النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
سورة النجم
والمعنى : أن جبريل - عليه السلام - بعد أن كان بالجهة العليا من السماء ، ثم قرب من
النبى - ولو -، ثم زاد فى القرب، حتى كان على مقدار مسافة قوسين منه - وَ ليه - أو
أقرب من ذلك .
قال صاحب الكشاف : قوله : ﴿قاب قوسين ﴾ مقدار قوسين عربيتين ، والقاب
والقيب ، والقاد والقيد ، المقدار .. وقد جاء التقدير بالقوس ، والرمح ، والسوط ، والذراع ،
والباع، والخطوة والشبر ... ومنه الحديث الشريف: ((لقاب قوس أحدكم من الجنة ، وموضع
قده ، خير من الدنيا وما فيها )) والقد السوط ...
فإن قلت : كيف تقدير قوله : ﴿ فكان قاب قوسين ﴾، قلت : تقديره فكان مقدار مسافة
قربه مثل قاب قوسين ، فحذفت هذه المضافات .. (١) .
و ((أو)) فى قوله: ﴿ أو أدنى﴾ للشك، ولكن هذا الشك من جهة العباد، أى: أن
الرائى إذا رأى هذا الوضع قال : هو قاب قوسين أو أقرب من ذلك ، ويصح أن تكون بمعنى
(( بل)).
قال الجمل: قوله: ﴿ أو أدنى﴾ هذه الآية كقوله: ﴿وأرسلناه إلى مائة ألف أو
يزيدون﴾ لأن المعنى: فكان - جبريل - بأحد هذين المقدارين فى رأى الرائى. أى:
لتقارب ما بينهما يشك الرائى فى ذلك .
وأدنى : أفعل تفضيل . والمفضل عليه محذوف . أى : أو أدنى من قاب قوسين.
ويصح أن تكون بمعنى بل ، أى : بل هو أدنى .. (٢) .
وقوله: ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ أى: فأوحى جبريل - عليه السلام - ، إلى
عبد الله ورسوله محمد - ويلي - ما أوحى من قرآن كريم، ومن هدى حكيم .
فالضمير فى قوله: ﴿ فأوحى﴾ أى: جبريل، لأن الحديث فى شأنه، وإيجاؤه إنما هو
بأمر الله - تعالى - ومشيئته ، ويرى بعضهم أنه يعود إلى الله - تعالى - .
قال الآلوسي: قوله: ﴿فأوحى﴾ أى: جبريل ﴿إلى عبده﴾ أى: عبد الله، وهو
النبى - ◌َلام - ، والإضمار - ولم يجرله - تعالى - ذكر، لكونه فى غاية الظهور ، ومثله كثير
فى الكلام ، ومنه: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة .. ﴾
ما أوحى ﴾ أى: الذى أوحاه ، والضمير المستتر لجبريل - أيضا - .
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٢٩ .
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٢٢٥ .

٦٢
المجلد الرابع عشر
وقيل: الضمير المستتر لله - تعالى - . أى: أوحى جبريل إلى عبد الله، ما أوحاه الله
إلى جبريل .
والأول مروى عن الحسن ، وهو الأحسن .
وقيل : ضمير أوحى الأول والثانى لله - تعالى - والمراد بالعبد جبريل - عليه السلام -
وهو كما ترى .. (١) .
وأبهم - سبحانه - ما أوحاه ، لتفخيم شأنه ، وإعلاء قدره ، حتى لكأنه لا تحيط به
عبارة ، ولا يحده الوصف ، وشبيه بهذا التعبير قوله - تعالى - : ﴿ فأتبعهم فرعون بجنوده ،
فغشيهم من اليم ما غشيهم .. ﴾(٢) .
وعبر - سبحانه - عن رسوله - وَليه - بعبده ، وأضافه إليه ، للتشريف والتكريم ،
ولبيان أنه عبد من عباده - تعالى - الذين اصطفاهم لحمل رسالته ، وتبليغ ما أوحاه إليه .
وقوله : ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ رد على المشركين، وتكذيب لهم، فيما زعموه من أن
الرسول - وَيه - لم يتلق الوحى عن جبريل، ولم يشاهده.
واللام فى قوله ﴿ الفؤاد ﴾ عوض عن المضاف إليه، والفؤاد : العقل أو القلب ، ومنه
قوله - تعالى -: ﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدى به .. ﴾(٣).
وقراءة الجمهور ﴿ كذب﴾ بفتح الذال مع التخفيف، وقرأ ابن عامر بفتحها مع
التشديد، و((ما)) موصولة ، والعائد محذوف .
أى: ما كذب فؤاد النبى - وَلجر - وما أنكر، الذى رآه ببصره من صورة جبريل
- عليه السلام - لأنه لم يكن يجهله ، بل كان معروفا لديه ، وصاحب الوحى إليه ، فهو
- وَ﴾ - عرفه بقلبه ، وتأكدت هذه المعرفة برؤيته له بعينيه.
فالكذب هنا : بمعنى الإِنكار والتردد والشك فى صحة ما يراه :
قال صاحب الكشاف قوله : ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ أى: ما كذب فؤاد النبى
- وَل جر - ما رآه ببصره من صورة جبريل - عليه السلام - .
أى: ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك ، ولو قال ذلك - على سبيل الفرض - لكان كاذبا
لأنه عرفه ، يعنى أنه رآه بعينه ، وعرفه بقلبه ، ولم يشك فى أن ما رآه حق .
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ٤٩ .
(٢) سورة طه الآية ٧٨ .
( ٣) سورة القصص الآية ١٠.

٦٣
سورة النجم
وقرئ. ﴿ ما كذب ﴾ - بالتشديد - ، أى : صدقه ولم يشك أنه جبريل بصورته(١).
ثم وبخ - سبحانه - المشركين على تكذيبهم للنبى - صل38 - فيما يخبرهم عنه من شئون
الوحى ، فقال: ﴿ أفتمارونه على ما يرى ﴾.
والمماراة : المجادلة والملاحاة بالباطل . يقال: مارَى فلان فلانا مماراة ومِرَاء ، إذا جادله ،
مأخوذ من مَرَى الناقة يمربها . إذا مسح ضرعها ليستدر لبنها ، ويأخذه كاملا ، فشبه الجدال
بذلك ، لأن كل واحد من المتجادلين يمرِى ما عند صاحبه ، أى : يسعى لاستخراج كل
ما عنده ، حتى يقيم الحجة عليه .
وعدى الفعل بعلى لتضمنه معنى المغالبة .
أى: أفتجادلون نبينا محمدا - وَ لّ - فيما رآه بعينيه، وتجادلونه فى شىء هو تحقق منه
بعقله وبصره ، وهو ملاقاته ورؤيته لأمين وحينا جبريل - عليه السلام - ؟ إن مجادلتكم له فى
ذلك ، هو من قبيل التعنت الواضح ، والجهل الفاضح ، لأنكم كذبتموه وجادلتموه فى شىء هو
قد رآه وتحقق منه ، وأنتم تعلمون أنه صادق أمين .
فالمقصود بالاستفهام تبكيتهم وتجهيلهم على جدالهم بالباطل .
هذا وقد ذكر العلماء، أن هذه الآيات، تشير إلى رؤية النبى - رَله - لجبريل ، على الهيئة
التى خلقه الله - تعالى - عليها، فقد كان جبريل يأتى النبى - وَالله - فى صورة آدمى ،
فسأله أن يريه نفسه على صورته التى خلق عليها ، فأراه نفسه مرتين : مرة فى الأرض وهى
التى تشير إليها هذا الآيات ، ومرة فى السماء ، وهى التى تشير إليها الآيات التالية .
وقد توسع الإِمام ابن كثير فى ذكر الأحاديث التى وردت فى ذلك فقال ما ملخصه :
عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله - وَ يه - لم ير جبريل فى صورته إلا مرتين ، أما
واحدة فإنه سأله أن يراه فى صورته ، فسد الأفق، وأما الثانية فإنه كان معه حيث صعد .. (٢) .
وقوله - سبحانه -: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى .. ﴾ إشارة إلى المرة الثانية التى رأى فيها:
الرسول - * - جبريل على هيئته التى خلقه الله - تعالى - عليها ، وكان ذلك فى ليلة
الإسراء والمعراج. أى: والله لقد رأى محمد - وَالله - جبريل فى صورته التى خلق عليها،
حالة كونه نازلا من السماء نزلة أخرى .
وقد جاء الإِخبار عن هذه الرؤية بصيغة مؤكدة بلام القسم وبقد .. للرد على المشركين .
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٢٩ .
( ٢) راجع ابن كثير نفسير جـ ٤ ص ٢٤٧ .

٦٤
المجلد الرابع عشر
الذين أنكروا ذلك ، فكأنه - سبحانه - يقول لهم : لئن كنتم قد أنكرتم هذه الرؤية فى
الأرض، فإنه - 19 - لم يره فى الأرض فقط، بل رآه رؤية أعظم من ذلك ، وهى رؤيته له
فى السماء ، حين كان مصاحبا له فى رحلته ليلة الإسراء والمعراج .
قال الآلوسي: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ أى: رأى النبى - رَله - جبريل فى صورته
التى خلقه الله عليها ﴿نزلة أخرى﴾ أى: مرة أخرى، وهى فعلة من النزول، أقيمت مقام
المرة ، ونصبت نصبها على الظرفية ، لأن أصل المرة مصدر مر يمر ، ولشدة اتصال الفعل
بالزمان يعبر به عنه . ولم يقل مرة بدل نزلة ؛ ليفيد أن الرؤية فى هذه المرة ، كانت بنزول
ودنو ، كالرؤية فى المرة الأولى ، الدال عليها ما مر ...
والمراد من الجملة القسمية ، نفى الريبة والشك عن المرة الأخيرة ، وكانت ليلة
الإِسراء (١) .
وقوله : ﴿ عند سدرة المنتهى﴾ بيان للمكان الذى تمت عنده الرؤية الثانية.
والسدرة فى الأصل : تطلق على شجرة النّبِق ، وهو ثمر معروف فى بلاد العرب .
والمنتهى : اسم مكان ، أو مصدر ميمى بمعنى الانتهاء . وإضافة السدرة إليه ، من باب
إضافة الشىء إلى مكانه ، كما فى قولهم : أشجار البستان . أو من إضافة المحل إلى الحال ، كما
فى قولك : كتاب الفقه أو النحو ..
وسمى هذا المكان بسدرة المنتهى ، لانتهاء علوم الخلائق عنده ، وما وراءه لا يعلمه إلا الله
- تعالى - .
أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: لما أسرى برسول الله - وَلـ - انتهى به
إلى سدرة المنتهى ، وهى فى السماء السابعة واليها ينتهى ما يعرج من الأرض فيقبض منها .
وإليها ينتهى ما يهبط من فوقها فيقبض منها(٢).
ثم بين - سبحانه - ما يدل على شرف هذا المكان فقال : ﴿
عندها جنة المأوى
أى : عند سدرة المنتهى ، جنة المأوى . أى : الجنة التى تأوى وتسكن إليها أرواح المؤمنين
الصادقين ، الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه .
ثم نوه - سبحانه - بما يحيط بذلك المكان من جلال وجمال لا تحيط العبارة بوصفه فقال :
إذ يغشى السدرة ما يغشى
( ١) تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ٥٠ .
( ٢) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٥٢ .

٦٥
سورة النجم
والظرف ((إذ)). فى موضع الحال من ((سدرة المنتهى))، لقصد الإشادة بما أحاط بذلك
المكان من شرف وبهاء .. أو هو متعلق بقوله : ﴿رآه ﴾.
أى: ولقد رأى محمد - وَله - جبريل - عليه السلام - على هيئته التى خلقه الله عليها
مرة أخرى ، عند ذلك المكان الجليل المسمى بسدرة المنتهى ، حالة كون هذا المكان ينزل به
ما ينزل ، ويغشاه ما يغشاه من الفيوضات الربانية ، والأنوار القدسية ، والخيرات التى لا
يحيط بها الوصف ..
فهذا الإِبهام فى قوله ﴿ ما يغشى ﴾ المقصود به التهويل والتعظيم والتكثير ، لما يغشى هذا
المكان من خيرات وبركات ..
وقوله - تعالى - ﴿ ما زاغ البصر وما طغى﴾ بيان لما كان عليه النبى - وَلة - من
ثبات واطمئنان عند رؤيته لما أذن الله - تعالى - له فى رؤيته .
والزيغ : هو الميل عن حدود الاستقامة . والطغيان : تجاوز الحدود المشروعة .
أى: ما مال بصر النبى - وَلجر - عما أذن الله - تعالى - له فى رؤيته. وما تجاوزه إلى
ما لم يؤذن له فى رؤيته ، بل كان بصره - مصر - منصبا على ما أبيح له النظر اليه .
فالمقصود من الآية الكريمة ، الثناء على النبى - مَلجر - ، ووصفه بما هو أهله من أدب
وطاعة لخالقه - عز وجل - .
قال ابن كثير: قوله : ﴿ مازاغ البصر وما طغى﴾ قال ابن عباس: ماذهب يمينا ولا
شمالا ، وما جاوز ما أمر به ، وهذه صفة عظيمة فى الثبات والطاعة . فإنه ما فعل إلا ما أمر
به ، ولا سأل فوق ما أعطى ، وما أحسن قول القائل :
رأى جنة المأوى وما فوقها ولو رأى غيره ما قد رآه لتاها (١)
ثم عظم - سبحانه - من شأن ما أراه لنبيه - وي﴿ - فقال: ﴿لقد رأى من آيات ربه
الكبرى ﴾ .
والكلام جواب لقسم محذوف ، والآيات جمع آية ، والمراد بها العجائب التى أطلع الله
- تعالى - عليها نبيه - * - فى تلك الليلة، وهى ليلة الإسراء والمعراج.
والكبرى : صفة لهذه الآيات ، وحذف المرئى : لتفخيم أمره وتعظيمه .
أى: والله لقد رأى محمد - ◌َله - فى تلك الليلة أمورا عظاما لا يحيط بها الوصف ، وقد
(١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٥٢ .

٦٦
المجلد الرابع عشر
أكرمناه برؤيتها ليزداد يقينا على يقينه ، وثباتا على ثباته ، وقوة على قوته فى تبليغ رسالتنا ،
وحمل أمانتنا .
هذا ، وقد جرينا فى تفسيرنا لهذه الآيات على الرأى الذى سار عليه المحققون من العلماء
وهو أن هذه الآيات تحكى رؤية النبى - صل1 - لجبريل مرتين ، كما سبق أن بينا ، وأن
الضمائر فى تلك الآيات منها ما يرجع إلى جبريل ، ومنها ما يرجع إلى الله - عز وجل - .
وقد أعدنا كل ضمير إلى مرجعه الذى نراه مناسبا للمقام ..
فمثلا : الضمير المنصوب فى قوله - تعالى -: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى ﴾ قلنا: إنه يعود
إلى جبريل. أى: أن الرسول - 18 - رأى جبريل على هيئته التى خلقه الله عليها مرة
أخرى ، غير المرة الأولى التى كانت فى أوائل بعثته - اليا - .
ولكن بعض المفسرين يرون أن مرجع الضمير فى هذه الآية وغيرها ، يعود إلى الله
- تعالى -، ويستدلون بذلك على أن الرسول - وَ﴾ - رأى ربه .
وقد فصل القول فى هذه المسألة الإِمام الآلوسى فقال ما ملخصه: فالضمائر فى (( دنا))
((وتدلى)) ((وأوحى .. )) وكذلك الضمير المنصوب فى ((رآه)) لله - عز وجل - ..
واستدل بذلك مثبتو رؤية النبى - مَ﴾ - لله - عز وجل - كابن عباس وغيره ..
وخالفت فى ذلك عائشة - رضى الله عنها - فقد أخرج مسلم عن مسروق قال : كنت عند
عائشة فقالت : ثلاث من تكلم بواحدة منهن ، فقد أعظم على الله - تعالى - الفرية .
قلت : ما هن ؟ قالت : من زعم أن محمدا يعلم الغيب فقد كذب ، ومن زعم أن محمدا كتم
شيئا فقد كذب ، ومن زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ، فقلت : يا أم
المؤمنين: ألم يقل الله - تعالى -: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾؟. فقالت : أنا أول من سأل
رسول الله - وَليل - عن ذلك فقال: ((لا، إنما هو جبريل، لم أره على صورته التى خلق
عليها سوى هاتين المرتين . رأيته منهبطا من السماء سادا ما بين السماء إلى الأرض )).
ثم قال الآلوسى: ولا يخفى أن جواب الرسول - وَ لجر - على عائشة، ظاهر فى أن
الضمير المنصوب فى ﴿رآه ﴾ ليس راجعا إليه - تعالى - ، بل إلى جبريل - عليه
السلام - .. (١) .
والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة يراها ترد على المشركين مزاعمهم ، بأبلغ أسلوب ، وأقوى
(١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ٥٢ وابن كثير جـ ٤ ص ٢٤٨ وما بعدها .

٦٧
سورة النجم
بيان، وتثبت أن هذا القرآن، قد بلغه الرسول - صل18 - عن جبريل - عليه السلام - دون
أن يزيد فيه شيئا، أو ينقص منه شيئا، وأنه - سبحانه - قد أعطى نبيه - وليد - من
المعجزات ، ومن الخيرات والبركات .. ما لم يعط غيره .
وبعد هذا التصوير البديع لما كان عليه النبى - صل18 - من حق واضح ، ومن تكريم عظيم
ومن طاعة تامة لخالقه - عز وجل - بعد كل ذلك أخذت السورة الكريمة ، فى تصوير ما عليه
المشركون من باطل وجهل وفى تبكيتهم على عبادتهم لأصنام لا تسمع ولا تبصر ، ولا تملك
الدفاع عن نفسها فضلا عن غيرها .. فقال - تعالى - :
أَفَرَّهَيُمُاللَّتَ وَالْعُزَّىِ ، وَمَنَوَةَ
الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىِ نْ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ اَلْأُنثَى ◌ْتِلْكَ إِذَا قِسْمَةٌ
ضِيرَىٌ ﴿) إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمَاءُ سَيْتُهُوهَا أَنْتُمْ وَءَآبَا ؤُكُمَّا أَنزَلَ
اَللَّهُبِهَا مِن سُلْطَانٍّإِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُّ
وَلَقَدْجَآءَ هُمْ مِن رَّيِّهِمُ الْمُدَىَ ، أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَى ) فَلِلَّهِ
اَلْأَخِرَةُ وَالْأُولَى * وَكَم مِّن مَّلَكِ فِ السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِى
شَفَعَنُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللّهُ لِمَن يَشَآءُ وَبَرْضَى
إِنَّالَّذِينَ لَأَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِلَيُسَمُّونَ الْكَبِكَةَ تَسْمِيَةَ آلْأُنَ
٢٧
وَمَالَهُ بِهِ مِنْ عِلٍَّ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الََّنَّ وَإِنَّالَّنَّلَأَ يُغْنِى مِنَ
٢٨
الْحَقّ شَيْئًاء
والهمزة فى قوله: ﴿ أفرأيتم﴾ للإنكار والتهكم، والفاء لترتيب الرؤية على ما سبق ذكره
من صفات جليلة لله - تعالى - تدل على وحدانيته ، وكمال قدرته ، ومن ثناء على النبى
- وَل 3 - وعلى جبريل - عليه السلام - والرؤية هنا، علمية ومفعولها الثانى محذوف ، لدلالة
قوله - سبحانه - ﴿ ألكم الذكر وله الأنثى ﴾ عليه .

٦٨
المجلد الرابع عشر
و((اللات)) اسم لصنم كان لثقيف بالطائف . قال الشاعر :
بمنقلب الخائب الخاسر
وفرت ثقيف إلى ((لاتها))
وكان هذا الصنم على هيئة صخرة مربعة ، قد بنوا عليه بناء ونقشوا عليه نقوشا ، وكانت
قريش وجمهور العرب ، يعظمونه ويعبدونه ..
وكأنهم قد سموه بهذا الاسم، على سبيل الاشتقاق من اسم الله - تعالى - فقالوا
((اللات)) قصداً للتأنيث ..
العزى ﴾: فُعْلَى من العز. وهى اسم لصنم، وقيل لشجرة حولها بناء وأستار،
وكانت بمكان يقال له نخلة ، بين مكة والطائف ، وكانت قريش تعظمها ، كما قال أبو سفيان
يوم أحد ((لنا العزى ولا عزى لكم)).
فقال - مَّ - قولوا له: ((اللّه مولانا ولا مولى لكم)).
ولعلهم قد سموها بذلك . أخذا من لفظ العزيز، أو من لفظ العز، فهى تأنيث الأعز ،
كالفضلى والأفضل .
وأما (( مناة )) فكانت صخرة ضخمة ، بمكان يقال له المشلل ، بين مكة والمدينة ، وكانت
قبيلة خزاعة والأوس والخزرج فى جاهليتهم يعظمونها وبهلون منها للحج إلى الكعبة .
قالوا : وسميت بهذا الاسم ، لأن دماء الذبائح كانت تمنى عندها ، أى : تراق وتسكب .
والمعنى : لقد ذكرنا لكم - أيها المشركون - ما يدل على وحدانيتنا ، وكمال قدرتنا . وسمو
منزلة نبينا - * - .. فأخبرونى بعد ذلك ما شأن هذه الأصنام التى لا تضر ولا تنفع ،
كاللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى . إنها أشياء فى غاية الحقارة والعجز ، فكيف سويتم بينها
وبين الخالق - عز وجل - فى العبادة ، وكيف أبحتم لأنفسكم تعظيمها ، وزعمتم أنها بنات
الله .. ؟.
فالمقصود بالاستفهام التعجيب من أحوالهم ، والتجهيل لعقولهم .
ويصح أن تكون الرؤية فى قوله - سبحانه - ﴿ أفرأيتم﴾ بصرية، فلا تحتاج إلا لمفعول
واحد . أى : انظروا بأعينكم إلى تلك الأصنام ، التى من أشهرها : اللات والعزى ومناة
الثالثة الأخرى ، أترونها تملك الدفاع عن نفسها فضلا عن غيرها ؟ إنها لا تملك شيئا ، فكيف
عظمتموها مع حقارتها وعجزها ؟ .
والاستفهام - أيضا - للتهكم بهم ، والتعجيب من تفكيرهم السقيم .
قال الآلوسي: والظاهر أن ((الثالثة الأخرى)) صفتان لمناة. وهما على ما قيل للتأكيد ..

٦٩
سورة النجم
وقال بعض الأجلة : الثالثة للتأكيد . و﴿ الأخرى ﴾ للذم بأنها متأخرة فى الرتبة ، وضيعة
المقدار ..
والكلام خطاب لعبدة هذه المذكورات ، وقد كانوا مع عبادتهم لها يقولون : إن الملائكة
- عليهم السلام - وتلك المعبودات الباطلة ، بنات اللّه . - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا
فقيل لهم توبيخا وتبكيتا: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ..... ﴾ الخ(١).
وقوله - سبحانه -: ﴿ ألكم الذكر وله الأنثى . تلك إذا قسمة ضيزى ﴾ توبيخ آخر لهم
على جهلهم ، وبيان لسبب التوبيخ والتهكم ..
ولفظ ((ضيزى)) بمعنى جائرة وظالمة . يقال : ضاز فلان فى حكمه ، إذا جار وظلم ولم يراع
القسط فى أقواله وأفعاله ، ويقال : ضاز فلان فلانا حقه ، إذا بخسه ونقصه ..
قال الجمل ما ملخصه: قرأ الجمهور ﴿ضيزى﴾ من ضازه يضيزه . إذا جار عليه ،
فمعنى ((ضيزى)) جائرة . وعلى هذا فتحتمل وجهين : أحدهما أن تكون صفة على
فعلى﴾، - بضم الفاء - وإنما كسرت الفاء لتصح الياء كبيض - جمع أبيض -..
وثانيهما : أن تكون من ضأزه بالهمز كقراءة ابن كثير ، إلا أن الهمزة قد خففت .. ومعنى
ضأزه يضأزه : نقصه .. (٢).
أى: أجعلتم لله - تعالى - البنات ، وجعلتم لأنفسكم البنين ، مع تفضيلكم للبنين على
البنات ، ومع اعترافكم بأن الله - تعالى - هو الخالق لكم ولكل شىء .
إن فعلكم هذا لهو فى غاية الجور والظلم ، لأنكم نسبتم إلى الله - تعالى - وهو خالقكم
ما استنكفتم من نسبته لأنفسكم ..
فأنت ترى أنه - سبحانه - لم يكتف بوصفهم بالكفر ، بل أضاف إلى ذلك وصفهم بالجور
والحمق وانطاس البصيرة .
وجملة: ﴿ تلك إذا قسمة ضيزى ﴾ تعليل للإنكار والتوبيخ المستفاد من الاستفهام فى
قوله : ﴿ ألكم الذكر وله الأنثى ﴾.
وقدم - سبحانه - الجار والمجرور فى قوله: ﴿ ألكم ... ﴾ لإفادة التخصيص .
والإِشارة بتلك تعود إلى القسمة المفهومة من قوله : ﴿ ألكم الذكر وله الأنثى ﴾
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ٦٥ .
(٢) راجع حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٢٣٠ .

٧٠
المجلد الرابع عشر
إذًا﴾ فى قوله: ﴿ تلك إذا .. ﴾ حرف جواب. أى: إن كان الأمر كما زعمتم،
فقسمتكم إذا قسمة جائرة ظالمة .
ثم بين لهم - سبحانه - وجه الحق فى هذه الأصنام فقال: ﴿إن هى إلا أسماء سميتموها
أنتم وآباؤكم ، ما أنزل الله بها من سلطان ... ﴾. أى: ما هذه الأصنام التى عبدتموها من دون
الله ، أوتوهمتم أنها تشفع لكم عنده - تعالى - . ما هى إلا أسماء محضة ، ليس فيها شىء
أصلا من صفات الألوهية ، وأنتم وآباؤكم سميتموها آلهة من تلقاء أنفسكم ، دون أن يكون
معكم على هذه التسمية شىء من الحجة أو الدليل أو البرهان ..
فالضمير ((هى)) يعود إلى اللات والعزى ومناة وغيرها من الآلهة الباطلة .
والمراد بقوله: ﴿ أسماء﴾: أنها ليس لها من الألوهية التى أثبتوها لها سوى اسمها ، وأما
معناها وحقيقتها فهى أبعد ما تكون عن ذلك ..
وجملة ((سميتموها)) صفة للأسماء ، والهاء هى المفعول الثانى ، والمفعول الأول محذوف ،
والتقدير : إن هى إلا أسماء سميتموها الأصنام ، أى : سميتم بها الأصنام .
والمراد بالسلطان: الحجة والدليل، والمراد بالإنزال: الإِخبار بأنها آلهة و«من» مزيدة
لتوكيد عدم الإنزال على سبيل القطع والبت ..
أى: ما أخبر اته - تعالى - عنها بأنها آلهة ، بأى لون من ألوان الإخبار ، ولا توجد
حجة من الحجج حتى ولو كانت واهية تشير إلى ألوهيتها ..
ثم يهمل - سبحانه - خطابهم بعد ذلك ، ويذرهم فى أوهامهم يعمهون ، ويلتفت بالحديث
عنهم حتى كأنهم لا وجود لهم ، فيقول: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ... ﴾.
أى: ما يتبع هؤلاء الجاهلون فى عبادتهم لتلك الآلهة الباطلة ، إلا الظنون الكاذبة ، وإلا
ما تشتهيه أنفسهم الأمارة بالسوء ، وتقليد للآباء بدون تفكر أو تدبر ..
فالمراد بالظن هنا : الظن الباطل الذى يقوم على الاعتقاد الفاسد ، كما فى قوله
- تعالى -: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون﴾.
والتعريف فى قوله - سبحانه -: ﴿وما تهوى الأنفس﴾ عوض عن المضاف إليه.
و﴿ ما﴾ موصولة والعائد محذوف. أى: والذى تهواه أنفسهم التى استحوذ عليها الشيطان ..
وجملة: ﴿ولقد جاءهم من ربهم الهدى) حالية من فاعل ((يتبعون))، وجىء بها لزيادة
التعجب من حالهم .
أى: هم ما يتبعون إلا الظنون وما تهواه أنفسهم المحجوبة عن الحق ، والحال أنه قد جاء
:

٧١
سورة النجم
إليهم ، ووصل إلى مسامعهم من ربهم ، ما يهديهم إلى الصواب لو كانوا يعقلون .
وأكد - سبحانه - هذه الجملة بلام القسم وقد ، لتأكد الخبر ، ولزيادة التعجب من أحوالهم
التى بلغت الغاية فى الغرابة ..
والتعبير بقوله: ﴿ جاءهم ﴾ يشعر بأن الحق قد وصل إليهم بدون عناء منهم، ولكنهم مع
ذلك رفضوه وأعرضوا عنه .
والتعريف فى لفظ ((الهدى)) يدل على كماله وسموه. أى. ولقد جاءهم من ربهم الهدى
الكامل الذى ينتهى بمن يتبعه إلى الفوز والسعادة .
والمراد به: ما جاء به النبى - جزر - من قرآن كريم ومن سنة مطهرة ..
ثم بين - سبحانه - أن شهوات النفس ومطالبها وأمنياتها لا تتحقق إلا فى الإطار الذى
يريده الله - تعالى - لها، فقال: ﴿ أم للإِنسان ما تمنى. فلله الآخرة والأولى﴾.
والاستفهام هنا - أيضاً - للإِنكار، ولإبطال اتباعهم للظنون ولما تهواه أنفسهم ..
أى : إن هؤلاء قد اتبعوا فى ضلالهم وكفرهم الظنون والأوهام ، وما تشتهيه قلوبهم من حب
للرياسة ، ومن تقليد للآباء ، ومن تطلع إلى أن هذه الأصنام ستشفع لهم عند الله - تعالى - ..
مع أن وقائع الحياة وشواهدها التى يرونها بأعينهم ، تدل دلالة واضحة ، على أنه ليس كل
ما يتمناه الإِنسان يدركه ، وليس كل ما يريده يتحقق له .. لأن كل شىء فى هذه الحياة
مرهون بإرادته ومشيئته - سبحانه - وهو - عز وجل - صاحب الدار الآخرة ، وصاحب
الدار الأولى وهى دار الدنيا ، ولا يقع فيها إلا ما يريده ..
فالمقصود من الآيتين الكريمتين ، نفى ما كان يتمناه أولئك المشركون من شفاعة أصنامهم
لهم يوم القيامة ، كما حكى عنهم - سبحانه - ذلك فى قوله: ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى
الله زلفى ... ﴾. ونفى ما كانت تتطلع إليه نفوس بعضهم، من نزول القرآن عليه ، أو من
اختصاصه بالنبوة . فقد حكى - سبحانه - عنهم قولهم: ﴿ .. لولا نزل هذا القرآن على
رجل من القريتين عظيم ﴾(١).
كما أن المقصود بها كذلك ، ترويض النفس البشرية على عدم الجرى وراء ظنونها
وأهوائها ، بل عليها أن تتمسك بالحق ، وأن تعتصم بطاعة الله - تعالى - وأن تباشر الأسباب
التى شرعها - سبحانه - ، ثم بعد ذلك تترك النتائج له يسيرها كيف يشاء ، فإن له الآخرة
والأولى .
(١) سورة الزخرف الآية ٣١.

٧٢
المجلد الرابع عشر
وقدم - سبحانه - الجار والمجرور فى قوله : ﴿ أم للإِنسان ما تمنى ﴾ لإفادة أن هذا التمنى
هو محط الإِنكار ، وأن الإنسان العاقل هو الذى لا يجرى وراء أمنياته ، وإنما هو الذى يسعى
إلى تحقيق ما أمره الله - تعالى - به من تكاليف .
وقدم - سبحانه - الآخرة على الأولى ، لأنها الأهم ، إذ نعيمها هو الخالد الباقى ، أما
شهوات الدنيا وملذاتها ، فهى مهما كثرت ، زائلة فانية .
ثم بين - سبحانه - أن الملائكة مع سمو منزلتهم ، وشدة حرصهم على طاعة الله
- تعالى -، لا يملكون الشفاعة لأحد إلا بإذنه - عز وجل - فقال: ﴿وكم من ملك فى
السموات ، لا تغنى شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ﴾.
و ((كم)) هنا خبرية بمعنى كثير، وهى فى موضع رفع على الابتداء، وخبرها جملة، (( لا
تغنى شفاعتهم ... )) وهى وإن كانت مفردة لفظا ، إلا أنها فى معنى الجمع ..
أى : وكثير من الملائكة المقربين لدينا فى السموات العلا ، لا تغنى شفاعتهم عندنا شيئا من
الأشياء . إلا من بعد أن يأذن الله - تعالى - لهم فيها ، لمن يشاء أن يشفعوا له ، ويرضى
- سبحانه - عن هذا المشفوع له .
فالآية الكريمة من قبيل ضرب المثل للمشركين، الذين توهموا أن أصنامهم ستشفع لهم،
وكأنه - سبحانه - يقول لهم : إذا كان الملائكة مع سمو منزلتهم عندنا لا يشفعون إلا بإذننا ،
ولمن نرضى عنه ... فكيف وصل بكم الجهل والحمق - أيها المشركون - إلى توهم أن أصنامكم
- مع خستها وحقارتها - ستشفع لكم عندنا ؟ .
وقوله: ﴿فى السموات) صفة ((لملك)) والمقصود بهذه الصفة التشريف والتكريم.
وقوله : ﴿شيئا﴾ التنكير فيه للتقليل والتعميم ، وهو فى موقع المفعول المطلق.
أى : لا تغنى شفاعتهم شيئا من الإِغناء حتى ولو كان فى غاية القلة ..
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له .. ﴾(١).
(٢)
وقوله - سبحانه -: ﴿ .. ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، وهم من خشيته مشفقون
٠
وهذه الآيات الكريمة بجانب تيئيسها للكافرين من الحصول على أية شفاعة ، لأنهم ليسوا
ممن رضى الله عنهم ، تدعو المؤمنين إلى مواصلة المحافظة على أداء حقوقه - سبحانه - ،
(١) سورة سبأ الآية ٢٣ .
(٢) سورة الأنبياء الآية ٢٨ .

٧٣
سورة النجم
لينالوا رضاه عنهم يوم القيامة ، وليكونوا أهلا للحصول على الشفاعة التى يبغونها .
ثم عادت السورة إلى ذم الكافرين الذين وصفوا الملائكة بصفات لا تليق بهم . فقال
- تعالى - : ﴿ إن الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ وما فيها من حساب وجزاء وثواب
وعقاب .. ﴿ ليسمون الملائكة تسمية الأنثى)، أى: ليصفون الملائكة بوصف الإناث
فيقولون: الملائكة بنات اللّه كما قال - تعالى -: ﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن
إناثا أشهدوا خلقهم ، ستكتب شهادتهم ويسألون ﴾(١) .
ولفظ: ((الملائكة)) هنا فى معنى استغراق كل فرد ، أى : ليسمون كل واحد منهم
ويصفونه بصفة الأنوثة .
وقوله - سبحانه: ﴿ وما لهم به من علم، إن يتبعون إلا الظن ... ﴾ رد عليهم فيما
قالوه، وتجهيل لهم فيما زعموه، والجملة حال من ضمير ((ليسمون)).
أى : إنهم ليصفون الملائكة بالأنوثة ، والحال أنهم لاعلم لهم بتكوين هؤلاء الملائكة ، أو
بصفتهم .. وإنما يتبعون الظن الباطل فى أقوالهم وأحكامهم ..
.. وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا ﴾ أى: وإن الظن الباطل، والاعتقاد الخاطىء
لا يغنى فى معرفة الحق شيئا ، حتى ولو كان هذا الشىء قليلا ، لأن العقائد السليمة ، لا تبنى
على الظنون والأوهام ، وإنما تبنى على الحقائق الراسخة والعلوم الثابتة .
وأظهر - سبحانه - لفظ الظن هنا ، مع تقدم ذكره لتكون الجملة مستقلة بنفسها ،
ولتكون - أيضا - بمثابة المئل الذى يقال فى الموضع الذى يناسبه .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد وبخت المشركين على شركهم بأسلوب منطقى
سليم ، حيث ساقت لهم الحقائق فى أسلوب يغلب عليه طابع الموازنة والمقارنة ، والاستشهاد
بالواقع ، ووضع أيديهم على أماكن الدواء ، لو كانوا ممن يريدونه ، ويبحثون عنه .
وبعد هذا البيان الحكيم الذى يحق الحق ، ويبطل الباطل ، أمر الله - تعالى - نبيه
- * - أي يمضى فى طريقه الذى رسمه - سبحانه - له ، وأن يترك حساب هؤلاء الضالين
الله - تعالى - الذى يجازى كل نفس بما كسبت ، والذى يعلم السر وأخفى ، والذى رحمته
وسعت كل شىء .. فقال - تعالى - :
( ١) سورة الزخرف الآية ١٩ .

٧٤
المجلد الرابع عشر
فَأَعْرِضِ عَنْ مَّن قَوَلَّى عَن ذِكْرِنَاوَلَُّرِدْ إِلَّا الْحَيَوَةَ
الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمَّ إِنَّ رَبِّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَن
سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ أَهْتَدَى ◌َ ، وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا
فِ اَلْأَرْضِ لِيَجْزِىَ الَّذِينَأَسَنُواْبِمَا عَمِلُوا وَنَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ
بِالْحُسْنَى ◌َ الَّذِينَ يَحْتَلِبُونَ كَبَهِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّ اللَّمَ
إِنَّ رَبَّكَ وَسِعُ الْمَغْفِرَةَّهُوَأَعْلَمُ بِكُمْ إِذْأَ نشَأَ كُمِنَ الْأَرْضِ
وَإِذْأَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ فَلَا تُزَّكُوا أَنْفُسَكُمْ هُوَأَعْلَمُ
٣٢
بِمَنِ آَتّقى
والفاء فى قوله : ﴿ فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ﴾ للإفصاح ..
وأصل الإِعراض : لفت الوجه عن الشىء ، لأن الكاره لشىء يعرض بصفحة خده عنه .
والمراد به هنا : ترك هؤلاء المشركين ، وعدم الحرص على إيمانهم ، بعد أن وصلتهم دعوة
الحق .. أى: إذا كان الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - من أن هؤلاء المشركين،
ما يتبعون فى عقائدهم إلا الظن الباطل ، وإلا ما تشتهيه أنفسهم .
فاترك مجادلتهم ولا تهتم بهم ، بعد أن بلغتهم رسالة ربك .. فإنهم قوم قد أصروا على
عنادهم . وعلى الإِدبار عن وحينا وقرآننا الذى أنزلناه إليك ، ولم يريدوا من حياتهم إلا التشبع
من زينة الحياة الدنيا ، ومن شهواتها ومتعها ..
ومن كان كذلك فلن تستطيع أن تهديه ، لأنه آثر الغى على الرشد ، والضلالة على الهداية .
وجىء بالاسم الظاهر فى مقام الإِضار، فقيل : ﴿ فأعرض عمن تولى عن ذكرنا﴾ ولم
يقل : فأعرض عنهم .. لبيان ما تؤذن به صلة الموصول من علة الأمر بالإِعراض عنهم ، وهى
أنهم قوم أعرضوا عن الوحى ، ولم يريدوا سوى متع دنياهم ، وأما ما يتعلق بالآخرة فهم فى
غفلة عنه .
وقوله: ﴿ ذلك مبلغهم من العلم﴾ تسلية له - رَّله - عما أصابه منهم ، وتحقير لهم

٧٥
سورة النجم
ولأفكارهم ، وتهوين من شأنهم .. أى : ذلك الذى تراه منهم من التولى عن قرآننا ، ومن
الحرص على عرض الحياة الدنيا ، منتهى علمهم ، ولا علم سواه ..
فاسم الإشارة ((ذلك)) يعود إلى المفهوم من الكلام السابق وهو توليهم عن القرآن
الكريم ، وتكالبهم على الحياة الدنيا ..
وفى هذه الجملة المعترضة ما فيها من تحقير أمرهم ، ومن الازدراء بعلمهم الذى أدى بهم إلى
إيثار الشر على الخير ، والعاجلة على الآجلة ..
وقوله - سبحانه -: ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ... ﴾ تعليل للأمر
بالإِعراض عنهم، والإهمال لشأنهم، وتسلية أخرى له - الز - .
أى : امض - أيها الرسول الكريم - فى طريقك ، وأعرض عن هؤلاء الجاحدين
المعاندين ، الذين أصروا على عدم الاستجابة لك ، بعد أن سلكت معهم كل وسيلة تهديهم إلى
الحق .. إن ربك - أيها الرسول الكريم - هو أعلم بمن أصر من الناس على الضلال ، وهو
- سبحانه - أعلم بمن شأنه الاهتداء ، والاستجابة للحق ..
والمراد بالعلم هنا لازمه ، أى : ما يترتب عليه من ثواب وعقاب ، ثواب للمؤمنين ،
وعقاب للكافرين .
وكرر - سبحانه - قوله ﴿ هو أعلم ﴾ لزيادة التقرير، والمراد بمن ضل: من أصر على
الضلال ، وبمن اهتدى : من عنده الاستعداد لقبول الحق والهداية .
وقدم - سبحانه - من ضل على من اهتدى هنا ، لأن الحديث السابق واللاحق معظمة عن
المشركين ، الذين عبدوا من دون الله - تعالى - أصناما لا تضر ولا تنفع ..
وضمير الفصل فى قوله - سبحانه - ﴿ هو أعلم ﴾ لتأكيد هذا العلم ، وقصره عليه
- سبحانه - قصرا حقيقيا ، إذ هو - تعالى - الذى يعلم دخائل النفوس ، وغيره لا يعلم .
ثم بين - سبحانه - ما يدل على شمول ملكه لكل شىء فقال: ﴿ولله ما فى السموات
وما فى الأرض .. ﴾. أى: ولله - تعالى - وحده جميع ما فى السموات وما فى الأرض
خلقا ، وملكا ، وتصرفا ..
واللام فى قوله : ﴿ ليجزى الذين أساءوا بما عملوا، ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى
متعلقة بمحذوف يدل عليه الكلام السابق.
أى : فعل ما فعل - سبحانه - من خلقه السموات والأرض وما فيها ، ليجزى يوم

٧٦
المجلد الرابع عشر
القيامة ، الذين أساءوا فى أعمالهم بما يستحقونه من عقاب ، وليجزى الذين أحسنوا فى أعمالهم
بما يستحقونه من ثواب .
وقوله : ﴿ بالحسنى ﴾ صفة لموصوف محذوف، أى: بالمثوبة الحسنى التى هى الجنة .
وقوله : ﴿ الذين يجتنبون كبائر الإِثم والفواحش إلا اللمم .. ﴾ صفة لقوله: ﴿الذين
أحسنوا ﴾ أو بدل منه .
والمراد بكبائر الإِثم : الآثام الكبيرة ، والجرائم الشديدة ، التى يعظم العقاب عليها . كقتل
النفس بغير حق ، وأكل أموال الناس بالباطل ..
والفواحش : جمع فاحشة ، وهى ما قبح من الأقوال والأفعال كالزنا ، وشرب الخمر ..
وعطفها على كبائر الإثم من باب عطف الخاص على العام ، لأنها أخص من الكبائر ،
وأشد إثما .
واللمم: ما صغر من الذنوب ، وأصله : ما قل قدره من كل شىء : يقال : ألم فلان
بالمكان ، إذا قل مكته فيه . وألم بالطعام : إذا قل أكله منه .. وقيل : اللمم ، مقاربة الذنب
دون الوقوع فيه ، من قولهم : ألم فلان بالشىء ، إذا قاربه ولم يخالطه ..
وجمهور العلماء على أن الاستثناء هنا منقطع ، وأن اللمم هو الذنوب الصغيرة ، كالنظرة
الخائنة ولكن بدون مداومة ، والإكثار من الممازحة ..
قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: ((واللمم)): صغائر الذنوب، ومحقرات الأعمال ، وهذا
استثناء منقطع ..
قال الإِمام أحمد : عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال : ما رأيت شيئا أشبه باللهم ،
مما قال أبو هريرة، عن النبى - و18َ - قال: ((إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا،
أدرك ذلك لا محالة ، فزنا العين النظر ، وزنا اللسان النطق ، والنفس تتمنى وتشتهى ، والفرج
يصدق ذلك أو يكذبه )).
وعن مجاهد أنه قال فى هذه الآية ﴿ إلا اللمم ﴾ الذى يلم بالذنب ثم يدعه ، كما قال
الشاعر :
إن تغفر اللهم تغفر جما وأى عبدلك ما ألما(١)
ومن العلماء من يرى أن الاستثناء هنا متصل ، وأن المراد باللمم ارتكاب شىء من
الفواحش ، ثم التوبة منها توبة صادقة نصوحا ..
. (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٥٥ .

٧٧
سورة النجم
فعن الحسن أنه قال: اللمم من الزنا أو السرقة أو شرب الخمر ، ثم لا يعود ... (١).
ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب ، لأن العلماء قسموا الذنوب إلى كبائر
وصغائر ، وأن اللمم من النوع الثانى الذى لا يدخل تحت كبائر الإِثم والفواحش .
قال صاحب الكشاف : واللمم : ماقل وصغر ... والمراد به الصغائر من الذنوب ، ولا يخلو
قوله - تعالى - ﴿ إلا اللمم ﴾ من أن يكون استثناء منقطعا .. كأنه قيل: كبائر الإثم غير
اللمم (٢) .
وليس المقصود من قوله - تعالى -: ﴿إلا اللمم﴾ فتح الباب لارتكاب صغائر
الذنوب ، وإنما المقصود فتح باب التوبة ، والحض على المبادرة بها ، حتى لا ييأس مرتكب
الصغائر من رحمة الله - تعالى - وحتى لا يمضى قدما فى ارتكاب هذه الصغائر ، إذ من المعروف
أن ارتكاب الصغائر ، قد يجر إلى ارتكاب الكبائر .
كذلك من المقصود بهذا الاستثناء أن لا يعامل مرتكب الصغائر ، معاملة مرتكب الكبائر .
هذا ، وقد أفاض الإِمام الألوسى فى الحديث عن الكبائر والصغائر ، فقال : والآية عند
الأكثرين دليل على أن المعاصى منها الكبائر ، ومنها الصغائر ..
وأنكر جماعة من الأئمة هذا الانقسام ، وقالوا : سائر المعاصى كبائر .
ثم قال : واختلف القائلون بالفرق بين الكبائر والصغائر فى حد الكبيرة فقيل : هى كل
ما لحق صاحبها عليها بخصوصها وعيد شديد ، بنصّ كتاب أو سنة ..
وقيل : كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ، ورقة الديانة .
واعتمد الواحدى أنه لا حد لها يحصرها ويعرفها العباد به ، وقد أخفى الله - تعالى -
أمرها ليجتهدوا فى اجتناب المنهى عنه، رجاء أن تجتنب الكبائر .. (٣).
وقوله - سبحانه -: ﴿ إن ربك واسع المغفرة ... ﴾ تعليل لاستثناء اللمم، وتنبيه على
أن إخراجه عن حكم المؤاخذة ، ليس لخلوه عن الذنب فى ذاته ، بل لسعة رحمة الله ومغفرته .
أى: إن ربك - أيها الرسول الكريم - واسع المغفرة والرحمة ، لعباده الذين وقعوا فيما
نهاهم عنه - سبحانه - ثم تابوا إليه توبة صادقة نصوحا .
ثم بين - سبحانه - أن هذه الرحمة الواسعة ، صادرة عن علم شامل للظواهر والبواطن ،
(١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٥٦ .
(٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٢ .
(٣) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ٦١ .
.

٧٨
-٠٠
المجلد الرابع عشر
فقال: ﴿ هو أعلم بكم ، إذ أنشأكم من الأرض ، وإذ أنتم أجنة فى بطون أمهاتكم ... ﴾.
والظرف ((إذ)) متعلق بقوله ﴿أعلم﴾ والأجنة: جمع جنين، ويطلق على ما يكون
بداخل الأرحام قبل خروجه منها .
وسمى بذلك، لأنه يكون مستترا فى داخل الرحم ، كما قال - تعالى -: ﴿ يخلقكم فى
بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق فى ظلمات ثلاث .. ﴾(١) .
أى : هو - سبحانه - أعلم بكم من وقت إنشائه إياكم من الأرض ، ضمن خلقه لأبيكم
آدم ، ومن وقت أن كنتم أجنة فى بطون أمهاتكم ، يعلم أطواركم فيها ، ويرعاكم برحمته ، إلى
أن تنفصلوا عنها .
وقال - سبحانه - ﴿ فى بطون أمهاتكم﴾ مع أن الجنين لا يكون إلا فى بطن أمه،
للتذكير برعايته - تعالى - لهم ، وهم فى تلك الأطوار المختلفة من وقت العلوق إلى حين
الولادة ، وللحض على مداومة شكره وطاعته .
وقوله - تعالى -: ﴿ فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ﴾ تحذير من التفاخر بالأعمال
والأحساب والأنساب ، لأنه - سبحانه - لا يخفى عليه شىء من أحوال الناس ، والفاء
للتفريع على ما تقدم . أى : إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من عدم مؤاخذتى إياكم على اللمم ،
فإن ذلك بسبب سعة رحمتى ، فلا تمدحوا أنفسكم بأنكم فعلتم كذا وكذا من الأفعال الحسنة ،
بل اشكرونى على سعة رحمتى ومغفرتى ، فإنى أنا العليم بسائر أحوالكم ، الخبير بالظواهر
والبواطن للأتقياء والأشقياء .
قالوا : والآية نزلت فى قوم من المؤمنين ، كانوا يعملون أعمالا حسنة ، ثم يتفاخرون بها .
قال صاحب الكشاف : قوله : ﴿ فلا تزكوا أنفسكم ... ﴾ أى فلا تنسبوها إلى زكاء
العمل ، وزيادة الخير . وعمل الطاعات ، أو إلى الزكاء والطهارة من المعاصى ، ولا تثنوا
عليها واهضموها فقد علم الله الزكى منكم والتقى أولا وآخرا ، قبل أن يخرجكم من صلب
آدم ، وقبل أن تخرجوا من بطون أمهاتكم .
وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء ، فأما من اعتقد أن ما عمله من العمل
الصالح ، من الله وبتوفيقه وتأييده . ولم يقصد به التمدح ، لم يكن من المزكين لأنفسهم ، لأن
المسرة بالطاعة طاعة ، وذكرها شكر الله - تعالى -(٢).
(١) سورة الزمر الآية ٦ .
(٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٢٣ .
-

٧٩
سورة النجم
وقال الآلوسى: والمراد النهى عن تزكية السمعة أو المدح للدنيا ، أو التزكية على سبيل
القطع ، وأما التزكية لإِثبات الحقوق ونحوه - كالإِخبار عن أحوال الناس بما يعلم منهم
وجربوا فيه من ثقة وعدالة فهى جائزة(١).
وبعد هذا التوجيه الحكيم للنفوس البشرية ، والبيان البديع لمظاهر رحمة الله - تعالى -
بعباده بعد ذلك أخذت السورة فى الحديث مرة أخرى عن الكافرين . وفى الرد على شبهاتهم ،
وفى بيان مظاهر قدرته - تعالى - فقال - سبحانه - :
أَفَرَءَيْتَ الَّذِى تَوَلَّى ﴿ وَأَعْطَى قَلِيلًاً وَأَكْدَى
أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىَّ( ٥) أَمْلَمْ يُكَأْبِمَا فِ صُحُفِ
٣٤
مُوسَى ﴾ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِى وَفَّى ◌َ أَلَّانَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَأُخْرَى
٣٨
وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّ مَا سَعَى ، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ
يُرَىْ ، ثُمَ يُجْزَفَهُ الْجَزَآءَ الْأَوْنَى ﴾ وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنَهَى
٤٤
وَأَنَّهُهُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ◌ْ وَأَنَّهُ, هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا.
و
٤٢
وَنَّهُ, خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى ٥ٌ مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ﴾ وَأَنَّ
عَلَيْهِالتَّشْأَةَ الْأُخْرَىِ (٥) وَأَنَهُ, هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى ، وَأَنَّهُ هُوَرَبُّ
الشِّعْرَى ، وَأَنَّهُ: أَهْلَكَ عَادًا اُلْأُولَى هُ وَثَمُودَأَفَا أَبْقَى
٥
وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥)، وَالْمُؤْنَفِكَةَ
أَهْوَى {®، فَفَشَّهَا مَا غَشَى ◌ْ، فَأَتِّءَالَآءِ رَبِّكَ نَتَمَارَى
هَذَا نَذِيِرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَّ نْ أَزِفَتِ الْأَزِفَةُ ، لَيْسَ لَهَا مِن
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ٦٤ .

٨٠
المجلد الرابع عشر
دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةُ ٥) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ، وَتَضْحَكُونَ
وَلَا تَبْكُونَ ﴿ وَأَنْتُمْ سَمِدُونَ (١) فَتَّجُدُ وْلِلَّهِ وَأَعْبُدُوا ها
(٦٢
ذكر المفسرون روايات فى سبب نزول قوله - تعالى -: ﴿ أفرأيت الذى تولى . وأعطى
قليلا وأكدى﴾ منها: أنها نزلت فى الوليدبن المغيرة، كان قد سمع قراءة النبى - ال ال18 - ،
وجلس إليه ووعظه ، فَهُمَّ أن يدخل فى الإِسلام . فعاتبه رجل من المشركين ، وقال له : أتترك
ملة آبائك ؟ ارجع إلى دينك ، واثبت عليه ، وأنا أتحمل عنك كل شىء تخافه فى الآخرة ، لكن
على أن تعطينى كذا وكذا من المال .
فوافقه الوليد على ذلك ، ورجع عماهم به من الدخول فى الإِسلام ، وأعطى بعض المال
لذلك الرجل ، ثم أمسك عن الباقى ، وبخل به، فأنزل الله - تعالى - هذه الآيات .. (١) .
والاستفهام فى قوله - تعالى -: ﴿أفرأيت .... ﴾ للتعجيب من حال هذا الإِنسان ، الذى
أعرض عن الحق ، بعد أن عرف الطريق إليه .
أى : أفرأيت - أيها الرسول الكريم - حالا أعجب من حال هذا الإِنسان الذى تولى
عن الهدى ، ونبذه وراء ظهره ، بعد أن قارب الدخول فيه .
وأعطى قليلا﴾ من العطاء ﴿وأكدى﴾ أى ثم قطع هذا العطاء.
قال صاحب الكشاف: ﴿وأكدى﴾ أى: وقطع عطيته وأمسك، وأصله إكداء الحافر،
وهو أن تلقاه كديه ، وهى صلابة كالصخر فيمسك عن الحفر .. (٢).
والمراد به هنا : ذمه بالبخل والشح ، بعد ذمه بالتولى عن الحق .
أعنده علم الغيب فهو يرى ﴾ أى : أعند هذا الإِنسان الذى أعرض عن الرشد ، علم
الغيوب المستترة عن الأعين والنفوس ، فهو وحده يراها ، ويطلع عليها ويعلم أن فى إمكان
الغير أن يحمل عنه أوزاره وذنوبه يوم القيامة ؟ .
كلا ، إنه لا علم عنده بشىء من ذلك ، وإنما هو قد ارتد على أعقابه ، لانطاس بصيرته .
بعد أن قارب الرشد والصواب .
فالاستفهام فى قوله: ﴿ أعنده علم الغيب ... ﴾ للنفى والإِنكار.
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ٦٥ .
( ٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٣ .