم: ﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا. ولله خزائن
السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون﴾(١).
وقوله - سبحانه - : ﴿ ومن يتول فإن اللّه هو الغنى الحميد ) تذييل المقصود به ذم هؤلاء
البخلاء على بخلهم .
وجواب الشرط محذوف ، أغنت عنه جملة ﴿ فإن الله هو الغنى الحميد﴾ والغنى: هو
الموصوف بالغنى - وهى صفة من صفات الله - عزوجل - إذ هو الغنى غنى مطلقا، والخلق
جميعا فى حاجة إلى عطائه - سبحانه - والحميد : وصف مبالغة من الحمد . والمراد به أنه
- تعالى - كثير الحمد والعطاء للمنفقين فى وجوه الخير .
أى: ومن يعرض عن هدايات الله - تعالى - وعن إرشاداته ... فلن يضر الله شيئا ، فإن
الله - تعالى - هو صاحب الغنى المطلق الذى لا يستغنى عن عطائه أحد، وهو - سبحانه -
كثير الحمد والعطاء لمن استجاب لأمره فأنفق مما رزقه الله بدون اختيال أو تفاخر أو أذى .
ثم بين - سبحانه - أن حكمته قد اقتضت أن يرسل رسله إلى الناس ، ليهدوهم إلى
طريقٍ الحق ، وأن الناس منهم من اتبع الرسل ، ومنهم من أعرض عنهم ، ومنهم من ابتدع
أموراً من عند نفسه لم يرعها حق رعايتها .. فقال - تعالى - :
لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَ لْنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ
وَاُلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ
بَأَسٌْ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ.
بِالْغَيْبِ، إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ ، وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَهِيَمَ
وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَبِّ فَمِنْهُمْ مُّهْتَّدٍ
وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَسِقُونَ ) ثُمَّ قَفَّيِّنَا عَلَىّءَاذَرِهِم
بِرُسُلِنَا وَقَفَيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَيْنَكَهُ اَلْإِنجِيلَ
(١) سورة المنافقون الآية ٧ .
٢٢٧
سورة الحديد
وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ الَّذِينَ أَتَبَعُوهُ رَأَفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً
أَبْتَدَعُوهَا مَا كَنَبْنَهَا عَلَيْهِمْ إِلََّ ابْتِغَاءَ رِضْوَنِ اللَّهِفَمَا
رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَاتَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمٌّ
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ
٢٧
والمراد بالبينات فى قوله - تعالى -: ﴿ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ﴾ الحجج والدلائل
التى تشهد لهم بأنهم رسل من عند الله - تعالى - وتدخل فيها المعجزات دخولا أوليا .
والمراد بالكتاب : جنس الكتب . وتشمل التوراة والإنجيل وغيرهما .
والميزان : الآلة المعروفة بين الناس لاستعمالها فى المكاييل وغيرها .. والمراد بها العدل بين
الناس فى أحكامهم ومعاملاتهم .
وشاع إطلاق الميزان على العدل ، باستعارة لفظ الميزان على العدل ، على وجه تشبيه
المعقول بالمحسوس ، والمراد بإنزاله : تبليغه ونشره بين الناس .
أى : بالله لقد أرسلنا رسلنا ، وأيدناهم بالحجج والبراهين الدالة على صدقهم ، وأنزلنا معهم
كتبنا السماوية ، بأن بلغناهم إياها عن طريق وحينا ، وأنزلنا معهم العدل بأن أرشدناهم إلى
طرقه ، وإلى إعطاء كل ذى حق حقه .
قال ابن كثير : يقول الله - تعالى -: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ﴾ أى:
بالمعجزات ، والحجج الباهرات ، والدلائل القاطعات ﴿ وأنزلنا معهم الكتاب ﴾ وهو النقل
الصدق ﴿ والميزان ﴾ وهو العدل أو وهو الحق الذى تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة
المخالفة للآراء السقيمة (١).
وأكد - سبحانه - هذا الإِرسال ، للرد على أولئك الجاحدين الذين أنكروا نبوة النبى
- * - ولبيان أنه واحد من هؤلاء الرسل الكرام ، وأن رسالته إنما هى امتداد لرسالتهم ..
وقوله - تعالى -: ﴿ ليقوم الناس بالقسط ﴾ علة لما قبله. أى: أرسلنا الرسل. وأنزلنا
الكتاب وشرعنا العدل ، ليقوم الناس بنشر ما يؤدى إلى صلاح بالهم ، واستقامة أحوالهم ، عن
طريق التزامهم بالحق والقسط فى كل أمورهم .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٣١٤.
1
٢٢٨
المجلد الرابع عشر
قال الآلوسى: ((والقيام بالقسط)) أى : بالعدل ، يشمل التسوية فى أمور التعامل
باستعمال الميزان ، وفى أمور المعاد باحتذاء الكتاب ، وهو - أى : القسط - لفظ جامع مشتمل
على جميع ما ينبغى الاتصاف به ، معاشا ومعادا(١) .
وقوله - تعالى -: ﴿ وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ﴾ معطوف على
ما قبله .
والمراد بإنزال الحديد : خلقه وإيجاده . وتهيئته للناس ، والإِنعام به عليهم ، كما فى قوله
- سبحانه - ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم فى بطون أمهاتكم خلقا من بعد
خلق ﴾(٢).
والمراد بالبأس الشديد : القوة الشديدة التى تؤدى إلى القتل وإلحاق الضرر بمن توجه إليه ،
أى : لقد أرسلنا رسلنا بالأدلة الدالة على صدقهم ، وأنزلنا معهم ما يرشد الناس إلى
صلاحهم .
وأوجدنا الحديد ، وأنعمنا به عليكم ، ليكون قوة شديدة لكم فى الدفاع عن أنفسكم ، وفى
تأديب أعدائكم ، وليكون كذلك مصدر منفعة لكم فى مصالحكم وفى شئون حياتكم .
فمن الحديد تكون السيوف وآلات الحرب .. ومنه - ومعه غيره - تتكون القصور
الفارهة ، والمبانى العالية الواسعة ، والمصانع النافعة .. وآلات الزراعة والتجارة .
فالآية الكريمة تلفت أنظار الناس إلى سنة من سنن الله - تعالى - قد أرسل الرسل
وزودهم بالهدايات السماوية التى تهدى الناس إلى ما يسعدهم .. وزودهم - أيضا - بالقوة
المادية التى تحمى الحق الذى جاءوا به ونرد كيد الكائدين له فى نحورهم ، وترهب كل من
يحاول الاعتداء عليه، كما قال - تعالى -: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط
الخيل ، ترهبون به عدو الله وعدوكم ﴾(٢).
ورحم الله الإِمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : ما ملخصه : أى : وجعلنا
الحديد رادعا لمن أبى الحق، وعائده بعد قيام الحجة عليه، ولهذا أقام الرسول - وخلافه - بمكة
ثلاث عشرة سنة ، تنزل عليه السور المكية ، لبيان أن دين الله حق .
فلما قامت الحجة على من خالفه ، شرع الله القتال بعد الهجرة ، حماية للحق ، وأمرهم
بضرب رقاب من عائد الحق وكذبه .
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ١٨٨ .
( ٢) سورة الزمر الآية ٦ .
(٣) سورة الأنفال الآية ٦٠.
٢٢٩
سورة الحديد
وقد روى الإمام أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله - وَله - : بعثت بالسيف بين
يدى الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له . وجعل رزقى تحت ظل رمحى، وجعلت الذلة
والصغار على من خالف أمرى ، ومن تشبه بقوم فهو منهم .
ولهذا قال - تعالى -: ﴿وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ﴾ يعنى السلاح كالسيف
والحراب .
ومنافع للناس ﴾ أى: فى معايشهم كالفأس والقدوم .. وغير ذلك(١).
هذا ، ومن المفسرين الذين فصلوا القول فى منافع الحديد ، وفى بيان لماذا خصه الله
- تعالى - بالذكر : الإمام الفخر الرازى فقد قال - رحمه الله - ما ملخصه : ثم إن الحديد
لما كانت الحاجة إليه شديدة ، جعله الله سهل الوجدان، كثير الوجود . والذهب لما كانت
حاجة الناس إليه قليلة ، جعله الله - تعالى - عزيز الوجود .
وبهذا تتجلى رحمة الله على عباده ، فإن كل شىء كانت حاجتهم إليه أكثر جعل الحصول
عليه أيسر .
فالهواء - وهو أعظم ما يحتاج الإنسان إليه - جعل اللّه تعالى - الحصول عليه سهلا
ميسورا .. فعلمنا من ذلك أن كل شىء كانت الحاجة إليه أكثر ، كان وجدانه أسهل .
ولما كانت الحاجة إلى رحمة الله - تعالى - أشد من الحاجة إلى كل شىء ، فنرجوه من
فضله أن يجعلها أسهل الأشياء وجدانا ، كما قال الشاعر :
سبحان من خص العزيز بعزة والناس مستغنون عن أجناسه
وأذل أنفاس الهواء وكل ذى نفس، فمحتاج إلى أنفاسه(٢)
وقوله : - سبحانه -: ﴿وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب .. ﴾ معطوف على محذوف
يدل عليه السياق .
والمراد بقوله: ﴿وليعلم﴾ أى: وليظهر علمه - تعالى - للناس، حتى يشاهدوا آثاره.
أى : وأنزل - سبحانه - الحديد لكى يستعملوه فى الوجوه التى شرعها الله وليظهر
- سبحانه - أثر علمه حتى يشاهد الناس ، من الذى سيتبع الحق منهم ، فينصر دين الله
- تعالى - وينصر رسله ، ويستعمل نعمه فيما خلقت له حالة كونه لا يرى الله - تعالى -
(١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٣١٥.
( ٢) راجع تفسير الفخر الرازى جـ ٢٩ ص ٢٤٣ .
٢٣٠
المجلد الرابع عشر
بعينيه ، وإنما يتبع أمره ، ويؤمن بوحدانيته ووجوده وعلمه وقدرته .. عن طريق ما أوحاه
- سبحانه - إلى رسوله - الآلي - .
فقوله : ﴿ بالغيب ﴾ حال من فاعل ﴿ينصره﴾.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ﴿إن اللّه قوى عزيز﴾ أى: أن الله
- تعالى - هو المتصف بالقوة التى ليس بعدها قوة وبالعزة التى لا تقاربها عزة .
وختمت الآية بهذا الختام ، لأنه هو المناسب لإِرسال الرسل ، ولإِنزال الكتب والحديد الذى
فيه بأس شديد ومنافع للناس .
فكان هذا الختام تعليل لما قبله . أى : لأن الله - تعالى - قوى فى أخذه عزيز فى انتقامه
فعل ما فعل من إرسال الرسل ، ومن إنزال الحديد .
وقوله - سبحانه - : ﴿ ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا فى ذريتهما النبوة
والكتاب .. ﴾ معطوف على جملة: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ﴾ عطف الخاص على
العام .
أى : لقد أرسلنا رسلا كثيرين .. وبالله لقد أرسلنا نوحا وإبراهيم ، وجعلنا فى ذريتهما عددا
من الأنبياء ، وأوحينا إليهم كتبنا ، التى تهدى أقوامهم إلى طريق الحق ، كالتوراة التى أنزلناها
على موسى ، وكالزبور الذى أنزلناه على داود .
وخص - سبحانه - نوحا وإبراهيم - عليهما السلام - بالذكر ، لشهرتهما ولأن جميع
الأنبياء من نسلمها .
والضمير فى قوله - تعالى - : ﴿ فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون ﴾ أى : فمن ذريتهم
من اهتدى إلى الدين الحق ، وآمن به ، وقام بأداء تكاليفه . وكثير من أفراد هذه الذرية
فاسقون . أى : خارجون عن الاهتداء إلى الحق ، منغمسون فى الكفر والضلال .
{ ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم ﴾ والتقفيه إتباع الرسول برسول
آخر يقال : قفا فلان أثر فلان .. إذا اتبعه ، وقفى على أثره بفلان ، إذا اتبعه إياه .. وأصله
من القفا وهو مؤخر العنق .. فكأن الذى يتبع أثر غيره قد أتاه من جهة قفاه :
وضمير الجمع فى قوله ﴿ على آثارهم ﴾ يعود إلى نوح وإبراهيم وذريتهما الذين كانت فيهم
النبوة والكتاب .
أى : ثم أرسلنا بعدهم رسولا بعد رسول . حتى انتهينا إلى عيسى - عليه السلام -
وآتيناه الإنجيل﴾ أى : أوحيناه إليه ليكون هداية لقومه .
٢٣١
سورة الحديد
قالوا : والإنجيل كلمة يونانية من النجل وهو الأصل ، يقال : رحم الله ناجليه ، أى :
والديه ، وقيل : الإِنجيل مأخوذ من نجلت الشىء إذا استخرجته وأظهرته . ويقال للماء الذى
يخرج من البئر : نجل . وقيل هو من النجل الذى هو سعة العين ، ومنه قولهم : طعنة نجلاء ،
أى : واسعة .
وسمى الإنجيل بهذا الاسم ، لأنه سعة ونور وضياء ، أنزله الله - تعالى - على نبيه عيسى ،
ليكون بشارة وهداية لقومة(١).
وأعاد - سبحانه - مع عيسى - عليه السلام - كلمة ﴿وقفينا﴾ للإِشعار بأن المسافة
التى كانت بين عيسى - عليه السلام - وبين آخر رسول من بنى إسرائيل كانت مسافة
طويلة .
ثم بين - سبحانه - بعض السمات التى كانت واضحة فى أتباع عيسى فقال: ﴿ وجعلنا فى
قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله ﴾.
والرأفة : اللين وخفض الجناح ، والرحمة . العطف والشفقة .
قالوا : وعطف الرحمة على الرأفة من باب عطف العام على الخاص ، لأن الرأفة ، رحمة
خاصة ، تتعلق بدفع الأذى والضر . أما الرحمة فهى أشمل وأعم ، لأنها عطف وشفقة على كل
من كان فى حاجة إليها .
و((الرهبانية)) معناها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان . وهم النصارى المبالغون فى الرهبة
والخوف من الله - تعالى - والزهد فى متاع الحياة الدنيا.
قال بعض العلماء : والرهبانية : اسم للحالة التى يكون عليها الراهب متصفا بها فى غالب
شئون دينه ، والياء فيها ياء النسبة إلى الراهب على غير قياس ، لأن قياس النسب إلى
الراهب : الراهبية ، والنون فيها مزيدة للمبالغة فى النسبة ، كما زيدت فى قولهم : شعرانى ،
لكثير الشعر، ولحيانى لعظيم اللحية (٢).
وقوله - تعالى - : ورهبانية ابتدعوها .. منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر .
أى : وابتدعوا رهبانية ابتدعوها ، فهو من باب الاشتغال .
ويصح أن يكون معطوفا على قوله : ﴿رأفة ورحمة) وقوله: ﴿ابتدعوها ﴾ فى موضع
( ١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ١٧١ .
(٢) تفسير التحرير والتنوير جـ ٢٧ ص ٢٤١ للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور . - رحمه الله -.
٦
٢٣٢
المجلد الرابع عشر
-
الصفة ، والكلام على حذف مضاف ، أى : وجعلنا فى قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية مبتدعة لهم .
وجملة : ما كتبناها عليهم ، مستأنفة مبينة لجملة ﴿ ابتدعوها ﴾.
والاستثناء فى قوله: ﴿ إلا ابتغاء رضوان الله ﴾ منقطع.
والضمير فى قوله : ﴿ فما رعوها ﴾ يعود لهؤلاء الذين ابتدعوا الرهبانية.
والمعنى : ثم أتبعنا كل رسول من ذرية نوح وإبراهيم برسول آخر ، حتى انتهينا إلى
عيسى - عليه السلام - فأرسلناه إلى بنى إسرائيل وآتيناه الإِنجيل وجعلنا فى قلوب الذين
اتبعوه وآمنوا به ﴿رأفة﴾ أى لينا وخفض جناح ﴿ورحمة﴾ أى: شفقة وعطفا، وحب
رهبانية مبتدعة منهم ، أى : هم الذين ابتدعوها واخترعوها واختاروها لأنفسهم ، زهداً فى
متاع الحياة الدنيا .
ونحن ما كتبنا عليهم هذه الرهبانية ، وإنما هم الذين ابتدعوها من أجل أن يرضى الله
عنهم ﴿ فما رعوها حق رعايتها﴾ أى: ولكنهم بمرور الأيام، لم يحافظ كثير منهم على
ما تقتضيه هذه الرهبانية من زهد وتقى وعفاف .. بل صارت طقوسا خالية من العبادة
الصحيحة ، ولم يصبر على تكاليفها إلا عدد قليل منهم .
ولذا ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ﴿ فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم ، وكثير
منهم فاسقون ﴾ .
أى : أما الذين استمروا على اتباعهم لعيسى - عليه السلام - وعلى الإِيمان بالحق إيمانا
صحيحا خاليا مما يفسده .. فقد أعطيناهم أجورهم الطيبة كاملة غير منقوصة .
وأما الذين بدلوا ما جاء به عيسى - عليه السلام - حيث كفروا به وقالوا : الله ثالث
ثلاثة ، أو قالوا : المسيح ابن الله فسيلقون ما يستحقونه من عقاب .
وقوله: ﴿وكثير منهم فاسقون﴾ يدل على أن الذين خرجوا عن الدين الحق الذى جاء
به عيسى - عليه السلام - وفسقوا عن أمر ربهم .. أكثر من الذين آمنوا به إيمانا صحيحا .
قال الإِمام ابن جرير : واختلف أهل التأويل فى الذين لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها .
فقال بعضهم : هم الذين ابتدعوها ، ولم يقوموا بها ، ولكنهم بدلوا وخالفوا دين اللّه الذى بعث
به عيسى ، فتنصروا وتهودوا .
وقال آخرون : بل هم قوم جاءوا من بعد الذين ابتدعوها فلم يرعوها حتى رعايتها ، لأنهم
كانوا كفارا .. فهم الذين وصفهم الله بأنهم لم يرعوها حق رعايتها .
وأولى الأقوال فى ذلك بالصحة أن يقال : إن الذين وصفهم الله بأنهم لم يرعوا الرهبانية حق
٢٣٣
سورة الحديد
رعايتها ، بعض الطوائف التى ابتدعتها ، وذلك لأن الله - تعالى - قد أخبر أنه آتى الذين
آمنوا منهم أجرهم ، فدل ذلك على أن منهم من قد رعاها حق رعايتها .
وكثير منهم - أى : من الذين ابتدعوا الرهبانية - أهل معاص ، وخروج عن طاعة الله
- تعالى - وعن الإِيمان به (١).
وقال الإِمام الآلوسى ما ملخصه : وقوله - تعالى - ﴿ ما كتبناها عليهم ) جملة
مستأنفة .
وقوله - سبحانه -: ﴿ إلا ابتغاء رضوان الله ﴾ استثناء منقطع، أى: ما فرضناها نحن
عليهم رأسا ، ولكن ابتدعوها وألزموا بها أنفسهم ابتغاء رضوان الله .
وقوله - تعالى -: ﴿ فما رعوها حق رعايتها﴾ أى: ما حافظوا عليها حق المحافظة ،
ذم لهم من حيث إن ذلك كالنذر ، وهو عهد مع الله - تعالى - يجب رعايته ، لا سيما إذا قصد
به رضاه - عز وجل .
وجائز أن يكون الاستثناء متصلا من أعم العلل . أى : ما قضيناها عليهم لشىء من
الأشياء، إلا ليبتغوا بها رضوان الله ، ويستحقوا بها الثواب، ومن ضرورة ذلك أن يحافظوا
عليها .. إلا أنهم لم يحافظوا عليها ، ولم يرعوها حق رعايتها .
والفرق بين الوجهين : أن الأول يقتضى أنهم لم يؤمروا بها أصلا ، وأن الثانى يقتضى أنهم
أمروا بها ، لا بتغاء رضوان الله ، فما رعوها حق رعايتها .
والظاهر أن الضمير فى قوله ﴿ فما رعوها ﴾ يعود لأولئك الذين ابتدعوا الرهبانية ،
والمراد نفى وقوع الرعاية من جميعهم، أى: فما رعاها كلهم بل بعضهم (٢) .
فالآية الكريمة تثنى على الذين أحسنوا اتباع عيسى - عليه السلام - فطهروا أرواحهم
من كل دنس ، وزهدوا فى متع الحياة الدنيا .. وتذم الذين بدلوا ما جاء به عيسى - عليه
السلام - وقالوا الأقوال الباطلة فى شأنه ، وفعلوا الأفعال القبيحة التى تغضب الله
- تعالى - :
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذا النداء للمؤمنين فقال - تعالى :
(١) راجع تفسير ابن جرير جـ ٢٧ ص ٢٣٨ .
( ٢) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ١٩١ .
٢٣٤
المجلد الرابع عشر
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْاللَّهَ
وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَّحْمَتِهِ، وَيَجْعَل لَّكُمْ
نُورًّا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْلَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٨) لِئَلََّ يَعْلَ
أَهْلُ الْكِتَبِ أَلََّيَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍمِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ
ج
اَلْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
٢٩
أى: يامن آمنتم بالله - تعالى - حق الإِيمان، اتقوا الله فى كل ما تأتون وما تذرون ،
وداوموا على الإِيمان برسوله - بَير - واثبتوا على ذلك .
يؤتكم كفلين من رحمته ﴾ أى : يعطكم بسبب ذلك نصيبين وضعفين من رحمته
- سبحانه - وفضله .
وأصل الكفل - كما يقول القرطبى - كساء يكتفل به الراكب فيحفظه من السقوط .. أى
يؤتكم نصيبين يحفظانكم من هلكة المعاصى، كما يحفظ الكفل الراكب من السقوط(١).
﴿ ويجعل لكم نورا تمشون به ﴾ أى: ويجعل لكم بفضله نورا تمشون به يوم القيامة. كما
قال - تعالى -: ﴿ يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ).
ويغفر لكم﴾ أى: ما فرط منكم من ذنوب ، بأن يزيلها عنكم .
﴿ والله غفور رحيم﴾ أي: واسع المغفرة والرحمة لمن انقاه وأطاعه.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وعد المؤمنين على تقواهم وعلى إيمانهم برسوله ، أن يؤتيهم
نصيبين من رحمته .. وأن يجعل لهم نورا يمشون به ، فيهديهم إلى ما يسعدهم فى كل شئونهم ،
وأن يغفر لهم ما سبق من ذنوبهم .. فضلا منه وكرما .
قالوا : وأعطى اللّه - تعالى - للمؤمنين نصيبين من الأجر ، لأن أولهما بسبب إيمانهم
بالرسول - 1945 - .
وثانيهما : بسبب إيمانهم بالرسل السابقين ، كما أعطى مؤمنى أهل الكتاب نصيبين من
(١) تفسير القرطبى جـ ١٧ ص ٢٦٦.
٢٣٥
سورة الحديد
الأجر : احدهما الإِيمان بالرسول - وَله - والثانى للإِيمان - بعيسى - عليه السلام - الذى
نسخت شريعته بالشريعة المحمدية .
وقوله - سبحانه - : ﴿ لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شىء من فضل الله .. ﴾
رد على مزاعم أهل الكتاب أنهم شعب الله المختار ، وأنهم أفضل من الأمة الاسلامية .
قال الجمل ما ملخصه : لما سمع من لم يؤمن من أهل الكتاب قوله - تعالى - ﴿ أولئك
يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا .. ﴾ قالوا للمسلمين : أما من آمن منا بكتابكم فله أجره
مرتين لإِيمانه بكتابنا وكتابكم . ومن لم يؤمن منا بكتابكم فله أجر كأجركم ، فبأى شىء فضلتم
علينا ؟ فأنزل الله هذه الآية .
زائدة ، واللام متعلقة بمحذوف ، هو معنى الجملة الطلبية المتضمنة لمعنى الشرط ،
٠
لا
و
إذ التقدير: إن تتقوا وتؤمنوا برسوله ، يؤتكم الله من فضله كذا وكذا - وقد أعلمناكم
بذلك - لكى يعلم أهل الكتاب عدم قدرتهم على شىء من فضل الله .
أى : أنهم لا ينالون شيئا مما ذكر من فضله .. كالكفلين من رحمته وكمغفرة الذنوب -
لأنهم لم يؤمنوا برسوله - وَله - ولم يخلصوا العبادة له - عز وجل - .. (١).
وقوله - سبحانه - ﴿ وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) مؤكد
لما قبله ، ومقرر له .
أى : ليعلم أهل الكتاب عدم قدرتهم على الظفر بشىء من فضل الله إلا إذا آمنوا بالله
ورسله .. وليعلموا - أيضا - أن الفضل والعطاء بيد الله - تعالى - وحده ، يمنحه لمن يشاء
ويختار من عباده ، وهو - سبحانه - صاحب الفضل الواسع العظيم .
وعلى هذا التفسير الذى سرنا عليه يكون المقصود من الآيتين تحريض المؤمنين من هذه
الأمة على الثبات على تقوى الله - تعالى - واتباع رسوله - رَليز - فى كل ما جاء به ،
وتبشيرهم بالعطاء الجزيل إذا ما فعلوا ذلك .
والرد على المتفاخرين من أهل الكتاب ، الذين زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه ، وأنهم ليس
أحد أفضل منهم، وأن الأجر ثابت لهم سواء آمنوا بالرسول - وَيه - أم استمروا على
کفرهم .
قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهاتين الآيتين : لما افتخر أهل الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٢٩٨ .
٢٣٦
المجلد الرابع عشر
مرتين ، أنزل الله هذه الآية ﴿يأيها الذين آمنوا اتقو الله وآمنوا برسوله .. ﴾ فى حق هذه
الأمة .
وهى كقوله - تعالى -: ﴿يأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم
سيئاتكم ، ويغفر لكم ، والله ذو الفضل العظيم ﴾ .
ومما يؤيد هذا القول - أى : أن هذه الآية فى حق هذه الأمة - ما رواه الإمام أحمد عن ابن
عمر قال: قال رسول الله - ويلي -: مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل
عمالا فقال : من يعمل لى من صلاة الصبح إلى نصف النهار على قيراط قيراط ؟ ألا فعملت
اليهود .
ثم قال : من يعمل لى من صلاة الظهر إلى صلاة العصر على قيراط قيراط ؟ ألا فعملت
النصارى .
ثم قال : من يعمل لى من صلاة العصر إلى غروب الشمس على قيراطين قيراطين ؟ ألا
فأنتم الذين عملتم فغضبت النصارى واليهود ، وقالوا : نحن أكثر عملا وأقل عطاء . قال :
هل ظلمتكم من أجركم شيئا ، قالوا لا : قال فإنما هو فضلى أوتيه من أشاء(١) .
ويرى بعض المفسرين أن الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب ، فيكون المعنى : يا من آمنتم
بموسى وبعيسى وبمحمد - عليهم الصلاة والسلام - اتقوا الله وآمنوا برسوله - وَالله - واثبتوا
على ذلك ، يؤتكم الله - تعالى - كفلين من رحمته .
وليعلم الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب ، أنهم لن ينالوا شيئا مما ناله المؤمنون منهم .
ومن المفسرين الذين ساروا على هذا التفسير الإِمام ابن جرير ، فقد قال - رحمه الله -
عند تفسيره لهذه الآية : يقول - تعالى ذكره - : يأيها الذين صدقوا الله ورسوله من أهل
الكتابين: التوراة والإنجيل ، خافوا الله، وآمنوا برسوله محمد - ويل ز - يؤتكم كفلين من
رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم ..
أى : يؤتكم أجرين الإِيمانكم بعيسى وبمحمد - عليهما الصلاة والسلام -(٢).
ويبدو لنا أن الخطاب فى هذه الآية للمؤمنين من هذه الأمة ، على سبيل الحض والتبشير ،
وأن قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿ لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شىء من فضل
الله ... ﴾ واضح فى ذلك ، وان جعل الخطاب لمؤمنى أهل الكتاب لا دليل عليه .
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٦٧.
( ٢) تفسير ابن جرير جـ ٢٧ ص ٢٤٢ .
٢٣٧
سورة الحديد
ولذا قال بعض المحققين : هذه الآية الكريمة من سورة الحديد ، فى المؤمنين من هذه الأمة ،
وأن سياقها واضح فى ذلك ، وأن من زعم من أهل العلم أنها فى أهل الكتاب فقد غلط ، وان
ما وعد الله به المؤمنين من هذه الأمة، أعظم مما وعد به مؤمنى أهل الكتاب(١).
وبعد: فهذا تفسير لسورة ((الحديد)) نسأل الله - تعالى - ان يجعله خالصا لوجهه ،
ونافعا لعباده - وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
کتبه الراجی عفو ربه
فندق الشيراتون بالدوحة - قطر
صباح الخميس ٢٤ من رجب ١٤٠٦ هـ
محمد سيد طنطاوى
٣ من أبريل ١٩٨٦ م
(١) راجع أضواء البيان جـ ٧ ص ٨١٦ الشيخ محمد أمين الشنقيطى.
:
٠٦
تفسير
سُورَة المجادلةُ
:
٠