النص المفهرس

صفحات 221-240

:
٢٢١
سورة محمد
القتل بأشنع صورة ، وهو حز العنق ، وإطارة العضو الذى هو رأس البدن(١).
وقوله - سبحانه -: ﴿ حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق ﴾ بيان لما يكون من المؤمنين
بعد مثل حركة أعدائهم ، وإنزال الهزيمة بهم .
وقوله: ﴿ أنخنتموهم) من الإِثخان بمعنى كثرة الجراح ، مأخوذ من الشىء الثخين،
أى : الغليظ . يقال : أثخن الجيش فى عدوه ، إذا بالغ فى إنزال الجراحة الشديدة به ، حتى
أضعفه وأزال قوته .
والوثاق - بفتح الواو وكسرها - اسم للشىء الذى يوثق به الأسير كالرباط أى : عند
لقائكم - أيها المؤمنون - لأعدائكم ، فاضربوا أعناقهم ، فإذا ما تغلبتم عليهم وقهر تموهم ،
وأنزلتم بهم الجراح التى تجعلهم عاجزين عن مقاومتكم ، فأحكموا قيد من أسرتموه منهم ، حتى
لا يستطيع التفلت أو الهرب منكم .
وقوله - سبحانه - ﴿ فإما منا بعد وإما فداء ﴾ إرشاد لما يفعلونه بعد ذلك.
والمن : الإِطلاق بغير عوض ، يقال: منَّ فلان على فلان إذا أنعم عليه بدون مقابل .
والفداء : ما يقدمه الأسير من أموال أو غيرها لكى يفتدى بها نفسه من الأسر .
وقوله: ﴿منا﴾ و﴿ فداء) منصوبان على المصدرية بفعل محذوف: أى: فإما تمنون
عليهم بعد الأسر منا بأن تطلقوا سراحهم بدون مقابل ، وإما أن تفدوا فداء بأن تأخذوا منهم
فدية فى مقابل إطلاق سراحهم .
وقوله - سبحانه - ﴿ حتى تضع الحرب أوزارها ﴾ غاية لهذه الأوامر والإِرشادات .
وأوزار الحرب : آلاتها وأثقالها التى لا تقوم إلا بها ، كالسلاح وما يشبه .
قال الشاعر :
وأعددتَ للحرب أوزارها رماحا طوالاً وخيلا ذكورا
أى : افعلوا بهم ما أمرناكم بفعله ، واستمروا على ذلك حتى تنتهى الحرب التى بينكم وبين
أعدائكم بهزيمتهم وانتصاركم عليهم .
وسميت آلات الحرب وأحمالها بالأوزار ، لأن الحرب لما كانت لا تقوم إلا بها ، فكأنها
تحملها وتستقل بها ، فإذا انقضت الحرب فكأنها وضعت أحمالها وانفصلت عنها .
ثم بين - سبحانه - الحكمة من مشروعية قتال الأعداء ، مع أنه - سبحانه - قادر على
( ١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣١٦.

٢٢٢
المجلد الثالث عشر
إهلاك هؤلاء الأعداء، فقال: ﴿ ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ، ولكن ليبلو بعضكم
ببعض ﴾ .
واسم الإشارة : خبر لمبتدأ محذوف ، أى : الأمر ذلك ، أو فى محل نصب على المفعولية بفعل
محذوف ، أى : افعلوا ذلك الذى أمرناكم به وأرشدناكم إليه واعلموا أنه - سبحانه - لو يشاء
الانتصار من هؤلاء الكافرين والانتقام منهم لفعل ، أى : لو يشاء إهلاكهم لأهلكم ، ولكنه -
سبحانه - لم يفعل ذلك بل أمركم بمحاربتهم ليختبر بعضكم ببعض ، فيتميز عن طريق هذا
الاختبار والامتحان، قوى الإِيمان من ضعيفه . كما قال - تعالى -: ﴿ ولنبلونكم حتى نعلم
المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ﴾ .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمجاهدين من ثواب عظيم فقال: ﴿ والذين قتلوا
فى سبيل الله﴾ أى: والذين استشهدوا وهم يقاتلون من أجل إعلاء كلمة الله.
﴿ فلن يضل أعمالهم﴾ أى: فلن يضيع أعمالهم ولن يبطلها .
بل ﴿ سيهديهم ﴾ أى: بل سيوصلهم إلى طريق السعادة والفلاح.
ويصلح بالهم ﴾ أى: ويصلح أحوالهم وشئونهم وقلوبهم .
: ويدخلهم الجنة عرفها لهم ﴾ أى: ويدخلهم بعد كل ذلك الجنة يوم القيامة ويهديهم إلى
بيوتهم ومساكنهم فيها ، بحيث لا يخطئونها ، حتى لكأنهم يقيمون فيها منذ خلقوا ، وذلك كله
بإلهام من الله - تعالى - : لهم .
قال الآلوسى ما ملخصه: ﴿ عرفها لهم﴾ هذا التعريف فى الآخرة . قال مجاهد : يهدى
أهل الجنة إلى بيوتهم ومساكنهم ، وحيث قسم الله - تعالى - لهم منها ، لا يخطئون كأنهم
ساكنوها منذ خلقوا .. وذلك بإلهام منه - عز وجل - .
وورد فى بعض الآثار أن حسناته تكون دليلا له على منزله فيها ، وقيل : إنه - تعالى - :
رسم على كل منزل اسم صاحبه وهو نوع من التعريف .
وقيل : معنى عرفها لهم . طيبها لهم من العرف وهو الرائحة الطيبة ، ومنه طعام معرف ، أى
مطيب .
وعن الجبائى أن التعريف فى الدنيا ، وهو يذكر أوصافها ، والمراد أنه - سبحانه - لم يزل
يمدحها لهم، حتى عشقوها ، فاجتهدوا فى فعل ما يوصلهم إليها .. (١).
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٥ ص ٤٣.

١
سورة محمد
٢٢٣
هذا ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى :
١ - وجوب قتال الكافرين بكل شدة وقوة ، حتى تضعف شوكتهم ، وتدول دولتهم ،
ويخضعوا لحكم شريعة الإِسلام فيهم .
وفى هذه المعنى وردت آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى -: ﴿ يأيها النبى جاهد الكفار
والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير ﴾ .
٢ - أخذ بعض العلماء من قوله - تعالى -: ﴿ فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب
أوزارها ﴾ أن الأسير من الأعداء يدور أمره بين هاتين الحالتين إما أن نطلق سراحه بدون
مقابل ، وإما أن نطلق سراحه فى مقابل فدية معينة نأخذها منه ، وقد تكون هذه الفدية مالا ،
أو عملا ، أو غير ذلك مما فيه منفعة للمسلمين .
ويرى بعض العلماء أن هذه الآية منسوخة بقوله - تعالى -: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم
فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ، وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد ﴾(١) .
ويرى المحققون من العلماء أن هذه الآية، وهى قوله - تعالى -: ﴿فإما منا بعد وإما
فداء ﴾ . تحكى حالات معينة يكون أمر الأسرى فيها دائرا بين المن والفداء، لأنهما من
مصلحة المسلمين ، وهناك حالات أخرى يكون الأصلح فيها قتل الأعداء ، أو استرقاقهم .
فمسألة الأسرى من الأعداء ، يكون الحكم فيها على حسب ما تقتضيه مصلحة المسلمين ،
ومرجع الحكم فيها إلى البصراء بالحرب وبوضع خططها ، لأنهم أعرف الناس بكيفية معاملة
الأسرى .
وهذا الرأى الأخير هو الذى تطمئن إليه النفس ، لأنه الثابت من فعل رسول
الله - - ومن أفعال أصحابه، ولأن ذكر المن والفداء لا ينافى جواز غيره كالقتل -
مثلا - لأن هذا الغير مفهوم من آيات أخرى ذكرت هذا الحكم فى أوقات وحالات معينة .
وقد رجح هذا الرأى كثير من العلماء ، منهم الإِمام ابن جرير ، فقد قال ما ملخصه - بعد
أن ساق جملة من الأقوال - : والصواب من القول عندنا فى ذلك ، أن هذه الآية محكمة غير
منسوخة لأنه غير مستنكر أن يكون جعل الخيار فى المن والقتل والفداء إلى الرسول - # -
وإلى القائمين بعده بأمر الأمة . وإن لم يكن القتل مذكورا فى هذه الآية ، لأنه قد أذن -
سبحانه - بقتلهم فى آيات أخرى منها ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾.
(١) سورة التوبة الآية ٥.
+

٢٢٤
المجلد الثالث عشر
وقد فعل الرسول - ﴿ - كل ذلك ، مع الأسرى ففى بدر قتل عقبة بن أبي معيط .
وأخذ الفداء من غيره .. ومَنَّ على ثمامة بن أثال الحنفى وهو أسير فى يده (١) .
وقال القرطبى - بعد أن ذكر أربعة أقوال - : الخامس : أن الآية محكمة ، والإِمام مخير فى
كل حال .
وبهذا قال كثير من العلماء منهم : ابن عمر ، والحسن وعطاء ، وهو مذهب مالك والشافعى
والثورى والأوازعى .. وغيرهم، وهو الاختيار؛ لأن النبى - وَلاير - والخلفاء الراشدين
فعلوا كل ذلك. فقد قتل النبى - * - فى بدر النضر بن الحارث . وأخذ الفداء من أسارى
بدر .. وقد مَنَّ على سبى هوازن. وهذا كله ثابت فى الصحيح (٢).
وقال بعض العلماء ما ملخصه : وما نحسبنا مخطئين إذ قلنا إن الذى كان من
النبى - * - من الأعمال المختلفة ، كان نزولا على مقتضى المصلحة ، ولذلك نراه كان
يجتهد فى تعرف وجوه المصلحة ، فيستشير أصحابه .
ولو كان الأمر أمر خطة مرسومة ، واحدا لا يتخطى . ما كان هناك معنى للاستشارة ، ولا
للنزول على رأى بعض أصحابه ، ولما خالف فى الحرب الواحدة بين أسير وأسير ، فقتل هذا ،
وأخذ الفداء من هذا . ومنَّ على هذا .
وإذا فالمصلحة العامة وحدها هى المحكمة ، وهى الخطة التى تتبع فى الحروب ، خصوصا
والحرب مكر وخديعة ، وما دامت مكر أو خديعة فليترك الماكرين وضع خطط المكر والخديعة
ولا يرسم لهم كيف يمكرون ، وإلا ما كانوا ما كرين(٣).
٣ - بشارة الشهداء بالثواب الجزيل ، وبالأجر العظيم ، ويكفى لذلك قوله - تعالى - :
﴿ والذين قتلوا فى سبيل الله فلن يضل أعمالهم، سيهديهم ويصلح بالهم، ويدخلهم الجنة
عرفها لهم ﴾ .
وقد ذكر الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات جملة من الأحاديث منها : ما أخرجه
الإِمام أحمد عن قيس الجذامى قال: قال رسول الله -* -: ((يعطى الشهيد ست
خصال : عند أول قطرة من دمه يكفر عنه كل خطيئة ، ويرى مقعده من الجنة ، ويزوج من
(١) راجع تفسير ابن جرير جـ ٢٩ ص ٢٧ .
(٢) راجع تفسير القرطبى جـ ١٦ ص ٢٢٨.
(٣) راجع تفسير آيات الأحكام جـ ٤ ص ٧٦ لفضيلة الشيخ محمد على السايس.

٢٢٥
سورة محمد
الحور العين ، ويؤمن من الفزع الأكبر ، ومن عذاب القبر، ويحلى حلة الإِيمان (١).
ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين بشرهم بنصره متى نصروا دينه ، وتوعد الكافرين
بالخيبة والخسران ، ووبخهم على عدم تدبرهم فى مصير الذين من قبلهم ، وسلى
النبى - * - عما أصابه من أعدائه، فقال - تعالى - :
يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُوْإِنْ تَنْصُرُواْاللَّهَ يَنَصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ، وَالَّذِينَ كَفَرُواْ
فَتَعْسَّالَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ ) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ
فَأَخْبَطَ أَعْمَلَهُمْ 0
أَفَلَمْ يَسِيرُ وا فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُ واكَيفَ
كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَفِرِينَ أَمْثَلُهَا
١٠
١١
ذَلِكَ بِأَنَّاللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّالْكَفِرِينَ لَمَوْلَى لَمُمْ
إِنَّاللَّه يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَِّحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن
تَّخِها الأَنْهَرِّ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَنَّعُونَ وَبَأْكُونَ كَمَاتَأْكُلُ الْأَنْعَمُ
وَالنَّارُ مَثْوَى لَّمْ وَكَيْنِ مِّن قَرْيَةٍ مِىَ أَشَدُّقُوَّةً مِنْ قَرْيَئِكَ
الَِّي أَخْرَجَنْكَ أَهْلَكْتَهُمْ فَلَ نَاصِرَ لَّمْ ٣)
والمراد بنصر المؤمنين لله - تعالى - نصرهم لدينه ، بأن يستقيموا على أمره ويتبعوا
الرسول - * - فى كل ما أمرهم به أو نهاهم عنه .
والمعنى: يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإِيمان، إن تنصروا دين الله - عز وجل -
وتتبعوا رسوله، ﴿ينصركم) - سبحانه - على أعدائكم ﴿ويثبت أقدامكم ﴾ عند
قتالكم إياهم ويوفقكم بعد ذلك للثبات على دينه ، والشكر على نعمه .
( ١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٢٩٢ .

٢٢٦
المجلد الثالث عشر
وفى معنى هذه الآية، وردت آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - : ﴿ ولينصرن الله من
ينصره إن اللّه لقوى عزيز﴾(١).
وقوله - سبحانه -: ﴿وكان حقا علينا نصر المؤمنين﴾(٢).
وقوله - عز وجل -: ﴿ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم
الأشهاد ﴾(٣).
وبعد هذا النداء الذى يحمل أكرم البشارات للمؤمنين ، ذم - سبحانه - الكافرين ذما
شديداً، فقال : ﴿والذين كفروا، فتعسا لهم وأضل أعمالهم ﴾ .
والاسم الموصول مبتدأ ، وخبره محذوف ، و ﴿ تعسا﴾ منصوب على المصدر بفعل مضمر
من لفظه ، واللام فى قوله ﴿ لهم ) لتبيين المخاطب، كما فى قولهم: سقيا له ، أى: أعنى له
يقال : تعس فلان - من باب منع وسمع - بمعنى هلك .
قال القرطبى ما ملخصه وقوله: ﴿تعسا لهم﴾ نصب على المصدر بسبيل الدعاء ، مثل
سقيا له .. وفيه عشرة أقوال : الأول : بعداً لهم . الثانى : حزنا لهم .. الخامس ) هلاكا لهم ..
يقال: تعسا لفلان ، أى ألزمه اللّه هلاكا .
ومنه الحديث الشريف: (( تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة . إن أعطى رضى ، وإن لم
يعط لم يرض)).
وفى رواية: ((تعس وانتكس، وإذا شيك - أى أصابته شوكة - فلا انتقش)) أى : فلا
شفى من مرضه (٤) .
والمعنى : والذين كفروا فتعسوا تعسا شديدا، وهلكوا هلاكا مبيراً ، وأضل الله - تعالى -
أعمالهم ، بأن أحبطها ولم يقبلها منهم ، لأنها صدرت عن نفوس أشركت مع خالقها ورازقها آلهة
أخرى فى العبادة .
فقوله: ﴿وأضل أعمالهم) معطوف على الفعل المقدر الذى نصب به لفظ ((تعسا))
ودخلت الفاء على هذا اللفظ ، تشبيها للاسم الموصول بالشرط .
ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت بهم إلى الخسران والضلال فقال : ﴿ ذلك بأنهم
كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ﴾.
(١) سورة الحج الآية ٤٠.
( ٢) سورة الروم الآية ٤٧ .
( ٣) سور غافر ٥١ .
(٤) راجع تفسير القرطبى جـ ١٦ ص ٢٣٢ .

٢٢٧
سورة محمد
أى : ذلك الذى حل بهم من التعاسة والإضلال بسبب أنهم كرهوا ما أنزله الله - تعالى -
على رسوله - * - من قرآن يهدى إلى الرشد ، فكانت نتيجة هذه الكراهية ، أن أحبط الله
أعمالهم الحسنة التى عملوها فى الدنيا كإطعام الطعام وصلة الأرحام .. لأن هذه الأعمال لم تصدر
عن قلب سليم ، يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر .
ثم وبخهم - سبحانه - على عدم اعتبارهم بما فى هذا الكون من عبر وعظات فقال :
أفلم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ﴾ .
والهمزة للاستفهام التقريعى ، والفاء معطوفة على مقدر، أى : أقبعوا فى مساكنهم فلم
يسيروا فى جنبات الأرض ، فيشاهدوا كيف كانت عاقبة المكذبين من قبلهم كقوم عاد وثمود
ولوط .. وغيرهم .
وقوله : ﴿ دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها) جملة مستأنفة، كأنه قيل: كيف كانت
عاقبة الذين من قبلهم ؟ فكان الجواب : دمر اللّه - تعالى - عليهم مساكنهم وأموالهم ،
فالمفعول محذوف للتهويل والمبالغة فى الإهلاك . يقال: دمر الله - تعالى - الأعداء تدميرا ،
إذا أهلكهم إهلاكا شديدا . ودمر عليهم ، أى: أهلك ما يختص بهم ، وجاء هنا بكلمة
((عليهم)) لتضمين التدمير معنى الإِيقاع أو الهجوم .
وقوله : ﴿ وللكافرين أمثالها) وعيد وتهديد لهؤلاء الكافرين المعاصرين
للنبى -# -. أى : هكذا كانت عاقبة المجرمين السابقين ، وللكافرين المعاصرين لك -
أيها الرسول الكريم - السائرين على درب سابقيهم فى الكفر والضلال والطغيان ، أمثال تلك
العاقبة السيئة .
فالضمير فى قوله - تعالى - ﴿ أمثالها ﴾ يعود إلى العاقبة المتقدمة. وجمع - سبحانه -
لفظ الأمثال باعتبار تعدد العذاب الذى نزل بالأمم المكذبة السابقة .
واسم الإشارة فى قوله - سبحانه - ﴿ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا ، وأن الكافرين
لا مولى لهم﴾. أى: ذلك التدمير والإهلاك الذى حل بالمكذبين، بسبب أن الله - تعالى -
هو ولى المؤمنين وناصرهم ومؤيدهم .. أما الكافرون فلا مولى لهم ينصرهم أو يدفع عنهم ما حل
بهم من دمار وخسران .
فالمراد بالمولى هنا : الناصر والمعين ، وأن نصرته - تعالى - هى للمؤمنين خاصة .
· ولا يناقض هذا قوله - تعالى - فى آية أخرى: ﴿ ثم ردوا إلى اللّه مولاهم الحق .. ﴾ لأن
المراد بقوله: ﴿مولاهم الحق﴾: إلههم الحق، ومالكهم الحق، وخالقهم وخالق كل شىء.

٢٢٨
المجلد الثالث عشر
ثم بين - سبحانه - ما أعده للمؤمنين من ثواب عظيم ، وما أعده للكافرين من عذاب
أليم ، فقال: ﴿ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار.
والذين كفروا يتمتعون .. ﴾ أى يتمتعون وينتفعون بملاذ الدنيا أياما قليلة .
ويأكلون﴾ مآكلهم بدون تفكر أو تحر للحلال أو شكر الله ﴿كما تأكل الأنعام﴾
طعامها الذى يلقيه إليها صاحبها .
فالمقصود بالجملة الكريمة ذم هؤلاء الكافرين ، لشبههم بالأنعام التى لا تعقل ، فى كونهم
يأكلون طعامهم دون أن يشكروا اللّه - تعالى - عليه ، ودون أن يفرقوا بين الحلال والحرام ،
ودون أن يرتفعوا بإنسانيتهم عن مرتبة الحيوان الأعجم .
قال الآلوسى : والمعنى أن أكلهم مجرد عن الفكر والنظر ، كما تقول للجاهل : تعيش كما
تعيش البهيمة ، فأنت لا تريد التشبيه فى مطلق العيش ، ولكن فى خواصه ولوازمه . وحاصلة
أنهم يأكلون غافلين عن عواقبهم ومنتهى أمورهم(١).
وقوله: ﴿ والنار مثوى لهم﴾ بيان لسوء عاقبتهم فى الآخرة، بعد بيان صورتهم القبيحة
فى الدنيا . والمثوى: اسم مكان لمحل إقامة الإنسان .
بأى : والنار هى المكان المعد لنزولهم فيه يوم القيامة .
ثم سلى - سبحانه - نبيه عما أصابه منهم من أذى فقال : ﴿وكأين من قرية هى أشد قوة
من قريتك التى أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم﴾ .
وكلمة ﴿كأين ﴾ مركبة من كاف التشبيه وأى الاستفهامية المنونة ، ثم هجر معنى جزأيها
وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية الدالة على التكثير ، ويكنى بها عن عدد مبهم فتحتاج إلى
تميز بعدها. وهى مبتدأ .. وقوله: ﴿أهلكناهم) خبرها. و﴿من قرية﴾ تمييز لها. والمراد
بالقرية أهلها ، وهم مشركو قريش .
أى : وكم من أهل قرية هم أشد قوة من أهل قريتك التى أخرجوك منها - أيها الرسول
الكريم - فترتب على فعلهم هذا أن أهلكناهم دون أن ينصرهم من عقابنا ناصر ، أو أن
يجيرهم من عذابنا مجير .
قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لأهل
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٦ ص ٤٦.

٢٢٩
سورة محمد
مكة ، فى تكذيبهم لرسول الله - * - وهو سيد المرسلين ، وخاتم النبيين.
روى ابن أبى حاتم ، بسنده - عن ابن عباس أن النبى - * - لما خرج من مكة إلى
الغار ، التفت إليها وقال: يا مكة: أنت أحب بلاد اللّه إلى اللّه وأنت أحب بلاد الله إلىَّ، ولو
أن المشركين لم يخرجونى لم أخرج منك .. فأنزل الله هذه الآية (١).
ثم واصلت السورة الكريمة حديثها فى الموازنة والمقارنة بين حال المؤمنين وحال الكافرين .
فقال - تعالى - :
أَفَتَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ
مِّن رَّيِّدِ، كَمَنْ زُيِّنَ لَهُسُوْءُ عَمَلِهِ مَّعُواْأَهْوَآءَمُ (٤) مَثَلُ اَلْنَّةِ
الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَرٌ مِن ◌ٍَّ غَيِّ مَاسِنٍ وَأَنْهَرٌ مِّنْ لَّبَنٍلَّمْ
يَغَيَرْ طَعْمُهُ, وَأَنْهَرٌ مِنْ خَمْرٍلَّذَّةٍلِلشََّرِبِنَ وَأَنْهَرٌ مِنْ عَسَلِّمُّصَفَىّ
وَثْ فِهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ زَّبِهِمْ كُمَنْ هُوَ خَلِمٌ فِالنَّارِ
وَسُقُواْمَآءَ ◌َمِيعًا فَقَّطَّعَ أَمْعَآءَهُّ (١٥)
والاستفهام فى قوله - تعالى -: ﴿أفمن كان على بينة من ربه﴾ للإنكار والنفى،
والفاء للعطف على مقدر يقتضيه السياق، و(( من)) مبتدأ ، والخبر قوله ﴿كمن زين له سوء
عمله﴾. والبينة: ما يتبين به الحق من كل شىء، كالنصوص الصحيحة فى النقليات
والبراهين السليمة فى العقليات .
والمراد بمن كان على بينة من ربه: الرسول -# - وأتباعه ، والمراد بمن زين له سوء
عمله ، واتبعوا أهوائهم : المشركون الذين استحبوا العمى على الهدى .
والمعنى : أفمن كان على بينة من أمر ربه ، وعلى طريقة سليمة من هديه ، يستوى مع من
كان على ضلالة من أمره ، بأن ارتكب الموبقات مع توهمه بأنها حسنات ، واتبع هواه دون أن
يفرق بين القبيح والحسن ؟ لا شك أنهما لا يستويان فى عقل أى عاقل . فإن الفريق الأول
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٢٩٤ .
1

٢٣٠
المجلد الثالث عشر
مهتد فى منهجه وسلوكه ، والفريق الثانى فى النقيض منه .
ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى بأن بين مصير الفريقين فقال : ﴿ مثل الجنة التى وعد
المتقون ﴾ .
والمراد بالمثل هنا : الصفة . وهو مبتدأ ، والكلام على تقدير الاستفهام الإنكارى ، وتقدير
مضاف محذوف ، والخبر قوله - تعالى -: ﴿ كمن هو خالد فى النار﴾ . أى : أمثل أهل
الجنة كمثل من هو خالد فى النار ، أو : أمثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد فى النار ، وقدر
الاستفهام فى المبتدأ لأنه مرتب على الإنكار الساق فى قوله : ﴿ أفمن كان على بينة من
ربه ﴾ .
ورحم الله - تعالى - صاحب الكشاف ، فقد قال : فإن قلت ما معنى قوله - تعالى - :
مثل الجنة التى وعد المتقون فيها أنهار ﴾ كمن هو خالد فى النار ؟
قلت : هو كلام فى صورة الإِثبات ، ومعناه النفى والإِنكار ، لانطوائه تحت حكم كلام
مصدر بحروف الإِنكار ، ودخوله فى حيزه ، وانخراطه فى سلكه ، وهو قوله - تعالى - :
أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله .. ﴾؟ فكأنه قيل: أمثل الجنة كمن
هو خالد فى النار ، أى كمثل جزاء من هو خالد فى النار ؟
فإن قلت : فلم عرَّى فى حرف الإِنكار ؟ وما فائدة التعرية ؟
قلت : تعريته من حرف الإنكار فيها زيادة تصوير المكابرة من يسوى بين المتمسك بالبينة
والتابع لهواه ، وأنه بمنزلة من يثبت التسوية بين الجنة التى تجرى فيها الأنهار ، وبين النار التى
يسقى أهلها الجحيم .. (١).
وقوله - سبحانه -: ﴿ فيها أنهار من ماء غير آسن ﴾ تفسير مسوق لشرح محاسن الجنة
أى : صفة الجنة التى وعد الله - تعالى - بها عباده المتقين ، أنها فيها أنهار من ماء ليس متغيرا
فى طعمه أو رائحته ، وإنما هو ماء طيب لذيذ تشتهيه النفوس .
والماء الآسن: هو الماء الذى تغير طعمه وريحه ، لطول مكثه فى مكان معين. يقال: أَسَنَ
الماء يأسِن - كضرب - يضرب ، إذا تغير .
﴿ وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ﴾ أى: وفيها - أيضا - أنهار من لبن لم يتغير طعمه
لا بالحموضة ولا بغيرها مما يجرى على الألبان التى تشرب فى الدنيا .
سـ
٠٫٠
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٢١.
:

٢٣١
سورة محمد
وأنهار من خمر لذة للشاربين ﴾ أى: وفيها كذلك أنهار من خمر هى فى غاية اللذة لمن
يشربها ، إذ لا يعقبها ذهاب عقل ، ولا صداع .
وقال - سبحانه - ﴿ لذة للشاربين ﴾ للإشعار بأنها لذيذة لجميع من يشربونها بخلاف
خمر الدنيا فإن من الناس من ينفر منها ويعافها حتى ولو كان على غير دين الإِسلام .
وأنهار من عسل مصفى ﴾ أى : وفيها - أيضا - أنهار من عسل لا يخالطه ما يخالط
عسل الدنيا من الشمع أو غيره .
﴿ولهم﴾ أى: للمؤمنين ﴿ فيها﴾ أى: فى الجنة فضلا عن كل ذلك ﴿ من كل
الثمرات) التى يشتهونها، وأهم من كل ذلك أنهم لهم فيها: ﴿مغفرة من ربهم﴾ أى: لهم
ثواب عظيم وفضل كبير من ربهم ، حيث ستر لهم ذنوبهم ، وأزالها عنهم ، وحولها إلى حسنات
بكرمه وإحسانه .
وقوله - سبحانه -: ﴿ كمن هو خالد فى النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم﴾ أى:
أمثل جزاء المؤمنين الذى هو الجنة التى فيها ما فيها من أنهار الماء واللبن والخمر والعسل ..
كمثل عقاب الكافرين والمتمثل فى نارهم خالدين فيها أبدا ، وفى ماء فى أشد درجات الحرارة ،
يشربونه فيقطع أمعاءهم ؟
لاشك أن كل عاقل يرى فرقا شاسعا ، بين حسن عاقبة المؤمنين ، وسوء عاقبة
الكافرين .
وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد فرقت بين الأخيار والأشرار فى المنهج والسلوك ، وفى
المصير الذى يصير إليه كل فريق .
وبعد هذا الحديث المفصل عن حال المؤمنين وحال الكافرين وعن مصير كل فريق . انتقلت
السورة إلى الحديث عن المنافقين ، وعن موقفهم من النبى - ويلي - ومن القرآن الكريم
الذى أنزله الله - تعالى - عليه ، فقال - سبحانه - :
وَمِنْهُمْ مَن يَسْتَمِعُ إِلَّكَ
حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُواْالْعِلْمَ مَاذَا قَالَ مَانِفًا
ج
أُوْلَكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَتَّعُوْ أَهْوَاءَ هُمْ ، وَالَّذِينَ
أُهْتَدَوْأَ زَادَهُمْ هُدًى وَءَانَمُهُمْ تَقْوَنُهُمْ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا

٢٣٢
المجلد الثالث عشر
السَّاعَةَ أَنْ تَأْنِيَهُمْ بَعْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاُهَا فَّ ◌َهُمْإِذَا جَآءَ تُهُمْ
ذِكْرَهُمْ (٨) فَاعْلَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ وَأَسْتَغْفِرْلِذَنْبِكَ
وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِّ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَبَّكُمْ وَمَثْوَنِكُمْ (أ)
وضمير الجمع فى قوله - تعالى -: ﴿ومنهم من يستمع إليك ﴾ يعود إلى هؤلاء الكافرين
الذين يأكلون كما تأكل الأنعام ، وذلك باعتبار أن المنافقين فرقة من الكافرين ، إلا أنها تخفى
هذا الكفر وتبطنه .
كما يحتمل أن يعود إلى كل من أظهر الإِسلام ، باعتبار أن من بينهم قوما قالوا كلمة
الإِسلام بأفواههم دون أن تصدقها قلوبهم .
وعلى كل حال فإن النفاق قد ظهر بالمدينة ، بعد أن قويت شوكة المسلمين بها . وصاروا
قوة يخشاها أعداؤهم ، هذه القوة جعلت بعض الناس يتظاهرون بالإِسلام على كره وهم
يضمرون له ولأتباعه العداوة والبغضاء .. ويؤيدهم فى ذلك اليهود وغيرهم من الضالين .
أى : ومن هؤلاء الذين يناصبونك العداوة والبغضاء - أيها الرسول الكريم قوم يستمعون
إليك بآذانهم لا بقلوبهم .
حتى إذا خرجوا من عندك ﴾ أى : من مجلسك الذى كانوا يستمعون إليك فيه ،
قالوا﴾ على سبيل الاستهزاء والتهكم ﴿الذين أوتوا العلم) من أصحابك ، الذين
فقهوا كلامك وحفظوه .
· ماذا قال آنفا﴾ أى: ماذا كان يقول محمد - - قبل أن نفارق مجلسه.
فقوله : ﴿ آنفا﴾ اسم فاعل، ولم يسمع له فعل ثلاثى ، بل سمع انتنف یأتنف واستأنف
يستأنف بمعنى ابتدأ .
قال القرطبى: قوله: ﴿ ماذا قال آنفا﴾ أى: ماذا قال الآن .. فآنفا يراد به الساعة
التى هى أقرب الأوقات إليك ، من قولك استأنفت الشىء إذا ابتدأت به ومنه قولهم : أمر
أَنْف، وروضة أَنْفه، أى: لم يرعها أحد (١).
(١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٦ ص ٢٣٨.

٢٣٣
سورة محمد
وقال الآلوسى ما ملخصه : قوله: ﴿ومنهم من يستمع إليك .... ﴾ هم المنافقون، وإفراد
الضمير باعتبار اللفظ ، كما أن جمعه باعتبار المعنى .
قال ابن جريج، كانوا يحضرون مجلس رسول الله - 143 - فيسمعون كلامه ولا يعونه
ولا يراعونه حق رعايته تهاونا منهم .
ومقصودهم بقولهم: ﴿ ماذا قال آنفا﴾ الاستهزاء وإن كان بصورة الاستعلام.
و﴿ آنفا﴾ اسم فاعل على غير القياس أو بتجريد فعله من الزوائد لأنه لم يسمع له
ثلاثى ، بل المسموع : استأنف وأتنف(١).
ثم بين - سبحانه - حالهم فقال : ﴿ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا
أهواءهم ﴾ . أى: أولئك المنافقون الذين قالوا هذا القول القبيح، هم الذين طبع الله -
تعالى - على قلوبهم بأن جعلها بسبب استحبابهم الضلالة على الهداية لا ينتفعون بنصح ،
ولا يستجيبون لخير ، وهم الذين اتبعوا أهواءهم وشهواتهم فصاروا لا يعقلون حقا ، ولا
يفقهون حديثا .
فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه هؤلاء المنافقون من مكر وخداع ، ومن
خبث وسوء طوية . وترد عليهم بهذا الذم الشديد الذى يناسب جرمهم .
ثم يعقب - سبحانه - على ذلك ببيان حال المؤمنين الصادقين فيقول : ﴿ والذين اهتدوا
زادهم هدى وآتاهم تقواهم ﴾ .
أى : هذا هو حال المنافقين ، وهذا هو الحكم الذى يناسبهم ، أما الذين اهتدوا إلى الحق ،
واستجابوا له ، وخالطت بشاشته قلوبهم ، فهم الذين زادهم الله - تعالى - هداية على
هدايتهم . وزادهم علما وبصيرة وفقها فى الدين ، ومنحهم بفضله وإحسانه خلق التقوى
والخشية منه ، والطاعة لأمره ، وكافأهم على ذلك بما يستحقون من ثواب جزيل .
ثم تعود السورة الكريمة إلى توبيخ هؤلاء المنافقين على غفلتهم وانطاس بصائرهم ،
فقتول: ﴿ فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة ، فقد جاء أشراطها . فأنى لهم إذا جاءتهم
ذكراهم ﴾ ؟ .
فالاستفهام للإِنكار والتعجب من حالهم ، وقوله ﴿ أن تأتيهم ﴾ بدل اشتمال من الساعة ،
والأشراط جمع شَرَط - بالتحريك مع الفتح - وهو العلامة ، وأصله الإِعلام عن الشىء .
يقال : أشرط فلان نفسه لكذا ، إذا أعلمها له وأعدها ، ومنه الشرطى - كتركى -
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٦ ص ٥٠ .

٢٣٤
المجلد الثالث عشر
والجمع شُرَط - بضم ففتح - سموا بذلك لأنهم أعلموا أنفسهم بعلامات يعرفون بها ، وتميزهم
عن غيرهم .
وقوله : ﴿فأنى لهم) خبر مقدم و﴿ ذكراهم﴾ مبتدأ مؤخر، والضمير فى قوله
﴿ جاءتهم﴾ يعود إلى الساعة، والكلام على حذف مضاف قبل قوله ﴿ذكراهم﴾ أى:
فأنى لهم نفع ذكراهم ؟
والمعنى : ما ينتظر هؤلاء الجاهلون إلا الساعة ، التى سيفاجئهم مجيؤها مفاجأة بدون
مقدمات ، والحق أن علاماتها قد ظهرت دون أن يرفعوا لها رأسا ، ودون أن يعتبروا بها أو
يتعظوا لاستيلاء الأهواء عليهم .
ولكنهم عندما تداهمهم الساعة بأهوالها ، ويقفون للحساب . يتذكرون ويؤمنون بالله
ورسله .. ولكن إيمانهم فى ذلك الوقت لن ينفعهم ، لأنه جاء فى غير محله الذى يقبل فيه ،
وتذكرهم واتعاظهم - أيضا - لن يفيدهم لأنه جاء بعد فوات الأوان .
ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - : ﴿ فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا
بأسنا﴾ (١) .
وقوله - تعالى -: ﴿ وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد
(٢)
. (m)
وقوله - عز وجل -: ﴿يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى
قال الآلوسى : الظاهر أن المراد بأشراط الساعة هنا : علاماتها التى كانت واقعة إذ ذاك ،
وأخبروا أنها علامات لها ، كبعثة نبينا - * - فقد أخرج أحمد والبخارى ومسلم والترمذى
عن أنس قال: قال رسول الله - ول﴿ -: ((بعثت أنا والساعة كهاتين - وأشار بالسبابة
والوسطى )).
وأراد - وَلجر - مزيد القرب بين مبعثه والساعة ، فإن السبابة تقرب من الوسطى .
وأخرج أحمد عن بريدة قال: سمعت رسول الله - * - يقول: ((بعثت أنا والساعة
جميعا . وإن كادت لتسبقنى)) وهذا أبلغ فى إفادة القرب.
وعدوا منها انشقاق القمر الذى وقع له - ◌َليزر - والدخان الذى وقع لأهل مكة ، أما
أشراطها مطلقا فكثيرة ، ومنها ككون الحفاة العراة رعاء الشاة يتطاولون فى البنيان(٤).
(١) سورة غافر الآية ٨٥ .
(٢) سورة سبأ الآية ٥٢ .
(٣) سورة الفجر الآية ٢٣.
(٤ ) تفسير الآلوسى جـ ٢٦ ص ٥٢ .

٢٣٥
سورة محمد
ثم أمر الله - تعالى - رسوله - 18 - أن يداوم على استغفاره وطاعته لله - تعالى - وأن
يأمر اتباعه بالاقتداء به فى ذلك فقال: ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله ﴾.
والفاء فى قوله : ﴿ فاعلم ﴾ للإفصاح عن جواب شرط معلوم مما مر من آيات .
والتقدير: إذا تبين لك ما سقناه عن حال السعداء والأشقياء ، فاعلم أنه لا إله إلا الله ،
واثبت على هذا العلم ، واعمل بمقتضاه ، واستمر على هذا العمل ﴿واستغفر لذنبك ﴾ أى :
واستغفر الله - تعالى - من أن يقع منك ذنب ، واعتصم بحبله لكى يعصمك من كل مالا
يرضيه . واستغفر - أيضا ﴿للمؤمنين والمؤمنات) بأن تدعو لهم بالرحمة والمغفرة
﴿ والله) - تعالى - بعد كل ذلك ﴿يعلم متقلبكم ومثواكم﴾ أى يعلم كل متقلب وكل
إقامة لكم سواء أكانت فى بر أم فى بحر أم فى غيرهما .
والمقصود: أنه - تعالى - يعلم جميع أحوالكم ولا يخفى عليه شيء منها ، والمتقلب :
المتصرف ، من الثقلب وهو التصرف والانتقال من مكان إلى آخر . والمتوى : المسكن الذى
يأوى إليه الإِنسان ، ويقيم به .
قال الإِمام ابن كثير: وقوله: ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله ﴾ هذا إخبار بأنه لا إله إلا
اللّه ، ولا يتأتى كونه آمرا بعلم ذلك ، ولهذا عطف عليه بقوله: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين
والمؤمنات ﴾
وفى الصحيح أن رسول الله - خلف - كان يقول: ((اللهم اغفر لى خطيئتى وجهلى ،
وإسرافى فى أمرى، وما أنت أعلم به منى . اللهم اغفر لى هزلى وجدى ، وخطئى وعمدى ،
وكل ذلك عندى)).
وفى الصحيح أنه كان يقول فى آخر الصلاة: (( اللهم اغفر لى ما قدمت وما أخرت ، وما
أسررت وما أعلنت ، وما أسرفت . وما أنت أعلم به منى ، أنت إلهى لا إله إلا أنت)).
وفى الصحيح أنه قال: (( يأيها الناس. توبوا إلى ربكم فإنى أستغفر الله وأتوب إليه فى
اليوم أكثر من سبعين مرة ))(١) .
ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة : وجوب المداومة على استغفار
الله - تعالى - والتوبة إليه توبة صادقة نصوحا .
لأنه إذا كان الرسول - * - وهو الذى غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر - قد
أمره - سبحانه - بالاستغفار ، فأولى بغيره أن يواظب على ذلك ، لأن الاستغفار بجانب أنه
(١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٢٩٨.

٢٣٦
المجلد الثالث عشر
ذكر الله - تعالى - فهو - أيضا شكر له - سبحانه - على نعمه .
وقد توسع الإِمام الآلوسى فى الحديث عن معنى قوله - تعالى - : ﴿ واستغفر
لذنبك .. ﴾ فارجع إليه إن شئت(١).
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك حال المنافقين عندما يدعون إلى القتال فى سبيل الله ،وكيف
أنهم يستولى عليهم الذعر والهلع عند مواجهة هذا التكليف ، وكيف سيكون مصيرهم إذا
ما استمروا على هذا النفاق . فقال - تعالى - :
وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُوا لَوَّلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ
تُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َرَضٌ
يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِىِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِّ فَأَوْلَى لَهُمْ
طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ اَللَّهَ
٢٠
لَكَانَ خَيّ اً لَّهُمْ ﴾ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن قَوَلَيْهُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ
فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوَ أَزْحَامَكُمْ ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَّهُمُ اللَّهُ
أَفْلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ
٢٣
فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىَ أَبْصَرَهُمْ
أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ®)
قال الإِمام الرازى ما ملخصه : لما بين اللّه حال المنافق والكافر ، والمهتدى المؤمن عند
استماع الآيات العلمية ، من التوحيد والحشر وغيرهما .. أتبع ذلك ببيان حالهم فى الآيات
العملية ، فإن المؤمن كان ينتظر ورودها ، ويطلب تنزيلها ، وإذا تأخر عنه التكليف كان
يقول : هلا أمرت بشىء من العبادة .
والمنافق كان إذا نزلت الآية أو السورة وفيها تكليف كره ذلك .. فذكر - سبحانه - تباين
حال الفريقين فى العلم والعمل . فالمنافق لا يفهم العلم ولا يريد العمل ، والمؤمن يعلم ويحب
العمل .. (٢) .
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٦ من ص ٥٥ إلى ٦٦ .
( ٢ ) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٥٢١ .

٢٣٧
سورة محمد
فقوله - تعالى -: ﴿ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة ﴾ حكاية لتطلع المؤمنين
الصادقين إلى نزول القرآن ، وتشوقهم إلى الاستماع إليه ، والعمل بأحكامه .
أى: ويقول الذين آمنوا إيمانا حقا، لرسوله - * - : يا رسول اللّه هلا نزلت سورة
جديدة من هذا القرآن الكريم ، الذى نحبه ونحب العمل بما فيه من هدايات وآداب وأحكام
وجهاد فى سبيل الله - عز وجل - .
قوله: ﴿ فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال ، رأيت الذين فى قلوبهم مرض
ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت .. ﴾ بيان لموقف المنافقين من الجهاد فى سبيل الله،
وتصوير بديع لما انطوت عليه نفوسهم من جبن خالع .
والمراد بقوله ﴿ محكمة﴾: أى: واضحة المعانى فيما سيقت له من الأمر بالجهاد فى سبيل
الله، بحيث لا يوجد مجال لتأويل معناها على الوجه الذى سيقت له .
أى : هذا هو حال المؤمنين بالنسبة لحبهم للقرآن الكريم ، أما حال المنافقين فإنك تراهم
إذا ما أنزلت سورة فاصلة بينة تأمر أمرا صريحا بالقتال لإعلاء كلمة الله تراهم ينظرون إليك
كنظر من حضره الموت فصار بصره شاخصا لا يتحرك من شدة الخوف والفزع .
والمقصود أنهم يوجهون أبصارهم نحو النبى - بل﴿ - بحدة وهلع، لشدة كراهتهم للقتال
معه ، إذ فى هذا القتال عز للإِسلام ، ونصر للمؤمنين ، والمنافقون يبغضون ذلك .
فالآية الكريمة ترسم صورة خالدة بليغة لكل نفس لئيمة خوارة ، مبتوتة عن الإِيمان ، وعن
الفطرة السليمة ، متجردة عن الحياء الذى يستر مخازها .
وقوله - تعالى - ﴿ فأولى لهم ﴾ تهديد ووعيد لهم على جبنهم وخبث طويتهم .
وقوله ﴿ أولى) يرى بعضهم أنه فعل ماض بمعنى قارب، وفاعله ضمير يعود إلى الموت،
أى : قاربهم ما يهلكهم وهو الموت الذى يرتعدون منه ..
ويرى آخرون أن قوله ﴿ أولى﴾ اسم تفضيل بمعنى أحق وأجدر، وأنه خبر لمبتدأ
محذوف ، واللام بمعنى الباء . أى : فالعقاب والهلاك أولى بهم وأحق وأجدر . ويكون قوله -
تعالى - بعد ذلك ﴿طاعة وقول معروف﴾ كلام مستأنف والخبر محذوف .
أى: طاعة وقول معروف منكم لرسول الله - صلي - خير لكم من هذا السلوك الذميم.
ويصح أن يكون قوله - سبحانه - ﴿ أولى) مبتدأ. وقوله ﴿لهم ﴾ متعلق به. والخبر
قوله ﴿طاعة). واللام فى ﴿لهم﴾ أيضا. بمعنى الباء.
ويكون المعنى : أولى بهؤلاء المنافقين من أن ينظروا إليك نظر المغشى عليه من الموت ،

٢٣٨
المجلد الثالث عشر
الطاعة التامة لك ، والقول المعروف أمامك .. لأن ذلك يحملهم متى أخلصوا قلوبهم الله -
تعالى - على الإقلاع عن النفاق .
ولعل هذا القول الأخير هو أقرب الأقوال إلى سياق الآيات ، لأن فيه إرشاداً لهم إلى
ما يحميهم من تلك الأخلاق المرذولة التى على رأسها الخداع والجبن والخور .
وقوله : ﴿ فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم﴾ متعلق بما قبله.
أى : أولى لهم الطاعة والقول المعروف ، وأولى لهم وأجدر بهم إذا جد الجد ، ووجب
القتال ، أن يخلصوا لله - تعالى - نياتهم ، فإنهم لو صدقوا الله فى إيمانهم ، لكان صدقهم خيرا
لهم، من تلك المسالك الخبيثة التى سلكوها مع نبيهم - - - .
قال الشوكانى: قوله ﴿ فإذا عزم الأمر﴾ عزم الأمر أى جد الأمر والقتال ووجب
وفرض .
وأسند العزم إلى الأمر وهو لأصحابه على سبيل المجاز. وجواب ﴿إذا ﴾ قيل هو ﴿ فلو
صدقوا الله﴾ وقيل محذوف والتقدير: كرهوه أى: إذا جد الأمر ولزم القتال خالفوا
وتخلفوا(١) ..
ثم بين - سبحانه - ماهو متوقع منهم ، ووجه الخطاب إليهم على سبيل الالتفات ليكون
أزجر لهم ، فقال: ﴿ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى الأرض وتقطعوا أرحامكم ﴾.
قال الفخر الرازى ما ملخصه : وهذه الآية فيها إشارة إلى فساد قول قالوه ، وهو أنهم
كانوا يقولون : كيف نقاتل العرب وهم من ذوى أرحامنا وقبائلنا .
والاستفهام للتقرير المؤكد ، وعسى للتوقع ، وفى قوله ﴿ إن توليتم﴾ وجهان: أحدهما:
أنه من الولاية ، يعنى : فهل يتوقع منكم - أيها المنافقون - إن أخذتم الولاية وسار الناس
بأمركم ، إلا الإِفساد فى الأرض وقطع الأرحام ؟.
وثانيهما : أنه من التولى بمعنى الإعراض وهذا أنسب - أى : إن كنتم تتركون القتال ،
وتقولون فيه الإِفساد وقطع الأرحام ، لكون الكفار أقاربنا ، فإن فى هذه الحالة لا يتوقع منكم
إلا الإِفساد وقطع الأرحام كما كان حالكم فى الجاهلية(٢).
وعلى كلا القولين فالمقصود من الآية توبيخهم على جبنهم وكراهتهم لما يأمرهم به
النبى - 4﴾ - من الجهاد فى سبيل الله - تعالى - ، وتقريعهم على أعذارهم الباطلة ، ببيان
(١) تفسير الشوكانى جـ ٥ ص ٣٨.
(٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٥٢٢ .

٢٣٩
سورة محمد
أنهم لو أعرضوا عن القتال وخالفوا تعاليم الإسلام فلن يكون منهم إلا الإِفساد وقطع
الأرحام ، وكذلك سيكون حالهم لو تولوا أمور الناس ، وكانوا حكاما لهم .
وقوله: ﴿ أن تفسدوا .. ﴾ خبر عسى، وقوله: ﴿إن توليتم .. ﴾ جملة معترضة،
وجواب ﴿إن﴾ محذوف لدلالة قوله: ﴿ فهل عسيتم .. ﴾ عليه.
أى: ما يتوقع منكم إلا الإفساد وقطع الأرحام ، إن أعرضتم عن تعاليم الإسلام ، أو إن
توليتم أمور الناس ، فأحذروا أن يكون منكم هذا التولى الذى سيفضى بكم إلى سوء المصير ،
الذى بينه - سبحانه - فى قوله: ﴿ أولئك الذين لعنهم الله﴾ أى: طردهم من رحمته
فأصمهم وأعمى أبصارهم ﴾ بأن جعلهم بسبب إعراضهم عن الحق - كالصم الذين
لا يسمعون ، وكالعمى الذين لا يبصرون، لأنهم حين عطلوا أسماعهم وأبصارهم عن التدبر
والتفكر صاروا بمنزلة الفاقدين لتلك الحواس .
ثم ساق - سبحانه - ما يدعو إلى التعجيب من حالهم فقال : ﴿ أفلا يتدبرون
القرآن .. ﴾ والفاء للعطف على جملة محذوفة ، والاستفهام للإنكار والزجر . أى : أيعرضون
عن كتاب الله - تعالى - فلا يتدبرونه مع أنه زاخر بالمواعظ والزواجر والأوامر والنواهى .
أم على قلوب أقفالها ﴾، أى ، بل على قلوب هؤلاء المنافقين أقفالها التى حالت بينهم
وبين التدبر والتفكر . والأقفال : جمع قفل - بضم فسكون - وهو الآلة التى تقفل بها
الأبواب وما يشبهها ، والمراد : التسجيل عليهم بأن قلوبهم مغلقة ، لا يدخلها الإِيمان ،
ولا يخرج منها الكفر والنفاق .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم نكرت القلوب وأضيفت الأقفال إليها ؟
قلت : أما التنكير ففيه وجهان : أن يراد على قلوب قاسية مبهم أمرها فى ذلك . أو يراد
على بعض القلوب وهى قلوب المنافقين . وأما إضافة الأقفال ، فلأنه يريد الأقفال المختصة
بها، وهى أقفال الكفر التى استغلقت فلا تنفتح ﴾(١).
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ أفلا يتدبرون القرآن، ولو كان من عند غير الله
لوجدوا فيه اختلافا كثيراً﴾(٢).
وقد أخذ العلماء من هذه الآية وأمثالها ، وجوب التدبر والتفكر فى آيات القرآن الكريم ،
والعمل بما فيها من هدايات وإرشادات ، وأوامر ونواه ، وآداب وأحكام ، لأن عدم الامتثال
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٢٦.
( ٢) سورة النساء الآية ٨٢ .

٢٤٠
المجلد الثالث عشر
لذلك يؤدى إلى قسوة القلوب وضلال النفوس ، كما هو الحال فى المنافقين والكافرين .
ثم تواصل السورة حديثها عن المنافقين ، فتفصح عن الأسباب التى حملتهم على هذا
النفاق ، وتصور أحوالهم السيئة عندما تتوفاهم الملائكة ، وتهددهم بفضح رذائلهم ، وهتك
أسرارهم .. قال - تعالى - :
إِنَّالَّذِينَ أَرْتَدُّ واْعَلَى أَدْ بَرِهِ
مِنْ بَعْدِ مَانَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىّ الشَّيْطِنُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى
لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ
اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ الْأَمْرِّ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ
﴿ فَكَيْفَ إِذَا تَوَقَّتْهُمُ الْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ
وَأَدْبَرَهُمْ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اَللَّهَ
وَكَرِهُواْ رِضْوَنَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ أَمْ حَسِبَ
٢٩
الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َقَرَضُ أَن لَّنْ يُخْرِجَ اللَّهُأَضْغَنَهُمْ ﴿
وَلَوْنَشَاءُ لَأَرَبْنَكَهُمْ فَلَعَرَ فْنَهُمِ بِسِيمَهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِىِ
لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَلَكُمْ ، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى ◌َعْلَمَ
الْمُجَهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّبِينَ وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ
والمراد بارتدادهم على أدبارهم : رجوعهم إلى ما كانوا عليه من كفر وضلال .
أى : إن الذين رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والضلال ، وهم المنافقون ، الذين
يتظاهرون بالإِسلام ويخفون الكفر .
وقوله : ﴿ من بعد ما تبين لهم الهدى﴾ ذم لهم على هذا الارتداد ، لأنهم لم يعودوا إلى
الكفر عن جهالة ، وإنما عادوا إليه من بعد أن شاهدوا الدلائل الظاهرة ، والبراهين الساطعة