النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ سورة الحجرات آيات أخرى، منها قوله تعالى -: ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ﴾ . وقد دلت آيات من كتاب الله على أن الله - تعالى - لم يخاطبه فى كتابه باسمه ، وإنما يخاطبه . بما يدل على التعظيم كقوله - سبحانه -: ﴿يأيها النبى . يأيها الرسول . يأيها المدثر ﴾. مع أنه - سبحانه - قد نادى غيره من الأنبياء بأسمائهم ، كقوله - تعالى - : ﴿ وقلنا يا آدم﴾. وقوله - عز وجل -: ﴿وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ﴾. أما النبى - 18 - فلم يذكر اسمه فى القرآن فى خطاب، وإنما ذكر فى غير ذلك ، كقوله - تعالى - ﴿ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ﴾(١). ثم مدح - سبحانه - الذين يغضون أصواتهم فى حضرة الرسول - * - فقال: ﴿ إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ، أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ﴾. وقوله : ﴿ يغضون﴾ بمعنى يخفضون. يقال: غض فلان من صوته ومن طرفه إذا خفضه . وكل شىء كففته عن غيره فقد غضضته . وقوله : ﴿ امتحن﴾ أى : اختبر وأخلص ، وأصله من امتحان الذهب وإذابته ليخلص جيده من خبيثه ، والمراد به هنا : إخلاص القلوب لمراقبة الله وتقواه . أى: إن الذين يخفضون أصواتهم فى حضرة رسول الله - بصل - وعند مخاطبتهم له. أولئك الذين يفعلون ذلك ، هم الذين أخلص الله - تعالى - قلوبهم لتقواه وطاعته ، وجعلها خالصة من أى شىء سوى هذه الخشية والطاعة . قال صاحب الكشاف: ((امتحن الله قلوبهم للتقوى)) من قولك: امتحن فلان لأمر كذا وجرب له ، ودرب للنهوض به ، فهو مضطلع به غير وان عنه ، والمعنى : أنهم صبروا على التقوى ، أقوياء على احتمال مشاقها . أو وضع الامتحان موضع المعرفة ، لأن تحقق الشىء باختباره ، كما يوضع الخبر موضعها ، فكأنه قيل : عرف الله قلوبهم للتقوى(٢). وقوله : ﴿ لهم مغفرة وأجر عظيم﴾ بشارة عظيمة من الله - تعالى - لهم. أى: لهؤلاء الغاضين أصواتهم عند رسول الله - * - مغفرة لذنوبهم، وأجر كبير لا يعرف مقداره أحد سوى الله - تعالى - . ( ١) تفسير أضواء البيان جـ ٧ ص ٦١٦ للشيخ الشنقيطى . ( ٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٥٥ . ٣٠٢ المجلد الثالث عشر ولقد التزم المسلمون بهذا الأدب فى حياة النبى - رَله - وبعد مماته ، فقد سمع عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - رجلا يرفع صوته فى المسجد النبوى : فقال له : من أين أنت - أيها الرجل - ؟ فقال : من الطائف ، فقال له : لو كنت من أهل المدينة لأوجعتك ضربا . ثم أشار - سبحانه - إلى ما فعله بعض الناس من رفع أصواتهم عند ندائهم للنبى - * - فقال: ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات، أكثرهم لا يعقلون. ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم ، والله غفور رحيم ﴾. وقد ذكروا فى سبب نزول هاتين الآيتين أن جماعة من بنى تميم أتوا إلى المدينة فى عام الوفود فى السنة التاسعة ، فوقفوا بالقرب من منزل النبى - صل * - فى ساعة القيلولة وأخذوا يقولون: يا محمد اخرج إلينا .. فكره النبى - رَّ - منهم ذلك. والمراد بالحجرات: حجرات نسائه - وَلـ - جمع حجرة وهى القطعة من الأرض المحجورة ، أى : المحددة بحدود لا يجوز تخطيها ، وبيمنع الدخول فيها إلا بإذن . أى : إن الذين ينادونك - أيها الرسول الكريم - ﴿ من وراء الحجرات﴾. أى : خلف حجرات أزواجك وخارجها ، أكثرهم لا يجرون على ما تقتضيه العقول السليمة ، والآداب القويمة من مراعاة الاحترام والتوقير لمن يخاطبونه من الناس ، فضلا عن أفضلهم ، وأشرفهم ، وذلك لأنهم من الأعراب الذين لم يحسنوا مخاطبة الناس ، لجفائهم وغلظ طباعهم . وقال - سبحانه - ﴿ أكثرهم﴾ للإِشعار بأن قلة منهم لم تشارك هذه الكثرة فى هذا النداء الخارج عن حدود الأدب واللياقة . قال صاحب الكشاف ما ملخصه : وورود الآية على النمط الذى وردت عليه ، فيه مالا يخفى على الناظر من إكبار للنبى - بص لة - وإجلال لمقامه . ومن ذلك : مجيئها على النظم المسجل على الصائحين به السفهَ والجهلَ بسبب ما أقدموا عليه . ومن ذلك : التعبير بلفظ الحجرات وإيقاعها كناية عن موضع خلوته ومقيله مع بعض نسائه ، والمرور على لفظها بالاقتصار على القدر الذى يظهر به موضع الاستنكار عليهم . ومن ذلك : شفُعُ ذمهم باستجفائهم واستركاك عقولهم ، وقلة ضبطهم لمواضع التمييز فى المحاطبات، تهوينا للخطب، وتسلية له - وَ ال - (١). (١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٥٨ . ٣٠٣ سورة الحجرات ثم أرشدهم - سبحانه - إلى السلوك الأفضل فقال - تعالى - : ﴿ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم ﴾ . أى : ولو أن هؤلاء الذين ينادونك - أيها الرسول الكريم - من وراء الحجرات ، صبروا عليك حتى تخرج إليهم ولم يتعجلوا بندائك بتلك الصورة الخالية من الأدب ، لكان صبرهم خبرا لهم ﴿والله﴾ - تعالى - ﴿غفور رحيم﴾ أي: واسع المغفرة والرحمة. قال صاحب الكشاف : يحكى عن أبى عبيد - العالم الزاهد الثقة - أنه قال : ما دققت باب عالم قط ، حتى يخرج فى وقت خروجه . وقوله : ﴿ أنهم صبروا﴾ فى موضع رفع على الفاعلية ، لأن المعنى: ولو ثبت صبرهم. فإن قلت : هل من فرق بين قوله ﴿ حتى تخرج﴾ وإلى أن تخرج ؟ قلت: إن ((حتى)) مختصة بالغاية المضروبة . تقول : أكلت السمكة حتى رأسها ، ولو قلت: حتى نصفها، أو صدرها، لم يجز، و ((إلى)) عامة فى كل غاية، فقد أفادت ((حتى)) بوضعها : أن خروج رسول الله - صور - إليهم غاية قد ضربت لصبرهم، فما كان لهم أن يقطعوا أمرا دون الانتهاء إليه . فإن قلت : فأى فائدة فى قوله ﴿ إليهم﴾؟ قلت : فيه أنه لو خرج ولم يكن خروجه إليهم ولأجلهم ، للزمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أن خروجه إليهم (١) . هذا والمتدبر فى هذه الآيات الكريمة ، يراها قد رسمت للمؤمنين أسمى ألوان الأدب فى مخاطبتهم لرسول الله - رَله - ، وفى إلزامهم بألا يقولوا قولا أو يفعلوا فعلا ، يتعلق بشأن من شئون دينهم إلا بعد معرفتهم بأن هذا القول أو الفعل يستند إلى حكم شرعى ، شرعه الله - تعالى - ورسوله - رَليل - . كما أنه يراها قد مدحت الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله - بصل - ، وذمت الذين لا يلتزمون هذا الأدب عند مخاطبته أو ندائه . ثم وجهت السورة نداء ثالثا إلى المؤمنين أمرتهم فيه بالتثبت من صحة الأخبار التى تصل إليهم، وأرشدتهم إلى مظاهر فضل الله - تعالى - عليهم ؛ لكى يواظبوا على شكره ، فقال - تعالى - : ( ١) راجع تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٥٩ . ٣٠٤ المجلد الثالث عشر يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَ كُمْ فَاسِقٌ بِبٍَ فَتَيَّنُواْ أَنْ تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَلَةٍ فَنُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ ﴾ وَأَعْلَمُوْأَنَّ فِيكُمْرَسُولَ الَّهِلَوْيُطِعُكُمْفِ كَثِيرٍ مِنَ الْأَمَِّلَعَنْتُ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ آلْإِيمَنَ وَزَيَّنَهُ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَإِلَيْكُ اَلْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَتِكَ هُمُ الرَّشِدُونَ ٧ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةٌ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥) ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما روى عن ان عباس قال : كان رسول الله - * - قد بعث الوليد بن عقبة إلى بنى المصطلق ليأخذ منهم الصدقات ، وإنهم لما أتاهم الخبر فرحوا وخرجوا يتلقون رسولَ رسولِ الله - الخير -. فرجع الوليد - ظنا منه أنهم يريدون قتله - فقال يا رسول الله : إن بنى المصطلق قد منعوا الصدقة ، فغضب رسول الله - 18 - من ذلك غضبا شديدا، فبينما هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد فقالوا : يا رسول اللّه ، إنا بلغنا أن رسولك رجع من نصف الطريق ، وإنا خشينا أن ما رده كتاب جاء منك لغضب غضبته علينا ، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله . فأنزل الله - تعالى - الآية(١). والفاسق : هو الخارج عن الحدود الشرعية التى يجب التزامها ، مأخوذ من قولهم : فسقت الرطبة ، إذا خرجت عن قشرتها ، وسمى بذلك لانسلاخه عن الخير والرشد . وقرأ الجمهور: ﴿ فتبينوا﴾ وقرأ حمزة والكسائى ( فتثبتوا﴾ ومعناهما واحد، إذ هما بمعنى التأنى وعدم التعجل فى الأمور حتى تظهر الحقيقة فيما أخبر به الفاسق . أى : يا من آمنتم بالله حق الإِيمان ، إن جاءكم فاسق بخبر من الأخبار ، ولا سيما الأخبار الهامة ، فلا تقبلوه بدون تبين أو تثبت ، بل تأكدوا وتيقنوا من صحته قبل قبوله منه . والتعبير ((بإن)) المفيدة للشك، للإِشعار بأن الغالب فى المؤمن أن يكون يقظا ، يعرف (١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٥٠. -- ٣٠٥ سورة الحجرات مداخل الأمور ، وما يترتب عليها من نتائج ، ويحكم عقله فيما يسمع من أنباء ، فلا يصدق خبر الفاسق إلا بعد التثبت من صحته . قال صاحب الكشاف : وفى تنكير الفاسق والنبأ : شياع فى الفساق والأنباء ، كأنه قال : أى فاسق جاءكم بأى نبأ فتوقفوا فيه ، وتطلبوا بيان الأمر ، وانكشاف الحقيقة ولا تعتمدوا على قول الفاسق ، لأن من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذى هو نوع منه (١) . وقال القرطبى : وفى الآية دليل على قبول خبر الواحد إذا كان عدلا ، لأنه إنما أمر فيها بالتثبت عند نقل خبر الفاسق ، ومن ثبت فسقه بطل قوله فى الأخبار إجماعا ، لأن الخبر أمانة والفسق قرينة يبطلها(٢). وقوله : ﴿ أن تصيبوا قوما بجهالة ﴾ .. تعليل للأمر بالتبين، بتقدير لام التعليل، أو بتقدير ماهو بمعنى المفعول لأجله . والجهالة بمعنى الجهل بحقيقة الشىء . أى : تثبتوا - أيها المؤمنون - من صحة خبر الفاسق ، لئلا تصيبوا قوما بما يؤذيهم ، والحال أنكم تجهلون حقيقة أمرهم ، أو خشية أن تصيبوا قوما بجهالة ، لظنكم أن النبأ الذى جاء به الفاسق حقا . وقوله : ﴿ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) بيان للنتائج السيئة التى تترتب على تصديق خبر الفاسق ، و ﴿ تصبحوا ﴾ بمعنى تصيروا، والندم: غم يلحق الإِنسان لأمور وقعت منه ، ثم صار يتمنى بعد فوات الأوان عدم وقوعها . أى : فتصيروا على ما فعلتم مع هؤلاء القوم نادمين ندما شديداً ، بسبب تصديقكم لخبر الفاسق بدون تبين أو تثبت . فالآية الكريمة ترشد المؤمنين فى كل زمان ومكان إلى كيفية استقبال الأخبار استقبالا سليما ، وإلى كيفية التصرف معها تصرفا حكيما ، فتأمرهم بضرورة التثبت من صحة مصدرها ، حتى لا يصاب قوم بما يؤذيهم بسبب تصديق الفاسق فى خبره ، بدون تأكد أو تحقق من صحة ما قاله .. وبهذا التحقق من صحة الأخبار ، يعيش المجتمع الإِسلامى فى أمان واطمئنان ، وفى بعد عن الندم والتحسر على ما صدر منه من أحكام . ثم أرشد - سبحانه - المؤمنين إلى جانب من نعمه عليهم ، ورحمته بهم فقال: ﴿ واعلموا أن فيكم رسول الله، لو يطيعكم فى كثير من الأمر لعنتم ﴾. (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٦٠. (٢) راجع تفسير القرطبى جـ ١٦ ص ٣١٢. i. ٣٠٦ المجلد الثالث عشر والعنت : الوقوع فى الأمر الشاق المؤلم ، يقال : عنت فلان - بزنة فرح - إذا وقع فى أمر يؤدى إلى هلاكه أو تعبه أو إيذائه . ويفهم من الآية الكريمة أن بعض المسلمين ، صدقوا الوليد بن عقبة ، وأشاروا على الرسول - # - أن يعجل بعقاب بنى المصطلق . والمراد بطاعة الرسول - وَ﴿ - لهم: أخذه برأيهم ، وتنفيذه لما يريدونه منه . والمراد بالكثير من الأمر : الكثير من الأخبار والأحكام التى يريدون تنفيذها حتى ولو كانت على غير ما تقتضيه المصلحة والحكمة . أى: واعلموا - أيها المؤمنون - أن فيكم رسول الله - صل# - الذى أرسله - سبحانه - لكى يهديكم إلى الحق وإلى الطريق القويم .. وهو - عليه الصلاة والسلام - لو يطيعكم فى كثير من الأخبار التى يسمعها منكم ، وفى الأحكام التى تحبون تطبيقها عليكم أو على غيركم .. لو يطيعكم فى كل ذلك لأصابكم العنت والمشقة ، ولنزل بكم ما قد يؤدى إلى هلاككم وإتلاف أموركم . قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله : ﴿واعلموا أن فيكم رسول الله ﴾ عطف على ما قبله، و ((أن)) بما فى حيزها ساد مسد مفعولى ((اعلموا)) باعتبار ما قيد به من الحال ، وهو قوله: ﴿ لو يطيعكم فى كثير من الأمر لعنتم ﴾. وتقديم خبر (( أنّ )) للحصر المستتبع زيادة التوبيخ ، وصيغة المضارع للاستمرار . و﴿لو﴾ لا متناع استمرار طاعته - عليه الصلاة والسلام - لهم فى كثير مما يعن لهم من الأمور . وفى الكلام إشعار بأنهم زينوا للرسول - * - الإِيقاع ببنى المصطلق . وفى هذا التعبير مبالغات منها: إيثار ((لو)) ليدل على الفرض والتقدير . ومنها : ما فى العدول إلى المضارع من تصوير ما كانوا عليه ، وتهجينه . ومنها : ما فى التعبير بالعنت من الدلالة على أشد المحذور ، فإنه الكسر بعد الجبر ، والرمز الخفى على أنه ليس بأول بادرة منهم. وقوله - سبحانه -: ﴿ ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه فى قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ﴾ استدراك على ما يقتضيه الكلام السابق ، وبيان لمظاهر فضله عليهم ورحمته - سبحانه - بهم. أى: ولكنه - رَّر - لا يطيعكم فى كل ما يعن لكم ، وإنما يتبين (١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٦ ص ١٤٨ . ٠ سورة الحجرات ٣٠٧ الأمور والأخبار ويتثبت من صحتها ثم يحكم ، وقد حبب الله - تعالى - إلى كثير منكم الإِيمان المصحوب بالعمل الصالح والقول الطيب وزينه وحببه فى قلوبكم ، وكره وبغض إليكم الكفر والفسوق والعصيان لكل ما أمر به أو نهى عنه . ورحم الله صاحب الكشاف فقد أجاد عند تفسير هذه الآية ، فقال ما ملخصه : قوله : لو يطيعكم فى كثير من الأمر لعنتم ﴾ أى : لوقعتم فى العنت والهلاك .. وهذا يدل على أن بعض المؤمنين زينوا للرسول - صل - الإِيقاع ببنى المصطلق ... وأن بعضهم كانوا يتصونون ويزعهم جدهم فى التقوى عن الجسارة على ذلك ، وهم الذين استثناهم - سبحانه - بقوله : ولكن الله حبب إليكم الإِيمان﴾ أى إلى بعضكم، ولكنه أغنت عن ذكر البعض صفتهم المفارقة لصفة غيرهم ، وهذا من إنجازات القرآن ، ولمحاته اللطيفة ، التى لا يفطن لها إلا الخواص . فإن قلت : كيف موقع ﴿ لكِنَّ﴾ وشريطتها مفقودة من مخالفة ما بعدها لما قبلها نفيا وإثباتا ؟ قلت : هى مفقودة من حيث اللفظ ، حاصلة من حيث المعنى ، لأن الذين حبب إليهم الإِيمان قد غايرت صفتهم المتقدم ذكرهم ، فوقعت لكن فى موقعها من الاستدراك(١). واسم الإشارة فى قوله: ﴿أولئك هم الراشدون ﴾ يعود إلى المؤمنين الصادقين ، الذين حبب الله - تعالى - إليهم الإِيمان وزينه فى قلوبهم . أى : أولئك المتصفون بتلك الصفات الجليلة ، هم الثابتون على دينهم ، المهتدون إلى طريق الرشد والصواب ، إذ الرشد هو الاستقامة على طريق الحق ، مع الثبات عليه ، والتصلب فيه ، والتمسك به فى كل الأحوال . وقوله - سبحانه -: ﴿ فضلا من اللّه ونعمة .. ﴾ تعليل لما مَنَّ به - سبحانه - عليهم من تزيين الإِيمان فى قلوبهم . أى : فعل ما فعل من تحبيب الإِيمان إليكم ، ومن تبغيض الكفر إلى قلوبكم ، لأجل فضله عليكم ، ورحمته بكم ، وإنعامه عليكم بالنعم التى لا تحصى . ﴿ والله﴾ - تعالى - ﴿ عليم﴾ بكل شىء ﴿حكيم﴾ فى كل أفعاله وأقواله : وتصرفاته . وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد رسمت للمؤمنين أحكم الطرق فى تلقى الأخبار ، وأرشدتهم إلى مظاهر فضله عليهم ، لكى يستمروا على شكرهم له وطاعتهم لرسله . (١) راجع تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٦٢. ٣٠٨ المجلد الثالث عشر ثم انتقلت السورة إلى دائرة أوسع وأرحب ، فدعت المؤمنين إلى التدخل بين الطوائف المتنازعة لعقد المصالحة بينها ، وإلى قتال الفئة الباغية حتى ترجع إلى حكم الله - تعالى - فقال - سبحانه - : وَإِنْطَآِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْتَهُمَّا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَمُهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَئِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَّى تَفِىَّ إِلَى أَمْرِ اللّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوَأَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ (١) إِنََّا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيُّكُمْ وَنَّقُواْاللَّهَ ١٠ لَعَلَّكُمْ تَرْحَمُونَ وقد ذكروا فى سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها : ما رواه الإِمام أحمد عن أنس قال : قيل للنبى - وَّل -: لو أتيت عبد الله بن أبى؟ فانطلق إليه النبى - وَالله - وركب حمارا ، وانطلق المسلمون يمشون ، وهى أرض سبخة ، فلما انطلق إليه - عليه الصلاة والسلام - قال : إليكم عنى، فو الله لقد آذانى ريح حمارك. فقال رجل من الأنصار: واللّه لحمار رسول الله أطيب ريحا منك . قال : فغضب لعبد الله رجال من قومه ، وغضب للأنصارى أصحابه . قال : فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدى .. فبلغنا أنه أنزلت فيهم ﴿وإن طائفتان من المؤمنين ... (١). والخطاب فى الآية لأولى الأمر من المسلمين ، والأمر فى قوله ﴿ فأصلحوا﴾ للوجوب، والطائفة : الجماعة من الناس . أى : وإن حدث قتال بين طائفتين من المؤمنين ، فعليكم يا أولى الأمر من المؤمنين أن تتدخلوا بينهما بالإصلاح، عن طريق بذل النصح ، وإزالة أسباب الخلاف . والتعبير ((بإن)) للإشعار بأنه لا يصح أن يقع قتال بين المؤمنين ، فإن وقع على سبيل الندرة ، فعلى المسلمين أن يعملوا بكل وسيلة على إزالته . (١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٥٤. ٣٠٩ سورة الحجرات وجاء ((إقتتلوا)) بلفظ الجمع ، لأن لفظ الطائفة وإن كان مفردا فى اللفظ إلا أنه جمع فى المعنى ، فروعى فيه المعنى هنا . وروعى فيه اللفظ فى قوله ﴿ بينهما ﴾. قالوا : والنكنة فى ذلك أنهم فى حال القتال يكونون مختلطين فلذا جاء الأسلوب بصيغة الجمع ، وفى حال الصلح يكونون متميزين متفرقين فلذا جاء الأسلوب بصيغة التثنية . ثم بين - سبحانه - حكمه فى حال اعتداء إحداهما على الأخرى فقال : ﴿ فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر الله ﴾ . والبغى : التعدى وتجاوز الحد والامتناع عن قبول الصلح المؤدى إلى الصواب . أى : فإن بغت إحدى الطائفتين على الأخرى ، وتجاوزت حدود العدل والحق ، فقاتلوا - أيها المؤمنون - الفئة الباغية ، حتى تفىء وترجع إلى حكم الله - تعالى - وأمره ، وحتى تقبل الصلح الذى أمرناكم بأن تقيموه بينهم . وقوله: ﴿ فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا﴾ بيان لما يجب على المؤمنين أن يفعلوه مع الفئة الباغية، إذا ما قبلت الصلح ورجعت إلى حكم الله - تعالى - . أى : فإن رجعت الفئة الباغية عن بغيها ، وقبلت الصلح ، وأقلعت عن القتال ، فأصلحوا بين الطائفتين إصلاحا متسما بالعدل التام وبالقسط الكامل . وقيد - سبحانه - الإصلاح بالعدل . ثم أكد ذلك بالأمر بالقسط حتى يلتزم الذين يقومون بالصلح بينهما العدالة التى لا يشوبها أى حيف أو جور على إحدى الطائفتين . وقوله : ﴿ إن الله يحب المقسطين ﴾ تذييل المقصود به حض المؤمنين على التقيد بالعدل فى أحكامهم ، لأن الله - تعالى - يحب من يفعل ذلك. وقوله: ﴿ إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم .. ﴾ استئناف مقرر لمضمون ما قبله من الأمر بوجوب الإصلاح بين المتخاصمين . أى: إنما المؤمنون إخوة فى الدين والعقيدة ، فهم يجمعهم أصل واحد وهو الإِيمان ، كما يجمع الإِخوة أصل واحد وهو النسب ، وكما ان أخوة النسب داعية إلى التواصل والتراحم والتناصر فى جلب الخير ، ودفع الشر، فكذلك الأخوة فى الدين تدعوكم إلى التعاطف والتصالح ، وإلى تقوى الله وخشيته ، ومتى تصالحتم واتقيتم الله - تعالى - كنتم أهلا لرحمته ومثوبته . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فلم خص الإِثنان بالذكر دون الجمع فى قوله : فأصلحوا بين أخويكم - ؟ ٣١٠ المجلد الثالث عشر قلت : لأن أقل من يقع بينهم الشقاق اثنان ، فإذا لزمت المصالحة بين الأقل ، كانت بين الأكثر ألزم، لأن الفساد فى شقاق الجمع أكثر منه فى شقاق الاثنين(١). هذا ، وقد أخذ العلماء من هاتين الآيتين جملة من الأحكام منها : أن الأصل فى العلاقة بين المؤمنين أن تقوم على التواصل والتراحم ، لا على التنازع والتخاصم ، وأنه إذا حدث نزاع بين طائفتين من المؤمنين ، فعلى بقية المؤمنين أن يقوموا بواجب الإصلاح بينهما حتى يرجعا إلى حكم الله - تعالى - . قال الشوكانى : إذا تقاتل فريقان من المسلمين ، فعلى المسلمين أن يسعوا بالصلح بينهم ، ويدعوهم إلى حكم الله فإن حصل بعد ذلك التعدى من إحدى الطائفتين على الأخرى ، ولم تقبل الصلح ولا دخلت فيه ، كان على المسلمين أن يقاتلوا هذه الطائفة الباغية ، حتى ترجع إلى أمر الله وحكمه ، فإن رجعت تلك الطائفة الباغية عن بغيها ، وأجابت الدعوة إلى كتاب اللّه وحكمه ، فعلى المسلمين أن يعدلوا بين الطائفتين فى الحكم ، ويتحروا الصواب المطابق لحكم الله، ويأخذوا على يد الطائفة الظالمة ، حتى تخرج من الظلم ، وتؤدى ما يجب عليها نحو الأخرى(٢) . ثم وجه - سبحانه - إلى المؤمنين نداء رابعا ، نهاهم فيه عن أن يسخر بعضهم من بعض ، أو أن يعيب بعضهم بعضا فقال : وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسْخَرْقَوْمٌ مِّنْ قَوْمٍ عَسَوَ أَنْ يَكُونُواْ خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَ نِسَآءٌ مِّن ذِسَآءٍ عَسَى أَن يَكُنَّخَيراً مِنْهُنَّ وَلَا فَلْمِزُوَاْ أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَرُ واْبِ لْأَ لْقَبٍ بِئْسَ الِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَنَّ وَمَن لَّمَّيَّتُبْ فَأُوْلَكَ مُ الَِّمُونَ ١١ وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : أنها نزلت فى قوم من بنى تميم ، سخروا من بلال ، وسلمان ، وعمار، وخباب .. لما رأوا من رثاثة حالهم ، وقلة ذات يدهم . (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٦٦. ( ٢) تفسير فتح القدير جـ ٥ ص ٦٣ للشوكانى . ١ سورة الحجرات ٣١١ ومن المعروف بين العلماء ، أن العبرة بعموم اللفظ ، لا بخصوص السبب . وقوله : ﴿ يسخر ﴾ من السخرية ، وهى احتقار الشخص لغيره بالقول أو بالفعل ، يقال : سخر فلان من فلان ، إذا استهزأ به ، وجعله مثار الضحك ، ومنه قوله - تعالى - حكاية عن نوح مع قومه: ﴿ .. قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون ﴾(١). قال صاحب الكشاف : والقوم : الرجال خاصة ، لأنهم القوام بأمور النساء .. واختصاص القوم بالرجال صريح فى الآية ، وفى قول الشاعر : أقوم آل حصن أم نساء . وأما قولهم فى قوم فرعون وقوم عاد : هم الذكور والإناث ، فليس لفظ القوم بمتعاطف للفريقين ، ولكن قصد ذكر الذكور، وترك ذكر الإِناث لأنهن توابع لرجالهن(٢). أى : يا من آمنتم بالله حق الإِيمان ، لا يحتقر بعضكم بعضا ولا يستهزىء بعضكم من بعض . وقوله : ﴿عسى أن يكونوا خيرا منهم ﴾ تعليل للنهى عن السخرية . أى : عسى أن يكون المسخور منه خيرا عند الله - تعالى - من الساخر ، إذ أقدار الناس عنده - تعالى - ليست على حسب المظاهر والأحساب .. وإنما هى على حسب قوة الإِيمان ، وحسن العمل . وقوله : ﴿ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن﴾. معطوف على النهى السابق، وفى ذكر النساء بعد القوم قرينة على أن المراد بالقوم الرجال خاصة . أى : عليكم يا معشر الرجال أن تبتعدوا عن احتقار غيركم من الرجال ، وعليكن يا جماعة النساء أن تقلعن إقلاعا تاما عن السخرية من غيركن . ونكر - سبحانه - لفظ ﴿قوم﴾ و﴿ نساء﴾، للإشعار بأن هذا النهى موجه إلى جميع الرجال والنساء ، لأن هذه السخرية منهى عنها بالنسبة للجميع . وقد جاء النهى عن السخرية موجها إلى جماعة الرجال والنساء ، جريا على ما كان جاريا فى الغالب ، من أن السخرية كانت تقع فى المجامع والمحافل ، وكان الكثيرون يشتركون فيها على سبيل التلهى والتلذذ . ثم قال - تعالى - ﴿ ولا تلمزوا أنفسكم﴾ أى : ولا يعب بعضكم بعضا بقول أو إشارة سواء أكان على وجه يضحك أم لا ، وسواء كان بحضرة الملموز أم لا ، فهو أعم من السخرية (١) سورة هود الآية ٣٨ . (٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٦٧ . أ ٣١٢ المجلد الثالث عشر التى هى احتقار الغير بحضرته ، فالجملة الكريمة من باب عطف العام على الخاص . يقال : لمز فلان فلانا ، إذا عابه وانتقصه ، وفعله من باب ضرب ونصر . ومنهم من يرى أن اللمز ما كان سخرية ولكن على وجه الخفية ، وعليه يكون العطف من باب عطف الخاص على العام ، مبالغة فى النهى عنه حتى لكأنه جنس آخر . أى : ولا يعب بعضكم بعضا بأى وجه من وجوه العيب . سواء أكان ذلك فى حضور الشخص أم فى غير حضوره . وقال - سبحانه - ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾ مع أن اللامز يلمز غيره، للإشارة إلى أن من عاب أخاه المسلم ، فكأنما عاب نفسه ، كما قال - تعالى: ﴿ ... فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم ، تحية من عند الله مباركة طيبة﴾(١). وقوله : ﴿ ولا تنابزوا بالألقاب ﴾ أى: ولا يخاطب أحدكم غيره بالألفاظ التى يكرهها، بأن يقول له يا أحمق ، أو يا أعرج ، أو يا منافق .. أو ما يشبه ذلك من الألقاب السيئة التى يكرهها الشخص . فالتنابز : التعاير والتداعى بالألقاب المكروهة ، يقال : نبزه ينبزه - كضربه يضربه - إذا ناداه بلقب يكرهه ، سواء أكان هذا اللقب للشخص أم لأبيه أم لأمه أم لغيرهما . وقوله - تعالى -: ﴿ بئس الاسم الفسوق بعد الإِيمان ﴾ تعليل للنهى عن هذه الرذائل والمراد بالاسم : ما سبق ذكره من السخرية واللمز والتنابز بالألقاب ، والمخصوص بالذم محذوف . أى : بئس الفعل فعلكم أن تذكروا إخوانكم فى العقيدة بما يكرهونه وبما يخرجهم عن صفات المؤمنين الصادقين ، بعد أن هداهم الله - تعالى - وهداكم إلى الإِيمان . وعلى هذا فالمراد من الآية نهى المؤمنين أن ينسبوا إخوانهم فى الدين إلى الفسوق بعد اتصافهم بالإِيمان . قال صاحب الكشاف : الاسم ههنا بمعنى الذَّكْر ، من قولهم : فلان طار اسمه فى الناس بالكرم أو باللؤم ، كما يقال : طار ثناؤه وَصِيته .. كأنه قيل : بئس الذكر المرتفع للمؤمنين .. أن يذكروا بالفسق(٢). ويصح أن يكون المراد من الآية الكريمة نهى المؤمنين عن ارتكابهم لهذه الرذائل ، لأن (١ ) سورة النور الآية ٦١ . ( ٢) راجع تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٧٠ . - 4 سورة الحجرات ٣١٣ ارتكابهم لهذه الرذائل ، يؤدى بهم إلى الفسوق والخروج عن طاعة الله - تعالى - بعد أن اتصفوا بصفة الإِيمان . وقد أشار إلى هذا المعنى الإِمام ابن جرير فقال ما ملخصه : وقوله ( بئس الاسم الفسوق بعد الإِيمان ﴾ . يقول - تعالى - : ومن فعل ما نهينا عنه ، وتقدم على معصيتنا بعد إيمانه ، فسخر من المؤمنين ، ولمز أخاه المؤمن ونبزه بالألقاب ، فهو فاسق ، بئس الاسم الفسوق بعد الإِيمان ، يقول : فلا تفعلوا فتستحقوا إن فعلتموه . أن تسموا فساقا - بعد أن وصفتهم بصفة الإِيمان(١) . وقال الإِمام الفخر الرازى ما ملخصه : هذا أى قوله - تعالى - ﴿ بئس الاسم الفسوق بعد الإِيمان ﴾ من تمام الزجر كأنه - تعالى - يقول: يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ، ولا تلمزوا أنفسكم ، ولا تنابزوا فإن من يفعل ذلك يفسق بعد إيمانه ، والمؤمن يقبح منه أن يأتى بعد إيمانه بفسوق .. ويصير التقدير : بئس الفسوق بعد الإِيمان (٣). ويبدو لنا أن هذا الرأى أنسب للسياق ، إذ المقصود من الآية الكريمة نهى المؤمنين عن السخرية أو اللمز أو التنابز بالألقاب ، لأن تعودهم على ذلك يؤدى بهم إلى الفسوق عن طاعة الله - تعالى - والخروج عن آدابه ، وبئس الوصف وصفهم بذلك أى : بالفسق بعد الإِيمان . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ﴿ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ﴾ أى: ومن لم يتب عن ارتكاب هذه الرذائل ، فأولئك هم الظالمون لأنفسهم ، حيث وضعوا العصيان موضع الطاعة ، والفسوق فى موضع الإِيمان . هذا ، ومن الإِحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآية : وجوب الابتعاد عن أن يعيب المسلم أخاه المسلم ، أو يحتقره ، أو يناديه بلقب سيئٍّ . قال الآلوسى : انفق العلماء على تحريم تلقيب الإِنسان بما يكره ، سواء كان صفة له أم لأبيه أم لأمه أم لغيرهما . ويستثنى من ذلك نداء الرجل بلقب قبيح فى نفسه ، لا على قصد الاستخفاف به ، كما إذا دعت له الضرورة لتوقف معرفته ، كقول المحدثين: سليمان الأعمش ، وواصل الأحدب (٣) . ( ١ ) تفسير ابن جرير جـ ٢٦ ص ٨٥ . ( ٢) راجع تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٥٧٧ . ( ٣) تفسير الآلوسى جـ ٢٦ ص ١٥٤. ٣١٤ المجلد الثالث عشر ثم وجه - سبحانه - إلى عباده المؤمنين نداء خامسا ، نهاهم فيه عن أن يظن بعضهم ببعض ظنا سيئا بدون مبرر ، كما نهاهم عن التجسس وعن الغيبة ، حتى تبقى للمسلم حرمته وكرامته .. فقال - تعالى - . يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اجْتَنِبُوْ كَثِيرًا مِنَ الَّنِ إِنَ بَعْضَ الظَّنِّ إِثّْ وَلَا تَحَسُواْ وَلَا يَغْتَب ◌َعْضُكُمْ بَعْضَّا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِ هِتُمُوهُ وَنَّقُواْالَّهَإِنَّاللَّهَ تَوَّابٌ ١٢ تَّحِيمٌ ﴿ وقوله - تعالى - ﴿ اجتنبوا﴾ من الاجتناب يقال : اجتنب فلان فلانا إذا ابتعد عنه ، حتى لكأنه فى جانب والآخر فى جانب مقابل . والمراد بالظن المنهى عنه هنا : الظن السيئ بأهل الخير والصلاح بدون دليل أو برهان . قال بعض العلماء ما ملخصه : والظن أنواع : منه ما هو واجب ، ومنه ما هو محرم ، ومنه ما هو مباح . فالمحرم : كسوء الظن بالمسلم المستور الحال ، الظاهر العدالة ، ففى الحديث الشريف : ((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث .. )) وفى حديث آخر: ((إن الله حرم من المسلم ودمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء)). وقلنا : كسوء الظن بالمسلم المستور الحال ... لأن من يجاهر بارتكاب الخبائث .. لا يحرم سوء الظن به ، لأن من عرض نفسه للتهم كان أهلا لسوء الظن به . والظن الواجب يكون فيما تعبدنا الله - تعالى - بعلمه ، ولم ينصب عليه دليلا قاطعا ، فهنا يجب الظن للوصول إلى المعرفة الصحيحة ، كقبول شهادة العدل ، وتحرى القبلة .. والظن المباح مثلوا له بالشك فى الصلاة حين استواء الطرفين ... وحرمة سوء الظن بالناس ، إنما تكون إذا كان لسوء الظن أثر يتعدى إلى الغير ، وأما أن تظن شرا لتتقيه ، ولا يتعدى أثر ذلك إلى الغير فذلك محمود غير مذموم ، وهو محمل ما ورد ٣١٥ سورة الحجرات من أن ((من الحزم سوء الظن .. ))(١). أى: يامن آمنتم بالله - تعالى - إيمانا حقا ، ابتعدوا ابتعادا تاما عن الظنون السيئة بأهل الخير من المؤمنين ، لأن هذه الظنون السيئة التى لا تستند إلى دليل أو أمارة صحيحة إنما هى مجرد تهم ، تؤدى إلى تولد الشكوك والمفاسد .. فيما بينكم .. وجاء - سبحانه - بلفظ (( كثيرا)) منكرا لكى يحتاط المسلم فى ظنونه ، فيبتعد عما هو محرم منها ، ولا يقدم إلا على ما هو واجب أو مباح منها - كما سبق أن أشرنا - . وقوله - سبحانه - : ﴿ إن بعض الظن إثم﴾ تعليل للأمر باجتناب الظن. والإِثم : الذنب الذى يستحق فاعله العقوبة عليه . يقال : أثم فلان - كعلم - بأثم إنما فهو آثم إذا ارتكب ذنبا . والمراد بهذا البعض المذموم من الظن ما عبر عنه - سبحانه - قبل ذلك بقوله : اجتنبوا كثيرا من الظن ﴾ . أى : إن الكثير من الظنون يؤدى بكم إلى الوقوع فى الذنوب والآثام فابتعدوا عنه . . قال ابن كثير : ينهى اللّه عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس فى غير محله ، لأن بعض ذلك يكون إثما محضا ، فليجتنب كثيرا منه احتياطا .. عن حارثة بن النعمان قال: قال رسول الله - * - : ثلاث لازمات لأمتى : ((الطيرة والحسد وسوء الظن)): فقال رجل: ما الذى يذهبن يارسول الله من هن فيه؟ قال: ((إذا حسدت فاستغفر اللّه، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامض))(٢). وأخرج البيهقى فى شعب الإِيمان عن سعيد بن المسيب قال : كتب إلى بعض إخوانى من أصحاب رسول الله - وسلو - أن ضع أمر أخيك على أحسنه، ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شرا وأنت تجد لها فى الخير محملا ، ومن عرض نفسه للتهم فلا يلومن إلا نفسه ... (٣) . وقوله - سبحانه -: ﴿ ولا تجسسوا﴾ أى: خذوا ماظهر من أحوال الناس ولا تبحثوا عن بواطنهم أو أسرارهم . أو عوراتهم ومعايبهم ، فإن من تتبع عورات الناس فضحه الله - تعالى - . (١) تفسير آيات الأحكام جـ ٤ ص ٩٢ لفضيلة الشيخ محمد على السايس. ( ٢) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٥٧ . أ (٣) تفسير الآلوسى جـ ٢٦ ص ١٥٦. ٣١٦ المجلد الثالث عشر فالتجسس مأخوذ من الجس ، وهو البحث عما خفى من أمور الناس ، وقرأ الحس وأبو رجاء : ﴿ ولا تحسسوا﴾ من الحس، وهما بمعنى واحد. وقيل هما متغايران التجسس - بالجيم - معرفة الظاهر ، وأن التحسس - بالحاء - تتبع البواطن وقيل بالعكس .. وعلى أية حال فالمراد هنا من التجسس والتحسس : النهى عن تتبع عوارت المسلمين ، أخرج أبو داود وغيره عن أبى برزة الأسلمى قال: خطبنا رسول الله - * - فقال : يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه . لا تتبعوا عورات المسلمين ، فإن من تتبع عورات المسلمين ، فضحه الله - تعالى - فى قعر بيته)). وعن معاوية بن أبى سفيان قال: سمعت النبى - 18 - يقول: ((إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم)» (١) . ثم نهى - سبحانه - بعد ذلك عن الغيبة فقال: ﴿ولا يغتب بعضكم بعضا ﴾ والغيبة - بكسر الغين - أن تذكر غيرك فى غيابه بما يسوءه يقال : اغتاب فلان فلانا ، إذا ذكره بسوء فى غيبته ، سواء أكان هذا الذكر بصريح اللفظ أم بالكناية ، أم بالإِشارة ، أم بغير ذلك . روى أبو داود وغيره عن أبى هريرة أن رسول الله - روض الفر - قال: «أتدرون ما الغيبة ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال : ذكرك أخاك بما يكره . قيل : أرأيت إن كان فى أخى ما أقول ؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهنَّه(٢). ثم ساق - سبحانه - تشبيها ينفر من الغيبة أكمل تنفير فقال: ﴿ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ﴾. والاستفهام للتقرير لأنه من الأمور المسلمة أن كل إنسان يكره أكل لحم أخيه حيا ، فضلا عن أكله ميتا . والضمير فى قوله : ﴿ فكرهتموه﴾ يعود على الأكل المفهوم من قوله ﴿ يأكل؟ ميتا﴾ حال من اللحم أو من الأخ . أى : اجتنبوا أن تذكروا غيركم بسوء فى غيبته ، فإن مثل من يغتاب أخاه المسلم كمثل من يأكل لحمه وهو ميت ، ولاشك أن كل عاقل يكره ذلك وينفر منه أشد النفور . ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة: قوله - تعالى - : ﴿ أيجب (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٥٧ . ( ٢) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٥٩ . ٣١٧ سورة الحجرات أحدكم أن يأكل .. ﴾ تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض غيره على أفظع وجه وأفحشه . وفيه مبالغات شتى : منها الاستفهام الذى معناه التقرير ، ومنها : جعل ما هو الغاية فى الكراهة موصولا بالمحبة ، ومنها : إسناد الفعل إلى أحدكم ، والإِشعار بأن أحدا من الأحدين لا يحب ذلك ، ومنها : أنه - سبحانه - لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإِنسان ، وإنما جعله أخا ، ومنها : أنه لم يقتصر على أكل لحم الأخ وإنما جعله ميتا .. وانتصب ((ميتا)) على الحال من اللحم أو من الأخ ... وقوله: ﴿فكرهتموه) فيه معنى الشرط. أى: إن صح هذا فقد كرهتموه - فلا تفعلوه - وهى الفاء الفصيحة (١). والحق أن المتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها قد نفرت من الغيبة بأبلغ أسلوب وأحكمه ، لأنها من الكبائر والقبائح التى تؤدى إلى تمزق شمل المسلمين ، وإيقاد نار الكراهية فى الصدور . قال الآلوسى ما ملخصه : وقد أخرج العلماء أشياء لا يكون لها حكم الغيبة ، وتنحصر فى ستة أسباب : الأول : التظلم ، إذ من حق المظلوم أن يشكو ظالمه إلى من تتوسم فيه إزالة هذا الظلم . الثانى : الاستعانة على تغيير المنكر بذكره لمن يظن قدرته على إزالته . الثالث : الاستفتاء ، إذ يجوز للمستفتى أن يقول للمفتى : ظلمنى فلان بكذا .. الرابع : تحذير المسلمين من الشر ، كتجريح الشهود والرواة والمتصدين للإفتاء بغير علم . الخامس : المجاهرون بالمعاصى وبارتكاب المنكرات ، فإنه يجوز ذكرهم بما تجاهروا به .. السادس : التعريف باللقب الذى لا يقصد به الإِساءة كالأعمش والأعرج(٢). ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بدعوة المؤمنين إلى التوبة والإِنابة فقال: ﴿واتقوا الله إن الله تواب رحيم﴾. أى: واتقوا الله - أيها المؤمنون - بأن تصونوا أنفسكم عن كل ما أمركم - سبحانه - باجتنابه ، إن الله - تعالى - كثير القبول لتوبة عباده ، الذين يتوبون من قريب ، ويرجعون إلى طاعته رجوعا مصحوبا بالندم على ما فرط منهم من ذنوب ، ومقرونا بالعزم على عدم العودة إلى تلك الذنوب لا فى الحال ولا فى الاستقبال ، ومستوفيا لكل ما تستلزمه التوبة الصادقة من شروط . (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٧٣ . ( ٢) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٦ ص ١٦١ . ٣١٨ المجلد الثالث عشر وهو - أيضا - واسع الرحمة لعباده المؤمنين ، المستقيمين على أمره . وبذلك نرى هذه الآية الكريمة قد نهت المسلمين عن رذائل ، يؤدى تركها إلى سعادتهم ونجاحهم ، وفتحت لهم باب التوبة لكى يقلع عنها من وقع فيها .. وبعد هذه النداءات الخمسة للمؤمنين ، التى اشتملت على الآداب النفسية والاجتماعية .. وجه - سبحانه - نداء إلى الناس جميعا ، ذكرهم فيه بأصلهم وبميزان قبولهم عنده ، فقال - سبحانه - : يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَفْشَكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَ فُوَ إِنَّأَكْرَ مَكُمْ عِندَالَّهِ أَنْقَنَّكُمْ إِنَّاللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( ١٣ وقد ورد فى سبب نزول هذه الآية روايات منها: أن الرسول - وَله - أمر بنى بياضة أن يزوجوا امرأة منهم لأبى هند - وكان حجاما للنبى - رَله - فقالوا: يارسول الله، نزوج بناتنا - موالينا - أى : عبيدنا ، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية (١). والمراد بالذكر والأنثى : آدم وحواء . أى: خلقناكم جميعا من أب واحد ومن أم واحدة ، فأنتم جميعا تنتسبون إلى أصل واحد ، ويجمعكم وعاء واحد ، وما دام الأمر كذلك فلا وجه للتفاخر بالأحساب والأنساب . قال الألوسى : أى خلقناكم من آدم وحواء ، فالكل سواء فى ذلك ، فلا وجه للتفاخر بالنسب ، كما قال الشاعر : الناس فى عالم التمثيل أكفاء أبوهم آدم والأم حواء وجوز أن يكون المراد هنا : إنا خلقنا كل واحد منكم من أب وأم ، ويبعده عدم ظهور ترتب ذم التفاخر بالنسب عليه ، والكلام مساق له .. (٢) . وقوله: ﴿ وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا .... ﴾ بيان لما ترتب على خلقهم على تلك الصورة ، وللحكمة من ذلك . (١) تفسير القرطبى جـ ١٦ ص ٣٤٠. (٢) تفسير الآلوسى جـ ٢٦ ص ١٦١. ,٠ ٠ سورة الحجرات ٣١٩ والشعوب : جمع شعب ، وهو العدد الكثير من الناس يجمعهم - فى الغالب أصل واحد . والقبائل : جمع قبيلة وتمثل جزءا من الشعب ، إذ أن الشعب مجموعة من القبائل . قال صاحب الكشاف : والشعب الطبقة الأولى من الطبقات الست التى عليها العرب . وهى : الشعب ، والقبيلة ، والعمارة ، والبطن ، والفخذ ، والفصيلة .. وسميت الشعوب بذلك ، لأن قبائل تشعبت منها .. (١) . والمعنى : خلقناكم - أيها الناس - من ذكر وأثنى ، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا﴾ أى: ليعرف بضعكم نسب بعض، فينتسب كل فرد إلى آبائه، ولتتواصلوا فيما بينكم وتتعاونوا على البر والتقوى ، لا ليتفاخر بعضكم على بعض بحسبه أو نسبه أو جاهه . وقوله - سبحانه -: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) تعليل لما يدل عليه الكلام من النهى عن التفاخر بالأنساب . أى : إن أرفعكم منزلة عند الله، وأعلاكم عنده - سبحانه - درجة .. هو أكثركم تقوى وخشية منه - تعالى - فإن أردتم الفخر ففاخروا بالتقوى وبالعمل الصالح . إن الله عليم﴾ بكل أحوالكم ﴿ خبير﴾ بما ترونه وتعلنونه من أقوال وأفعال. وقد ساق الإِمام ابن كثير - رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآية . جملة من الأحاديث التى تنهى عن التفاخر ، وتحض على التقوى ، فقال : فجميع الناس فى الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية ، وهى طاعة الله ورسوله .. روى البخارى - بسنده - عن أبى هريرة قال: سئل رسول الله - وَيرٍ - أى الناس أكرم؟ قال: ((أكرمهم أتقاهم قالوا : ليس عن هذا نسألك قال: فأكرم الناس يوسف نبى اللّه، ابن خليل الله، قالوا: ليس عن هذا نسألك . قال : فعن معادن العرب تسألونى ؟ قالوا : نعم . قال: فخياركم فى الجاهلية خياركم فى الإسلام إذا فقهوا)). وروى مسلم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله - وَليه -: إن اللّه لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم . وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن عمر أن رسول الله - وَله - خطب الناس يوم فتح مكة فقال: ((يأيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عُبَيَّةَ الجاهلية - أى تكبرها، وتعظمها بآبائها، فالناس رجلان : رجل يرتقى كريم على الله، وفاجر شقى هين على الله. إن الله - تعالى - (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٧٤ . ٣٢٠ المجلد الثالث عشر يقول: ﴿ يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى .. ﴾ ثم قال: ((أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم))(١) . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالرد على الأعراب الذين قالوا آمنا ، دون أن يدركوا حقيقة الإِيمان ، وبين من هم المؤمنون الصادقون . فقال - تعالى - : قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّاًقُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْ خُلِ الْإِيمَنُ فِ قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُواْاللَّهَ وَرَسُولَهُ لَ يَلِتَّكُمْ مِنْ أَعْمَلِكُمْ شَيْئًا إِنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ١٤ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُ واْبِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِأُوْلَتِكَ هُمُ قُلْ أَتُّعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ ١٥ الضَدِقُونَ ﴿ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَ مَا فِ الْأَرْضِّ وَاللَّهُ بِكُلِ شَىْءٍ عَلِيهُ ﴿ يَمُونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لَّا تَعُنُّوا عَلَ إِسْلَمَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَ نَّكُمْ لِلإِيَمَنِ إِنْ كُنْتُمْ صَدِّقِينَ ، إِنَّاللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ١٨ والإِعراب : اسم جنس لبدو العرب ، واحده أعرابى ، وهم الذين يسكنون البادية . والمراد بهم هنا جماعة منهم لاكلهم ، لأن منهم، ﴿ من يؤمن بالله واليوم الآخر ، ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول، ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله فى رحمته ﴾ .. (٢) (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٦٦. ( ٢) سورة التوبة الآية ٩٩ .