النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١
سورة الأحقاف
والحق أن هذا الآية الكريمة على رأس الآيات التى تخرس أصحاب الأقوال التى لا دليل
على صحتها ، وتعلم الناس مناهج البحث الصحيح الذى يوصلهم إلى الحق والعدل ..
ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المشركين قد بلغوا الذروة فى ضلالهم وجهلهم فقال: ﴿ ومن
أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة ﴾ .
أى : لا أحد أشد ضلالا وجهلا من هؤلاء المشركين الذين يعبدون من دون الله - تعالى -
آلهة ، هذه الآلهة لا تسمع كلامهم ، ولا تعقل نداءهم ، ولا تشعر بعبادتهم لها منذ أن عبدوها ،
إلى أن تقوم الساعة .
فإذا ما قامت الساعة ، تحولت هذه الآلهة - بجانب عدم شعورها بشىء إلى عدوة لهؤلاء
العابدين لها .
قال بعض العلماء : وفى قوله: ﴿ إلى يوم القيامة ) نكتة حسنة، وذلك أنه جعل يوم
القيامة غاية لعدم الاستجابة ، ومن شأن الغاية انتهاء المغيا عندها . لكن عدم الاستجابة
مستمر بعد هذه الغاية ، لأنهم فى يوم القيامة لا يستجيبون لهم .
فالوجه - والله أعلم - أنها من الغايات المشعرة ، بأن ما بعدها وإن وافق ما قبلها ، إلا
أنه أزيد منه زيادة بينة تلحقه بالثانى ، حتى كأن الحالتين وإن كانتا نوعا واحدا ، لتفاوت
ما بينهما كالشىء وضده ، وذلك أن الحالة الأولى التى جعات غايتها القيامة لا تزيد على عدم
الاستجابة ، والحالة الثانية التى فى القيامة زادت على عدم الاستجابة ، بالعداوة بالكفر بعبادتهم
إياهم (١) .
ثم أكد - سبحانه - عدم إحساس الأصنام بعابديها فقال : ﴿ وهم عن دعائهم
غافلون ﴾ .
أى : وهذه الاصنام عن عبادة عابديها غافلة ، لا تدرك شيئا ، ولا تحس بمن حولها .
قال صاحب الكشاف: وإنما قيل ((من)) و((هم)) لأنه أسند إليهم ما يسند إلى أولى
العلم من الاستجابة والغفلة ، ولأنهم كانوا يصفونهم بالتمييز جهلا وغباوة .
ويجوز أن يريد : كل معبود من دون الله من الجن والإِنس والأوثان(٢).
ثم بين ما يكون بين العابدين والمعبودين من عداوة يوم القيامة فقال: ﴿وإذا حشر الناس
كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ﴾ .
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٢٩٥ .
( ٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٢٩٦ .
١٨٢
المجلد الثالث عشر
أى: وإذا جمع الله - تعالى - الناس للحساب والجزاء يوم القيامة، صار الكفار مع من
عبدوهم من دون الله أعداء ، يلعن بعضهم بعضا، ﴿وكانوا﴾ أى: المعبودن ﴿ بعبادتهم﴾
أى بعبادة الكفرة إياهم ﴿كافرين﴾ أى: جاحدين مكذبين.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ﴿واتخذوا من دون اللّه آلهة ليكونوا لهم عزا . كلا
سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ﴾(١).
وقوله - سبحانه - : ﴿وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم فى الحياة الدنيا ،
ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ، ومأواكم النار وما لكم من
ناصرين ﴾ (٢).
ثم لقن الله - سبحانه - نبيه - صل﴿ - أجوبه أخرى ، ليرد بها على الأقوال الزائفة التى
تفوه بها المشركون فقال - تعالى - :
وَإِذَا
نُتْلَى عَلَيْهِمْ مَا يَنُنَا بَيِنَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّاجَآءَ هُمْ هَذَا
سِحْرٌمُّبِينٌ ﴿ أَمْيَقُولُونَ أَفْتَرَُّ قُلْ إِنِ أَفْتَرَيْتُّهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ
لِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًاً هُوَ أَعْلَمُ بِمَا نُفِيضُونَ فِيَّهِ كَفَى بِ شَهِيدًابَيْنِى
وَبَيْنَكَُّوَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿قُلْ مَاكُنْتُ بِدْ عًامِنَ الرُّسُلِ
وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَا بِكُمْ إِنْ أَنَّبِعُ إِلَّ مَايُوحَىَّ إِلَىَّ وَمَآ أَنَاْ
إِلَّانَذِيْرٌ مُّبِينٌ ﴿ قُلْ أَرَءَ يْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ.
وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىِّ إِسْرَِّ يلَ عَلَى مِثْلِهِ فَامَنَ وَأَسْتَكْبَرْتُمْ
إِنَّ اللَّهُلَ يَهْدِى اُلّقَوْمَ الظِّمِينَ {
(١) سورة مريم الآية ٨١، ٨٢ .
(٢) سورة العنكبوت الآية ٢٥.
١٨٣
سورة الأحقاف
:
وقوله ﴿ تتلى﴾ من التلاوة بمعنى القراءة بتمهل وترتيل. أى: وإذا تتلى على هؤلاء
الكافرين ، آياتنا الواضحة الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ﴿ قال الذين كفروا للحق لما
جاءهم ﴾ أى: قالوا للآيات المتلوة عليهم. والتى اشتملت على الحق الذى يهديهم إلى
الصراط المستقيم .
هذا سحر مبين ﴾ أى : قالوا : هذا الذى جئتنا به يا محمد سحر واضح ، وتمويه
ظاهر .
٦
والتعبير بقوله - سبحانه -: ﴿ قال الذين كفروا للحق لما جاءهم ﴾: يشعر بأن هؤلاء
الجاحدين الجاهلين ، قد بادروا إلى وصف ما جاءهم به الرسول - ويلي - بأنه سحر ، بدون
تفكر أو تأمل أو انتظار .
وفى وصفهم لما جاءهم به الرسول - 18 - بأنه سحر ، دليل على عجزهم عن الإِتيان
بمثله ، أو بسورة من مثله .
ثم حكى - سبحانه - جانبا من أكاذيبهم فقال: ﴿أم يقولون افتراه ... ) و((أم)» هنا
منقطعة بمعنى بل والهمزة ، وتفيد الإضراب والانتقال من حكاية أقوالهم الباطلة السابقة . إلى
أقوال أخرى أشد منها بطلانا وكذبا . والاستفهام للإنكار والتعجب من حالهم .
والافتراء : أشنع الكذب . أى : بل أيقول هؤلاء الكافرون لك - أيها الرسول الكريم -
إنك إفتريت هذا القرآن واختلقته من عند نفسك ؟ .
ثم لقن الله - تعالى - نبيه - * - الرد الذى يخرسهم فقال ﴿ قل إن إفتريته فلا
تملكون لى من الله شيئا ﴾ .
أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - فى الرد على زعمهم أنك افتريت هذا القرآن : إن
كنت على سبيل الفرض والتقدير قد افتريته من عند نفسى ، عاقبنى ربى ، ولا تستطيعون أنتم
أو غيركم أن تمنعوا عنى شيئا من عذابه وعقابه ، وما دام الأمر كذلك فكيف أفتريه ، وأنا أعلم
علم اليقين أن افتراء شىء منه يؤدى إلى عقابى ؟
فجواب ((إن)) فى قوله: ﴿إن افتريته ﴾ محذوف، وتقديره: عاجلنى بالعقوبة،
وقوله : ﴿ فلا تملكون لى من الله شيئا﴾ قام مقامه.
قال - تعالى -: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين . ثم لقطعنا منه
الوتين . فما منكم من أحد عنه حاجزين
(١) سورة الحاقة الآيتان من ٤٤، ٤٧ .
١٨٤
المجلد الثالث عشر
وقوله : ﴿ هو أعلم بما تفيضون فيه﴾ أى: اللّه - تعالى - الذى زعمتم أنى أفترى عليه
الكذب ، هو أعلم منى ومنكم ومن كل المخلوقات ، بما تندفعون فيه من القدح فى آياته ،
والإِعراض عن دعوته ، وسيجازيكم على ذلك بما تستحقونه من عقاب .
فقوله : ﴿تفيضون﴾ من الإفاضة، وهى الأخذ فى الشىء باندفاع وعنف، وأصله من
فاض الإِناء ، إذا سال بشدة .
وقوله - سبحانه -: ﴿ كفى به شهيدا بينى وبينكم وهو الغفور الرحيم ﴾ ترهيب لهم من
الإِنسياق فى كفرهم ، وترغيب لهم فى الدخول فى الإِيمان لينالوا مغفرة الله - تعالى - ورحمته .
أى : كفى بشهادة الله - تعالى - بينى وبينكم شهادة ، فهو الذى يعلم أنى صادق فيما أبلغه
عنه، ويعلم أنكم الكاذبون فيما تزعمونه ، وهو - سبحانه - الواسع المغفرة والرحمة ، لمن
تاب إليه وأناب .
ثم أمره الله - تعالى - أن يبين لهم أن ما جاءهم به من هداية ، قد جاء بها الرسل من قبله
لأقوامهم ، وأنه رسول كسائر الرسل السابقين فقال - تعالى - : ﴿ قل ما كنت بدعا من
﴾ .
الرسل ..
والبدع من كل شىء : أوله ومبدؤه . يقال : فلان بدع فى هذا الأمر ، أى : هو أول فيه
دون أن يسبقه فيه سابق ، من الابتداع بمعنى الاختراع .
أى : وقل لهم - أيها الرسول الكريم - إنى لست أول رسول أرسله الله - تعالى - إلى
الناس ، وإنما سبقنى كثيرون أنتم تعرفون شيئا من أخبارهم ومن أخبار أقوامهم ، ومادام الأمر
كذلك فكيف تنكرون نبوتى ، وتشككون فى دعوتى ؟ .
وقوله - سبحانه -: ﴿وما أدرى ما يفعل بى ولا بكم ، إن أتبع إلا ما يوحى إلى ، وما
أنا إلا نذير مبين﴾ بيان لوظيفته - وَل -. أى: وإننى وأنا رسول اللّه لا أعلم ما سيفعله
الله - تعالى - بى أو بكم فى المستقبل من أمور الدنيا ، هل سأبقى معكم فى مكة أو سأهاجر
منها . وهل سيصيبكم العذاب عاجلا أو آجلا ؟ فإنى ما أفعل معكم ، ولا أقولٍ لكم إلا ما
أوحاه الله - تعالى - إلىَّ، وما أنا إلا نذير مبين، أوضح لكم الحق من الباطل، وأُخوِّفُكُم من
سوء المصير ، إذا ما بقيتم على كفركم وشرككم .
فالمقصود بقوله - تعالى -: ﴿ وما أدرى ما يفعل بى ولا بكم ﴾ أى: فى دار الدنيا، أما
بالنسبة للآخرة ، فالله - تعالى - قد بشره وبشر أتباعه بالثواب العظيم فى آيات كثيرة ، ومن
ذلك قوله - تعالى -: ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾. وقوله - سبحانه - : ﴿ وبشر
المؤمنين بأن لهم من اللّه فضلا كبيرا﴾.
١٨٥
سورة الأحقاف
قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : قال الحسن البصرى فى قوله : ﴿ وما أدرى ما يفعل بى
ولا بكم ﴾ أى: فى الدنيا، أأخرج كما أخرجت الأنبياء قبلى ؟ أم أقتل كما قتلوا ، ولا أدرى
أيخسف بكم أو ترمون بالحجارة ؟ أما فى الآخرة فمعاذ الله ، قد علم أنه فى الجنة .
وهذا القول هو الذى عوّل عليه ابن جرير ، وأنه لا يجوز غيره ، ولاشك أن هذا هو
اللائق به - 1 -، فإنه بالنسبة للآخرة ، جازم أنه يصير إلى الجنة ومن اتبعه ، وأما فى
الدنيا فلم يدر ما كان يؤول إليه أمره وأمر المشركين . أيؤمنون أم يكفرون فيعذبون
فيستأصلون بكفرهم ؟(١) .
والمتدبر فى هذه الآية الكريمة ، يراها قد اشتملت على أسمى ألوان الأدب من النبى
- ◌َ - مع خالقه - عز وجل - فقد فوّض - وَلَ - أمره إلى خالقه، وصرح بأنه لا يتبع
إلا ما يوحيه إليه سبحانه - وأنه لا علم له بالغيب ، وإنما علم ذلك إلى الله - تعالى -
وحده .
ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صل - مرة أخرى ، أن يذكرهم بإيمان العقلاء من أهل
الكتاب بهذا الدين ، لعلهم عن طريق هذا التذكير يقلعون عن كفرهم وعنادهم فقال : ﴿ قل
أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به ﴾ .
أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين : أخبرونى إن كان هذا الذى أوحاه
الله - تعالى - إلىّ من قرآن ، هو من عنده - تعالى - وحده ، والحال أنكم كفرتم به ألستم
فى هذه الحالة تكونون ظالمين لأنفسكم وللحق الذى جئتكم به من عند خالقكم ؟ لاشك أنكم
فى هذه الحالة تكونون ظالمين جاحدين .
وقوله - سبحانه -: ﴿وشهد شاهد من بنى إسرائيل على مثله ، فآمن واستكبرتم ... ﴾
معطوف على ما قبله على سبيل التأكيد لظلمهم .
أى : أخبرونى إن كان هذا القرآن من عند الله، والحال أنكم قد كفرتم به ، مع أن شاهدا
من بنى إسرائيل الذين تثقون بشهادتهم ، قد شهد على مثل القرآن بالصدق . لاتفاق التوراة
والقرآن على وحدانية الله - تعالى - وعلى أن البعث حق ، وعلى أن الجزاء حق .. فآمن هذا
الشاهد بالقرآن وبمن جاء به وهو الرسول - رَ - واستكبرتم أنتم عن الإِيمان ..
ألستم فى هذه الحالة تكونون على رأس الظالمين الجاحدين لكل ما هو حق وصدق ؟!
فجواب الشرط فى الآية محذوف . أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا ومع ذلك لم تؤمنوا فقد
(١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٢٦٠ .
١٨٦
المجلد الثالث عشر
كفرتم وظلمتم ، والله - تعالى - لا يهدى القوم الذين من شأنهم استحباب الظلم على العدل ،
والعمى على الهدى .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به ، من
﴾(١).
أضل ممن هو فى شقاق بعيد
قال صاحب الكشاف - رحمه الله -: جواب الشرط محذوف تقديره . إن كان القرآن من
عند الله وكفرتم به، ألستم ظالمين، ويدل على هذا المحذوف قوله - تعالى -: ﴿إن الله لا
يهدى القوم الظالمين
والشاهد من بنى اسرائيل : عبد الله بن سلام .. وفيه نزل: ﴿وشهد شاهد من بنى
إسرائيل على مثله ... ﴾ .
والضمير للقرآن. أى: على مثله فى المعنى ، وهو ما فى التوراة من المعانى المطابقة لمعانى
القرآن من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك(٢).
وعلى رأى صاحب الكشاف تكون الآية مدنية فى سورة مكية ، لأن إيمان عبد الله بن
سلام - رضى الله عنه - كان بالمدينة ولم يكن بمكة .
ومن المفسرين من يرى أن الآية الكريمة نزلت فى شأن كل من آمن من أهل الكتاب ، وأنها
لم تنزل فى عبد الله بن سلام بصفة خاصة ..
قال الإِمام ابن كثير : وهذا الشاهد اسم جنس ، يعم عبدالله بن سلام وغيره ، فإن هذه
الآية مكية نزلت قبل إسلام عبدالله بن سلام ، وهذه كقوله - تعالى -: ﴿ وإذا يتلى عليهم
قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا ، إنا كنا من قبله مسلمين ﴾ .
قال مسروق والشعبى : ليس بعبد الله بن سلام . هذه الآية مكية ، وإسلامه كان بالمدينة ..
وقال مالك عن أبى النضر ، عن عامر بن سعد ، عن أبيه قال : ما سمعت رسول الله
- * - يقول لأحد يمشى على الأرض: ((إنه من أهل الجنة)) إلا لعبد الله بن سلام،
قال: وفيه نزلت : ﴿ وشهد شاهد من بنى إسرائيل على مثله﴾ .. وكذا قال ابن عباس
ومجاهد والضحاك وقتادة .. (٣).
وعلى أية حال فالمقصود من الآية الكريمة إثبات أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - ،
(١) سورة فصلت الآية ٥٢ .
( ٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٢٩٩ .
( ٣) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٢٦٢ .
١٨٧
سورة الأحقاف
وأن الرسول - ﴿ - صادق فيما يبلغه عن ربه، وأن العقلاء من أهل الكتاب قد شهدوا
بذلك، وآمنوا بالنبى - عليه - ، فكان من الواجب على المشركين - لو كانوا يعقلون - أن
يقلعوا عن عنادهم، وأن يتبعوا الحق الذى جاءهم به النبى - ﴿ * - .
ثم حكى - سبحانه - بعض الأعذار الفاسدة ، التى اعتذر بها الكافرون عن عدم دخولهم
فى الإِسلام ، ورد عليهم بما يكبتهم ، وبشر المؤمنين الصادقين بما يشرح صدورهم فقال :
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْكَانَ خَيْرً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهٍ وَإِذْلَمْ يَهْتَدُ واْبِهِ،
فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴿ وَمِن قَبْلِهِ، كِتَبُ مُوسَى
إِمَامًا وَرَحْمَةٌ وَهَذَا كِتَبٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لَّيُنْذِرَ
الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ ﴿﴿ إِنَّالَّذِينَ قَالُوارَبُّنَا
اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ
١٣
١٤
أُوْلَكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِ ينَ فِيهَا جَزَاءُ بِمَا كَانُوْيَعْمَلُونَ (
وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - : ﴿ وقال الذين كفروا للذين
آمنوا .. ﴾ روايات منها: أن مشركى مكة حين رأوا أن أكثر المؤمنين من الفقراء ، كعمار،
وبلال ، وعبدالله بن مسعود .. قالوا ذلك .
وسبب قولهم هذا ، اعتقادهم الباطل ، أنهم هم الذين لهم عند اللّه العظمة والجاه والسبق
إلى كل مكرمة ، لأنهم هم أصحاب المال والسلطان ، أما أولئك الفقراء فلا خير فيهم ، ولا
سبق لهم إلى خير ..
أى : وقال الذين كفروا للذين آمنوا - على سبيل السخرية والاستخفاف بهم - ، لو كان
هذا الذى أنتم عليه من الإِيمان بما جاء به محمد - * - حقا وخيرا ، لما سبقتمونا إليه ، ولما
سبقنا إليه غيركم من المؤمنين لأننا نحن العظماء الأغنياء .. وأنتم الضعفاء الفقراء ..
فهم - لانطماس بصائرهم وغرورهم - توهموا أنهم لغناهم وجاههم هم المستحقون للسبق
١٨٨
المجلد الثالث عشر
إلى كل خير ، وأن غيرهم من الفقراء لا يعقل ما يعقلونه ، ولا يفهم ما يفهمونه ..
ومن الآيات الكريمة التى تشبه هذه الآية قوله - تعالى - : ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض
ليقولوا: أهؤلاء من اللّه عليهم من بيننا .. ﴾(١).
وقوله - سبحانه -: ﴿وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ﴾ تعجيب من غر ورهم
وعنادهم ، ورميهم الحق بما هو برىء منه .
و((إذ)» ظرف لكلام محذوف دل عليه الكلام، أى: وإذ لم يهتدوا بما جاء به الرسول
- * - من عند ربه ، ظهر عنادهم واستكبارهم وقالوا هذا القرآن كذب قديم من أخبار
السابقين ، نسبه محمد - # * - إلى ربه .
وشبيه بهذا الآية . قوله - تعالى -: ﴿وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهى تملى عليه بكرة
وأصيلا .. ﴾(٢).
ثم بين - سبحانه - أن هذا القرآن هو المهيمن على الكتب السماوية التى سبقته فقال
- تعالى -: ﴿ ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة .. ﴾.
أى: ومن قبل هذا القرآن الذى أنزلناه على نبينا محمد - وَلفي - كان كتاب موسى وهو
التوراة ﴿ إماما﴾ يهتدى به فى الدين ﴿ورحمة﴾ من الله - تعالى - لمن آمن به.
وقوله : ﴿ومن قبله﴾ خبر مقدم، و﴿ كتاب موسى﴾ مبتدأ مؤخر، وقوله: ﴿ إماما
ورحمة﴾ حالان من ﴿ كتاب موسى ﴾ ..
والمقصود من هذه الجملة الكريمة ، الرد على قولهم فى القرآن ﴿ هذا إفك قديم ﴾ فكأنه
- تعالى - يقول لهم : كيف تصفون القرآن بذلك ، مع أنه قد سبقه كتاب موسى الذى
تعرفونه ، والذى وافق القرآن فى الأمر بإخلاص العبادة لله - تعالى - وحده ، وفى غير ذلك
من أصول الشرائع ..
ثم مدح - سبحانه - هذا القرآن بقوله: ﴿ وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا ، لينذر
الذين ظلموا وبشرى للمحسنين
﴾ .
أى: وهذا القرآن الذى أنزلناه على نبيا محمد - * - مصدق لكتاب موسى الذى هو
إمام ورحمة ، ومصدق لغيره من الكتب السماوية السابقة وأمين عليها ،وقد أنزلناه بلسان عربى
مبين ، امتنانا منا على من بعث الرسول -# - فيهم وهم العرب .
(١) سورة الأنعام الآية ٥٣ .
(٢) سورة الفرقان الآية ٥.
١٨٩
سورة الأحقاف
وقد اقتضت حكمتنا أن نجعل من وظيفة هذا الكتاب : الإِنذار للظالمين بسوء المصير إذا ما
أصروا على ظلمهم ، والبشارة للمحسنين بحسن عاقبتهم بسبب إيمانهم وإحسانهم .
فاسم الاشارة فى قوله: ﴿ وهذا﴾ يعود للقرآن الكريم، وقوله مصدق صفة لكتاب.
وقوله ﴿ لسانا عربيا﴾ حال من الضمير فى ((مصدق)» الذى هو صفة للكتاب والضمير
فى ((لينذر)) يعود إلى الكتاب، و((الذين ظلموا)) مفعوله. أى : لينذر الكتاب الذين
ظلموا، وقوله: ﴿وبشرى للمحسنين) فى محل نصب عطفا على محل ((لينذر)).
وقال - سبحانه - فى صفة هذا الكتاب ﴿ مصدق لسانا عربيا﴾ ولم يقل: مصدق لكتاب
موسى ، للتنبية على أنه مصدق لكتاب موسى ولغيره من الكتب السماوية السابقة .
والتعبير بقوله ﴿ لسانا عربيا﴾ فيه تكريم للعرب، وتذكير لهم بنعمة الله عليهم، حيث
جعل القرآن الذى هو أجمع الكتب السماوية للهدايات والخيرات بلسانهم ، وهذا يقتضى إيمانهم
به ، وحرصهم على اتباع إرشاداته .
وقوله - تعالى -: ﴿ لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين ﴾ بيان لوظيفة هذا
الكتاب ، وتحديد لمصير كل فريق ، ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من من حى عن بينه .
ثم فصل - سبحانه - ما أعده للمحسنين من جزيل الثواب فقال : ﴿ إن الذين قالوا
ربنا الله .. ﴾ أى: قالوا ذلك بألسنتهم ، وصدقت هذا القول قلوبهم ﴿ ثم استقاموا﴾ بعد
ذلك على صراط الله المستقيم ، بأن فعلوا بإخلاص وطاعة كل ما أمرهم - سبحانه - بفعله ،
واجتنبوا بقوة كل ما أمرهم بإجتنابه ، وقوله : ﴿ فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ خبر
((إن))، وجىء بالفاء فى خبر الموصول لما فيه من معنى الشرط .
أى : إن الذين قالوا ذلك ، ثم استقاموا وثبتوا على طاعتنا فلا خوف عليهم من لحوق
مكروه بهم ، ولا هم يحزنون بسبب فوات محبوب لديهم ، وإنما هم فى سعادة مستمرة ، وفى
سرور دائم ، لا يعكره خوف من مستقبل مجهول ، ولا حزن على أمر قد مضى .
أولئك﴾ الموصوفون بما ذكر من الإِيمان والاستقامة ، هم ﴿ أصحاب الجنة خالدين
فيها﴾ خلودا أبديا. ﴿ جزاء بما كانوا يعملون﴾ أى: يجزون هذا الجزاء الطيب بسبب
أعمالهم الصالحة ، التى كانوا يعملونها فى الدنيا .
وبعد هذا الحديث عن حقيقة هذا الدين ، وعن حسن عاقبة الذين قالوا ربنا الله ثم
١٩٠
المجلد الثالث عشر
استقاموا ، جاء الحديث عن وجوب الإحسان إلى الوالدين وعما يترتب عليه هذا الإِحسان من
ثواب عظيم ، قال - تعالى - :
وَوَصَّيْنَا ◌ُلِإِنْسَنَ بِوَالِدَيَِّ إِحْسَنَا حَمَلَتْهُ أُمُّهُكُرْهَا وَوَضَعَتْهُ.
كُرُهَاً وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ ثَلَثُونَ شَهْرًا خَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ
أَرْبَعِينَ سَنَّةً قَالَ رَبٍ أَوَزِعْنِىَ أَنْ أَشْكُرَنِعْمَتَكَ الَّتِى أَنْعَمْتَ
عَلَىَّ وَعَلَى وَلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحَاتَرْضَنُ وَاصِح ◌ِى فِى
ذُرِّيَّتِىٌ إِى تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿ أُوْ لَكَ الَّذِينَ
تَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَنَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِى أَصْحَبٍ
اَلْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِى كَانُو ◌ْيُوعَدُونَ
١٦
قال الإِمام ابن كثير : لما ذكر - تعالى - فى الآية الأولى التوحيد له ، وإخلاص العبادة
والاستقامة إليه ، عطف ، بالوصية بالوالدين ، كما هو مقرون فى غير ما آية من القرآن ،
كقوله: ﴿وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾ وقال :: ﴿أن أشكر لى
ولوالديك إلى المصير ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة (١).
وقوله - سبحانه -: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً ... ﴾ من الإِيصاء بالشىء بمعنى
الأمر به. قال - تعالى -: ﴿وأوصانى بالصلاة والزكاة ما دمت حيا﴾ أى: أمرنى
بالمحافظة على أدائهما ..
وقوله : ﴿إحسانا﴾ قراءة عاصم وحمزة والكسائى. وقرأ غيرهم من بقية السبعة
- حسنا﴾ وعلى القراءتين فانتصابها على المصدرية. أى: ووصينا الإنسان وأمرناه بأن
يحسن إلى والديه إحسانا أو حسنا ، بأن يقدم إليهما كل ما يؤدى إلى برهما وإكرامهما .
ويصح أن يكون وصينا بمعنى ألزمنا ، فيتعدى لاثنين ، فيكون المفعول الثانى منهما ، قوله :
إحسانا﴾ أو ﴿ حسنا﴾.
(١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٢٦٣.
١٩١
سورة الأحقاف
وقوله - سبحانه -: ﴿ حملته أمه كرها ووضعته كرها ﴾ تعليل للإِيصاء المذكور ولفظ
كرها﴾ قرئ بضم الكاف وفتحها ، وهما قراءتان سبعيتان ، قالوا: ومعناهما واحد
كالضعف - بتشديد الضاد وفتحها أو ضمها - فهما لغتان بمعنى واحد .
وهذا اللفظ منصوب على الحال من الفاعل . أى : حملته أمه ذات كره . ووضعته ذات
كره ، أو هو صفة لمصدر مقدر، أى : حملته حملا ذا كره ، ووضعته كذلك .
ولاشك فى أن الأم تعانى فى أثناء حملها ووضعها لوليدها ، الكثير من المشاق والآلام
والمتاعب .. فكان من الوفاء أن يقابل ذلك منها بالإِحسان والإِكرام .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى آية أخرى: ﴿ حملته أمه وهنا على وهن .. ﴾(١).
أى : حملته أمه ضعفا على ضعف ، لأن الحمل كلما تزايد وعظم فى بطنها ، ازداد ضعفها ..
وقوله - تعالى -: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرا﴾ بيان لمدة الحمل والفطام، والكلام
على حذف مضاف . والفصال : مصدر فاصل ، وهو بمعنى الفطام ، وسمى الفطام فصالا ، لأن
الطفل ينفصل عن ثدى أمه فى نهاية الرضاع .
أى : ومدة حمل الطفل مع مدة فصاله عن تدى أمه ، ثلاثون شهرا .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : المراد بيان مدة الرضاع لا الفطام ، فكيف عبر عنه
بالفصال .. قلت : لما كان الرضاع يليه الفصال ويلابسه ، لأنه ينتهى به ويتم ، سمى فصالا ..
وفيه فائدة ، وهى الدلالة على الرضاع التام المنتهى بالفصال ووقته .. (٢) .
وقال الشوكانى : وقد استدل بهذه الآية على أن أقل الحمل ستة أشهر ، لأن مدة الرضاع
سنتان، أى: مدة الرضاع الكامل ، كما فى قوله - تعالى -: ﴿ والوالدات يرضعن أولادهن
حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ﴾ فذكر - سبحانه - فى هذه الآية أقل مدة الحمل ،
وأكثر مدة الرضاع .
وفى هذه الآية إشارة الى أن حق الأم ، آكد من حق الأب ، لأنها هى التى حملت وليدها
بمشقة ووضعته بمشقة ، وأرضعته هذه المدة بتعب ونصب .. (٣).
وقوله - تعالى -: ﴿ حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعنى أن أشكر
نعمتك التى أنعمت على وعلى والدى .. ﴾ غاية لمحذوف يفهم من سياق الكلام .
(١) سورة لقمان الآية ١٤ .
(٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٠٢ .
( ٣) راجع تفسير الشوكانى جـ ٥ ص ١٨ .
١٩٢
المجلد الثالث عشر
والأشد : قوة الإِنسان واشتعال حرارته ، من الشدة بمعنى القوة والارتفاع . يقال : شد
النهار، إذا ارتفع ، وهو مفرد جاء بصيغة الجمع ، ولا واحد له من لفظه .
والمراد ببلوغ أشده : أن يصل سنه على الراجح - إلى ثلاث وثلاثين سنة .
وقوله: ﴿أوزعنى﴾ أى: رغبنى ووفقنى، من قولك: أوزعت فلانا بكذا، إذا أغريته
وحببته فى فعله . أى : أن هذا الإِنسان بعد أن بقى فى بطن أمه ما بقى ، وبعد أن وضعته
وأرضعته وفطمته وتولته برعايتها، واستمرت حياته ((حتى إذا بلغ أشده )) أى: حتى إذا بلغ
زمن استكمال قوته ، وبلغ أربعين سنة وهى تمام اكتمال العقل والقوة والفتوة .
قال﴾ على سبيل الشكر لخالقه ﴿رب أوزعنى ... ﴾ أى: يارب وفقنى وألهمنى ﴿ أن
أشكر نعمتك التى أنعمت على وعلى والدى ﴾ بأن وفقتنى ووفقتهما إلى صراطك المستقيم ،
وبأن رزقتها العطف علىَّ، ورزقتنى الشكر لهما، ووفقنى - أيضا - ﴿ أن أعمل عملا صالحا
ترضاه﴾ منى، وتقبله عندك ﴿وأصلح لى فى ذريتى﴾ أى: واجعل - يا إلهى - الصلاح
راسخا فى ذريتى ، وساريا فيها ، لأن صلاح الذرية فيه السعادة الغامرة للآباء .
إنى تبت إليك ﴾ توبة صادقة نصوحا وإنى من المسلمين الذين أخلصوا نفوسهم
لطاعتك ، وقلوبهم لمرضاتك .
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد اشتملت على أسمى ألوان الدعوات ، التى عن طريق
إجابتها تتحقق السعادة الدنيوية والأخروية .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى ((فى)) فى قوله: ﴿وأصلح لى فى ذريتى﴾؟
قلت : معناه أن يجعل ذريته موقعا للصلاح ومظنته ، كأنه قال : هب لى الصلاح فى ذريتى ،
وأوقعه فيهم .(١) .
وفى الآية الكريمة : تنبيه للعقلاء ، إلى أن شأنهم - خصوصا عند بلوغ سن الأربعين . أن
يكثروا من التضرع إلى الله بالدعاء ، وأن يتزودوا بالعمل الصالح ، فإنها السن التى بعث الله
- تعالى - فيها معظم الأنبياء ، والتى فيها يكتمل العقل ، وتستجمع القوة ، ويرسخ فيها
خلق الإنسان الذى تعوده وألفه ورحم الله القائل :
إذا المرء وافى الأربعين ولم يكن له دون ما يهوى حياء ولا ستر
وإن جر أسباب الحياة له العمر
فدعه ، ولا تنفس عليه الذى مضى
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٠٢.
١٩٣
سورة الأحقاف
ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة من يسلك هذا الطريق القويم فقال: ﴿أولئك الذين
نتقبل عنهم أحسن ما عملوا .. ﴾ .
واسم الإشارة يعود إلى الإِنسان باعتبار الجنس . أى : أولئك الموصوفون بما ذكر من
الصفات الجميلة ، هم ﴿ الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ﴾ من الأعمال الطيبة المتقبلة
عندنا .. ﴿ونتجاوز عن سيئاتهم﴾ فلا نعاقبهم عليها ، لكثرة توبتهم إلينا .. بل نجعلهم
فى ﴾ عداد ﴿ أصحاب الجنة) الخالدين فيها، والمتنعمين بخيراتها.
فالجار والمجرور فى قوله ﴿ أصحاب الجنة) فى محل نصب على الحال ، على سبيل
التشريف والتكريم ، كما تقول : أكرمنى الأمير فى أصحابه ، أى : حالة كونى معدودا من
أصحابه .
وقوله - تعالى -: ﴿ وعد الصدق الذى كانوا يوعدون ﴾ تذييل مؤكد لما قبله . ولفظ
﴿ وعد ﴾ مصدر لفعل مقدر. أى: وعدهم الله - تعالى - وعد الصدق الذى كانوا يوعدون
به على ألسنة الرسل فى الدنيا .
هذا ، وقد ذكر بعض المفسرين أن هاتين الآيتين نزلتا فى شأن أبى بكر الصديق - رضى الله
عنه - ، وقد استجاب الله دعاءه، فأسلم أبواه وأولاده جميعا .. (١).
وبعد أن ساق - سبحانه - هذه الصورة الوضيئة لأصحاب الجنة ، أتبع ذلك ببيان صورة
سيئة لنوع آخر من الناس ، فقال - تعالى - :
وَالَّذِى قَالَ
لِوَلِدَيْهِ أُفٍ لَّكُمَا أَنْعِدَ اِىَ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْفُرُونُ مِن
قَبْلِى وَهُمَايَسْتَغِيثَانِ اَللَّهَ وَيَلَكَ ءَامِنْ إِنَّ وَعْدَ اَللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ
مَا هَذَآ إِلَّا أَسَطِيرُالْأَوَّلِينَ ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ
الْقَوّلُ فِيَ أُمَرِ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ
(١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٦ ص ١٩٤.
١٩٤
المجلد الثالث عشر
خَسِينَ ﴿١٨) وَلِكُلِ دَرَحَتٌ مَِّّ عَمِلُواْ وَلِيُوَفِيَهُمْ أَعْمَلَهُمْ وَهُمْ
لَ يُظْلَمُونَ ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِأَذْهَبْتُمْ طَيِّبَيْكُمْ
فِي حَيَاتِكُالدُّنْيَا وَأُسْتَمْنَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوَنَ عَذَابَ الْهُونِ
بِمَاكُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ اٌلْفِ وَبِمَا كُمْ نَفْسُقُونَ(®)
والاسم الموصول فى قوله - تعالى -: ﴿والذى قال لوالديه أف لكما .. ﴾ بمعنى الذين،
وهو مبتدأ وخبره قوله : ﴿ أولئك الذين حق عليهم القول .. ﴾ وهذا صريح فى أن المراد
بقوله: ﴿ والذى﴾ العموم وليس الإفراد ، وهذا يدل - أيضا - على فساد قول من قال إن.
الآية نزلت فى شأن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق - رضى الله عنهما - ، والصحيح أنها فى
حق كل كافر عاق لوالديه ، منكر للبعث .
قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : وهذا عام فى كل من قال هذا ، ومن زعم أنها نزلت
فى عبد الرحمن بن أبى بكر ، فقوله ضعيف ، لأن عبد الرحمن أسلم بعد ذلك ، وحسن
إسلامه ، وكان من خيار أهل زمانه .
أخرج البخارى عن يوسف بن مَاهَك قال : كان مروان على الحجاز ، استعمله معاوية بن
أبى سفيان ، فخطب وجعل يذكر يزيد بن معاوية لكى يبايع له بعد أبيه .
فقال له عبد الرحمن بن أبى بكر شيئا .. فقال مروان : إن هذا الذى أنزل فيه: ﴿والذى
قال لوالديه أف لكما .. ﴾ .
فقالت عائشة من وراء حجاب: ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن ، إلا أن الله أنزل
عذرى . وفى رواية للنسائى أنها قالت : كذب مروان ، والله ما هو به ، ولو شئت أن أسمى
الذى نزلت فيه لسميته .. (١) .
ولفظ (( أف)): اسم صوت ينبىء عن التضجر ، أو اسم فعل مضارع هو أتضجر .
والمقصود به هنا : إظهار الملل والتأفف والكراهية لما يقوله أبواه من نصح له .
وقوله : ﴿ أتعداننى ﴾ فعل مضارع من وعد الماضى، وحذف واوه فى المضارع مطرد.
(١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٢٦٦ والآلوسى جـ ٢٦ص ٢٠ .
١٩٥
سورة الأحقاف
والنون الأولى نوع الرفع ، والثانية نون الوقاية .
وقوله: ﴿ أن أخرج﴾: أن وما دخلت عليه فى تأويل مصدر هو المفعول الثانى لقوله:
أتعداننى﴾. أى: والذى قال لوالديه - على سبيل الإنكار والإعراض عن نصحهما -
أف لكما ﴾ أى: أقول بعدا وكرها لقولكما، أو إنى متضجر من قولكما .
أتعداننى أن أخرج ﴾ أى: أتعداننى الخروج من قبرى بعد أن أموت ، لكى أبعث
وأحاسب على عملى، والحال أنه ﴿ قد خلت﴾ أى: مضت ﴿القرون ﴾ الكثيرة ﴿ من
قبلى ﴾ دون أن يخرج أحد منهم من قبره ، ودون أن يرجع بعد أن مات.
فالآية الكريمة تصور بوضوح ما كان عليه هذا الإِنسان ، من سوء أدب مع أبويه ، ومن
إنكار صريح للبعث والحساب والجزاء .
ثم حكى - سبحانه - مارد به الأبوان فقال: ﴿وهما يستغيثان اللّه ويلك آمن، إن وعد
الله حق ... ﴾
وقوله: ﴿ يستغيثان الله﴾ أى: يلتمسان غوثه وعونه فى هداية هذا الإِنسان إلى الصراط
المستقيم ، والجملة فى محل نصب على الحال .
ولفظ ((ويلك)» فى الأصل ، يقال فى الدعاء على شخص بالهلاك والتهديد . والمراد به هنا :
حض المخاطب على الإِيمان والطاعة لله رب العالمين .
أى : هذا هو حال الإِنسان العاق الجاحد ، أما حال أبواه ، فإنهما يفزعان لما قاله وترتعش
أفئدتهما لهذا التطاول والصدود عن الحق ، فيلجآن إلى الله، ويلتمسان منه - سبحانه - الهداية
لابنهما ، ويحضان هذا الابن على الإِيمان بوحدانية الله - تعالى - ، وبالبعث والحساب والجزاء ،
فيقولان له: ﴿ ويلك آمن إن وعد الله حق﴾ ولا خلف فيه، ولا راد له ..
والمتأمل فى هذه الجملة الكريمة يراها تصور لهفة الوالدين على إيمان ولدهما أكمل تصوير ،
فهما يلتمسان من الله له الهداية ، ثم يهتفان بهذا الابن العاق بفزع أن يترك هذا الجحود ، وأن
يبادر إلى الإِيمان بالحق ..
ولكن الابن العاق يصر على كفره ، ويلج فى جحوده: ﴿ فيقول ﴾ فى الرد على أبويه
ما هذا إلا أساطير الأولين ﴾ . أى : ما هذا الذى تعداننى إياه من البعث والحساب
والجزاء .. إلا أباطيل الأولين وخرافاتهم التى سطروها فى كتبهم .
فالأساطير : جمع أسطورة ، وهى ما سجله الأقدمون فى كتبهم من خرافات وأكاذيب .
١٩٦
المجلد الثالث عشر
وقوله: ﴿ أولئك .. ﴾ اسم الإشارة هذا يعود إلى العاقين المكذبين بالبعث والجزاء
المذكورين فى قوله - تعالى - قبل ذلك: ﴿والذى قال لوالديه أف لكما .. ﴾.
أى : أولئك القائلون ذلك، هم ﴿ الذين حق عليهم القول ﴾ أى: وجب عليهم العذاب
الذى حكم به - سبحانه - على أمثالهم فى قوله - تعالى - لإِبليس ﴿ لأملأن جهنم منك
ومن تبعك منهم أجمعين ) كما يفيده قوله - سبحانه - بعد ذلك. ﴿ فى أمم قد خلت من
قبلهم من الجن والإنس ﴾. أى: أولئك الذين وجب عليهم العذاب ، حالة كونهم مندرجين
فى أمم قد مضت من قبلهم من طائفة الجن ومن طائفة الإِنس ﴿إنهم﴾ جميعا ﴿ كانوا
خاسرين ﴾ لأنهم استحبوا الكفر على الإيمان .
ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر عدالته فى حكمه بين عباده فقال : ﴿ ولكل درجات
مما عملوا . وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون ﴾ .
والتنوين فى قوله ﴿ولكل﴾ عوض عن المضاف إليه المحذوف، والجار والمجرور فى قوله
﴿ مما عملوا﴾ صفة لقوله ﴿درجات)، و( من) بيانية، و﴿ ما﴾ موصولة.
وقوله : ﴿وليوفيهم أعمالهم ﴾ علة لمحذوف .. والمعنى: ولكل فريق من الفريقين: فريق
المؤمنين المعبر عنهم بقوله : - تعالى -: ﴿ أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ... ﴾
وفريق الكافرين المعبر عنهم بقوله - تعالى - : ﴿أولئك الذين حق عليهم القول .. ﴾.
لكل فريق من هؤلاء وهؤلاء ﴿درجات) حاصلة من الذى عملوه من الخير والشر، وقد
فعل - سبحانه - ذلك معهم ، ليوفيهم جزاء أعمالهم .
﴿ وهم﴾ جميعا ﴿ لا يظلمون﴾ شيئا، بل كل فريق منهم يجازى على حسب عمله. كما
قال - تعالى -: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره . ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ﴾.
ثم بين - سبحانه - ما سيكون عليه الكافرون يوم القيامة من حال سيئة فقال: ﴿ويوم
يعرض الذين كفروا على النار، أذهبتم طيباتكم فى حياتكم الدنيا .. ﴾ .
والظرف متعلق بمحذوف تقديره : اذكر. وقوله ﴿يعرض﴾ من العرض بمعنى الوقوف
على الشىء ، وتلقى ما يترتب على هذا الوقوف على هذا الشىء من خير أو شر .
والمراد بالعرض على النار هنا : مباشرة عذابها، وإلقائهم فيها ، ويشهد لهذا قوله
- تعالى - بعد ذلك ﴿ويوم يعرض الذين كفروا على النار، أليس هذا بالحق ، قالوا: بلى
وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ﴾ .
١٩٧
سورة الأحقاف
قال الألوسى : قوله : ﴿ويوم يعرض الذين كفروا على النار﴾. أى: يعذبون بها ، من
قولهم: ◌ُرِض بنو فلان على السيف، إذا قتلوا به، وهو مجاز شائع .. (١) .
وقوله : ﴿ أذهبتم .. الخ) مقول لقول محذوف. وهذا اللفظ قرأه ابن كثير وابن عامر
أأذهبتم﴾ بهمزتين على الاستفهام الذى هو للتقريع والتوبيخ، وقرأه الجمهور
أذهبتم ﴾ بهمزة واحدة على الخبر من غير استفهام .
أى : واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ ، يوم يقف الذين كفروا على النار ، فيرون
سعيرها ثم يلقون فيها ، ويقال لهم - على سبيل الزجر والتأنيب - ﴿ أذهبتم طيباتكم فى
حياتكم الدنيا ﴾ أى: ضيعتم وأتلفتم الطيبات التى أنعم الله بها عليكم فى حياتكم الدنيا،
حيث ﴿ استمتعتم بها ﴾ استمتاعا دنيويا دون أن تدخروا للآخرة منها شيئا ..
فاليوم تجزون عذاب الهون﴾ أى : تجزون عذاب الهون والخزى والذل.
﴿ بما كنتم تستكبرون فى الأرض بغير الحق ﴾ أى : بسبب استكباركم فى الأرض بغير
الحق ..
وبما كنتم تفسقون ﴾ أى: وبسبب خروجكم فى الدنيا عن طاعة الله - تعالى - ، وعن
هدى أنبيائه .
وقيد - سبحانه - استكبارهم فى الأرض بكونه بغير الحق ، ليسجل عليهم هذه الرذيلة ،
وليبين أنهم قوم دينهم التكبر والغرور وإيثار اتباع الباطل على الحق .
قال الجمل : والحاصل أنه - تعالى - علل ذلك العذاب بأمرين :
أحدهما : الاستكبار والترفع وهو ذنب القلب .
والثانى : الفسق وهو ذنب الجوارح ، وقدم الأول على الثانى ، لأن أحوال القلب أعظم
وقعا من أعمال الجوارح(١) .
ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن مصارع الغابرين الذين كانوا أشد قوة
وأكثر جمعا من مشركى قريش ، لكى يعتبروا بهم ، ويقلعوا عن كفرهم ، حتى لا يكون
مصيرهم كمصير من سبقوهم فى الكفر والطغيان ، فقال - سبحانه - :
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٦ ص ٢٢.
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ١٣٢.
١٩٨
المجلد الثالث عشر
وَأَذْ كُرْأَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَتِ النُّذُرُ
مِنْ بَيْنِ يَدَيّهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ: أَلََّتَعْبُدُ وَأَإِلَّا اللَّهَ إِنَّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ
عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) قَالُوا أَجِتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالِمِنْنَا فَأْنِنَا
بِمَا تَعِدُّنَا إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ ﴿ قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ
٢٣
وَأَيَلِغُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ ،وَلَكِنِّى أَزْوَلِكُمْ قَوْمًاتَّهَلُونَ
فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ قَالُواْ هَذَا عَارِضُ مْطِرُناً
بَّ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِّرِيحٌ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٨) تُدَمِرُكُلَّ
شَىٍّ بِأَمْرِ رَبِهَا فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَىَ إِلَّمَسَكِنُهُمْ كَذَلِكَ نْزِى
اٌلْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّهُمْ فِيمَآ إِن تَّكَّنَّكُمْ فِيهِ
وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَرًا وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ
وَلَآَ أَبْصَُهُمْ وَلَّ أَفْئِدَتُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُواْ بَحْحَدُونَ
◌ِشَايَتِ اَللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْبِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ (٦)، وَلَقَدْ
أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا ◌ْلَآَيَتِ لَعَلَّهُمْ بَرْجِعُونَ
، فَلَوْلَا نَصَرَ هُمُ الَّذِينَ أَّخَذُ واْ مِن دُونِ اللَّهِ قُرْ بَانَاءَ إِهَذَّ
٢٧
بَ ضَلُّواْ عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾
٢٨
والمقصود بقوله - تعالى -: ﴿ أخا عاد ) : هود - عليه السلام - فقد أرسله الله
- تعالى - إلى قبيلة عاد ، ليأمرهم بعبادة الله - تعالى - ، وكانوا قوماً جبارين ، فلم
يستمعوا إلى نصحه ، فكانت عاقبتهم الهلاك والتدمير .
١٩٩
سورة الأحقاف
وقد وردت قصته معهم فى سور متعددة ، منها : سورة الأعراف ، وسورة هود ، وسورة
الشعراء ، وسورة الحاقة ..
قال القرطبى ما ملخصه: قوله - تعالى -: ﴿واذكر أخا عاد) هو هود بن عبد الله
بن رباح ، كان أخاهم فى النسب لا فى الدين ، إذ أنذر قومه بالأحقاف ، والأحقاف : ديار
عاد .. وهى جمع حقف - بكسر الحاء - ، وهو ما استطال من الرمل العظيم واعوج ، ولم يبلغ
أن يكون جبلا .. (١) .
ويغلب على الظن أن مساكنهم كانت على مرتفعات من الأرض فى شمال حضر موت ، وعلى
مقربة من المكان الذى يسمى الآن بالرَّبْع الخالى غربى عُمَان ..
والمعنى : واذكر - أيها الرسول الكريم - لقومك ليعتبروا ويتعظوا قصة هود - عليه
السلام - وقت أن أنذر قومه ، وهم يعيشون بتلك الأماكن المرتفعة المسماة بالأحقاف .
وقوله: ﴿ وقد خلت الرسل من بين يديه ومن خلفه﴾ جملة حالية فى محل نصب.
أى : جاء هود إلى قومه فأمرهم بإخلاص العبادة لله - تعالى - وحده ، وخوفهم من سوء
عاقبة مخالفته ، والحال أنه قد أخبرهم بأن الرسل الذين سبقوه ، والذين يأتون من بعده ،
كليهم قد بعثهم الله - تعالى - لهداية أقوامهم ، ولعبادته - سبحانه - وحده .
فالنذر : جمع نذير ، والمراد بهم الرسل الذين يخوفون أقوامهم من سوء عاقبة الإشراك مع
الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة.
والمراد بقوله : ﴿من بين يديه ومن خلفه﴾ الرسل السابقون عليه، والمتأخرون عنه.
ثم ذكر - سبحانه - جانبا من نصائح هود لقومه فقال: ﴿ أن لا تعبدوا إلا اللّه ، إنى
أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ﴾ .
أى: أنذرهم قائلا لهم: إنى أحذركم من عبادة أحد سوى الله - تعالى - وآمركم
بإخلاص العبادة له - تعالى - وحده ، لأنى أخاف عليكم عذاب يوم هائل عظيم ، وهو يوم
القيامة ، ﴿ يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم﴾.
فأنت ترى أن هودا - عليه السلام - بجانب أنه قد أمر قومه بما يسعدهم ، فإنه قد بين لهم
- أيضا - أنه ما حمله على هذا الأمر إلا خوفه عليهم ، وحرصه على نجاتهم من عذاب يوم
القيامة .
(١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٦ ص ٢٠٣ .
٢٠٠
المجلد الثالث عشر
ولكن قومه لم يقابلوا ذلك بالطاعة والإِذعان ، بل قابلوا دعوة نبيهم لهم بالإِعراض
والاستخفاف ، وقد حكى القرآن ذلك بقوله : ﴿ قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا ، فأتنا بما
تعدنا إن كنت من الصادقين﴾. أى : قال قوم هود له - على سبيل الإنكار والسفاهة -
أجئتنا بهذه الدعوة ﴿ لتأفكنا عن آلهتنا﴾ أى: لتصرفنا وتبعدنا عن عبادة آلهتنا التى ألفنا
عبادتها يقال : أَفَك فلان فلانا عن الشىء ، إذا صرفه عنه .
ثم أضافوا إلى هذا الإنكار ، إنكارا آخر مصحوبا بالتحدى والاستهزاء فقالوا : ﴿ فأتنا بما
تغدنا﴾. أى: إن كان الأمر كما تقول فأتنا بما تعدنا به من العذاب العظيم، ﴿ إن كنت من
الصادقين ﴾ فيما أخبرتنا به .
وهكذا نلمس فى ردهم سوء الظن ، وعدم الفهم ، واستعجال العذاب ، والإصرار على
الباطل الذى ألفوه ..
ولكن هودا - عليه السلام - قابل كل هذه الجهالات بالحلم والأناة ، فرد عليهم بقوله :
قال إنما العلم عند الله ... ﴾. أى: قال لهم: إنما علم وقت نزول العذاب بكم عند الله
- تعالى - وحده ، ولا مدخل لى فى ذلك .
وإنما أنا ﴿ أبلغكم ما أرسلت به ﴾ إليكم من ربى وربكم، وتلك هى وظيفتى.
ثم عقب على هذا الرد بما يدل على حمقهم وغبائهم فقال: ﴿ولكنى أراكم قوما
تجهلون ﴾ .
أى : أنا لا علم لى بوقت نزول العذاب عليكم ، لأن رسالتى محصورة فى التبليغ والإنذار ..
وهذا كان يجب أن يكون مفهوما لديكم لوضوحه .. ولكنى أراكم قوما تجهلون ما هو
واضح ، وتنكرون ما هو حق ، وتصرون على ما هو باطل ، وتطالبوننى بما لا أملكه .
ثم يجمل السياق بعد ذلك ما كان بين هود وقومه من جدال طويل ، ليصل إلى العذاب
الذى استعجلوه فيقول؛ ﴿ فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا ... ﴾
والفاء فى قوله ﴿ فلما رأوه ... ﴾ فصيحة.
والضمير فى قوله ﴿رأوه﴾ يعود إلى ﴿ ما﴾ فى قوله - تعالى - قبل ذلك: ﴿فأتنا بما
تعدنا ﴾ والمراد به العذاب .
قال الشوكانى: الضمير فى ((رأوه)) يرجع إلى ((ما)» فى قوله ﴿ بما تعدنا﴾. وقال المبرد
والزجاج: الضمير فى ((رأوه)» يعود إلى غير مذكور، وبينه قوله ﴿عارضاً﴾، فالضمير
يعود إلى السحاب، أى: فلما رأوا السحاب عارضا، فعارضا نصب على التكرير، أى :