النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١
سورة الواقعة
ما بعدها ، وهذه الجملة خبر لقوله ﴿ فأصحاب الميمنة ﴾ . ووضع فيها الاسم الظاهر موضع
الضمير للتفخيم ، بخلاف وضعه فى أصحاب المشأمة ، فهو للتشنيع عليهم .
وشبيه بهذا الأسلوب قوله - تعالى -: ﴿ الحاقة ما الحاقة﴾ و﴿ القارعة ما القارعة
ولا يؤتى بمثل هذا التركيب إلا فى مواضع التفخيم ، أو التعجيب ..
والمعنى : فأصحاب الميمنة ، أى شىء هم فى أحوالهم وصفاتهم الكريمة ، وأصحاب المشأمة ،
أى شىء هم فى أحوالهم وصفاتهم القبيحة ؟ .
وقد ترك هذا الاستفهام التعجيبى على إبهامه ، لتذهب النفس فيه كل مذهب من الثواب أو
العقاب ..
وقوله : ﴿والسابقون السابقون ﴾ هؤلاء هم الصنف الثالث، وهم الذين سبقوا غيرهم
إلى كل قول أو فعل فيه طاعة الله - تعالى - وتقرب إلى جلاله .
والأظهر فى إعراب مثل هذا التركيب ، أنه مبتدأ وخبر ، على عادة العرب فى تكريرهم
اللفظ ، وجعلهم الثانى خبرا عن الأول ، ويعنون بذلك أن اللفظ المخبر عنه ، معروف خبره ،
ولا يحتاج إلى تعريفه ، كما فى قول الشاعر :
* أنا أبو النجم ، وشعرى شعرى *
يعنى : أن شعرى هو الذى أتاك خبره ، وانتهى إليك وصفه ..
والمعنى : والسابقون هم الذين اشتهرت أحوالهم . وعرفت منزلتهم ، وبلغت من الرفعة
مبلغا لا يفى به إلا الإِخبار عنهم بهذا الوصف .
وحذف - سبحانه - المتعلق فى الآية لإِفادة العموم ، أى : هم السابقون إلى كل فضل
ومكرمة وطاعة ..
وأخرهم - سبحانه - عن أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ، لتشويق السامع إلى معرفة
أحوالهم، وبيان ما أعد لهم من ثواب عظيم ، فصله بعد ذلك فى قوله - تعالى -: ﴿ أولئك
المقربون . فى جنات النعيم ... ﴾ أى: والسابقون غيرهم إلى كل فضيلة وطاعة ، أولئك هم
المقربون عند الله - تعالى - وأولئك هم الذين مقرهم جنات النعيم .
فالجملة الكريمة مستأنفة استئنافا بيانيا ، لأنها جواب يثيره فى النفوس قوله - تعالى -
والسابقون السابقون﴾ و﴿ أولئك ﴾ مبتدأ، وخبره ما بعده . وما فيه من معنى البعد ،
مع قرب العهد بالمشار إليه ، للإشعار يسمو منزلتهم عند الله - تعالى - ولفظ ﴿ المقربون
١٦٢
المجلد الرابع عشر
مأخوذ من القربة بمعنى الحظوة ، وهو أبلغ من القريب ، لدلالة صيغته على الاصطفاء
والاجتباء ..
أى : أولئك هم المقربون من ربهم - عز وجل - قربا لا يعرف أحد مقداره .
وقوله - سبحانه -: ﴿ فى جنات النعيم ﴾ بيان لمظهر من مظاهر آثار هذا التقرب.
قال الآلوسى: وقوله: ﴿ فى جنات النعيم﴾ متعلق بقوله ﴿المقربون﴾ أو بمضمر هو
حال من ضميره ، أى كائنين فى جنات النعيم .
وعلى الوجهين . فيه إشارة إلى أن قربهم محض لذة وراحة ، لا كقرب خواص الملك
القائمين بأشغاله عنده ، بل كقرب جلسائه وندمائه الذين لا شغل لهم ، ولا يرد عليهم أمر أو
نهى ، ولذا قيل ﴿ جنات النعيم﴾ دون جنات الخلود ونحوه .. (١).
ثم قال - تعالى -: ﴿ ثلة من الأولين . وقليل من الآخرين ﴾ والثلة: الجماعة الكثيرة
من الناس ، وأصلها : القطعة من الشىء .. وهى خبر لمبتدأ محذوف ، وللمفسرين فى المراد
بالثلة من الأولين ، وبالقليل من الآخرين ، اتجاهان :
أولهما : يرى أصحابه أن المراد بقوله: ﴿ ثلة من الأولين﴾: أولئك السابقون من الأمم
الكثيرة السابقة على الأمة الإسلامية ، وهم الذين صدقوا أنبياءهم وعزروهم ونصروهم .
والمراد بقوله: ﴿وقليل من الآخرين﴾ المؤمنون من هذه الأمة الإسلامية.
وعلى هذا المعنى سار صاحب الكشاف . فقد قال : الثلة ، الأمة الكثيرة من الناس ، قال
الشاعر :
وجاءت إليهم ثلة خندقية بجيش كتيار من السيل مزيد
وقوله - عز وجل -: ﴿ وقليل من الآخرين﴾ كفى به دليلا على الكثرة - أى فى لفظ
ثلة ﴾ - وهو من الثل وهو الكسر - .. كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم .
والمعنى : أن السابقين من الأولين كثير ، وهم الأمم من لدن آدم - عليه السلام - إلى محمد
- وَل - .. ﴿وقليل من الآخرين)، وهم أمة محمد - ولايز -(٢).
وأما الاتجاه الثانى فيرى أصحابه ، أن الخطاب فى قوله - تعالى -: ﴿وكنتم أزواجا
ثلاثة) للأمة الإسلامية خاصة ، وأن المراد بقوله ﴿ثلة من الأولين﴾ صدر هذه الأمة
الاسلامية .
(١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ١٣٣.
( ٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥٣ .
ے
١٦٣
سورة الواقعة
وأن المراد بقوله - تعالى -: ﴿ وقليل من الآخرين﴾ من أتى بعد صدر هذه الأمة إلى
يوم القيامة .
وقد أفاض الإِمام ابن كثير فى ترجيح هذا القول ، فقال ما ملخصه : وقد اختلفوا فى المراد
بقوله: ﴿ ثلة من الأولين وقليل من الآخرين ﴾ فقيل: المراد بالأولين الأمم الماضية،
وبالآخرين من هذه الأمة .. وهو اختيار ابن جرير .
وهذا الذى اختاره ابن جرير ههنا فيه نظر ، بل هو قول ضعيف ، لأن هذه الأمة ، هى
خير الأمم بنص القرآن ، فيبعد أن يكون المقربون أكثر منها ، اللهم إلا أن يقابل مجموع
الأمم بهذه الأمة ..
فالقول الراجح أن يكون المراد بقوله - تعالى - ﴿ ثلة من الأولين ﴾ أى: من صدر هذه
الأمة .
والمراد بقوله: ﴿ وقليل من الآخرين﴾ أى: من هذه الأمة ..
وروى عن الحسن أنه قال : أما السابقون فقد مضوا ، ولكن اللهم اجعلنا من أصحاب
اليمين .
وقد رجح بعض العلماء القول الأول فقال ما ملخصه : وقد اختلف أهل العلم فى المراد بهذه
الثلة من الأولين ، وهذا القليل من الآخرين المذكورين هنا .
كما اختلفوا فى الثلتين المذكورتين فى قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿ ثلة من الأولين ، وثلة
من الآخرين
وظاهر القرآن يفيد فى هذا المقام : أن الأولين فى الموضعين من الأمم الملضية .
والآخرين فيهما من هذه الأمة .
وأن قوله - تعالى -: ﴿ ثلة من الأولين ، وقليل من الآخرين ﴾ فى السابقين خاصة.
وأن قوله - تعالى -: ﴿ثلة من الأولين ، وثلة من الآخرين ﴾ فى أصحاب اليمين
خاصة .
وذلك لشمول الآيات لجميع الأمم ، إذ قوله - تعالى - : ﴿وكنتم أزواجا ثلاثة ﴾ خطاب
لجميع أهل المحشر ، فظهر أن السابقين وأصحاب اليمين . منهم من هو من الأمم السابقة ،
ومنهم من هو من هذه الأمة ..
ولا غرابة فى أن يكون السابقون من الأمم السابقة أكثر .. لأن الأمم الماضية أمم كثيرة ..
وفيهم أنبياء كثيرون .
١٦٤
المجلد الرابع عشر
وأما أصحاب اليمين من هذه الأمة ، فيحتمل أن يكونوا أكثر من أصحاب اليمين من جمع
الأمم ، لأن الثلة تتناول العدد الكثير وقد يكون أحد العددين .. الكثيرين ، أكثر من الآخر ،
مع أنهما كلاهما كثير .
ولهذا تعلم أن ما دل عليه ظاهر القرآن واختاره ابن جرير . لا ينافى ما جاء من أن نصف
أهل الجنة من هذه الأمة .. (١).
ثم بين - سبحانه - ما أعده لهؤلاء السابقين بالخيرات من عطاء كريم ، فقال: ﴿ على
سرر موضونة ﴾ .
والسرر : جمع سرير ، وهو ما يستعمله الإِنسان لنومه أو الاتكاء عليه فى جلسته .
والموضونة : أى المنسوجة بالذهب نسجا محكما ، لراحة الجالس عليها ولتكريمه . يقال :
وضن فلان الغزل يضنه ، إذا نسجه نسجا متقنا جميلا .
أى : مستقرين على سرر قد نسجت أطرافها بالذهب وبما يشبهه ، نسجا بديعا يشرح
الصدر. فقوله : ﴿ على سرر موضونة ﴾ حال من المقربين ..
ومثله قوله : ﴿ متكئين عليها متقابلين ﴾ أى: مضطجعين عليها اضطجاع الذى امتلأ قلبه
بالراحة ، وفراغ البال من كل ما يشغله ، وقد قابل وجه كل واحد منهم وجه الآخر ، ليتم
سرورهم ونعيمهم ، إذ تقابل وجوه الأحباب يزيد الأنس والبهجة .
يطوف عليهم ولدان مخلدون ﴾ أى: يدور عليهم من أجل خدمتهم غلمان ، شبابهم باق
لا يتغير ، وهيئتهم الجميلة على حالها لا تتبدل ، فهم دائما على تلك الهيئة المنعوتة بالشباب
والمنظر الحسن .
بأكواب وأباريق وكأس من معين ﴾ أى: يطوفون عليهم، بأكواب أى : بأقداح
لاُعُرَا لها ، وأباريق، أى: وبأوان ذات عرا ﴿ وكأس من معين ﴾ أى: وبإناء مملوء بالخمر
الكثير الجارى فقوله ﴿ معين﴾ من المعن بمعنى الكثرة .
﴿ لا يصدعون عنها .. ﴾ أى لا يصيبهم صداع أو تعب بسبب شرب هذه الخمر. فعن
هنا بمعنى باء السببية .
قوله: ﴿ولا ينزفون﴾ أى: ولا تذهب الخمر عقولهم، كما تفعل خمر الدنيا بشاربيها ،
مأخوذ من النزف ، بمعنى اختلاط العقل .
-
(١) راجع أضواء البيان جـ ٧ ص ٧١٩ للشيخ محمد الأمين الشنقيطى.
١٦٥
سورة الواقعة
وقوله : ﴿ وفاكهة مما يتخيرون﴾ أى: ويطاف عليهم بفاكهة يتلذذون بأكلها، وهذه
الفاكهة تأتيهم من كل نوع ، على حسب ما يريدون ويشتهون .
ولحم طير مما يشتهون ﴾ مما يحبونه ويختارونه من هذه اللحوم الطيبة المحببة إلى
النفوس ، يطاف عليهم به - أيضا -
وقوله : ﴿ وحور عين﴾ معطوف على قوله ﴿ولدان مخلدون﴾ أى: ويطوف عليهم
- أيضا - نساء عيونهن شديدة البياض والسواد فى سعة وجمال .
وهؤلاء الحور العين ﴿ كأمثال اللؤلؤ المكنون﴾ أى: يشبهن اللؤلؤ المكنون الذى لم تلمسه
الأيدى ، فى صفاء بياضهن ، وفى شدة جمالهن .
وقوله - سبحانه - : ﴿ جزاء بما كانوا يعملون﴾ بيان الأسباب التى أوصلتهم إلى هذا
النعيم الكبير ..
ولفظ ﴿ جزاء) منصوب على أنه مفعول لأجله لفعل محذوف ، أى : أعطيناهم هذا
العطاء الجزيل ، جزاء مناسبا بسبب ما كانوا يعملونه فى الدنيا من أعمال صالحة .
قوله - تعالى -: ﴿ لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما. إلا قيلا سلاما سلاما﴾ تتميم للنعم
التى أنعم - سبحانه - عليهم بها فى الجنة .
واللغو: الكلام الساقط الذى لا فائدة منه ، ولا وزن له . يقال : لغا فلان يلغو . إذا قال
كلاما يلام عليه .
والتأثيم : مصدر إثم ، إذا نسب غيره إلى الإِثم وفعل ما لا يليق .
أى : أن هؤلاء المقربين لا يسمعون فى الجنة كلاما لا يعتد به ، ولا يسمعون - أيضا -
كلاما سيئا أو قبيحا ، بأن ينسب بعضهم إلى بعض ما لا يليق به ، وإنما الذى يسمعونه هو
الكلام الطيب المشتمل على الأمان المتكرر، والتحية الدائمة .
ولفظ ﴿سلاما﴾ الأول، بدل من قوله ﴿قيلا﴾ أو نعت له .. أى: سالما من العيوب.
والتكرير لهذا اللفظ القصد منه التأكيد ، والإِشعار بكثرة تحيتهم بهذا اللفظ الدال على المحبة
والوئام .
أى: لا يسمعون فى الجنة إلا سلاما إثر سلام، وتحية فى أعقاب تحية ، ومودة تتلوها مودة .
والاستثناء منقطع ، لأن السلام لا يندرج تحت اللغو ، وهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم ،
قيلا﴾ بمعنى: قولا ، وهو منصوب على الاستثناء ..
١٦٦
المجلد الرابع عشر
وإلى هنا نجد الآيات الكريمة ، قد بينت أقسام الناس يوم القيامة . وفصلت ما أعده
- سبحانه - للسابقين ، من عطاء جزيل ، وفضل عميم .
وبعد هذا الحديث الزاخر بالخيرات والبركات عن السابقين .. جاء الحديث عن أصحاب
اليمين وعما أعده الله - تعالى - لهم من ثواب فقال - سبحانه - :
وَأَصْحَبُّ الْيَمِينِ مَا أَصْحَبُ
اَلْيَمِينِ فِ سِدْرِتَخْضُورٍ ، وَطَلْحِ مَّنْضُودِ وَظَلِ تَمَّدُودٍ
﴿ وَمَاءِ مَسْكُوبٍ (٦) وَفَكِهَةٍ كَثِيَرَةِالَ لَّ مَقْطُوعَةٍ وَلَا
مَمْتُوعَةَِ، وَقُرْشِ مَّرْفُوعَةٍ ٦َ إِنَّ أَنشَأْنَهُنَّ إِنْشَاءَ (٦)، فَعَلْنَهُنَّ
أَبْكَارَالنََّ، عُرْبًا أَتْرَابًا ، لِأَصْحَبِ الْيَمِينِ (٦)، ثُلَّةٌ مِّنَ
٤
اٌلْأَوَّلِينَ ، وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ
قال الآلوسي: قوله - تعالى -: ﴿وأصحاب اليمين ... ﴾ شروع فى بيان تفاصيل
شئونهم ، بعد بيان شئون السابقين .
وأصحاب : مبتدأ وقوله : ﴿ ما أصحاب اليمين) جملة استفهامية مشعرة بتفخيمهم،
والتعجب من حالهم، وهى خبر المبتدأ .. أو معترضة ، والخبر قوله: ﴿ فى سدر
مخضود ... ﴾(١).
والسدر : شجر النبق ، واحده سدرة ، ومخضود . أى : منزوع الشوك ، يقال : خضد فلان
الشجر ، إذا قطع الشوك الذى به فهو خضيد ومخضود ، أو مخضود بمعنى ملىء بالثمر حتى تثنت
أغصانه ، من خضدت الغصن ، إذا ثنيته وأملته إلى جهة أخرى .
أى: وأصحاب اليمين ، المقول فيهم ما أصحاب اليمين على سبل التفخيم ، مستقرون يوم
القيامة فى حدائق مليئة بالشجر الذى خلا من الشوك وامتلأ بالثمار الطيبة ، التى تثنت أغصانها
لكثرتها ..
(١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ١٣٩.
١٦٧
سورة الواقعة
قال القرطبى : وذكر ابن المبارك قال : حدثنا صفوان عن سليم بن عامر قال : كان
أصحاب النبى - * - يقولون: إنه لينفعنا الأعراب ومسائلهم . قال : أقبل أعرابى يوما
فقال: يارسول الله، لقد ذكر الله فى القرآن: شجرة مؤذية، وما كنت أرى فى الجنة شجرة
تؤذى صاحبها ؟
فقال - مَ﴿ -: وما هى؟ قال: السدر، فإن له شوكا مؤذيا، فقال : - 1 - : أم
يقل الله - تعالى - ﴿ فى سدر مخضود﴾؟ خضد الله - تعالى - شوكه فجعل مكان كل
شوكة ثمرة (١)
وقوله - تعالى -: ﴿وطلح منضود﴾ بيان لنعمة ثانية. والطلح: قالوا هو شجر الموز.
واحدة طلحة ، والمنضود : المتراكب بعضه فوق بعض ، بحيث صار ثمره متراصا على هيئة
جميلة تسر الناظرين .
فقوله ﴿ منضود﴾ اسم مفعول من النضد وهو الرص. يقال؛ نضد فلان متاعه، - من
باب ضرب - إذا وضع بعضه فوق بعض بطريقة منسقة جميلة ، ومنه قوله - تعالى - :
طلع نضيد
والنخل باسقات لها
وقوله - سبحانه -: ﴿ وظل ممدود ﴾ أى: متسع منبسط ، بحيث لا يزول كما يزول
الظل فى الدنيا ، ويحل محله ضوء الشمس .
أخرج الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله - 3 ليزر -
قال: ((إن فى الجنة شجرة يسير الراكب فى ظلها عاما - وفى رواية مائة عام - اقرءوا إن
شئتم ﴿وظل ممدود﴾(٢).
وقوله - سبحانه - ﴿وماء مسكوب﴾ أى: وفيها ماء كثير مصبوب يجرى على
الأرض ، ويأخذون منه ماشاءوا ، بدون جهد أو تعب .
يقال : سكب فلان الماء سكبا ، إذا صبه بقوة وكثرة .
وقوله - تعالى -: ﴿ وفاكهة كثيرة ، لا مقطوعة ولا ممنوعة ﴾ أى: وهم بجانب كل
ذلك يتلذذون فى الجنة بفاكهة كثيرة ، هذه الفاكهة ليست مقطوعة عنهم فى وقت من الأوقات ،
ولا تمتنع عن طالبها متى طلبها .
وجمع - سبحانه - بين انتفاء قطعها ومنعها ، للإشعار بأن فاكهة الجنة ليست كفاكهة الدنيا
(١) تفسير القرطبى جـ ١٧ ص ٢٠٧ .
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٨٩.
٠٠ . .
١٦٨
المجلد الرابع عشر
فهى تارة تكون مقطوعة ، لأنها لها أوقاتا معينة تظهر فيها ، وتارة تكون موجودة ولكن
يصعب الحصول عليها ، لامتناع أصحابها عن إعطائها .
وقوله - تعالى -: ﴿وفرش مرفوعة﴾ أى : وفيها - أيضا - فرش منضدة ، قد
ارتفعت عن الأرض ، ليتكىء عليها أهل الجنة وأزواجهم .
والضمير فى قوله - تعالى -: ﴿إنا أنشأناهن إنشاء ... ﴾ عائد إلى غير مذكور، إلا أنه
يفهم من سياق الكلام . لأن الحديث عن الفرش المرفوعة يشير إلى من يجلس عليها ، وهم
الرجال ونساؤهم ، أى : نساؤهم من أهل الدنيا أو الحور العين ، ويرى بعضهم أنه يعود إلى
مذكور، لأن المراد بالفرش النساء ، والعرب تسمى المرأة لباسا ، وإزارا ، وفراشا .
والإِنشاء : الخلق والإِيجاد . فيشمل إعادة ما كان موجودا ثم عدم ، كما يشمل الإيجاد على
سبيل الابتداء .
أى : إنا أنشأنا هؤلاء النساء المطهرات من كل رجس حسى أو معنوى ، إنشاء جميلا ،
يشرح الصدور .
فجعلناهن﴾ بقدرتنا ﴿أبكارا﴾ أى: فصيرناهن أبكارا ليكون ذلك أكثر تلذذا
بهن .
قال الآلوسى : وفى الحديث الذى أخرجه الطبرانى عن أبى سعيد مرفوعا إن أهل الجنة إذا
جامعوا نساءهم ، عدن أبكارا(١) .
وقوله : ﴿عربا أترابا ﴾ صفة أخرى من صفات هؤلاء النساء الفضليات الجميلات .
وقوله : ﴿ عربا﴾ جمع عروب - كرسل ورسول - من أعرب فلان فى قوله إذا نطق
بفصاحة وحسن بيان .
وأترابا : جمع ترب - بكسر التاء وسكون الراء - وترب الإِنسان هو ما كان مساويا له فى
السن .
أى : إنا أنشأنا هؤلاء النساء على تلك الصورة الجميلة ، فجعلناهن أبكارا كما جعلناهن
- أيضا - محببات إلى أزواجهن ، ومستويات فى سن واحدة .
٠٫٠
روى الترمذى عن الحسن قال : أتت عجوز فقالت يارسول الله ادع الله - تعالى - أن
يدخلنى الجنة، فقال - * -: ((يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز، فولت تبكى)).
(١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ١٤٢ .
١٦٩
سورة الواقعة
فقال - وَله -: أخبروها أنها لا تدخلها وهى عجوز، إن الله - تعالى - يقول: ﴿ إنا
. أنشأناهن إنشاء ، فجعلناهن أبكارا . عربا أترابا ... ﴾(١).
واللام فى قوله: ﴿ لأصحاب اليمين ) متعلقة بأنشأناهن، أو جعلناهن.
أى : أنشأناهن كذلك، ليكن فى صحبة أصحاب اليمين ، على سبيل التكريم لهم ..
وقوله: ﴿ ثلة من الأولين ، وثلة من الآخرين ﴾ خبر لمبتدأ محذوف . أى : أصحاب
اليمين جماعة كبيرة منهم من الأمم الماضية ، وجماعة كبيرة أخرى من هذه الأمة الإسلامية .
وبذلك نرى أن الله - تعالى - قد ذكر لنا ألوانا من النعم التي أنعم بها على أصحاب
اليمين . كما ذكر قبل ذلك ألوانا أخرى مما أنعم به على السابقين .
قال الألوسى : ولم يقل - سبحانه - فى حق أصحاب اليمين : ﴿ جزاء بما كانوا
يعملون ﴾ .
كما قال - سبحانه - ذلك فى حق السابقين ، رمزا إلى أن الفضل فى حقهم متمحض ، كأن
عملهم لقصوره عن عمل السابقين ، لم يعتبر اعتباره .
ثم الظاهر أن ما ذكر من أصحاب اليمين ، هو حالهم الذى ينتهون إليه فلا ينافى أن يكون
منهم من يعذب لمعاص فعلها ، ومات غير تائب عنها، ثم يدخل الجنة .. (٢).
وبعد هذا الحديث الذى يشرح الصدور ، ويقر العيون ، وترتاح له الأفئدة . عن السابقين
وعن أصحاب اليمين .. جاء الحديث عن أصحاب الشمال ، وهم الذين استحبوا العمى على
الهدى وآثروا الغى على الرشد ، فقال - تعالى - :
وَأَصْحَبُ الشِّمَالِ مَآ أَصْحَبُ
الشِّمَالِ ، فِ سَمُورٍ وَحَمِيمٍ ، وَظِلٍ مِّنْ يَحْمُومِ [®)َلََّ بَارِدٍ
وَلَ كَرِيمٍ (١٥) إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ ) وَكَانُوْيُصِرُّونَ
عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ، وَكَانُوا يَقُولُونَ أَبِذَا مِنْنَا وَكُنَّا تُرَابًا
أَوَءَابَآ ؤُنَا الْأَوَّلُونَ ، قُلْإِنَّ
٤٧
وَعِظَامًّا أَءِ نَا لَمَبْعُوتُونَ
(١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٩١ .
(٢) تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ١٤٣.
١٧٠
المجلد الرابع عشر
٥
اَلْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ ، لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَتِ يَوْمِ مَّعْلُوم
ثُمَّإِنَّكُمَّهَ الضَّالُونَ الْمُّكَذِّبُونَ { الَكُونَ مِنْ شَجَرِ مِنِ زَقُومٍ
◌َالِثُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ﴿ فَشَرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ، فَشَرِبُونَ
شُرْبَ الهِمِ نْ هَذَانُزُلُمْ يَوْمَ الدِّينِ
وقوله - تعالى -: ﴿وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال). أى: ما قصة هؤلاء
القوم ؟ وما حالهم ؟ وما جزاؤهم ؟ ..
ثم بين - سبحانه - ذلك فقال: ﴿ فى سموم وحميم﴾ والسموم: الريح الشديدة
الحرارة . التى تدخل فى مسام الجسد، فكأنها السم القاتل . ~
والحميم : الماء الذى بلغ النهاية فى الغليان . أى : هم فى الآخرة مستقرون فيما يهلكهم من
الريح الحارة ، والماء الشديد الغليان .
وهم كذلك فى ﴿ظل من يحموم ﴾ أى: فى دخان أسود شديد يخنق أنفاسهم ، والعرب
يقولون لكل شىء شديد السواد : أسود يحموم ، مأخوذ من الشىء الأحم ، وهو الأسود من
كل شىء ، ومثله الحمم .
و﴿ من﴾ فى قوله: ﴿ من يحموم﴾ للبيان. إذ الظل هنا هو نفس اليحموم وتسميته ظلا
من باب التهكم بهم .
وقوله - تعالى -: ﴿ لا بارد ولا كريم﴾ صفتان للظل. أى: هذا الظل لا شىء فيه
من البرودة التى يستروح بها من الحر . ولا شىء فيه من النفع لمن يأوى إليه .
فهاتان الصفتان لبيان انتفاء البرودة والنفع عنه ، ومتى كان كذلك انتفت عنه صفات
الظلال التى يحتاج إليها .
قال صاحب الكشاف : قوله - تعالى -: ﴿ لا بارد ولا كريم ﴾ نفى لصفتى الظل عنه ،
يريد أنه ظل ولكن لا كسائر الظلال سماه ظلا ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه لمن يأوى
إليه من أذى الحر ، ليمحق ما فى مدلول الظل من الاسترواح إليه . والمعنى : أنه ظل حار
ضار، إلا أن للنفى فى نحو هذاشأنا ليس للإثبات ، وفيه تهكم بأصحاب المشأمة ، وأنهم لا
يستأهلون الظل البارد الكريم، الذى هو لأضدادهم فى الجنة .. (١).
( ١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥٠.
٠٠
١٧١
سورة الواقعة
ثم بين - سبحانه - الأسباب التى ادت بهؤلاء الاشقياء إلى هذا المصير الأليم ، فقال
- تعالى -؛ ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك مترفين﴾ أى: إنهم كانوا قبل ذلك العذاب الذى حل
بهم، أى: كانوا فى الدنيا ﴿مترفين﴾ أى: متنعمين بطرين ، متبعين لهوى أنفسهم،
وسالكين خطوات الشيطان . دون أن يصدهم عن ذلك صاد، أو يردعهم رادع .
فالمراد بالترف هنا: بطر النعمة ، وعدم شكر الله - تعالى - عليها ، والمترف: هو الذى
يتقلب فى نعم الله - تعالى - ، ولكنه يستعملها فى المعاصى لا فى الطاعات ، وفى الشرور لا فى
الخيرات .
وقوله - سبحانه -: ﴿ وكانوا يصرون على الحنث العظيم ) بيان لسبب آخر من
الأسباب التى أدت بهم إلى هذا المصير السىء .
والحنث : الذنب الكبير ، والمعصية الشديدة ، ويندرج تحته الإشراك بالله - تعالى - ،
وإنكار البعث والجزاء ، والحلف الكاذب مع تعمد ذلك .
أى : وكانوا فى الدنيا يصرون على ارتكاب الذنوب العظيمة ، ويتعمدون إتيانها بدون تحرج
أو تردد ، ومن مظاهر ذلك أنهم أقسموا بالأيمان المغلظة أنه لا بعث ولا حساب ، ولا جزاء ، كما
قال - تعالى -: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ... ﴾(١).
ثم حكى - سبحانه - لونا من أقوالهم الباطلة ، وحججهم الداحضة فقال: ﴿وكانوا
يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنًا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون }
أى : أنهم فوق ترفهم وإصرارهم على ارتكاب الآنام كانوا يقولون - على سبيل
الإِنكار - لمن نصحهم باتباع الحق : أئذا متنا ، وانتهت حياتنا ووضعنا فى القبور ، وصرنا
ترابا وعظاما ، أننا لمبعوثون ومعادون إلى الحياة مرة أخرى ؟ وهل آباؤنا الأولون الذين صاروا
من قبلنا عظاما ورفاتا يبعثون - أيضا - ؟ .
ولاشك أن قولهم هذا دليل على انطاس بصائرهم ، وعلى شدة غفلتهم عن آثار قدرة الله
- تعالى - التى لا يعجزها شىء ، والتى من آثارها إيجادهم من العدم .
ولذا لقن الله - تعالى - نبيه - وَالله - الجواب الذى يخرس ألسنتهم فقال
- سبحانه -: ﴿ قل إن الأولين والآخرين، لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ﴾.
أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - إن الأمم السابقة التى من جملتها آباؤكم . والأمم
(١) سورة النحل آية ٣٨.
١٧٢
المجلد الرابع عشر
اللاحقة التى من جملتها أنتم . الكل مجموعون ومسوقون إلى المحشر فى وقت واحد محدد فى
علم اللّه - تعالى - . وعند ما يأتى هذا الوقت ماله من دافع .
فالميقات هنا : بمعنى الوقت والأجل ، والمراد به هنا : يوم القيامة .
ووصفه - سبحانه - بأنه معلوم ، للإشعار بكونه معينا وواقعا وقوعا لا ريب فيه ، ولكن
فى الوقت الذى يشاؤه الله - تعالى - ويختاره .
ثم بين - سبحانه - ما سيحل بهم من عذاب فى هذا اليوم فقال : ﴿ ثم إنكم أيها
الضالون المكذبون ، لآكلون من شجر من زقوم ... ﴾ .
والجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى -: ﴿ إن الأولين والآخرين لمجموعون ... ﴾
وداخلة فى حيز القول . و﴿ ثم ﴾ للتراخى الزمانى أو الرتبى والخطاب للمشركين الذين
أعرضوا عن دعوة النبى - 14 - .
و﴿ من﴾ فى قوله: ﴿ من شجر﴾ ابتدائية، وفى قوله: ﴿ من زقوم ﴾ بيانية.
وشجر الزقوم : لا وجود له فى الدنيا ، وإنما يخلقه الله - تعالى - فى النار كما يخلق غيره من
أصناف العذاب ، كالحيات والعقارب ..
وقيل : هو شجر سام ، متى مسه جسد إنسان ، تورم هذا الإِنسان ومات ويوجد هذا
الشجر فى الأراضى المجدبة المجاورة للصحراء .
والزقوم من التزقم ، وهو ابتلاع الشىء الكريه ، بمشقة شديدة ..
والمعنى : ثم قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل التقريع والتبكيت : إنكم أيها
الضالون عن الحق . المكذبون بالبعث والجزاء ، لآكلون يوم القيامة من شجر ، هو شجر
الزقوم ، الذى هو أخبث الشجر وأبشعه ..
﴿ فمالئون منها البطون﴾ أى: فمالئون من هذه الشجرة الخبيثة بطونكم ، لشدة الجوع
الذى حل بكم ..
وجاء الضميرمؤنثا فى قوله: ﴿ منها) لأن الشجر هنا بمعنى الشجرة، أو لأن ضمائر الجمع
لغير العاقل تأتى مؤنثة فى الغالب .
ثم قال - تعالى -: ﴿ فشاربون عليه من الحميم . فشاربون شرب الهيم ﴾ والضمير فى
قوله: ﴿ عليه﴾ يعود على الأكل المستفاد من قوله: ﴿لآكلون﴾ ..
أى : ثم إنكم أيها الضالون المكذبون بعد هذا الأكل الخبيث من شجرة الزقوم .. تشربون
عليه فى بطونكم - ماء - قد بلغ أقصى درجات الحرارة ، فصرتم فى شرابكم كالإِبل العطاش
١٧٣
سورة الواقعة
التى لا يروبها الماء مهما كثر لأنها مصابة بداء ، هذا الداء يمنعها من الشبع منه ، فما تزال تشرب
منه حتى تهلك .
فقوله: ﴿ الهيم﴾ صفة لموصوف محذوف، أى: الإِبل الهيم، جمع أهيم للمذكر . وهيماء
للمؤنث .
والهيام - بضم الهاء - داء يصيب الإِبل ، يجعلها تشرب فلا تشبع ، وما تزال تشرب حتى
تهلك ، أو تسقم سقما شديدا يؤدى إلى موتها ، والفاء فى قوله - تعالى - : ﴿ فشاربون
عليه﴾ عطف على ﴿لآكلون ... ﴾ لإفادة أن شربهم مع عطشهم الشديد ، يأتى بعد أكلهم
من الزقوم ، بدون مهلة أو استراحة .
وقوله : ﴿ فشاربون شرب ... ﴾ تأكيد لما قبله، للتنبيه على أن هذا الشراب - مع
فظاعته وقبحه - لا مفر لهم منه ، ولا انفكاك لهم عنه .
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات بقوله : ﴿ هذا نزلهم يوم الدين ﴾ والنزل : ما يعد
للضيف من منزل حسن ، ومأكل حسن لإِكرامه .
أى : هذا المذكور من أنواع العذاب المهين .. نزلهم ومسكنهم ومقرهم أول قدومهم يوم
الجزاء ..
فالإِشارة بقوله : ﴿ هذا﴾ إلى ما ذكر قبل ذلك من عذاب مهين ، من مظاهره أكلهم من
الزقوم ، وشربهم من الحميم ..
والتعبير عما أعد لهم من عذاب بالنزل ، على سبل التهكم ، كما فى قول الشاعر :
وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا جعلنا القنا والمرهَفات له نزلا
وبذلك نرى الآيات الكريمة ، وقد بينت ما أعد لأصحاب الشمال ، من عذاب مهين ،
بأسلوب تقشعر من هوله الأبدان ..
وبعد هذا الحديث الجامع عن أقسام الناس يوم القيامة ، وعن جزاء كل قسم ... أخذت
السورة الكريمة فى إقامة الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وعلى كمال قدرته ...
وجاءت هذه الأدلة لا عن طريق أمور تخييلية ، أو فلسفية ، أو غيبية .. وإنما عن طريق
أمور يحسونها بأنفسهم ، ويشاهدونها بأعينهم .. عن طريق خلقهم ، وزروعهم التى يزاولونها
بأيديهم ، والماء الذى يشربونه ، والنار التى يوقدونها ..
لنستمع إلى السورة الكريمة ، وهى تحكى كل ذلك فتقول :
١٧٤
المجلد الرابع عشر
نَحْنُ خَلَقْتَكُمْ فَلَوَّلَا
تُصَدِّقُونَ ﴿®) أَفَرَءَ يُ مَّاتُمْنُونَ ﴿٥٨)،َ أَنتُمْ تَغْقُونَهُ: أَمْ نَحْنُ
الْخَلِقُونَ نَحْنُ قَدَرْنَا بَيْنَّكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ
٦٠
عَلَى أَنْ تُبَدِّلَ أَمْثَلَكُمْ وَنُذِشِئَكُمْ فِمَا لَا تَعْلَمُونَ (٦)، وَلَقَدْ
عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ ﴿﴿ أَفَرَءَ يْتُم مَّا تَخْرُونَ
ج ◌َ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ، أَمَّ نَحْنُ الَّرِعُونَ ﴿ لَوْنَشَاءُ لَجَعَلْنَهُ
خُطَمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ﴿ إِنَّالَمُغْرَمُونَ ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ
٦٧
أَفَرَءَ يْتُمُ الْمَآءَ الَّذِىِ تَشْرَبُونَ ﴿﴾َ أَنْتُمْ أَنزَ لْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ
أَمَنَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ﴿ لَوْنَشَاءُ جَعَلْتَهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ
﴿ أَفَرَءَ يْتُمُ النَّارَ الَّتِى تُورُونَ (٦)،َأَنْتُمْأَنْشَأْ تُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ
٧٠
غَحْنُ جَعَلْنَهَا تَذْكِرَةً وَمَتَعًا لِلْمُقْوِينَ
٧٢
نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ
فَسَيِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ
٧٣
(٧٤
وقوله - تعالى -: ﴿ نحن خلقناكم فلولا تصدقون ﴾ رد على إنكار المشركين للبعث
والجزاء ، ولولا هنا للتحضيض ، والفاء لترتيب التحضيض على ما قبله .
أى : نحن الذين خلقناكم - أيها الجاحدون - هذا الخلق الأول بقدرتنا وحدها ، فهلا
صدقتم بذلك، وأطعتم رسولنا - وَ ر - فيما جاءكم به من عندنا، وأيقنتم بأن الأولين
والآخرين سيقفون أمامنا يوم القيامة للحساب ؟ .
فالمراد بقوله - تعالى -: ﴿ خلقناكم ﴾: خلقهم من سلالة من طين ، ثم جعلهم نطفة فى
قرار مكين كما قال - تعالى -: ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ، ثم جعلناه نطفة فى
قرار مكين . ثم خلقنا النطفة علقة ، فخلقنا العلقة مضغة ، فخلقنا المضغة عظاما ، فكسونا
١٧٥
سورة الواقعة
العظام لحما ، ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين .. ﴾(١).
فإن قيل: إنهم كانوا يعترفون بأن الله - تعالى - قد خلقهم ، بدليل قوله - تعالى - :
ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ... ﴾ فما فائدة قوله - سبحانه - ﴿ نحن
خلقناكم ... ﴾ ؟
فالجواب أنهم لما كان اعترافهم بمنزلة العدم ، حيث أشركوا مع الله - تعالى - آلهة أخرى
فى العبادة قيل لهم على سبيل الإلزام والتبكيت : ﴿ نحن خلقناكم ... ﴾.
ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك أربعة أدلة على صحة هذا البعث وإمكانه ، أما الدليل الأول
فتراه فى قوله - تعالى -: ﴿أفرأيتم ما تمنون ، أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ... ﴾.
وقوله : ﴿ تمنون﴾ مأخوذ من أمنى بمعنى قذف المنى، يقال: أمنى الرجل النطفة، إذا
قذفها . والاستفهام للتقرير ، والرؤية علمية . و﴿ ما ﴾ موصولة وهى المفعول الأول لقوله
أرأيتم ﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد إلى الموصول محذوف . وجملة: أأنتم
تخلقونه ... هو المفعول الثانى .
والضمير المنصوب فى قوله: ﴿ تخلقونه﴾ يعود إلى الاسم الموصول فى قوله :
ما تمنون﴾ . أى: أخبرونى - أيها المشركون عما تصبونه وتقذفونه من المنى فى أرحام
النساء ؟ أأنتم تخلقون ما تمنونه من النطف علقا فمضغا .. أم نحن الذين خلقنا ذلك ؟ لاشك
أنكم تعرفون بأننا نحن الذين خلقنا كل ذلك ، وما دام الأمر كما تعرفون ، فلماذا عبدتم مع
الله - تعالى - آلهة أخرى .
فالاستفهام للتقرير حيث إنهم لا يملكون إلا الاعتراف بأن الله - تعالى - وحده خلق
الإِنسان فى جميع أطواره .
قال الجمل: و﴿ أم ﴾ فى هذه المواضع الأربعة منقطعة، لوقوع جملة بعدها، والمنقطعة
تقدر ببل والهمزة الاستفهامية ، فيكون الكلام مشتملا على استفهامين ، الأول : أأنتم
تخلقونه ؟ وجوابه: لا. والثانى: مأخوذ من ﴿ أم﴾ أى: بل أنحن الخالقون ؟ وجوابه
نعم (٢) .
ثم أكد سبحانه - خلقه لكل شىء ، وقدرته على كل شىء . فقال - تعالى - ﴿ نحن
قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين . على أن نبدل أمثالكم ، وننشئكم فى مالا تعلمون ﴾ .
أى نحن وحدنا الذين قدرنا لموتكم آجالا مختلفة ، وأعمارا متفاوتة ، فمنكم من يموت
(١) سورة المؤمنون الآيات ١٢ - ١٤ .
(٢) جاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٢٧٨ .
١٧٦
المجلد الرابع عشر
صغيرا ، ومنكم من يموت كبيرا ، وما نحن بمسبوقين ، أى : وما نحن بمغلوبين على ذلك ، بل
نحن قادرون قدرة تامة على تحديد آجالكم ، فمن حضره أجله فلن يستطيع أن يتأخر عنه
ساعة ، أو يتقدم عنه ساعة . كما قال - تعالى -: ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة
ولا يستقدمون
وقوله - تعالى -: ﴿ على أن نبدل أمثالكم ) متعلق بقوله : ﴿ نحن قدرنا بينكم
الموت ... .
والمراد بتبديل أمثالهم : إيجاد قوم آخرين من ذرية أولئك الذين ماتوا .
والمعنى : نحن وحدنا الذين قدرنا بينكم الموت وحددناه على حسب مشيئتنا ونحن الذين فى
قدرتنا أن نبدل من الذين ماتوا منكم أشباها لهم ، نوجدهم بقدرتنا - أيضا - كما قال
- سبحانه -: ﴿وربك الغنى ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء ، كما
أنشأكم من ذرية قوم آخرين ﴾(١).
ويصح أن يكون قوله - تعالى -: ﴿ قدرنا﴾ بمعنى قضينا وكتبنا ، ويكون قوله :
على أن نبدل أمثالكم﴾ متعلق بقوله ﴿بمسبوقين)، ويكون المراد بتبديل أمثالهم. إيجاد
قوم آخرين سواهم .
والمعنى : نحن الذين وحدنا كتبنا عليكم الموت ، وقضيناه على جميع الخلق فكل نفس ذائقة
الموت ، وما نحن بمغلوبين على إهلاككم ، وعلى خلق أمثالكم بدلا منكم كما قال - تعالى - :
{ يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله. والله هو الغنى الحميد، إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق
جديد ، وما ذلك على الله بعزيز﴾(٢).
وقوله - سبحانه -: ﴿ وننشئكم فى مالا تعلمون ﴾ بيان للون آخر من ألوان قدرته
- تعالى - .
أى : نحن لسنا بعاجزين ولا بمغلوبين .. على أن نهلككم ونأتى بدلا منكم بغيركم . ولسنا
- أيضا - بعاجزين على أن ننشئكم بعد إهلاككم فيما لا تعلمونه من الصور ، والهيئات ،
والصفات .
قال صاحب الكشاف: قوله - تعالى -: ﴿ نحن قدرنا بينكم الموت﴾ أى: قدرناه
تقديرا ، وقسمناه عليكم قسمة الرزق على اختلاف وتفاوت كما تقتضيه مشيئتنا فاختلفت
أعماركم من قصير وطويل ومتوسط ..
(١) سورة الأنعام الآية ١٢٣ .
( ٢) سورة فاطر الآية ١٥ - ١٧ .
١٧٧
سورة الواقعة
وقوله : ﴿ وما نحن بمسبوقين ﴾ يقال: سبقته على الشىء إذا أعجزته عنه ، وغلبته
عليه ، ولم تمكنه منه ، فمعنى قوله ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم ﴾ أنا قادرون
على ذلك لا تغلبوننا عليه . وأمثالكم جمع مثل - بسكون التاء - أى : على أن نبدل منكم
ومكانكم أشباهكم من الخلق ﴿و﴾ على أن ﴿ ننشئكم﴾ فى خلق لا تعلمونها وما عهدتم
مثلها . يعنى أنا نقدر على الأمرين جميعا: على خلق ما يماتلكم وما لا يماثلكم ، فكيف نعجز
عن إعادتكم .
ويجوز أن يكون أمثالكم جمع مثل ، بفتحتين أى : على أن نبدل ونغير صفاتكم التى أنتم
عليها فى خلقكم وأخلاقكم ، وننشئكم فى صفات لا تعلمونها .. (١).
ثم لفت - سبحانه - أنظارهم إلى ما يعلمونه من حالهم فقال: ﴿ولقد علمتم النشأة
الأولى فلولا تذكرون ﴾ .
أى: والله لقد علمتم النشأة الأولى من خلقكم ، حيث أوجدناكم من نطفة فعلقة فمضغة ..
فهلا تذكرتم ذلك وعقلتموه ، وعرفتم أن من قدر على خلقكم ولم تكونوا شيئا مذكورا .. قادر
على إعادتكم إلى الحياة مرة أخرى ؟ .
فالمقصود بهذه الآيات الكريمة إقامة الأدلة الساطعة ، على إمكانية البعث وعلى أن من قدر
على خلق الإنسان مع العدم قادر على إعادته .
قال القرطبى : وفى الخبر : عجبا كل العجب للمكذب بالنشأة الأخرى ، وهو يرى النشأة
الأولى . وعجبا للمصدق بالنشأة الآخرة ، وهو لا يسعى لدار القرار (٢).
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان الدليل الثانى على صحة البعث وإمكانيته . فقال
- تعالى -: ﴿ أفرأيتم ما تحرثون. أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ، لو نشاء لجعلناه
حطاما فظلتم تفكهون . إنا لمغرمون . بل نحن محرومون ﴾
والحرث : شق الأرض من أجل زراعتها ، والمراد به هنا : وضع البذر فيها بعد حرثها .
أى : أخبرونى عن البذور التى تلقون بها فى الأرض بعد حرثها ، أأنتم الذين تنبتونها
وتصيرونها زرعا بهيجا نضرا أم نحن الذين نفعل ذلك ؟ لاشك أنا نحن الذين نصير هذه
البذور زروعا ونباتا يانعا ، ولو نشاء لجعلنا هذا النبات ﴿ حطاما﴾ أى مكسرا مهشما يابسا
لانفع فيه ، فظللتم بسبب ذلك ﴿ تفكهون ﴾ أى : فصرتم بسبب ما أصاب زرعكم من
هلاك ، تتعجبون مما أصابه ، وتتحسرون على ضياع أموالكم ، وتندمون على الجهد الذى
بذلتموه من غير فائدة ..
( ١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥٦ .
(٢) تفسير القرطبى جـ ٤٧ ص ٢١٦ .
١٧٨
المجلد الرابع عشر
وأصل التفكه : التنقل فى الأكل من فاكهة إلى أخرى ، ثم استعير للتنقل من حديث إلى
آخر ، وهو هنا ما يكون من أحاديثهم المتنوعة بعد هلاك الزرع .
والمراد بالتفكه هنا : التعجب والندم والتحسر على ما أصابهم .
وقوله - سبحانه -: ﴿ إنا لمغرمون ﴾ مقول لقول محذوف . أى: فصرتم بسبب تحطيم
زروعكم تتعجبون ، وتقولون على سبيل التحسر : إنا لمهلكون بسبب هلاك أقواتنا ، من
الغرام بمعنى الهلاك . أو إنا لمصابون بالغرم والاحتياج والفقر ، بسبب ما أصاب زرعنا . من
الغرم وهو ذهاب المال بلا مقابل .
وتقولون - أيضا -: ﴿بل نحن محرومون ﴾ من منافع هذا الزرع الذى كنا نعلق
الآمال على الانتفاع به ، والاستفادة بثماره ..
قال الإِمام القرطبى - رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآيات : والمستحب لكل من يلقى
البذر فى الأرض أن يقرأ بعد الاستعاذة: ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ... ﴾ الآيات . ثم يقول: بل
الله الزارع، والمنبت والمبلغ . اللهم صل على محمد ، وارزقنا ثمر هذا الزرع ، وجنبنا ضرره ،
واجعلنا لأنعمك من الشاكرين ، ولآلائك من الذاكرين ، وبارك فيه يارب العالمين .. (١).
ثم ذكر - سبحانه - الدليل الثالث على إمكانية البعث ، وعلى كمال قدرته - تعالى -
فقال: ﴿ أفرأيتم الماء الذى تشربون . أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون . لو نشاء
جعلناه أجاجا فلولا تشكرون ﴾ .
أى: وأخبرونى - أيضا - عن الماء الذى تشربونه ، أأنتم الذين أنزلتموه من ﴿ المزن
أى . من السحاب أم نحن الذين أنزلناه ؟ .
لاشك أننا نحن الذين أنزلناه ، ولا تستطيعون إنكار ذلك ، لأن إنكاركم لذلك يعتبر نوعا
من المكابرة المكشوفة ، والمغالطة المفضوحة .
وتخصيص هذا الوصف ، وهو ﴿ الذى تشربون﴾ بالذكر، مع كثرة منافع الماء ، لأن
الشرب أهم المقاصد التى من أجلها أنزل - سبحانه - الماء من السحاب .
وقوله - سبحانه -: ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجا ... ﴾ بيان لمظهر من مظاهر رحمته
- سبحانه - .
ومفعولى المشيئة هنا وفى ما قبله إلى قوله ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاما ... ﴾ محذوف ،
للاكتفاء عنه بجواب الشرط .
(١) تفسير القرطبى جـ ١٧ ص ٢١٨ .
٠
١٧٩
سورة الواقعة
والماء الأجاج : هو الماء الشديد الملوحة والمرارة فى وقت واحد .
أى : لو نشاء أن نجعل هذا الماء النازل من المزن لشربكم ، ماء جامعا بين الملوحة والمرارة
لفعلنا ، ولكنا لم نشأ ذلك رحمة بكم ، وفضلا منا عليكم .
وقوله: ﴿ فلولا تشكرون ﴾ حض على الشكر لله - تعالى - أى: فهلا شكرتم الله
- تعالى - على هذه النعم ، وأخلصتم له العبادة والطاعة ووضعتم نعمه فى مواضعها .
فالمراد بالشكر هنا : أن يواظب العبد على شكر ربه ، وعلى المداومة على ما يرضيه وعلى
استعمال النعم فيما خلقت له .
أما شكر الرب - عز وجل - لعبده فمعناه : منحه الثواب الجزيل ، على عمله الصالح :
ومنه قوله - تعالى -: ﴿ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم ﴾.
قال بعض العلماء : واعلم أن مادة الشكر تتعدى إلى النعمة تارة ، وإلى المنعم أخرى .
فإن عديت إلى النعمة ، تعدت إليها بنفسها دون حرف الجر، كقوله - تعالى - : ﴿ رب
أوزعنى أن أشكر نعمتك التى أنعمت على ... ﴾.
وإن عديت إلى المنعم تعدت إليه بحرف الجر الذى هو اللام ، كقوله - تعالى - :
واشكروا لي ولا تكفرون .. ﴾(١).
وقال - سبحانه - هنا: ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجا﴾ وقال فى الآيات السابقة: ﴿ لو
نشاء لجعلناه حطاما ... ﴾ بلام التأكيد، لأن إنزال الماء من السماء وتحويله من ماء عذب إلى
ماء ملح ، مما لا يتوهم أن لأحد قدرة عليه سوى الله - تعالى - لذا لم يحتج الأمر إلى تأكيد ..
أما جفاف الزرع بعد نضارته ، حتى يعود حطاما ، فمما يحتمل أنه من فعل الزارع ، أو لأى
سبب آخر ، كآفة زراعية ، لذا أكد - سبحانه - أنه هو الفاعل لذلك على الحقيقة ، وأنه.
- تعالى - قادر على تحطيمه بعد نموه وريعانه .
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الدليل الرابع على قدرته - تعالى - على البعث والنشور ،
فقال - تعالى -: ﴿ أفرأيتم النار التى تورون ، أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون .
نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين . فسبح باسم ربك العظيم ﴾ .
وقوله: ﴿تورون﴾ أى: توقدون، من أورى النار إذا قدحها وأوقدها. ويقال: وَرَى
الزندُ يَرِى وَرْيًّا، إذا خرجت ناره - وفعله من باب وعى - وأوراه غيره إذا استخرج
النار منه .
(١) أضواء البيان جـ ٧ ص ٧٩٤ للشيخ محمد الأمين الشنتيطى.
١٨٠
المجلد الرابع عشر
وقوله : ﴿ للمقوين﴾ مأخوذ من أقوى الرجل إذا دخل فى القواء، وهو الفضاء الخالى
من العمران ، والمراد بهم هنا المسافرون ، لأنهم فى معظم الأحيان يسلكون فى سفرهم
الصحارى والفضاء من الأرض .
وخصهم - سبحانه - بالذكر ، لأنهم أكثر من غيرهم انتفاعا بالنار ، وأحوج من غيرهم
إليها .
والمراد بشجرة النار: المرخ والعفار ، وهما شجرتان ، يقدح غصن إحداهما بغصن الأخرى
فتتولد النار منهما بقدرة الله - تعالى - ..
ومن أمثال العرب : لكل شجر نار ، واستمجد المرخ والعفار. أى: وعلا على غيرهما
المرخ والعفار لأنها أكثر الشجر نصيبا فى استخراج النار . فهو مثل يضرب فى تفضيل الشىء
على غيره .
والمعنى : وأخبرونى - أيضا - عن النار التى تقدحونها وتستخرجونها من الشجر الرطب
الأخضر ، أأنتم خلقتم شجرتها ، واخترعتم أصلها ، أم نحن الخالقون لها وحدنا ؟ .
لاشك أن الجواب الذى لا جواب غيره ، أننا نحن الذين أنشأنا شجرتها لا أنتم .
ونحن الذين جعلناها تذكرة ، تذكر الناس بها فى دار الدنيا إذا أحسوا بشدة حرارتها ، بنار
الآخرة التى هى أشد وأبقى ، حتى يقلعوا عن الأقوال والأفعال التى تؤدى بهم إلى نار
الآخرة .
ونحن - أيضا - الذين جعلنا هذه النار ﴿متاعا﴾ أى منفعة ﴿ للمقوين ﴾ أى
للمسافرين ، والذين هم فى حاجة إليها فى شئونهم المختلفة .
والفاء فى قوله - تعالى -: ﴿ فسبح باسم ربك العظيم ﴾ لترتيب ما بعدها على
ما قبلها .
أى : وما دام الأمر كذلك ، فَسبح - أيها العاقل - باسم ربك العظيم ، بأن تنزهه عن
الشريك والولد ، وبأن تخلص له العبادة والطاعة .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد ذكرت أربعة أدلة على إمكانية البعث : الأول عن
طريق خلق الإِنسان . والثانى عن طريق إنبات النبات ، والثالث عن طريق إنزال الماء من
السحاب : والرابع عن طريق إنشاء الشجر الذى تستخرج منه النار .
وإنها لأدلة واضحة على كمال قدرة الله - تعالى - ووحدانيته لكل عبد منيب .
وبعد أن ساق - سبحانه - هذه الأدلة المتنوعة على كمال قدرته وعلى صحة البعث ..