النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ سورة الرحمن والمراد باليوم هنا : مطلق الوقت مهما قل زمنه ، والشأن : الأمر العظيم ، والحدث الهام .. أى : أنه - سبحانه - يسأله من فى السموات والأرض ، سؤال المحتاج إلى رزقه ، وفضله ، وستره ، وعافيته .. وهو - عز وجل - فى كل وقت من الأوقات ، وفى كل لحظة من اللحظات ، فى شأن عظيم . وأمر جليل ، حيث يحدث ما يحدث من أحوال فى هذا الكون ، فيحيى ويميت ، ويعز ويذل ، ويغنى ويفقر ، ويشفى ويمرض .. دون أن يشغله شأن عن شأن ... قال الآلوسى ما ملخصه: قوله : ﴿ كل يوم هو فى شأن﴾ أى: كل وقت من الأوقات ، هو فى شأن من الشئون ، التى من جملتها إعطاء ما سألوا . فإنه - تعالى - لايزال ينشىء أشخاصا ، ويفنى آخرين ، ويأتى بأحوال ، ويذهب بأحوال ، حسبما تقتضيه إرادته المبنية على الحكم البالغة .. أخرج البخارى فى تاريخه ، وابن ماجه، وجماعة عن أبى الدرداء، عن النبى - صل 1 - أنه قال فى هذه الآية: (( من شأنه : أن يغفر ذنبا ، ويفرج كربا ، ويرفع قوما ، ويخفض آخرين)». وسأل بعضهم أحد الحكماء ، عن كيفية الجمع بين هذه الآية ، وبين ما صح من أن القلم قد جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، فقال: ((شئون يبديها لا شئون يبتديها)) .. وانتصب ((كل يوم)) على الظرفية، والعامل فيه هو العامل فى قوله - تعالى -: ﴿فى شأن) وهو ثابت المحذوف، فكأنه قيل: هو ثابت فى شأن كل يوم .. (١). ثم هدد - سبحانه - الذين يخالفون عن أمره تحذيرا شديدا ، فقال : ﴿ سنفرغ لكم أيها الثقلان . فبأى آلاء ربكما تكذبان ﴾ . وجىء بحرف التنفيس الدال على القرب وهو السين للإِشعار بتحقق ما أخبر به - سبحانه - . وقوله : ﴿ نفرغ﴾ من الفراغ، وهو الخلو عما يشغل .. والمراد به هنا : القصد إلى الشىء والإِقبال عليه ، يقال : فلان فرغ لفلان وإليه ، إذا قصد إليه لأمر ما .. والثقلان : تثنية ثقل - بفتحتين - ، وأصله كل شىء له وزن وثقل ، والمراد بهما هنا : الإِنس والجن . (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ١١٠. ١٤٢ المجلد الرابع عشر والمعنى : سنقصد يوم القيامة إلى محاسبتكم على أعمالكم ، وسنجازيكم عليها بما تستحقون ، وسيكون هذا شأننا - أيها الثقلان - فى هذا اليوم العظيم . قال صاحب الكشاف : قوله : ﴿ سنفرغ لكم﴾ مستعار من قول الرجل لمن يتهدده، سأفرغ لك ، يريد سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلنى عنك ، حتى لا يكون لى شغل سواه ، والمراد : التوفر على النكاية فيه ، والانتقام منه . ويجوز أن يراد ستنتهى الدنيا وتبلغ آخرها ، وتنتهى عند ذلك شئون الخلق التى أرادها بقوله - تعالى -: ﴿ كل يوم هو فى شأن﴾، فلا يبقى إلا شأن واحد ، وهو جزاؤكم ، فجعل ذلك فراغا لهم على طريق المثل .. (١) . وقوله - سبحانه -: ﴿ يا معشر الجن والإِنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا ... ﴾ مقول لقول محذوف، دل عليه ما قبله. والمعشر - برنة مفعل - اسم للجمع الكثير الذى يعد عشرة فعشرة . وقوله : ﴿ تنفذوا﴾ من النفاذ بمعنى الخروج من الشىء، والأمر منه وهو قوله: فانفذوا﴾ مستعمل فى التعجيز. والأقطار: جمع قطر - بضم القاف وسكون الطاء - وهو الناحية الواسعة .. والمعنى : سنقصد إلى محاسبتكم ومجازاتكم على أعمالكم يوم القيامة ، وسنقول لكم على سبيل التعجيز والتحدى . يا معشر الجن والإنس ، إن استطعتم أن تنفذوا وتخرجوا من جوانب السموات والأرض ومن نواحيهما المتعددة .. فانفذوا واخرجوا ، وخلصوا أنفسكم من المحاسبة والمجازاة .. وجملة : ﴿ لا تنفذون إلا بسلطان﴾ بيان للتعجيز المتمثل فى قوله - تعالى - ؛ فانفذوا ﴾، والسلطان المراد به هنا : القدرة والقوة . أى : لا تنفذون من هذا الموقف العصيب الذى أنتم فيه إلا بقدرة عظيمة ، وقوة خارقة ، تزيد على قوة خالقكم الذى جعلكم فى هذا الموقف ، وأنى لكم هذه القوة التى أنتم أبعد ما تكونون عنها ؟ . فالمقصود بالآية الكريمة ، تحذير الفاسقين والكافرين ، من التمادى فى فسقهم وكفرهم ، وبيان أنهم سيكونون فى قبضة الله - تعالى - وتحت سلطانه ، وأنهم لن يستطيعوا الهروب من قبضته وقضائه فيهم بحكمه العادل . ( ١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٤٧ . ١٤٣ سورة الرحمن وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ﴿ فإذا برق البصر . وخسف القمر . وجمع الشمس والقمر . يقول الإِنسان يومئذ أين المفر. كلا لا وزر. إلى ربك يومئذ المستقر﴾(١). وقوله - سبحانه -: ﴿ يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ﴾ استئناف فى جواب سؤال مقدر عما سيصيبهم إذا ما حاولوا الفرار . والشواظ : اللهب الذى لا يخالطه دخان ، لأنه قد تم اشتعاله فصار أشد إحراقا . والنحاس : المراد به هنا الدخان الذى لا لهب فيه ، ويصح أن يراد به : الحديد المذاب . أى : أنتم لا تستطيعون الهرب من قبضتنا بأى حال من الأحوال ، وإذا حاولتم ذلك ، أرسلنا عليكم وصيبنا على رءوسكم لهبا خالصا فأحرقكم ، ودخانا لا لهب معه فكتم أنفاسكم ، وفى هذه الحالة لا تنتصران . ولا تبلغان ماتبغيانه ، ولا تجدان من يدفع عنكم عذابنا وبأسنا . هذا والمتأمل فى تلك الآيات الكريمة . يراها قد صورت بأسلوب بديع تفرد الله - تعالى - بالملك والبقاء ، وافتقار الخلائق جميعا إلى عطائه ، وأنهم جميعا فى قبضته ، ولن يستطيعوا الهروب من حكمه فيهم .. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من أهوال يوم القيامة ، ومن العذاب الذى يحيط بالمجرمين ، وينزل بهم ، فقال - تعالى - : فَإِذَا أَنشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانٍ ﴾ فَبِأَتِّءَالَآءِ رَيُّكُمَا تُكَذِّبَنِ ﴿، فَوَمَِّذٍ لََّ يُعَلُ عَنْ ذَنْيِهِ .. ٣٧ إِنسٌِّ وَلَاجَانٌّ ، فَأَتِّءَ الَآءِرَبِّحِكُ مَا تُكَّذِّبَانٍ ٤٠ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَصِى وَالْأَقْدَاءِ ، فَأَتِّ ءَالَآءِ رَبَّكُمَاتُكَذِّبَانِ ﴿ هَذِهِ جَهَنَُّ الَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ﴾ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍءَانٍ ﴿) فَأَتِّءَالَآءِرَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٣ (١) سورة القيامة الآيات ٧، ١٢ . ٤٥ ١٠ ۔ ۔۔۔۔ ١٤٤ المجلد الرابع عشر وجواب ((إذا)) فى قوله - سبحانه -: ﴿ فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان محذوف لتهويل أمره .. وقوله - سبحانه -: ﴿ فكانت وردة ﴾ تشبيه بليغ ، أى : فكانت كالوردة فى الحمرة . والوردة جمعها ورود ، وهى زهرة حمراء معروفة ذات أغصان شائكة . والدهان : ما يدهن به الشىء .. أى : فإذا انشقت السماء ، فصارت حين انشقاقها وتصدعها ، كالوردة الحمراء فى لونها ، وكالدهان الذى يدهن به الشىء فى ذوبانها وسيلانها ، رأيت ما يفزع القلوب ، ويزلزل النفوس من شدة الهول . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا . الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا ﴾(١). وقوله - سبحانه -: ﴿ فإذا نفخ فى الصور نفخة واحدة ، وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة ، فيومئذ وقعت الواقعة . وانشقت السماء فهى يومئذ واهية .. ﴾(٢). وقوله - عز وجل -: ﴿ يوم تكون السماء كالمهل ، وتكون الجبال كالعهن ، ولا يسأل حميم حميا﴾(٢). ثم بين - سبحانه - ما يترتب على هذا الانشقاق والذوبان للسماء من أهوال فقال : فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ . أى : ففى هذا اليوم العصيب ، وهو يوم الحشر ، لا يسأل عن ذنبه أحد ، لا من الإِنس ولا من الجن . أى : أنهم لا يسألون عن ذنوبهم عند خروجهم من قبورهم ، وإنما يسألون عن ذلك فى موقف آخر ، وهو موقف الحساب والجزاء ، إذ فى يوم القيامة مواقف متعددة . وبذلك يجاب عن الآيات التى تنفى السؤال يوم القيامة ، والآيات التى تثبته ، كقوله - تعالى -: ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ﴾. وبعضهم يرى أن السؤال المنفى فى بعض الآيات هو سؤال الاستخبار والاستعلام ، والسؤال المثبت هو سؤال التوبيخ والتقريع .. عن الأسباب التى جعلتهم ينحرفون عن الطريق المستقيم ، ويسيرون فى طريق الفسوق والعصيان .. (١) سورة الفرقان الآيتان ٢٥، ٢٦. (٢) سورة الحاقة الآيات ١٣ - ١٦ . (٣) سورة المعارج الآيات ٨ - ١٠ . ١٤٥ سورة الرحمن ثم بين - سبحانه - ما يحل بالمجرمين فى هذا اليوم من عذاب فقال: ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم ، فيؤخذ بالنواصى والأقدام . فبأی آلاء ربكما تكذبان . هذه جهنم التی یکذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن . فبأى آلاء ربكما تكذبان ﴾ . وقوله: ﴿ بسيماهم﴾ أى: بعلاماتهم التى تدل عليهم ، وهى زرقة العيون . وسواد الوجوه، كما فى قوله - تعالى -: ﴿ ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على اللّه وجوههم مسودة ... ﴾(١) . وكما فى قوله - سبحانه -: ﴿ يوم ينفخ فى الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا ... ﴾(٢). والنواصى : جمع ناصية، وهى مقدم الرأس . والأقدام: جمع قدم ، وهو ظاهر الساق ، و(( أل)) فى هذين اللفظين عوض عن المضاف إليه . والمراد بالطواف فى قوله: ﴿يطوفون بينها .. ﴾ كثرة التردد والرجوع إليها بين وقت وآخر . والحميم : الماء الشديد الغليان والحرارة . و﴿ آن﴾ : أى: قد بلغ النهاية فى شدة الحرارة ، يقال : أُنی الحميم ، أى انتھی حره إلى أقصى مداه، فهو آن وبلغ الشىء أناه - بفتح الهمزة وكسرها - إذا وصل إلى غاية نضجه وإدراكه ، ومنه قوله - تعالى -: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ﴾ أى : نضجه .. أى : فى هذا اليوم ، وهو يوم الحساب والجزاء ﴿ يعرف المجرمون﴾ بسواد وجوههم، وزرقة عيونهم ، وبما تعلو أفئدتهم من غبرة ترهقها فترة . فتأخذ الملائكة بالشعر الذى فى مقدمة رءوسهم ، وبالأمكنة الظاهرة من سيقانهم ، وتقذف بهم فى النار ، وتقول لهم على سبيل الإهانة والإِذلال : هذه جهنم التى كنتم تكذبون بها فى الدنيا أيها المجرمون ، فترددوا بين مائها الحار ، وبين سعيرها البالغ النهاية فى الشدة . وفى قوله : ﴿ فيؤخذ بالنواصى والأقدام ﴾ إشارة إلى التمكن منهم تمكنا شديدا ، بحيث لا يستطيعون التفلت أو الهرب . وقد ختمت كل آية من هذه الآيات السابقة بقوله - تعالى -: ﴿ فبأى آلاء ربكما تكذبان ) لأن عقاب العصاة المجرمين ، وإثابة الطائعين المتقين ، يدل على كمال عدله (١) سورة الزمر الآية ٦٠ . (٢) سورة طه الآية ١٠٢ . ١٤٦ المجلد الرابع عشر - سبحانه - ، وعلى فضله ونعمته على من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى . قال الإِمام ابن كثير : ولما كان معاقبة العصاة المجرمين ، وتنعيم المتقين ، من فضله . ورحمته ، وعدله ، ولطفه بخلقه ، وكان إنذاره لهم من عذابه وبأسه ، مما يزجرهم عما هم فيه من٦٠ الشرك والمعاصى وغير ذلك قال ممتنا بذلك على بريته ﴿فبأى آلاء ربكما تكذبان﴾(١). وكعادة القرآن الكريم فى قرن أحوال الأخيار، بأحوال الأشرار ، أو العكس : جاء . الحديث عما أعده - سبحانه - للمتقين من جزيل الثواب ، بعد الحديث عما سينزل بالمجرمين من عقاب فقال - تعالى - : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَّنَانِ ، فَأَمِّءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانٍ ذَوَاتَا أَقْنَانٍ ﴿٢) فَأَتِّءَالَآءِ رَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ فِهِمَا عَيْنَانِ ٤٧ تَجْرِيَانِ ٥) فَأَتِيّءَالَآءِ رَبِّكْمَاتُكَّذِّبَنِ (٥) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَكِهَةٍ زَوْجَانِ ، فَأَيّءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَّذِّبَنِ ﴿٥) مُتَكِمِينَ عَلَى فُرْشِ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَحَى الْجَنَّنَيْنِ دَانٍ ﴿ فَأَمِّءَ الَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ، فِنَّ قَصِرَتُ الطَّرْفِ لَوْ يَطْمِنْهُنَّ إِسْرُ قَبْلَهُمْ وَلَ جَنٌّ (٦) فَأَقِّءَ الَاءِ رَيَّكُمَاتُكَذِّبَانٍ ﴿٦) كَنَهُنَّ الْيَاقُونُ هَلْ جَزَآءُ وَاُلْمَرْمَانُ ﴿ فَأَتِّءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَّذِّبَانِ اُلْإِحْسَنِ إِلَّ الْإِحْسَنُ نْ فَأَِّءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَّذِّبَانِ قال الآلوسى: قوله - تعالى -: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان ... ﴾ شروع فى تعدید الآلاء التى تفاض فى الآخرة على المتقين ، بعد بيان سوء عاقبة المكذبين . و ﴿ مقام﴾ مصدر ميمى بمعنى القيام مضاف إلى الفاعل. أى: ولمن خاف قيام ربه عليه وكونه مراقبا له ، ومهيمنا عليه فالقيام هنا مثله فى قوله - تعالى - ﴿أفمن هو قائم على كل (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٨٧ . ١٤٧ سورة الرحمن نفس بما كسبت ... ) أو هو اسم مكان . والمراد به مكان وقوف الخلق فى يوم القيامة : للحساب .. إذ الخلق جميعا قائمون له - تعالى - كما فى قوله - سبحانه -: ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين ﴾(١). والمعنى : ولكل من خاف القيام بين يدى ربه للحساب ، وخشى هيمنته - سبحانه - عليه ، ومجازاته له ... لكل من خاف ذلك وقدم فى دنياه العمل الصالح، ﴿جنتان ﴾ يتنقل بينها ، ليزداد سروره ، وحبوره . ٠ قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم قال: ﴿جنتان﴾؟ قلت الخطاب للثقلين، فكأنه قيل لكل خائفين منكما جنتان . جنة للخائف الإِنسى ، وجنة للخائف الجنى . ويجوز أن يقال : جنة لفعل الطاعات ، وجنة لترك المعاصى ، لأن التكليف دائر عليها ، وأن يقال: جنة يثاب بها وأخرى تضم إليها على وجه التفضل ، كقوله - تعالى - : ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾(٢) . وقوله: ﴿ ذواتا أفنان ﴾ صفة للجنتين . والأفنان جمع فنن - بفتحتين - وهو الغصن . أى : جنتان صاحبتا أغصان عظيمة . تمتاز بالجمال واللين والنضرة . ثم وصفهما - سبحانه - بصفات أخرى كريمة فقال: ﴿فيهما عينان تجريان﴾ أى: فى كل جنة منهما عين تجرى بالماء العذب الفرات .. ﴿ فيهما من كل فاكهة زوجان ﴾ أى : وفيهما كذلك من كل نوع من أنواع الفاكهة صنفان ، ليتفكه المتقون ويتلذذوا بتلك الفواكه الكثيرة ، التى لا هى مقطوعة ، ولا هى ممنوعة . ثم بين - سبحانه - حسن مجلسهم فقال : ﴿ متكئين على فرش بطائنها من إستبرق ، وجنى الجنتين دان ﴾ . والجملة الكريمة حال من قوله - تعالى -: ﴿ولمن خاف مقام ربه .. ﴾. وعبر - سبحانه - بالاتكاء لأنه من صفات المتنعمين الذين يعيشون عيشة راضية ، لاهم معها ولا حزن . والفرش : جمع فراش - ككتب وكتاب - وهو ما يبسط على الأرض للنوم أو : الاضطجاع . (١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ١١٥ . ( ٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٤٩ . ١٤٨ المجلد الرابع عشر والبطائن : جمع بطانة ، وهى ما قابل الظهارة من الثياب ، ومشتقة من البطن المقابلة للظهر ، ومن أقوالهم : أفرشنى فلان ظهره وبطنه ، أى : أطلعنى على سره وعلانيته . والاستبرق : الديباج المصنوع من الحرير السميك ، وهو من أجود أنواع الثياب . والمعنى : أن هؤلاء الذين خافوا مقام ربهم ونهوا أنفسهم عن الهوى ، يعيشون فى الجنات حالة كونهم ، متكئين فى جلستهم على فرش بطائنها الداخلية من الديباج السميك . ﴿وجنى الجنتين دان ﴾ أى: وما يجنى ويؤخذ من الجنتين قريب التناول ، دانى القطاف . فالمراد بقوله - تعالى - : ﴿ وجنى الجنتين﴾ ما يجتنى من ثمارهما و﴿ دان﴾ من الدنو بمعنى القرب . أى : أنهم لا يتعبون أنفسهم فى الحصول على تلك الفواكه ، وإنما يقطفون ما يشاءون منها ، وهم متكئون على فراشهم الوثير . ثم بين - سبحانه - ألوانا أخرى من نعيمهم فقال: ﴿ فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان . فبأى آلاء ربكما تكذبان ، كأنهن الياقوت والمرجان ﴾ . وقوله - سبحانه -: ﴿قاصرات الطرف ﴾ صفة لموصوف محذوف . والطمث : كناية عن افتضاض البكارة . يقال : طمث الرجل امرأته - من باب ضرب وقتل - ، إذا أزال . بكارتها . وأصل الطمث : الجماع المؤدى إلى خروج دم الفتاة البكر ، ثم أطلق على كل جماع وإن لم يكن معه دم . أى : فى هاتين الجنتين اللتين أعدهما - سبحانه - لمن خاف مقامه .. نساء قاصرات عيونهن على أزواجهن ، ولا يلتفتن إلى غيرهم . وهؤلاء النساء من صفاتهن - أيضا- أنهن أبكار ، لم يلمسهن ولم يزل بكارتهن أحد قبل هؤلاء الأزواج .. وكأن هؤلاء النساء فى صفائهن وجمالهن وحمرة خدودهن .. الياقوت والمرجان . ثم ختم - سبحانه - هذه النعم بقوله : ﴿ هل جزاء الإحسان إلا الإِحسان ﴾ والاستفهام لنفى أن يكون هناك مقابل لعمل الخير ، سوى الجزاء الحسن ، فالمراد بالإِحسان الأول ، القول الطيب ، والفعل الحسن ، والمراد بالإِحسان الثانى : الجزاء الجميل الكريم على فعل الخير . أى: ما جزاء من آمن وعمل صالحا ، وخاف مقام ربه ، ونهى نفسه عن الهوى .. إلا أن يجازى الجزاء الحسن ، ويقدم له العطاء الذى يشرح صدره وتقر به عينه . وقد عقب - سبحانه - بعد كل آية من تلك الآيات السابقة بقوله: ﴿ فبأى آلاء ربكما ٠ سورة الرحمن ١٤٩ تكذبان ﴾ لأن كل آية قد اشتملت على نعمة أو نعم عظيمة من شأن العاقل أن يشكر الله - تعالى - عليها شكرا جزيلا . ثم واصلت السورة حتى نهايتها ، حديثها عن النعم التى منحها - سبحانه - لمن خاف مقام ربه ، فقال - تعالى - : وَمِن دُونِ مَا جَنَّنَانٍ ﴿، فَأَتِّءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَّذِّبَانِ (٣) مُدْهَامَتَانِ ) فَأَمِّءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَّذِّبَانِ ) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّا خَتَانِ ، فَأَمِّ ءَالَآءِرَبُّكُمَاتُكَذِّبَانِ ٦٧ فِيِهِمَا فَكِهَةٌ وَنَخْلُ وَرَُّانٌ ﴿َ، فَبِأَيّءَالَآءِ رَبِّكُمَاتُكَذِّبَانِ ٦٩ فِيِنَ خْرَتُّ حِسَانٌ ﴿ فَأَتِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ، حُرٌ ، فَأَمِّءَالَاءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ مَّقْصُورَاتُ فِى الِخِيَامِ (٧٣ لَمْ يَطْمِنْهُنَّ إِنْسُ قَبْلَهُمْ وَلَاَجَنٌ ﴿ فَأَمِّءَالَآءِرَّكُمَاتُكَذِّبَانِ مُتَّكِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيّ حِسَانٍ ﴿ فَبِأَتِّ ٧٥ ءَالَاءِرَيَّكُمَا تُكَّذِّبَنِ ، فَ اسْمُ رَّكَ ذِى الْجَلَلِ وَالْإِكْرَامِ ٧٨٠ وقوله - سبحانه -: ﴿ ومن دونهما جنتان ﴾ معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾. ولفظ دون هنا يحتمل أنه بمعنى غير . أى : ولمن خاف مقام ربه جنتان ، وله - أيضا - جنتان أخريان غيرهما ، فهو من باب قوله - سبحانه - ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قالوا : ويشهد لهذا الاحتمال . أن الله - تعالى - قد وصف هاتين الجنتين بما يقارب وصفه للجنتين السابقتين ، وأن تكرير هذه الاوصاف من باب الحض على العمل الصالح الذى يوصل الى الظفر بتلك الجنات ، وما اشتملت عليه من خيرات . ١٥٠ ..- المجلد الرابع عشر ويحتمل أن لفظ ﴿ دون﴾ هنا: بمعنى أقل، أى: وأقل من تلك الجنتين فى المنزلة والقدر، جنتان أخريان .. وعلى هذا المعنى سار جمهور المفسرين ، ومن المفسرين الذين ساروا على هذا الرأى الإِمام ابن كثير ، فقد قال - رحمه الله - هاتان الجنتان دون اللتين قبلها فى المرتبة والفضيلة والمنزلة ، بنص القرآن، فقد قال - تعالى -: ﴿ومن دونهما جنتان ﴾ .. فالأوليان للمقربين ، والأخريان : لأصحاب اليمين .. والدليل على شرف الأولين على الأخريين وجوه : أحدها : أنه نعت الأوليين قبل هاتين، والتقديم يدل على الاعتناء ، ثم قال: ﴿ومن دونهما جنتان﴾ وهذا ظاهر فى شرف المتقدم، وعلوه على الثانى . وقال هناك ﴿ ذواتا أفنان) وهى الأغصان، أو الفنون فى الملاذ: وقال ههنا مدهامتان﴾ أى: سوداوان من شدة الرى من الماء .. (١). وقال الإِمام القرطبى : فإن قيل : كيف لم يذكر أهل هاتين الجنتين ، كما ذكر أهل الجنتين الأوليين ؟ . قيل : الجنان الأربع لمن خاف مقام ربه . إلا أن الخائفين مراتب ، فالجنتان الأوليان لأعلى العباد منزلة فى الخوف من الله - تعالى - ، والجنتان الأخريان لمن قصرت حاله فى الخوف من الله - تعالى -(٢). وقال الآلوسى: قوله - تعالى -: ﴿ ومن دونهما جنتان﴾ مبتدأ وخبر أى: ومن دون تينك الجنتين فى المنزلة والقدر جنتان أخريان والأكثرون على أن الأوليين للسابقين ، وهاتين لأصحاب اليمين .. وقوله: ﴿ مدهامتان﴾ صفة للجنتين .. أى: هما شديدتا الخضرة، والخضرة إذا اشتدت ضربت إلى السواد من كثرة الرى .. (٣). ثم فصل - سبحانه - أوصاف هاتين الجنتين فقال: ﴿ فيها عينان نضاختان﴾ أى: فوارتان بالماء الذى لا ينقطع منها من النضخ وهو فوران الماء من العيون مع حسنه وجماله . فيهما فاكهة ونخل ورمان ﴾ وعطف - سبحانه - النخل والرمان على الفاكهة مع أنها منها ، لفضلهما ، فكأنهما لما لهما من المزية جنسان آخران . (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٧٩ . ( ٢) راجع تفسير القرطبى جـ ١٧ ص ١٨٤ . (٣) تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ١٢١ . ١٥١ سورة الرحمن أو - كما يقول صاحب الكشاف - : لأن النخل ثمره فاكهة وطعام ، والرمان فاكهة .. ودواء ، فلم يخلصا للتفكه ، ولذا قال أبو حنيفة - رحمه الله - إذا حلف لا يأكل فاكهة ، فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث ... (١). والضمير فى قوله - تعالى -: ﴿ فيهن خيرات حسان﴾ يعود إلى الجنات الأربع: الجنتين المذكورتين فى قوله - تعالى -: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ والجنتين المذكورتين هنا فى قوله - سبحانه - : ﴿ ومن دونهما جنتان ﴾. ولفظ ﴿ خيرات﴾ صفة لموصوف محذوف. أى : نساء خيرات حسان. ۔۔ أى : فى هذه الجنات نساء فاضلات الأخلاق ، حسان الخلق والخلق . قال الجمل: قوله: ﴿ خيرات﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه جمع خيرة بزنة فعلة بسكون العين - يقال : امرأة خيرة ، وأخرى شرة ، والثانى. أنه جمع خيرة المخفف من خيرة بالتشديد ، ويدل على ذلك قراءة خيرات - بتشديد الياء .. (٢) . وقوله ﴿ حور مقصورات فى الخيام﴾ بدل من خيرات . والحور: جمع حوراء، وهى المرأة ذات الحور، أى : ذات العين التى اشتد بياضها واشتد سوادها فى جمال وحسن .. ومقصورات : جمع مقصورة أى : محتجبة فى بيتها . قد قصرت نفسها على زوجها .. فهى لا تجرى فى الطرقات .. بل هى ملازمة لبيتها ، وتلك صفة النساء الفضليات اللاتى يزورهن من يريدهن ، أما هن فكما قال الشاعر : ويكرمها جاراتها فيزرنها وتعتل عن إتيانهن فَتُعُذر أى : فى تلك الجنات نساء خيرات فضليات جميلات مخدرات . ملازمات لبيوتهن ، لا يتطلعن إلى غير رجالهن .. هؤلاء النساء ﴿لم يطمثهن﴾ أى: لم يلمسهن ويباشرهن ﴿إنس قبلهم ولا جان﴾. أى: لم يجامعهن أحد لا من الإِنس ولا من الجن قبل الرجال الذين خصصهن الله - تعالى - لهم .. وقوله : ﴿ متكئين على رفرف خضر وعبقرى حسان ... ﴾ حال من قوله - تعالى - : ولمن خاف مقام ربه ... ﴾ . (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥٠ . (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٢٦٦ : ة ١٥٢ المجلد الرابع عشر والرفرف : مأخوذ من الرَّف بمعنى الارتفاع ، وهو اسم جمع واحده رفرفة ، أو اسم جنس جمعى و﴿ خضر﴾ صفة له .. والعبقرى : وصف لكل ما كان ممتازا فى جنسه . نادر الوجود فى صفاته والمراد به هنا الثوب الموشى بالذهب ، والبالغ النهاية فى الجودة والجمال .. قال القرطبى : العبقرى : ثياب منقوشة تبسط .. قال القتيبى : كل ثوب وشى عند العرب فهو عبقرى . وقال أبو عبيد : هو منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشى .. ويقال : عبقر قرية باليمن تنسج فيها بسط منقوشة . وقال ابن الأنبارى : إن الأصل فيه أن عبقر قرية يسكنها الجن ينسب إليها كل فائق جليل، ومنه قول النبى - بصل - : فى عمر ابن الخطاب : فلم أر عبقريا يفرى فريه .. (١) . أى : هؤلاء الذين خافوا مقام ربهم ، قد أسكناهم بفضلنا الجنات العاليات حالة كونهم فيها على الفرش الجميلة المرتفعة . وعلى الأبسطة التى بلغت الغاية فى حسنها وجودتها ودقة وشيها .. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله: ﴿ تبارك اسم ربك ذى الجلال والإكرام ﴾. أى : جل شأن الله - تعالى - ، وارتفع اسمه الجليل عما لا يليق بشأنه العظيم ، فهو - عز وجل - صاحب الجلال . أى : العظمة والاستغناء المطلق ، والإِكرام . أى : الفضل التام ، والإِحسان الذى لا يقاربه إحسان . وبعد: فهذا تفسير لسورة ((الرحمن)) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ونافعا لعباده . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. الدوحة - قطر صباح الأحد ٦ من رجب ١٤٠٦ هـ کتبه الراجی عفو ربه د . محمد سيد طنطاوى ١٦ من مارس ١٩٨٦ م . (١) تفسير القرطبى جـ ١٧ ص ١٩٢ . تفسير سُورَةِ الوَاقِعَةُ L ١٥٥ مقدمة بِسْمِ اللهُ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ مقدمة وتمهيد ١ - سورة ((الواقعة)) هى السورة السادسة والخمسون فى ترتيب المصحف ، أما ترتيبها فى النزول، فقد كان نزولها بعد سورة ((طه)) وقبل سورة ((الشعراء)). وقد عرفت بهذا الاسم منذ عهد النبوة ، فعن ابن عباس قال : قال أبو بكر - رضى الله عنه - للنبى -+ - : يارسول اللّه قد شبت . قال: شيبتني هود والواقعة والمرسلات ، وعم يتساءلون ، وإذا الشمس كورت . وعن عبد الله بن مسعود - رضى الله عنه - قال: سمعت رسول الله - * - يقول : ((من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا .. ))(١). ٢ - وعدد آياتها ست وتسعون آية عند الكوفيين . وسبع وتسعون عند البصريين ، وتسع وتسعون عند الحجازيين والمدنيين . ٣ - وسورة ((الواقعة)) من السور المكية الخالصة ، واستثنى بعضهم بعض آياتها ، وعدها من الآيات المدنية ، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿ ثلة من الأولين . وثلة من الآخرين ﴾. وقوله - سبحانه -: ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم ... ﴾ إلى قوله - تعالى - : وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ . والذى تطمئن إليه النفس أن السورة كلها مكية ، وأن ما استثنى منها لم يقم دليل يعتد به على صحته . ٤ - وقد افتتحت سورة ((الواقعة)) بالحديث عن أهوال يوم القيامة ، وعن أقسام الناس فى هذا اليوم .. قال - تعالى - : ﴿وكنتم أزواجا ثلاثة ، فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ، وأصحاب - المشأمة ما أصحاب المشأمة ، والسابقون السابقون ... ﴾ . ٥ - وبعد أن فصل - سبحانه - الحديث عن كل قسم من هذه الأقسام ، وبين ما أعد له ... (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٨١ . ١ : ١٥٦ المجلد الرابع عشر من جزاء عادل ... أتبع ذلك بالحديث عن مظاهر قدرته ، وسعة رحمته ، وعظيم فضله ، فقال - تعالى - : ﴿ نحن خلقناكم فلولا تصدقون . أفرأيتم ماتمنون ، أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ... ﴾ . أفرأيتم ما تحرئون ، أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ... ﴾ أفرأيتم الماء الذى تشربون ، أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون أفرأيتم النار التى تورون ، أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون ﴾ . ٦ - وكما افتتحت السورة الكريمة ببيان أهوال يوم القيامة ، وبيان أنواع الناس فى هذا اليوم .. اختتمت - أيضا - بالحديث عن أقسام الناس يوم الحساب ، وعاقبة كل قسم ، قال - تعالى -: ﴿ فأما إن كان من المقربين ، فروح وريحان وجنة ونعيم . وأما إن كان من أصحاب اليمين ، فسلام لك من أصحاب اليمين ، وأما إن كان من المكذبين الضالين ، فنزل من حميم ، وتصلية جحيم ، إن هذا لهو حق اليقين ، فسبح باسم ربك العظيم ﴾ . ٧ - هذا والمتدبر فى هذه السورة الكريمة ، يراها قد ساقت بأسلوب بليغ مؤثر ، ما يحمل الناس على حسن الاستعداد ليوم القيامة ، عن طريق الإيمان العميق ، والعمل الصالح ، ومايبين لهم عن طريق المشاهدة مظاهر قدرة الله - تعالى - ووحدانيته ، وما يكشف لهم النقاب عن أقسام الناس فى يوم الحساب ، وعن عاقبة كل قسم ، وعن الأسباب التى وصلت بكل قسم منهم إلى ما وصل إليه من جنة أو نار .. وما يريهم عجزهم المطلق أمام قدرة الله - تعالى - وأمام قضائه وقدره .. فهم يرون بأعينهم أعز إنسان عندهم ، تنتزع روحه من جسده .. ومع ذلك فهم عاجزن عن أن يفعلوا شيئا .. وصدق الله إذ يقول: ﴿ فلولا إذا بلغت الحلقوم . وأنتم حينئذ تنظرون ، ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون . فلولا إن كنتم غير مدينين . ترجعونها إن كنتم صادقين ﴾ .. نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من عباده المقربين .. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. الدوحة قطر مساء الاثنين ٧ من رجب سنة ١٤٠٦ هـ ١٧ من مارس سنة ١٩٨٦ م د . محمد سيد طنطاوى ١٥٧ سورة الواقعة التفسير قال الله - تعالى - : بِسـ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ل ◌ِ لَيْسَ لِوَقْعَنِهَا كَاذِبَةُ (١) خَافِضَةٌ رَّافِعَةُ ﴿ إِذَارُبحَّتِ الْأَرْضُ رَجَّانَنٌ، وَبَُّتِ الْجِبَالُ بَسًا فَكَانَتْ هَبَآءُ مُنْبَثًا ﴾ وَكُنُ أَزْوَجَا ثَلَاثَةً ، فَأَصْحَبُ اُلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ ﴿ وَأَصْحَبُ اَلْشِئَةِ مَا أَصْحَبُ ١١ الْشَمَةِ ﴿ وَالسَّبِقُونَ السَّبِقُونَ ، أَوْلَئِكَ الْمُقَرَبُونَ ﴿ ، ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ ﴿ وَقَلِلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ فِي جَنَتِ النَّعِيمِ ١٤ ١٦ ◌َ عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ (٥ ) مُتَّكِينَ عَلَيْهَا مُتَّقَبِلِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَنْ مُخْلَّدُونَ ﴿٦) بِأَكْوَابٍ وَأَبَرِيقَ وَكَأْسِ مِنْ فَعِينٍ (٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ ﴿، وَفَكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَُّونَ ﴿ وَمِ طَيْرٍ مِمَايَشْتَهُونَ ﴿ وَحُورُ عِينٌ ) كَأَ مْثَلِ الُْؤْلُوِ اُلْمَكْتُونِ ، جَزَآءُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٦ ، لَا يَسْمَعُونَ فِيَهَا لَغْوَا وَلَا تَأْثِيمَانَ إِلَّ قِيلًا سَلَمَا سَلَمَاَ افتتحت سورة ((الواقعة)) بتقرير الحقيقة التى لاشك فيها ، وهى أن يوم القيامة حق وأن الحساب حق ، وأن الجزاء حق .. ١٥٨ المجلد الرابع عشر وقد اختير الافتتاح بالظرف المتضمن معنى الشرط ، لأنه ينبه الأذهان ويحرك النفوس لترقب الجواب . والواقعة من أسماء القيامة كالقارعة ، والحاقة ، والآزفة .. قال الجمل : وفى ﴿ إذا﴾ هنا أوجه : أحدها: أنها ظرف محض ، ليس فيها معنى الشرط ، والعامل فيها ليس ، من حيث ما فيها من معنى النفى ، كأنه قيل : ينتفى التكذيب بوقوعها إذا وقعت . والثانى : أن العامل فيها اذكر مقدرا . الثالث: أنها شرطية وجوابها مقدر ، أى: إذا وقعت الواقعة كان ، كيت وكيت ، وهو العامل فيها .. (١) . وقال بعض العلماء : والذى يظهر لى صوابه ، أن إذا هنا : هى الظرفية المتضمنة معنى الشرط ، وأن قوله الآتى: ﴿إذا رجت الأرض رجا﴾ بدل من قوله: ﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾ وأن الجواب إذا هو قوله: ﴿ فأصحاب الميمنة .. ﴾. وعليه فالمعنى : إذا قامت القيامة ، وحصلت هذه الأحوال العظيمة ، ظهرت منزلة أصحاب الميمنة ، وأصحاب المشأمة .. (٢). وقوله - تعالى -: ﴿ ليس لوقعتها كاذبة ﴾ مؤكد لما قبله ، من أن وقوع يوم القيامة حق لا ریب فیه . وكاذبة : صفة لموصوف محذوف ، وهى اسم فاعل بمعنى المصدر .. أى : عندما تقع القيامة ، لا تكذبها نفس من النفوس التى كانت تجحدها فى الدنيا ، بل كل نفس حينئذ تكون مصدقة لها . قال القرطبى : قوله: ﴿ ليس لوقعتها كاذبة﴾. الكاذبة مصدر بمعنى الكذب ، والعرب قد تضع الفاعل والمفعول موضع المصدر ، كقوله - تعالى -: ﴿ لا تسمع فيها لاغية ﴾ أى : لغو .. أى : ليس لقيام القيامة كذب ولا تخلف، بل هى واقعة يقينا .. أو الكاذبة صفة والموصوف محذوف ، أى: ليس لوقعتها حال كاذبة أو نفس كاذبة .. (٣). -- . (١) راجع حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٢٧٠ . (٢) راجع أضواء البيان جـ ٧ ص ٧٦١ للشيخ الشنقيطى - رحمه الله. (٣) تفسير القرطبى جـ ١٧ ص ١٩٤. : .. ١٠ ١٥٩ سورة الواقعة وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ اللّه لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ... ﴾(١) . وقوله - سبحانه -: ﴿ فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ، وكفرنا بما كنا به مشركين ﴾(٢). ثم بين - سبحانه - ما يترتب على قيام الساعة من أحوال فقال : ﴿ خافضة رافعة ﴾ أى : هى خافضة للأشقياء إلى أسفل الدركات : وهى رافعة للسعداء إلى أعلى الدرجات . والخفض والرفع يستعملان عند العرب فى المكان والمكانة . وفى العز والإِهانة .. ونسب - سبحانه - الخفض والرفع إلى القيامة على سبيل المجاز. والمقصود بالآية الكريمة ترغيب الصالحين فى الازدياد من العمل الصالح ، لترفع منزلتهم يوم القيامة ، وترهيب الفاسقين من سوء المصير الذى ينتظرهم ، إذا ما استمروا فى فسقهم وعصيانهم . ويرى بعضهم أن المراد بالخفض والرفع فى هذا اليوم ، ما يترتب عليه من تناثر النجوم ، ومن تبدل الأرض غير الأرض ، ومن صيرورة الجبال كالعهن المنفوش .. وعلى هذا يكون المقصود بالآية : التهويل من شأن يوم القيامة ، حتى يستعد الخلق لاستقباله ، بالإِيمان والعمل الصالح ، حتى لا يصيبهم فيه ما يصيب العصاة المفسدين ، من خزى وهوان .. والآية الكريمة تسع المعنيين ، لأن فى هذا اليوم يرتفع الأخيار وينخفض الأشرار ، ولأن فيه - أيضا - ﴿ تبدل الأرض غير الأرض والسموات ... ﴾. والمراد بالرج فى قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿ إذا رجت الأرض رجا . وبست الجبال بسا ... ﴾ التحريك الشديد، والاضطراب الواضح. يقال: رج فلان الشىء رجا، إذا حركه بعنف وزلزله بقوة .. وقوله ﴿وبست ﴾ من البس بمعنى التفتيت والتكسير الدقيق ، ومنه قولهم : بس فلان السويق ، إذا فتته ولته وهيأه للأكل .. أى: إذا رجت الأرض وزلزلت زلزالا شديدا ، وفتتت الجبال تفتيتا حتى صارت كالسويق (١) سورة النساء الآية ٨٧ . ( ٢) سورة غافر الآية ٨٤ . ١٦٠ المجلد الرابع عشر الملتوت .. فكانت تلك الجبال كالهباء المنبث أى : المتفرق الذى يلوح من خلال شعاع الشمس إذا ما دخل من نافذة .. إذا ما حدث كل ذلك ، وجد كل إنسان جزاءه من خير أو شر ، ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ﴾ . فجواب الشرط ماذكرته الآيات بعد ذلك من حسن عاقبة أصحاب الميمنة وسوء عاقبة أصحاب المشأمة . ومن الآيات الكثيرة ، التى وردت فى معنى هذه الآيات قوله - تعالى -: ﴿ يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كئيبا مهيلا ﴾(١) . والخطاب فى قوله - تعالى -: ﴿ وكنتم أزواجا ثلاثة ﴾ للناس جميعا، وكان بمعنى صار، والأزواج بمعنى الأصناف والأنواع .. أى : وصرتم - أيها الناس - فى هذا اليوم الهائل الشديد ، أصنافا ثلاثة ، على حسب أحوالكم فى الدنيا .. ثم فصل - سبحانه - الحديث عن الأزواج الثلاثة فقال: ﴿ فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ، وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة . والسابقون السابقون والمراد بأصحاب الميمنة ، أولئك السعداء الذين يؤتون كتبهم يوم القيامة بأيمانهم ، أو لأنهم يذهب بهم ذات اليمين إلى الجنة .. أو سموا بذلك، لأنهم ميامين ، أى : أصحاب بركة على أنفسهم ، لأنهم أطاعوا ربهم . وخالفوا أهواءهم .. فكانت عاقبتهم الجنة . وسمى الآخرون بأصحاب المشأمة ، لأنهم مشائيم ، أى : أصحاب شؤم على أنفسهم ، لأنهم طغوا وآثروا الحياة الدنيا ، فكانت عاقبتهم النار . أو سموا بذلك ، لأنهم يؤتون كتبهم بشمائلهم . أو لأنهم يذهب بهم ذات الشمال إلى النار .. والعرب تسمى الشمال شؤما ، كما تسمى اليمين يمنا . والتعبير بقوله: ﴿ ما أصحاب الميمنة ﴾ للتفخيم والإِعلاء من شأنهم ، كما أن التعبير بقوله - تعالى -: ﴿ ما أصحاب المشأمة ﴾ للتحقير والتعجيب من حالهم . وجملة: ﴿ ما أصحاب الميمنة﴾ مكونة من مبتدأ - وهو ما الاستفهامية - ، وخبر وهو (١ ) سورة المزمل الآية ١٤ . ٠