النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
سورة الطور
جزاء الخير ، فأما الصبر على العذاب الذى هو الجزاء ، ولا عاقبة له ولا منفعة ، فلا مزية له
على الجزع(١) .
وكعادة القرآن الكريم فى المقارنة بين سوء عاقبة المكذبين ، وحسن عاقبة المؤمنين ، جاء
الحديث عن المتقين ، بعد الحديث عن الكافرين ، فقال - تعالى - :
فَكِهِينَ بِمَاءَانَنْهُمْرَبُّهُ
١٧
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَنَعِيمٍ ﴿
وَوَقَهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ كُلُواْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيَتَأْبِمَا
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿ مُتَّكِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَجْنَاهُم
بِحُورِ عِينٍ ﴿﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَأَنَّعَنْهُمْ ذُرِيَّفُهُمْ بِمَنٍ أَلْقْنَا
بِهِمْ ذُرِيََّهُمْ وَمَا أَنْتَهُمْ مِنْ عَمَلِهِم ◌ِنْ شَىَّءٍ كُلُّ أَمْرِيٍ بِمَا كَسَبَ
رَهِينٌ ﴿ وَأَمْدَدْنَهُمْ بِفَكِهَةٍ وَلَحْرٍ مَِّّا يَشْتَهُونَ ﴿٦) يَنْتَزَّعُونَ
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ عِلْمَانٌ
٣
فِيَهَا كَأْسَالَّا لَغْوٌ فِبهَا وَلَا تَأْثِيمٌ
لَهُمْ كَنَهُمْ لُوْلٌ مَّكْتُونٌ ﴿٢) وَأَقْلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ مَسَلَّلُونَ
﴿ قَالُواْإِنَّا كُتَّا قَبْلُ فِى أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ﴿ فَمَنَّ اللَّهُ
إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ
٢٧
عَلَيْنَا وَوَقَنَا عَذَابَ السَّمُومِ
نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّالرَّحِيمُ (@)
المعنى : ﴿ إن المتقين﴾ الذين صانوا أنفسهم عن كل ما نهى الله - تعالى - عنه.
: فى جنات﴾ عظيمة وفى ﴿ نعيم﴾ دائم لا ينقطع. ﴿ فاكهين﴾ أى: متلذذين
متنعمين بما يحيط بهم من خيرات ، مأخوذ من الفكاهة - بفتح الفاء - وهى طيب العيش مع
(١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٤٠٩ .

٤٢
المجلد الرابع عشر
النشاط ، يقال : فكه الرجل فكَها ، وفكاهة فهو فكِه وفاكه . إذا طاب عيشه ، وزاد
سروره ، وعظم نشاطه ، وسميت الفاكهة بهذا الاسم لتلذذ الإِنسان بها .
بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم ﴾ أى متلذذين بسبب ما آتاهم ربهم من
جنات عظيمة ، ووقاهم - سبحانه - بفضله ورحمته العذاب الذى يؤلمهم .
ويقال لهم فضلا عن ذلك على سبيل التكريم: ﴿ كلوا واشربوا هنيئا ﴾ أى: كلوا أكلا
مريئًا ، واشربوا شربا هنيئا . والهنىء من المأكول والمشروب : مالا يلحقه تعب أو سوء
عاقبة .
وقوله : ﴿ متكئين على سرر مصفوفة) منصوب على الحال من فاعل ﴿ كلوا﴾ أو من
الضمير المستكن فى قوله ﴿ جنات ﴾.
أى : هم فى جنات عظيمة ، حالة كونهم متكئين فيها على سرر موضوعة على صفوف
منتظمة ، وعلى خطوط مستوية ، والسُّررُ: جمع سرير وهو ما يجلس عليه الإِنسان للراحة .
وقوله: ﴿وزوجناهم بحور عين﴾ بيان لنعمة أخرى من النعم التى يتلذذون بها .
أى : وفضلا عن كل ذلك ، فقد زوجناهم بنساء جميلات .
وبذلك نرى أن هؤلاء المتقين ، قد أكرمهم الله - تعالى - بكل أنواع النعيم ، من مسكن
طيب ، ومأكل كريم ، ومشرب هنىء ، وأزواج مطهرات من كل سوء .
ثم بين - سبحانه - أنواعا أخرى من تكريمه - تعالى - لهم، فقال: ﴿والذين آمنوا
واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ، وما ألتناهم من عملهم من شىء ﴾ .
والآية الكريمة بيان لحال طائفة من أهل الجنة - وهم الذين شاركتهم ذريتهم الأقل عملا
منهم فى الإِيمان - إثر بيان حال المتقين بصفة عامة .
والاسم الموصول مبتدأ، وخبره جملة ﴿ ألحقنا بهم ذريتهم﴾. والمراد بالذرية هنا:
ما يشمل الآباء والأبناء وقوله: ﴿واتبعتهم﴾ معطوف على ﴿آمنوا). وقوله
بإيمان﴾ متعلق بالاتباع، والباء للسببية أو بمعنى فى .
ومعنى: ﴿ ألتناهم﴾ أنقصناهم. يقال: فلان أَلَتَ فلانا حقه يألِتُّه - من باب ضرب -
إذا بخسه حقه .
والمعنى : والذين آمنوا بنا حق الإِيمان واتبعتهم ذريتهم فى هذا الإِيمان ، ألحقنا بهم ذريتهم ،
بأن جمعتاهم معهم فى الجنة ، وما نقصنا هؤلاء المتبوعين شيئا من ثواب أعمالهم ، بسبب إلحاق
ذريتهم بهم فى الدرجة ، بل جمعنا بينهم فى الجنة . وساوينا بينهم فى العطاء - حتى ولو كان

٤٣
سورة الطور
.
بعضهم أقل من بعض فى الأعمال - فضلا منا وكرما .
قال الإِمام ابن كثير : يخبر - تعالى - عن فضله وكرمه ، وامتنانه ولطفه بخلقه وإحسانه :
أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذرياتهم فى الإِيمان ، يلحقهم بآبائهم فى المنزلة وإن لم يبلغوا عملهم ، لتقر
أعين الآباء بالأبناء عندهم فى منازلهم ، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه ، بأن يرفع الناقص
العمل بكامل العمل ، ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته . للتساوى بينه وبين ذاك . ولهذا قال :
ألحقنا بهم ذريتهم ، وما ألتناهم من عملهم من شىء ﴾ .
عن ابن عباس قال: إن الله ليرفع ذرية المؤمن فى درجته، وإن كانوا دونه فى العمل ، لتقر
بهم عينه ، ثم قرأ هذه الآية .
وفى رواية أخرى عنه قال - عندما سئل عن هذه الآية - : هم ذرية المؤمنين يموتون على
الإِيمان ، فإن كانت منازل آبائهم أرفع من منازلهم ألحقوا بآبائهم ، ولم ينقصوا من أعمالهم التى
عملوها شيئاً(١) .
وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى تنكير الإيمان ؟ قلت : معناه الدلالة على أنه
إيمان خاص عظيم المنزلة ، ويجوز أن يراد : إيمان الذرية الدانى المحل ، كأنه قال : بشىء من
الإِيمان ، لا يؤهلهم لدرجة الآباء ألحقناهم بهم (٢) .
قال الجمل : والذرية هنا تصدق على الآباء والأبناء ، فإن المؤمن إذا كان عمله الصالح
أكثر ألحق به من هو دونه فى العمل أبا كان أو ابنا ، وهذا منقول عن ابن عباس وغيره .
وعن ابن عباس - أيضا - يرفعه إلى النبى - # - قال: ((إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنة،
سأل أحدهم عن أبويه وعن زوجته وولده ، فيقال: إنهم لم يدركوا ما أدركت ، فيقول : يارب
إنى عملت لى ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به))(٣) .
وقوله : ﴿ كل امرىء بما كسب رهين﴾ أى: كل إنسان مرهون بعمله عند الله
- تعالى - فإن كان عمله صالحا سعد وفاز، وأطلق نفسه من كل ما يسوؤها ويحزنها ، وإن
كان غير ذلك جوزى على حسب عمله وسعيه .
والتعبير بقوله ﴿رهين ﴾ للإشعار بأن كل إنسان مرتهن بعمله، حتى لكأن العمل بمنزلة
الدَّيْن ، وأن الإنسان لا يستطيع الفكاك منه إلا بعد أدائه .
( ١ ) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٤٠٨ .
( ٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٤١١ .
(٣) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٢١٦ .

٤٤
المجلد الرابع عشر
ثم بين - سبحانه - جانبا آخر من مظاهر فضله على عباده المؤمنين فقال : ﴿ وأمددناهم
بفاكهة ولحم مما يشتهون ﴾. أى : وأمددنا هؤلاء المؤمنين - على سبيل الزيادة عما عندهم
بفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وبلحم لذيذ تشتهيه نفوسهم .
يتنازعون فيها كأسا ﴾ أى : يتجاذبون على سبيل المداعبة ، ويتعاطون على سبيل
التكريم ، الأوانى المملوءة بالخمر التى هى لذة للشاربين .
﴿ لا لغو فيها ولا تأثيم﴾ أى: لا يصدر منهم فى أعقاب شربهم لتلك الخمر، ما جرت
به العادة فى أعقاب شرب خمر الدنيا ، من أن الشارب لها يصدر منه كلام ساقط لا خير فيه ،
ويأتى من الأقوال والأفعال ما يعاقب عليه . ويرتكب الإِثم بسببه .
قال صاحب الكشاف: ﴿لا لغو فيها﴾ أى: فى شربها ﴿ولا تأثيم ﴾ أى:
لا يتكلمون فى أثناء الشرب بسقط الحديث ، ومالا طائل تحته ، كفعل المتنادمين فى الدنيا على
الشراب فى سفههم وعربدتهم ، ولا يفعلون ما يؤثم به فاعله ، أى : ينسب إلى الإِثم لو فعله
فى دار التكليف من الكذب والشتم والفواحش ، وإنما يتكلمون بالحكم وبالكلام الحسن
متلذذين بذلك ، لأن عقولهم ثابتة غير زائلة وهم حكماء علماء(١) .
﴿ ويطوف عليهم غلمان لهم ﴾ أى: ويطوف عليهم بتلك الكئوس المليئة بالخمر ، غلمان
لهم ، لكى يكونوا فى خدمتهم .
كأنهم لؤلؤ مكنون ﴾ أى: كأن هؤلاء الغلمان فى صفائهم ونقائهم ، لؤلؤ مصون ومحفوظ
فى صدفه لم تتله الأيدى .
يقال : كَنْتُ الشىء كَنَّا وكُنُونًا، إذا جعلته فى كِنِّ، وسترته عن الأعين .
ثم حكى - سبحانه - تساؤلهم وهم فى الجنة ، فقال : ﴿ وأقبل بعضهم على بعض
يتساءلون﴾ أى: وأقبل بعضهم على بعض وهم فى الجنة ، يسأل أحدهم الآخر عن أحواله
وعن أعماله ، وعن حسن عاقبته .
﴿ قالوا﴾ أى: قال كل مسئول لسائله: ﴿ إنا كنا قبل فى أهلنا مشفقين﴾ أى: إنا
كنا فى الدنيا ونحن نعيش بين أهلنا خائفين من أهوال يوم القيامة ، وكنا نقدم العمل الصالح
الذى نرجو أن ننال بسببه رضا ربنا: فقبل - تعالى - بفضله منا هذا العمل ﴿ فَمَنَّ اللّه
علينا ﴾ أى فتكرم علينا بمغفرته ورضوانه .
( ١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٤١٢ .

٤٥
سورة الطور
ووقانا عذاب السموم ﴾ أى: وأنقذنا من عذاب النار التى تنفذ بحرها وسعيرها، إلى
العظام والمسام ، نفاذ الريح الحارة إلى الأجساد ، فتؤثر فيها تأثير السم فى البدن .
قال صاحب الكشاف : والسموم : الريح الحارة التى تدخل المسام ، فسميت بها نار
جهنم ، لأنها بهذه الصفة .
﴿ إنا كنا من قبل ندعوه .. ﴾ أى: إنا كنا من قبل فى الدنيا ندعوه أن يجنبنا هذا العذاب.
كما كنا - أيضا - نخلص له العبادة والطاعة .
﴿ إنه ﴾ - سبحانه - ﴿هو البر الرحيم﴾ أى: هو المحسن على عباده ، الرحيم
بهم .
فالبر - بفتح الباء - مشتق من البِرِّ - بكسرها - ، بمعنى المحسن ، يقال : بر فلان فى
يمينه ، إذا صدق فيها ، وأحسن أداءها .
وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة ، قد بشرت المتقين ببشارات متعددة ، وذكرت نعما متعددة
أنعم بها - سبحانه - عليهم .
ثم عادت السورة الكريمة مرة أخرى إلى الحديث عن الكافرين، فأمرت النبى - اليها -
أن يمضى فى طريقه دون أن يهتم بأكاذيبهم ، وحكت جانبا من هذه الأكاذيب التى قالوها فى
حقه - وَّلي - ولقنته الجواب المزهق لها .. فقال - تعالى - :
فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ
رَبِّكَ بِكَاهِنِ وَلَا مَجْنُونٍ ﴿ أَمْيَقُولُونَ شَاعِرٌ تََّّصُ بِهِ، رَيْبَ
الْمَنُونِ ﴿ قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّ مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَيِّصِينَ
٣١
أََّأْمُ هُمْ أَ عْلَمُهُمْ بَذَا أَمْهُمْ قَوْمٌ طَاعُونَ ﴿٦) أَ يَقُولُونَ نَقَوَّلَهُ.
ج
بَل لََّ يُؤْمِنُونَ ﴿ فَلَيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِن كَانُواْ صَدِقِين
أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِشَىٍّ أَمْ هُمُ الْخَلِقُونَ أَمْ خَلَقُواْ
٣٤
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَّ بَل لََّ يُوقِنُونَ ﴿٦) أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ

٤٦
المجلد الرابع عشر
رَبِّكَ أَمَّهُمُ الْمُصَيْطِرُونَ ﴿٦) أَمْلَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيْهِ فَلْيَأْتِ
مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانِ مُبِينٍ ﴿١٦) أَمْ لَهُ الْبَتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ:
٣٩
أَمْ تَسْئَلُهُمْأَجْرَّا فَهُمْ مِن ◌َّغْرَمٍ مُّنْقَلُونَ ﴿ أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ
يَكْبُونَ ﴿﴿ أَمْيُرِيدُ ونَ كَيْدٌّفَلَّذِينَ كَفَرُواْهُمُالْمَكِيدُونَ
٤٢
أَ لَهُمْإِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿ وَإِن يَرَوْاْ كِسْفًا
٢
مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًايَقُولُواْ سَحَابٌ مَرَّكُومٌ
٤٤
والفاء فى قوله - سبحانه -: ﴿ فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون ﴾
للإِفصاح . والكاهن : هو الإنسان الذى يزعم أنه يخبر عن الأشياء المغيبة ، والمجنون : هو
الإِنسان الذى سلب عقله ، فصار لا يعى ما يقول .
أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا لك قبل ذلك - أيها الرسول الكريم - فائبت على ما أنت
عليه من التذكير بما أوحينا إليك .. فما أنت بسبب إنعام الله عليك بكاهن ولا مجنون كما يزعم
أولئك الكافرون .
قال الجمل : والباء فى قوله ﴿ بنعمة ربك ﴾ للسببية ، وهى متعلقة بالنفى الذى أفادته
(( ما)) أى: انتفى كونك كاهنا أو مجنونا، بسبب إنعام الله عليك بالعقل الراجح، وعلو
الهمة ، وكرم الفعال ، وطهارة الأخلاق ، وهم معترفون بذلك لك قبل النبوة(١).
ثم أخذت السورة الكريمة فى تقريع هؤلاء الجاهلين بأسلوب استنكارى فيه ما فيه من
التعجب من جهالاتهم . وفيه مافيه من الرد الحكيم على أكاذيبهم ، فساقت أقاويلهم بهذا
الأسلوب الذى تكرر فيه لفظ (( أم)) خمس عشرة مرة ، وكلها إلزامات ليس لهم عنها
جواب . وبدأت بقوله - تعالى - : ﴿أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون . قل تربصوا
فإنى معكم من المتربصين﴾، و((أم)) فى هذه الآيات بمعنى بل والهمزة.
وقوله: ﴿ نتربص﴾ من التربص بمعنى الانتظار والترقب.
وقوله: ﴿ريب المنون﴾ يعنون به: حوادث الدهر التى تحدث له - وَ الله - منها
(١) حاشية الجمل على الجلالية جـ ٤ ص ٢١٧ .

٤٧
سورة الطور
الموت . فالمنون : الدهر ، وريبه : حوادثه التى يصيبه بسببها الهلاك .
أى : بل أيقولون عنك - أيها الرسول الكريم - إنك شاعر ، وأنهم يترقبون موتك لكى
يستريحوا منك . كما استراحوا من الشعراء الذين من قبلك ، كزهير والنابغة .. قل لهم على
سبيل التبكيت والتهديد : تربصوا وترقبوا موتى فإنى معكم من المنتظرين ، وستعلمون أينا
خير مقاما وأحسن عاقبة .
قال الآلوسي: ﴿ نتربص به ريب المنون﴾ أى: الدهر، وهو فعول من المنِّ بمعنى
القطع ؛ لأنه يقطع الأعمال وغيرها ، ومنه حبل مَنِين أى : مقطوع ، والريب : مصدر رابه إذا
أقلقه ، أريد به حوادث الدهر وصروفه ، لأنها تقلق النفوس ، وعبر عنها بالمصدر مبالغة ...
وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس ، تفسيره المنون بالموت .
روى أن قريشا اجتمعت فى دار الندوة، وكثرت آراؤهم فيه - وَّليه - حتى قال قائل
منهم : تربصوا به ريب المنون ، فإنه شاعر سيهلك كما هلك زهير والنابغة والأعشى ، فافترقوا
على هذه المقالة(١).
ثم وبخهم - سبحانه - على غفلتهم وعنادهم فقال: ﴿ أم تأمرهم أحلامهم بهذا ، أم هم
قوم طاغون
والأحلام : جمع حِلْم - بكسر الحاء - والمراد بها هنا : العقول . وكان شيوخ قريش
يدعون بذى الأحلام والنهى .
ويطلق الحلم فى الأصل على ضبط النفس عن هيجان الغضب . وأطلق هنا على العقل
لكونه منشأ له .
أى : بل أتأمرهم عقولهم التى زعموا سلامتها ، بأن يقولوا فى شأنك - أيها الرسول
الكريم - إنك شاعر أم مجنون ؟
لا ، إن أى عقل سليم لم يأمرهم بذلك ، وإنما هم قوم دأبهم الطغيان والعناد وتجاوز الحدود
التى لا يجوز تجاوزها .
والعقول إذا استعملت فى الشرور والآثام ، ضاع رشدها ، وفقدت سلامتها .
ولقد قيل لعمرو بن العاص . رضى الله عنه - : ما بال قومك لم يؤمنوا وهم أصحاب
الأحلام ؟ فقال : تلك عقول كادها الله - تعالى - أى : لم يصحبها التوفيق والرشاد .
(١) تفسير الألوسى جـ ٢٧ ص ٣٦.

٤٨
المجلد الرابع عشر
أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون . فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين ) والتقول :
تكلف القول واختلاقه. وأكثر ما يكون استعمالا فى الكذب، يقال: فلان تقول على فلان، إذا
افترى عليه الكذب . أى : بل أيقولون عنك - أيها الرسول - إنك افتريت هذا القرآن ،
واختلقته من عند نفسك ، لا إنك معصوم عن ذلك ، وأنت ما نطقت إلا بما أوحيناه إليك ،
ولكنهم هم المفترون للكذب عليك ، وما حملهم على ذلك إلا عدم إيمانهم بالحق ، وانغماسهم فى
الباطل ، وإصرارهم على الجحود .
وإذا كان الأمر - كما زعموا - فها هو ذا القرآن أمامهم يسمعون آياته .. فليأتوا بحديث
يشابه القرآن فى بلاغته . وهدايته ، وسمو تشريعاته وآدابه .
وقد تحداهم - سبحانه - فى آيات أخرى أن يأتوا بعشر سور من مثله فقال : ﴿ أم
يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم
صادقين ﴾(١) .
ثم تحداهم سبحانه - أن يأتوا بسورة واحدة من مثله فقال: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا
على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ، وادعو شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين﴾ (٢).
ولكنهم فى جميع مراحل التحدى ، وقفوا عاجزين مبهوتين ، فثبت أن هذا القرآن من عند
اللّه ، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا .
ثم وبخهم - سبحانه - على عدم تفكرهم فى خلق أنفسهم فقال : ﴿ أم خلقوا من غير
شىء أم هم الخالقون . أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون ﴾ .
أى : بل أَخُلِقُوا على هذه الكيفية البديعة ، والهيئة القويمة ، من غير أن يكون هناك خالق
لهم ؟ أم هم الذين خلقوا أنفسهم بدون احتياج لخالق ؟ أم هم الذين قاموا بخلق السموات
والأرض ؟
لا ، إن شيئا من ذلك لم يحدث ، فإنهم لم يخلقوا من غير شىء ، وإنما الذى خلقهم بقدرته
- تعالى - هو الله وحده، كما خلق - سبحانه - السموات والأرض بقدرته - أيضا - وهم
يعترفون بذلك ، كما فى قوله - تعالى -: ﴿ ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله .. ﴾،
ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ... ﴾.
(١) سورة هود الآية ١٣ .
(٢) سورة البقرة الآية ٢٣ .

٤٩
سورة الطور
وقوله : ﴿بل لا يوقنون﴾ أى: هم ليسوا على يقين من أمرهم، وإنما هم يخبطون خبط
عشواء ، فهم مع اعترافهم بأن الله - تعالى - هو الذى خلقهم ، إلا أن هذا الاعتراف صار
كالعدم ، لأنهم لم يعملوا بموجبه ، من إخلاص العبادة له - تعالى - والإِيمان بالحق الذى
جاءهم به رسول الله - وَ له - من عند خالقهم.
ثم قال - تعالى -: ﴿ أم عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون ﴾ أى : بل أعند
هؤلاء الغافلين ﴿ خزائن ربك ﴾ أى: مفاتيح أرزاقه - تعالى - لعباده، ومقدراته لهم، حتى
يقسموها عليهم كما شاءوا ، أم هم المصيطرون على أحوال هذا الكون ، المتسلطون على
مقدراته ، حتى لكأنهم أربابه المتغلبون عليه ؟ .
كلا لا شىء لهم من ذلك إطلاقا ، وإنما هم وغيرهم فقراء إلى رزق الله - تعالى - لهم ﴿أم
لهم سلم يستمعون فيه ... ﴾ والسلم: هو ما يتوصل به إلى الأمكنة العالية .
أى : بل ألهم سلم يصعدون بواسطته إلى السماء ، ليستمعوا إلى وحينا وأمرنا ونهينا ..
إن كان أمرهم كذلك: ﴿ فليأت مستمعهم بسلطان مبين ﴾ أى : فليأت من استمع منهم
إلى شىء من كلامنا أو وحينا بحجة واضحة تدل على صدقه فيما ادعاه .
ومما لاشك فيه أنهم لا حجة لهم ، بل هم كاذبون إذا ما ادعوا ذلك ، لأن وحى الله
- تعالى - خاص بأناس معينين ، ليسوا منهم قطعا .
: أم له البنات ولكم البنون ﴾ أى: بل أيقولون إن الله - تعالى - البنات ولهم الذكور،
إن قولهم هذا من أكبر الأدلة على جهلهم وسوء أدبهم . لأن الله - تعالى - هو الخالق
للنوعين ، وهو - سبحانه - ﴿ يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور ﴾.
أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون ﴾ أى: بل أتسألهم أجرا على دعوتك إياهم إلى
الحق ، فهم بسبب ذلك قد أثقلتهم الديون والمغارم ، فصاروا ينفرون من دعوتك ؟ كلا إنك لم
تطلب منهم شيئا من ذلك .
والمغرم : الدين الذى يكون على الإِنسان ، فيثقل كاهله ، ويحزن نفسه .
﴿ أم عندهم الغيب فهم يكتبون﴾ أى: بل أيزعمون أن عندهم علم الغيب فهم يكتبونه
للناس ، ويطلعونهم عليه .. ؟ .
كلا إنهم لا علم لهم بشىء من الغيب ، لأن علم الغيب مرده إلى الله - تعالى - وحده ، كما

٥٠
المجلد الرابع عشر
قال - سبحانه -: ﴿ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا . إلا من ارتضى من
رسول ... ﴾(١).
أم يريدون كيدا ، فالذين كفروا هم المكيدون ﴾ أى : بل أيريدون بك - أيها الرسول
الكريم - الكيد والأذى والهلاك ، إن كانوا يريدون بك ذلك فاعلم أن الذين كفروا بك
وبدعوتك وأرادوا بك وبها الكيد والأذى ، هم المغلوبون الخاسرون الذين يحيق بهم كيدهم
ويعود علیهم وباله .
فقوله: ﴿ المكيدون﴾ اسم مفعول من الكيد، وهو المكر والخبث ..
وقد عاد عليهم وبال مكرهم فعلا، فقد خرج - وَيّ - من بين جموعهم ليلة الهجرة ، دون
أن يروه ، وكانوا محيطين بداره ليقتلوه ، وأحبط اللّه - تعالى - مكرهم .
﴿ أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون﴾ أى: بل ألهم إله غير الله - تعالى -
يرزقهم من فضله ، ويرعاهم بلطفه فى جميع أطوار حياتهم .
كلا إنهم لا إله لهم سواه - تعالى - وتنزه - سبحانه - عن شركهم وكفرهم .
وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم ﴾ والكِسْف جمع كِسْفة وهى
القطعة من الشىء ، والمركوم : المتراكم الذى تجمع بعضه فوق بعض .
أى : وإذا رأى هؤلاء الجاهلون قطعة عظيمة من العذاب نازلة عليهم لتهديدهم وزجرهم .
قالوا : هذا النازل علينا سحاب متراكم ، قد اجتمع بعضه فوق بعض ليسقينا ، ولم يصدقوا
أنه نذير عذاب شديد لهم . وهذا شأن الطغاة المعاندين ، وقد سبقهم إلى ذلك قوم عاد ، فإنهم
حين رأوا العذاب مقبلا نحوهم قالوا ﴿ هذا عارض ممطرنا ﴾ فرد الله - تعالى - عليهم
بقوله ﴿ بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم ﴾ .
هذا : والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة : يراها قد حملت على المشركين حملة شديدة ، حيث
وبختهم على جهالاتهم ، وتحدتهم بأسلوب تعجيزى أن يأتوا بمثل القرآن الكريم ، وتهكمت بهم
وبعقولهم الفارغة التى انقادوا لها بدون تفكر أو تدبر ، وبينت أنهم قوم متناقضون مع أنفسهم ،
لأنهم يقرون أن الله - تعالى - هو الخالق لهم ولغيرهم، ومع ذلك فهم يعبدون غيره .
وينسبون البنات إليه دون البنين ..
وقد ذكر بعض المفسرين أن ما أصابهم من هزيمة يوم بدر ، كان فى السنة الخامسة عشرة من
(١) سورة الجن الآيتان ٢٦، ٢٧ .

٥١٠
سورة الطور
بعثته - وَلا - وأن هذه الأيات قد تكرر فيها لفظ ((أم)) خمس عشرة مرة ، بعدد هذه
السنين ، ولذا قالوا : إن ذلك فيه إشارة إلى إعجاز القرآن الكريم .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة. بتوجيه الخطاب إلى النبى - وَليه - ، على سبيل
التسلية والتكريم ، حيث أمره - سبحانه - بالإِعراض عنهم ، لأنه - سبحانه - هو الذى
سيتولى حسابهم وعقابهم .. فقال - تعالى - :
فَذَرُهُمْ حَتَّى يُلَقُواْ
يَوْمَهُمُ الَّذِى فِيهِ يُصْعَقُونَ ﴿ يَوْمَ لَأَ يُغْنِى عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا
وَلَاهُمْ يُصَرُونَ ﴿ وَ إِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ
أَكْثَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦) وَأَصْبِرْ لِحُكْمِرَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَاً وَسَيِّخْ
بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ نَقُومُ ﴿٥) وَمِنَ الَتْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْ بَالنُّجُومِ
٤٩
والفاء فى قوله - سبحانه -: ﴿ فذرهم ... ﴾ واقعة فى جواب شرط مقدر. أى: إذا كان
حال هؤلاء المشركين كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - فاتركهم فى طغيانهم يعمهون ..
حتى يلاقوا يومهم الذى فيه يصعقون ﴾ أى: فدعهم يخوضوا ويلعبوا حتى يأتيهم اليوم
الذى فيه يموتون ويهلكون .
قال القرطبى : قوله ﴿ يصعقون﴾ بفتح الياء قراءة العامة. وقرأ ابن عامر وعاصم
بضمها . قال الفراء : هما لغتان: صَعِقٍ وصُعِقَ مثل سَعِد وسُعِد . قال قتادة: يوم يموتون .
وقيل : هو يوم بدر ، وقيل : يوم النفخة الأولى . وقيل : يوم القيامة يأتيهم فيه من العذاب
ما يزيل عقولهم ... (١) .
وقوله : ﴿ يوم لا يغنى عنهم كيدهم شيئا ... ﴾ بدل من قوله: ﴿يومهم﴾. أى:
اتركهم - أيها الرسول الكريم - ولا تكترث بهم . وامض فى دعوتك إلى الحق ، فعما قريب
سيأتيهم اليوم الذى لن ينفعهم فيه مكرهم السِّئَ، وكيدهم القبيح ..
ولا هم ينصرون ﴾ فيه من عقابنا من أى جهة من الجهات ، أو من أى شخص من
الأشخاص .
( ١) تفسير القرطبى جـ ١٧ ص ٧٧ .

٥٢
المجلد الرابع عشر
وإن للذين ظلموا﴾ وهم هؤلاء الكافرون ﴿ عذابا دون ذلك﴾ أى: عذابا آخر دون
ذلك العذاب الذى سينزل بهم عند موتهم وفى حياتهم ..
ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ لا يعلمون ذلك، لجهلهم بما سينتظرهم من عقاب.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ، بتلك التسلية الرقيقة لنبيه - ◌َا * - فقال:
واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا .. ﴾ .
أى: واصبر - أيها الرسول الكريم - ﴿ لحكم ربك﴾ إلى أن ننزل بهم عقابنا فى الوقت
الذى نشاؤه ونختاره ﴿ فإنك بأعيننا﴾ أى: فإنك بمرأى منا وتحت رعايتنا وحمايتنا
وحفظنا ..
وسبح بحمد ربك حين تقوم ﴾ أى: وأكثر من تسبيح ربك وتنزيهه عن كل مالا يليق به
حين تقوم من منامك ، أو من مجلسك ، أو حين تقوم للصلاة ..
ومن الليل فسبحه ﴾ أى: ومن الليل فأكثر من تسبيح ربك ﴿وإدبار النجوم﴾ أى:
وأكثر من تسبيحه - تعالى - وقت إدبار النجوم وغروبها ، وذلك فى أواخر الليل .
وبذلك ترى أن الله - تعالى - قد أمر نبيه - * - بالإكثار من التسبيح له - عز
وجل - فى كل الأوقات ، لأن هذا التسبيح يجلو عن النفس همومها وأحزانها ..
وبعد: فهذا تفسير لسورة ((الطور)) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ،
ونافعا لعباده ..
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
القاهرة - مدينة نصر
مساء الثلاثاء ١٦ جمادى الأولى ١٤٠٦ هـ
كتبة الراجي عفو ربه
د . محمد سيد طنطاوى
١٩٨٦/٢/٢٥ م

تفسير
سُورَة الَّ

..

٥٥
مقدمة
بِسْمِ اللهُ الرَّحَمَنِّ الرَّحِيمِ
مقدمة وتمهيد
١ - سورة ((النجم)) من السور المكية الخالصة، وعدد آياتها ثنتان وستون آية فى
المصحف الكوفى، وإحدى وستون فى غيره، وكان نزولها بعد سورة ((الاخلاص))، فهى
تعتبر من أوائل ما نزل على النبى - وَ# - من قرآن، إذ لم يسبقها فى النزول سوى اثنتين
وعشرين سورة ، أما ترتيبها فى المصحف ، فهى السورة الثالثة والخمسون .
٢ - ويبدو أنها سميت بهذا الاسم منذ عهد النبوة ..
قال الألوسى: سورة (( والنجم)). وتسمى - أيضا - سورة النجم - بدون واو - .
وهى مكية على الإطلاق . وفى الإِتقان : استثنى منها : الذين يجتنبون كبائر الإِثم .. إلى آخر
الآية ... وهى - كما أخرج ابن مردويه - عن ابن مسعود قال : أول سورة أعلن النبى
- وَلّه - بقراءتها ، فقرأها فى الحرم والمشركون يسمعون .
وأخرج البخارى ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائى ، عنه قال : أول سورة أنزلت فيها
سجدة سورة ((والنجم))، فسجد رسول الله - وَلّ - وسجد الناس كلهم إلا رجلا رأيته
يأخذ كفا من تراب فسجد عليه ، فرأيته بعد ذلك قتل كافرا ، وهو أمية بن خلف ..
وذكر أبو حيان أن سبب نزولها، قول المشركين: إن محمدا - وَ ل * - يختلق القرآن .. (١).
٣ - وقد افتتحت السورة الكريمة بقسم منه - سبحانه - بالنجم ، على صدق النبى
- ﴿ ﴿ - فيما يبلغه عن ربه ، ثم وصف - سبحانه - جبريل - عليه السلام - وهو أمين
الوحى، بصفات تدل على قوته وشدته ، وعلى أن النبى - وَله - قد رآه على هيئته التى خلقه
الله عليها .
قال - تعالى -: ﴿ والنجم إذا هوى . ماضل صاحبكم وما غوى . وما ينطق عن
الهوى . إن هو إلا وحى يوحى. علمه شديد القوى . ذو مرة فاستوى . وهو بالأفق الأعلى .
ثم دنا فتدلى . فكان قاب قوسين أو أدنى ﴾ .
(١) راجع تفسير الألوسى جـ ٢٧ ص ٤٤ .

٥٦
المجلد الرابع عشر
٤ - ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن الآلهة المزعومة فبينت أن هذه
الآلهة إنما هى أسماء أطلقها الجاهلون عليها ، دون أن يكون لها أدنى نصيب من الصحة ، وأن
العبادة إنما تكون لله وحده .
قال - سبحانه -: ﴿ أفرأيتم اللات والعزى . ومناة الثالثة الأخرى . ألكم الذكر وله
الأنثى . تلك إذا قسمة ضيزى . إن هى إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من
سلطان ﴾ .
٥ - ثم أرشد الله - تعالى - رسوله - والله - إلى الطريق الحكيم الذى يجب عليه أن
يسلكه فى دعوته ، وسلاه عما لحقه من المشركين من أذى ، فقال - سبحانه -: ﴿ فأعرض
عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ، ذلك مبلغهم من العلم ، إن ربك هو أعلم بمن
ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى
.
٦ - وبعد أن ساق - سبحانه - جانبا من مظاهر رحمته بعباده ﴿ الذين يجتنبون كبائر
الإِثم والفواحش إلا اللمم ﴾ أتبع ذلك ببيان مظاهر عدله فى خلقه، وقدرته على كل شىء،
وساق ما يشهد لذلك من أخبار الغابرين المكذبين الذين لا يخفى حالهم على المشركين
المعاصرين للنبى - ﴿ - ، وأنذر هؤلاء المشركين بسوء المصير، إذا لم يعودوا إلى الحق ،
ويكفوا عن جحودهم وعنادهم ..
قال - تعالى -: ﴿ هذا نذير من النذر الأولى. أزفت الآزفة . ليس لها من دون الله
كاشفة . أفمن هذا الحديث تعجبون . وتضحكون ولا تبكون . وأنتم سامدون . فاسجدوا لله
واعبدوا﴾ .
٧ - هذا ، والمتأمل فى هذه السورة الكريمة يراها بجانب إقامتها الأدلة الساطعة على
وحدانية الله - تعالى - وعلى صدق النبى - صلجو - فيما يبلغه عن ربه يراها بجانب ذلك قد
ساقت ما ساقت من براهين واضحة ، ومن توجيهات حكيمة .. بأسلوب بليغ أخاذ ، له لفظه
المنتقى ، ومعناه السديد ، وتراكيبه الموزونة وزنا بديعا .. مما يشهد بأن هذا القرآن من عند
الله ، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا .
نسأل الله - تعالى - أن يجعل القرآن ربيع حياتنا ، وأنس نفوسنا ، وصلى الله على سيدنا
محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
دولة قطر - الدوحة
مساء السبت ٢٠ جمادى الآخرة ١٤٠٦ هـ
١٩٨٦/٣/١ م
د . محمد سيد طنطاوى

٥٧
سورة النجم
التفسير
قال الله - تعالى - :
بسـ
◌ِاللَّهِ الرَّحْمنِالرَّحْمِ
وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَاضَلَّ صَاحِبُّكُمْ وَمَا غَوَى ، وَمَايَنْطِقُ
عَنِ الْمَوَىَّ ◌َ إِنْ هُوَ إِلَّا وَعِىٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (
ذُومِرَقِ فَاسْتَوَى وَهُوَبِالْأُمُقِّ الْأَعْلَى ، ثُمََّنَافَتَدَلَّ ٥)
فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوَأَدْنَ ، فَأَوْحَ إلَى عَبْدِهِ، مَآ أَوْ حَى (١)
مَاكَذَبَ الْفُؤَادُ مَارَأَنَّ ا أَفَتُرُونَهُ, عَلَى مَايَرَى ، وَلَقَدْرَءَاهُ
نَزْلَةً أُخْرَى (٣٦) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنَهَى عِندَ هَاجَنَّةُ الْأْوَى )
إِذْيَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىْ ، مَازَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَفَى ﴿ لَقَدْرَأَى
مِنْءَايَتِ رَبِهِ الْكُبْرَىّ
افتتح الله - تعالى - هذه السورة بهذا القسم العظيم ، للدلالة على صدق رسوله
- وَله - وللرد على أولئك المشركين الجاهلين، الذين زعموا أن النبى - و له - قد اختلق
القرآن الكريم .
والنجم : هو الكوكب الذى يبدو للناظرين ، لامعا فى جو السماء ليلا .
والمراد به هنا : جنسه ، أى: ما يشمل كل نجم بازغ فى السماء ، فأل فيه للجنس .
وقيل : أل فيه للعهد والمراد به نجم مخصوص هو : الشعرى ، وهو نجم كان معروفا عند
العرب . وقد جاء الحديث عنه فى آخر السورة ، فى قوله - تعالى -: ﴿ وأنه هو رب
الشعرى ﴾. قالوا : وكانت قبيلة خزاعة تعبده .

٥٨
المجلد الرابع عشر
وقيل المراد به : الثريا ، فإنه من النجوم المشهورة عند العرب ..
وقيل: المراد به هنا: المقدار النازل من القرآن على النبى - ◌َل18 - وجمعه نجوم، وقد
فسره بعضهم بذلك فى قوله - تعالى - : ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم ﴾.
ومعنى (( هوى)»: سقط وغرب . يقال هوى الشىء يهوى - بكسر الواو - - هويا -
بضم الهاء وفتحها - إذا سقط من أعلى إلى أسفل ..
قال الألوسى : وأظهر الأقوال ، القول بأن المراد بالنجم ، جنس النجم المعروف ، فإن
أصله اسم جنس لكل كوكب . وعلى القول بالتعيين ، فالأظهر القول بأنه الثريا ووراء هذين
القولين ، القول بأن المراد به: المقدار النازل من القرآن .. (١) .
وقوله - سبحانه -: ﴿ ما ضل صاحبكم وما غوى ، وما ينطق عن الهوى﴾. جواب
القسم. و((ما)) نافية. و((ضل)) من الضلال، والمراد به هنا: عدم الاهتداء إلى الحق ،
وإلى الطريق المستقيم .
و((غوى)) من الغى ، وهو الجهل الناشىء من اعتقاد فاسد ، وهو ضد الرشد ..
و((الهوى)) الميل مع شهوات النفس ، دون التقيد بما يقتضيه الحق ، أو العقل السليم .
والمعنى : وحق النجم الذى ترونه بأعينكم - أيها المشركون - عند غروبه وأفوله ، وعند
رجمنا به للشياطين .. إن محمدا - 3 1 - الذى أرسلناه إليكم ﴿شاهدا ومبشرا ونذيرا﴾،
ما ضل عن طريق الحق فى أقواله وأفعاله ، وما كان رأيه مجانبا للصواب فى أمر من الأمور ،
وما ينطق بنطق صادر عن هوى نفسه ورأيه ، وإنما ينطق بما نوحيه إليه من قرآن كريم ، ومن
قول حكيم ، ومن توجيه سديد .
وقد أقسم - سبحانه - بالنجم عند غروبه ، للإِشعار بأن هذا المخلوق العظيم مسخر
الإرادة الله - تعالى - وقدرته فهو مع لمعانه وظهوره فى السماء لا يتأبى عن الغروب والأفول ،
إذا ما أراد الله - تعالى - له ذلك، ولا يصلح أن يكون إلها ، لأنه خاضع لإِرادة خالقه .
ولقد حكى - سبحانه - عن نبيه إبراهيم أنه حين ﴿ جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا
﴾ .
ربى ، فلما أفل قال لا أحب الآفلين
قال بعض العلماء : والوجه أن يكون قوله : ﴿إذا هوى ﴾ بدل اشتمال من النجم ، لأن
المراد من النجم أحواله الدالة على قدرة خالقه ومصرفه ، ومن أعظم أحواله حال هويّه
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٧ ص ٤٥ .

٥٩
سورة النجم
وسقوطه، ويكون ((إذا)) اسم زمان مجردا عن معنى الظرفية، فى محل جر بحرف
القسم .. (١).
وقال - سبحانه -: ﴿صاحبكم﴾ للإشارة إلى ملازمته - يوليو - لهم ، طوال أربعين
سنة قبل البعثة ، وأنهم فى تلك المدة الطويلة لم يشاهدوا منه إلا الصدق ، والأمانة ، والعقل
الراجح ، والقول السديد .. وأنهم لم يخف عليهم حاله بل كانوا مصاحبين له ، ومطلعين على
سلوكه بينهم، فقولهم بعد بعثته - وَليه - إنه ساحر أو مجنون .. هو نوع من كذبهم البين ،
وجهلهم المطبق ..
وقوله : ﴿ إن هو إلا وحى يوحى ﴾ استئناف بيانى مؤكد لما قبله.
والضمير ((هو)) يعود إلى المنطوق به ، المفهوم من قوله - تعالى -: ﴿ وما ينطق عن
الهوى﴾. أى: إن الرسول - بلجر - لا يصدر نطقه فيما يأتيكم به عن هوى نفسه ورأيه ،
وإنما الذى ينطق به ، هو وحى من الله - تعالى - أوحاه إليه على سبيل الحقيقة التى لا يحوم
حولها شك أو ريب .
ومتعلق ((يوحى)) محذوف للعلم به . أى : ما هذا الذى ينطق به إلا وحى أوحاه
- سبحانه - إلى نبيكم - رَالى - .
قال الإِمام ابن كثير : قوله: ﴿ إن هو إلا وحى يوحى﴾ أى: إنما يقول ما أمر بتبليغه
إلى الناس كاملا موفورا من غير زيادة ولا نقصان .. فعن عبد الله بن عمرو قال : كنت أكتب
كل شىء أسمعه من رسول الله - وَ ل٤ - أريد حفظه . فنهتنى قريش فقالوا: إنك تكتب كل
شىء تسمعه من رسول الله - وَله - ورسول الله - وَالله - بشر يتكلم فى الغضب ، فأمسكت
عن الكتابة، فذكرت ذلك له ، فقال: ((اكتب فوالذى نفسى بيده ، ما خرج منى إلا
الحق)).
وعن أبى هريرة أن رسول الله - وَ ل١٤ - قال: ((لا أقول إلا حقا)) فقال بعض أصحابه:
فإنك تداعبنا يارسول الله؟ قال: ((إنى لا أقول إلا حقا))(٢).
وقال صاحب الكشاف : ويحتج بهذه الآية من لايرى الاجتهاد للأنبياء ، ويجاب بأن الله
- تعالى - إذا سوغ لهم الاجتهاد ، كان الاجتهاد ومايستند إليه كله وحيا لانطقا عن
الهوى(٣).
(١) تفسير التحرير والتنوير جـ ٢٧ ص ٩٠ للشيخ محمد الطاهر بن عاشور.
( ٢) راجع تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٤٧ .
( ٣) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٢٨ .

٦٠
المجلد الرابع عشر
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من صفات جبريل - عليه السلام - الذى ينزل
بالقرآن على النبى - * - فقال: ﴿ علمه شديد القوى ﴾.
أى: عَلَّمَ النبيَّ - ﴿ - القرآن، ملك من ملائكتنا الكرام ، وهو جبريل - عليه
السلام - الذى أعطيناه قوة شديدة ، استطاع بها أن ينفذ ما كلفناه بتنفيذه .
والضمير المنصوب فى ((علمه)» هو المفعول الأول، والثانى محذوف. أى: القرآن ، لأن
عَلَّم تتعدى إلى مفعولين .
وقوله: ﴿ شديد القوى ﴾ صفة لموصوف محذوف. أى: ملك شديد القوى.
قالوا : وقد بلغ من شدة قوته ، أنه اقتلع قرى قوم لوط - عليه السلام - ثم رفعها إلى
السماء ، ثم قلبها . بأن جعل أعلاها أسفلها ..
وقوله - تعالى -: ﴿ ذو مرة فاستوى ﴾ صفة أخرى من صفات جبريل - عليه
السلام - . والمرة - بكسر الميم - تطلق على قوة الذات ، وحصافة العقل ورجاحته ، مأخوذ
من أمررت الحبل ، إذا أحكمت فتله ..
وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى -: ﴿ إنه لقول رسول كريم . ذى قوة عند ذى
العرش مكين . مطاع ثم أمين ... ﴾ .
وقوله: ﴿ فاستوى ﴾ أى: فاستقام على صورة ذاته الحقيقية، دون الصورة الآدمية التى
كان ينزل بها على الرسول - دَل﴾ - .
وهو بالأفق الأعلى ﴾ أى : وهو - أى جبريل - بالجهة العليا من السماء المقابلة
للناظر إليها ﴿ ثم دنا فتدلى﴾ أى: ثم قرب جبريل - عليه السلام - من النبى - الهرم -
فتدلى ﴾ أى : فانخفض من أعلى إلى أسفل ..
وأصل التدلى : أن ينزل الشىء من طبقته إلى ما تحتها ، حتى لكأنه معلق فى الهواء ، ومنه
قولهم : تدلت الثمرة إذا صارت معلقة فى الهواء من أعلى إلى أسفل ..
ثم صور - سبحانه - شدة قرب جبريل من النبى - وَال18 - فقال: ﴿ فكان قاب
قوسين أو أدنى﴾ والقاب: المقدار المعين : وقيل: هو ما بين وتر القوس ومقبضها ..
والقوس : آلة معروفة عند العرب ، يشد بها وتر من جلد ، وتستعمل فى الرمى بالسهام .
وكان من عادة العرب فى الجاهلية ، أنهم إذا تحالفوا ، يخرجون قوسين ويلصقون إحداهما
بالأخرى ، فيكون قاب إحداهما ملاصقا للآخر ، حتى لكأنهما قاب وأحد ، ثم ينزعونهما معا
ويرمون بها سهما واحدا ، فيكون ذلك دليلا على التحالف التام والرضا الكامل ...