النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ مقدمة ما كنتم تعملون . هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ، إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ﴾. نسأل الله - تعالى - أن ينجينا من أهوال هذا اليوم ، وأن يحشرنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. ذلك الفضل من الله، وكفى بالله عليما. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . د . محمد سيد طنطاوى القاهرة - مدينة نصر صباح الأحد ٤ من ربيع الأول سنة ١٤٠٦ هـ ١٧ / ١١ / ١٩٨٥ م ١٤٣ سورة الجاثية التفسير قال الله - تعالى - : ◌ِاللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حَمَ ا تَزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِالْعَزِيزِاَلْحَكِيِمِ ن إِنَّ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَفِي خَلْفِكُمْ وَمَا يَبْتُ مِنْ دَابَةِ ءَايَتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ، وَأَخْلَفِ الَّلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَابِهِالْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِءَتُّ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ سورة ((الجاثية)) من السور التى افتتحت ببعض حروف التهجى ، وقد سبق أن قلنا ، إن هذه الحروف الرأى الراجح فى معناها ، أنها سيقت للتنبيه على إعجاز القرآن ، وعلى أنه من عند الله - عز وجل - . وقوله - سبحانه -: ﴿تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم) بيان لمصدر هذا القرآن ، وأنه من عند الله - تعالى - لا من عند غيره . أى: هذا القرآن من الله - تعالى - صاحب العزة التى لا عزة سواها ، وصاحب الحكمة التى لا تقاربها حكمة ، فهو - سبحانه - القاهر فوق عباده وهو الحكيم فى كل تصرفاته . ثم ساق - سبحانه - ستة أدلة على وحدانيته ، وكمال قدرته ، وجلال عظمته ويتمثل الدليل الأول فى قوله - تعالى -: ﴿ إن فى السموات والأرض لآيات للمؤمنين) أى: إن فى خلق هذه السموات المزينة بالمصابيح ، والتى لا ترى فيه من تفاوت ، والمرفوعة بغير عمد ... وفى خلق الأرض الممهدة المفروشة المثبتة بالجبال .. فى كل ذلك لبراهين ساطعة للمؤمنين ، على أن الخالق لهما هو الله - تعالى - وحده ، المستحق للعبادة والطاعة . ١٤٤ المجلد الثالث عشر فالمراد بقوله - تعالى -: ﴿إن فى السموات والأرض .. ﴾ أى: إن فى خلقها، كما صرح - سبحانه - بذلك فى آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - : ﴿إن فى خلق السموات والأرض ، واختلاف الليل والنهار، لآيات لأولى الألباب﴾(١) . والمراد بالآيات : الدلائل والبراهين الدالة على قدرته - سبحانه - ووحدانيته . والدليل الثانى والثالث قوله - تعالى -: ﴿وفى خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم یوقنون قوله: ﴿وفى خلقكم﴾ جار ومجرور خبر مقدم، وقوله: ﴿ آيات﴾ مبتدأ مؤخر. أى : وفى خلقكم - أيها الناس - من نطفة، فعلقة ، فمضغة .. إلى أن نخرجكم من بطون أمهاتكم .. وفيما نبئه وننشره ونوجده من دواب لا تعد ولا تحصى على ظهر الأرض. فى كل ذلك ﴿ آيات﴾ بينات ، وعلامات واضحات ، على كمال قدرتنا ، لقوم يوقنون بأن القادر على هذا الخلق ، إنما هو الله - تعالى - وحده . والدليل الرابع قوله - تعالى -: ﴿واختلاف الليل والنهار .. ﴾ والمراد باختلافهما : تفاوتهما طولا وقصرا ، وتعاقبهما دون أن يسبق أحدهما الآخر كما قال - تعالى - : ﴿ لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ، ولا الليل سابق النهار، وكل فى فلك يسبحون (٢) . وكون الليل والنهار يسيران على هذا النظام الدقيق المطرد الذى لا ينخرم ، دليل على أن هذا الاختلاف ، تدبير من إله قادر حكيم ، لا يدخل أفعاله تفاوت أو اختلال . والدليل الخامس قوله - تعالى -: ﴿ وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها ﴾ . وقوله: ﴿ وما أنزل الله .. ﴾ معطوف على ﴿ اختلاف﴾، والمراد من السماء : جهة العلو . والمراد بالرزق : المطر الذى ينزل من السحاب ، وسمى رزقا لأن المطر سبب الأرزاق العباد . أى: ومن الآيات الدالة على قدرته - سبحانه - : إنزاله المطر من السماء فينزل على الأرض ، فتهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج ، بعد أن كانت جدباء هامدة . (١) سورة آل عمران الآية ١٩٠. (٢) سورة يس الآية ٤٠. ١٤٥ سورة الجاثية وأما الدليل السادس فهو قوله - تعالى -: ﴿وتصريف الرياح﴾: والمراد بتصريفها: تقليبها فى الجهات المختلفة ، ونقلها من حال إلى حال ، وتوجيهها على حسب مشيئته - سبحانه - ، فتارة تراها حارة ، وتارة تراها باردة . أى : ومن الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته ، تقليبه - سبحانه - للرياح كما يشاء ويختار . وفى ذلك الذى بيناه لكم ﴿ آيات﴾ واضحات على قدرتنا ﴿لقوم يعقلون﴾ ذلك. قال الجمل فى حاشيته : وحاصل ما ذكر هنا من الدلائل ستة ، على ثلاث فواصل : الأولى للمؤمنين ﴾، والثانية ﴿يوقنون﴾، والثالثة، ﴿ يعقلون). ووجه التغاير بينها ، أن المنصف من نفسه إذا نظر فى السموات والأرض وأنه لا بد لهما من صانع آمن ، وإذا نظر فى خلق نفسه ونحوها ، ازداد إيمانا فأيقن . وإذا نظر فى سائر الحوادث عقل واستحكم علمه ، فاختلاف الفواصل الثلاث ، لاختلاف الآيات فى الدقة والظهور ﴾(١) . وما ذكر فى هذه الآيات الكريمة من أدلة ساطعة على قدرة الله ووحدانيته جاء فى آيات كثيرة ، من أجمعها قوله - تعالى - : ﴿إن فى خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار ، والفلك التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس ، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة ، وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض ، لآيات لقوم يعقلون ﴾(٢). وبعد أن ذكر - سبحانه - هذه الأدلة الكونية الساطعة التى تحمل الناس على إخلاص العبادة له وحده ، أتبع ذلك بتهديد الذين عموا عنها ، والذين اتخذوا آيات الله هزوا .. فقال - تعالى - : تِلْكَ ءَ إِنَتُّ اللَّهِنَتْلُوهَا عَلَيَكَ بِالْحَقٌّ فَتِّ حَدِيثِ بَعْدَ اللَّهِ وَءَايَتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ وَيَلٌ لِكُلِ أَنَّالِكٍ أَشِ ) يَسْمَعُ ءَايَتِ الَّهِ تُثْلَى عَلَيْهِ ثُمَّيُصِرٌ مُسْتَكْرًا كَنْ لَّْيَسْمَعْهَا فَبَشِرْهُ بِعَذَابٍ أَلِ ٥ 1 (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ١١٢ . ( ٢) راجع تفسيرنا لهذه الآية فى سورة البقرة ص ٣٢٩ وما بعدها . ١٤٦ المجلد الثالث عشر وَ إِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَئِنَا شَيْئًا أَتَّخَذَهَا هُوَا أُوْلَئِكَ لَّمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) مِن وَرَآبِهِمْ جَهَمُّمٌ وَلَا يُغْفِى عَنْهُمْ مَّاكَسَبُوا شَيْئًا وَلَ مَا أَتَّخَذُ واْ مِن دُونِ الَّهِ أَوْلِيَ: وَلَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) هَذَا هُدِّىٌ وَالَّذِينَ كَفَرُوْ بَايَتِ رَبِهِمْ لَمُمْعَذَابٌمِّنِجْزِآلِئُ والمراد بالآيات فى قوله - سبحانه -: ﴿ تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق .. ﴾ آيات تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق، وإنك لمن القرآن الكريم ، كما فى قوله - تعالى - : ﴿ المرسلين (١) . و﴿ تلك﴾ مبتدأ، و ﴿ آيات الله) خبر و ﴿ نتلوها عليك) حال عاملها مادل عليه تلك ﴾ من معنى الإِشارة . وقوله ﴿بالحق﴾ حال من فاعل ﴿نتلوها) أو من مفعوله، أى: نتلوها محقين، أو ملتبسة بالحق . أى : تلك - أيها الرسول الكريم - آيات الله - تعالى - المنزلة إليك ، نتلوها عليك تلاوة ملتبسة بالحق الذى لا يحوم حوله باطل . وكانت الإِشارة للبعيد ، لما فى ذلك من معنى الاستقصاء للآيات ، ولعلو شأنها ، وكمال معانيها ، والوفاء فى مقاصدها . وأضاف - سبحانه - الآيات إليه، لأنه هو الذى أنزلها على نبيه - بصل - ، وفى هذه الإضافة ما فيها من التشريف لها ، والسمو لمنزلتها . وجعل - سبحانه - تلاوة جبريل للقرآن تلاوة له ، للإِشعار بشرف جبريل ، وأنه ما خرج فى تلاوته عما أمره الله - تعالى - به ، فهو رسوله الأمين ، إلى رسله المكرمين . وقوله - سبحانه -: ﴿ فبأى حديث بعد الله وآياته يؤمنون) تعجيب من حالهم ، حيث أصر هؤلاء الكافرون على كفرهم، مع وضوح البراهين والأدلة على بطلان ذلك . أى : فبأى حديث بعد آيات الله المتلوة عليك يؤمن هؤلاء الجاهلون؟ إن عدم إيمانهم بعد (١) سورة البقرة الآية ٢٥٢ . ١٤٧ سورة الجاثية ظهور الأدلة والبراهين على وجوب الإِيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ، دلیل علی انطاس بصائرهم ، واستيلاء العناد والجحود على قلوبهم . قال الآلوسى: وقوله: ﴿فبأى حديث بعد الله وآياته يؤمنون) هو من باب قولهم: أعجبنى زيد وكرمه ، يريدون أعجبنى كرم زيد ، إلا أنهم عدلوا عنه للمبالغة فى الإِعجاب . أى : فبأى حديث بعد هذه الآيات المتلوة بالحق يؤمنون ، وفيه دلالة على أنه لابيان أزيد من هذا البيان ، ولا آية أدل من هذه الآية . وقال الواحدى : فبأى حديث بعد حديث اللّه ، أى : القرآن ، وقد جاء إطلاقه عليه فى قوله - تعالى -: ﴿ اللّه نزل أحسن الحديث .. ﴾ وحسن الإضمار لقرينة تقدم الحديث. وقوله ﴿وآياته﴾ عطف عليه لتغايرهما إجمالا وتفصيلا .. والفاء فى جواب شرط مقدر، والظرف صفة ﴿ حديث ﴾(١) . ثم هدد - تعالى - هؤلاء المشركين بقوله : ﴿ويل لكل أفاك أثيم ﴾. والويل : لفظ يدل على الشر أو الهلاك . وهو مصدر لافعل له من لفظه ، وقد يستعمل بدون حرف النداء كما هنا ، وقد يستعمل معه كما فى قوله - تعالى -: ﴿ يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ﴾ . والأفاك : هو الإِنسان الكثير الإِفك وهو أشنع الكذب وأقبحه . والأثيم : هو الإِنسان المرتكب للذنوب والآثام بقلبه وجوارحه ، فهو سيىِّ الظاهر وسيئٍّ الباطن . أى : هلاك وعذاب وحسرة يوم القيامة لكل إنسان ينطق بأقبح الأكاذيب ويفعل أسوأ السيئات . هذا الإِنسان - أيضا - من صفاته أنه ﴿ يسمع آيات الله تتلى عليه﴾ صباح مساء. ﴿ ثم﴾ بعد ذلك ﴿ يصر﴾ على كفره ﴿مستكبرا﴾ أى: متكبرا عن الإِيمان. كأن لم يسمعها ﴾ أى: كأنه لم يسمع هذه الآيات ، لأنها لم توافق هواه أو شهواته . والتعبير بقوله: ﴿ ثم يصر مستكبرا ﴾ للتعجيب من حاله، حيث يصر على كفره، بعد سماع ما يدعو إلى التخلى عن الكفر ، ويحمل على الدخول فى الإِيمان . (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٥ ص ١٤٢ . ١٤٨ المجلد الثالث عشر والإصرار على الشىء : ملازمته ، وعدم الانفكاك عنه ، مأخوذ من الصر - بفتح الصاد - وهو الشد، ومنه صرة الدراهم ، لأنها مشدودة على ما بداخلها . ؟ قال صاحب الكشاف : فإن قلت: مامعنى ﴿ ثم﴾ فى قوله: ﴿ ثم يصر مستكبرا ﴾ قلت : كمعناه فى قول القائل ، يرى غمرات الموت ثم يزورها . وذلك أن غمرات الموت خليقة بأن ينجو رائيها بنفسه ، ويطلب الفرار عنها . وأما زيارتها والإقدام على مزاولتها ، فأمر مستبعد ، فمعنى ﴿ ثم﴾: الإِيذان بأن فعل المقدم عليها بعدما رآها وعاينها ، شىء يستبعد فى الغايات والطباع . وكذلك آيات الله الواضحة الناطقة بالحق ، من تليت عليه وسمعها : كان مستبعدا فى العقول إصراره على الضلالة عندها ، واستكباره عن الإيمان بها (١). وقوله - تعالى -: ﴿ فبشره بعذاب أليم ) تهكم بهذا الأفاك الأثيم .. واستهزاء به ، لأن البشارة فى الأصل إنما تكون من أجل الخبر السار، الذى تتهلل له البشرة . أى : فبشره بعذاب أليم ، بسبب إصراره على كفره ، واستحبابه العمى على الهدى . ثم بين - سبحانه - صفة أخرى من صفات هذا الأفاك الأثيم فقال : ﴿وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا ﴾ . أى : وإذا بلغ هذا الإِنسان شىء من آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ، بادر إلى الاستهزاء بها والسخرية منها ، ولم يكتف بالاستهزاء بما سمعه ، بل استهزأ بالآيات كلها لرسوخه فى الكفر والجحود . والتعبير بقوله: ﴿وإذا علم) زيادة فى تحقيره وتجهيله، لأن اتخاذه الآيات هزوا بعد علمه بمصدرها ، يدل على إيغاله فى العناد والضلال . وقوله : ﴿ أولئك لهم عذاب مهين﴾ بيان لسوء عاقبته . أى: أولئك الذين يفعلون ذلك لهم فى الآخرة عذاب يهينهم ويذلهم، ويجعلهم محل سخرية العقلاء واحتقارهم . ﴿من ورائهم جهنم﴾ أى: من قدامهم جهنم لأنهم يوجهون إليها بعد موتهم ، أو هى من خلفهم لأنهم معرضون عنها ، ومهملون لما يبعدهم عن دخولها . والوراء : اسم يستعمل بمعنى الأمام والخلف ، لأنه يطلق على الجهة التى يواريها الشخص ، فتعم الخلف والأمام . (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٢٨٦ . ١٤٩ . .- سورة الجاثية ولا يغنى عنهم ما كسبوا شيئا ﴾ أى: ولا يدفع عنهم ماکسبوه فى الدنيا من أموال شيئا من العذاب ، ولو كان هذا الشىء يسيرا، كما قال - تعالى -: ﴿إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا ، وأولئك هم وقود النار ﴾ . فقوله ﴿ ولا يغنى ﴾ من الغناء - بفتح الغين - بمعنى الدفع والنفع ، ومنه قول الشاعر: وقل غناء عنك مال جمعته إذا صار ميراثا وواراك لاحد ﴿ ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ﴾ أى: ولا يغنى عنهم - أيضا - ما اتخذوه من دون الله - تعالى - من معبودات باطلة . و﴿ ما﴾ فى قوله ﴿ ماكسبوا﴾ و﴿ ما اتخذوا﴾ موصولة والعائد محذوف. ويصح أن تكون فى الموضعين مصدرية . ﴿ ولهم عذاب عظيم﴾ لا يعلم مقدار شدته وهوله إلا الله - تعالى - وحده . والإِشارة فى قوله - تعالى - ﴿ هذا هدى﴾ تعود إلى القرآن الكريم . والهدى مصدر هداه إلى الشىء إذا دله وأرشده إليه . أى . هذا القرآن الذى أوحيناه إليك يا محمد ، فى أعلى درجات الهداية وأكملها . والذين كفروا بآيات ربهم ﴾ الدالة على وجوب إخلاص العبادة له . لهم عذاب من رجز أليم ﴾ والرجز: يطلق على أشد أنواع العذاب .. أى : لهم أشد أنواع العذاب ، وأكثره إيلاما وإهانة . وجمهور القراء قرأ ﴿أليم) بالخفض على أنه نعت لقوله ﴿رجز﴾ وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم ﴿ أليم) بالرفع ، على أنه صفة لعذاب . وهذه الآيات تهديد لكل من كانت فيه هذه الصفات التى منها : كثرة الكذب ، وكثرة اقتراف السيئات ، والإصرار على الباطل .. ويدخل فى هذا التهديد دخولا أوليا ، النضر بن الحارث ، الذى كان يشترى أحاديث الأعاجم ليشغل بها الناس عن سماع القرآن ، والذى قيل إن هذه الآيات قد نزلت فيه . ثم انتقلت السورة الكريمة بعد هذا التهديد الشديد للأفاكين .. إلى بيان جانب من النعم التى أنعم بها - سبحانه - على عباده ، ودعت المؤمنين إلى الصبر والصفح ، فقال - تعالى - : ١٥٠ المجلد الثالث عشر اللَّهُ الَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِىَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ، وَلِنَّبْتَغُواْمِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُرْتَشَّكُرُونَ ، وَسَخَّرَ لَكُرُ مَّا فِ السَّمَوَاتِ وَمَا فِىِ اُلْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَّكَّرُونَ ١٣ قُل لَّلَّذِينَ ءَامَنُوْيَغْفِرُ واْ لِلَّذِينَ لَا يَرَجُونَ أَيَّامَ اَلَّهِ لِيَجْزِىَ قَوْمَا بِمَا كَانُوايَكْسِبُونَ ، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ. وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ثُمَ إِلَى رَبِّكُمْتُجَعُونَ ١٥ وقوله - تعالى - ﴿ سخر﴾ من التسخير بمعنى التذليل والتيسير. يقال: سخر الله - تعالى - الإِبل للإِنسان ، إذا ذللها له ، وجعلها منقادة لأمره . أى: الله - تعالى - وحده، هو الذى بقدرته ورحمته ﴿سخر لكم البحر﴾ بأن جعلكم متمكنين من الانتفاع بخيراته ، وبأن جعله على هذه الصفة التى تستطيعون منها استخراج ما فيه من خيرات . وقوله: ﴿ لتجرى الفلك فيه بأمره، ولتبتغوا من فضله .. ﴾ بيان لبعض الأسباب التى من أجلها سخر الله - تعالى - البحر على هذه الصفة . أى : جعل لكم البحر على هذه الصفة ، لكى تتمكن السفن من الجرى فيه بأمره - تعالى - وقدرته ، ولتطلبوا ما فيه من خيرات ، تارة عن طريق استخراج ما فيه من كنوز ، وتارة عن طريق التجارة فيها .. وكل ذلك بتيسير الله - تعالى - وفضله ورحمته بكم . وقوله : ﴿ولعلكم تشكرون) متعلق بمحذوف . أى : أعطاكم ما أعطاكم من النعم ، وجعل البحر على صفة تتمكنون معها من الجرى فيه وأنتم فى سفنكم ، ومن استخراج ما فيه من خيرات .. لعلكم بعد ذلك تشكرون الله - تعالى - على هذه النعم ، وتستعملونها فيما خلقت من أجله . وقوله - تعالى -: ﴿ وسخر لكم ما فى السموات وما في الأرض جميعاً منه .. ﴾ تعميم بعد تخصيص . أى: يسر لكم الانتفاع بما فى البحر من خيرات ، ويسر لكم - أيضاً - الانتفاع بكل ١٥١ سورة الجاثية ما فى السموات والأرض من نعم لا تعد ولا تحصى ، وكلها منه - تعالى - وحده ، لا من أحد سواه . فقوله: ﴿ جميعا﴾ حال من ﴿وما فى الأرض)، أو تأكيد له. والضمير فى قوله - تعالى - ﴿ منه﴾ يعود إلى الله - عز وجل - ، والجار والمجرور حال من ﴿ ما ﴾ أيضا، أى : جميعا كائنا منه - تعالى - لا من غيره . قال صاحب الكشاف : فإن قلت: ما معنى ﴿ منه﴾ فى قوله: ﴿جميعا منه﴾؟ وما موقعها من الإِعراب ؟ . قلت : هى واقعة موقع الحال . والمعنى : أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه وحاصلة من عنده . يعنى أنه مكونها وموجدها بقدرته وحكمته ، ثم سخرها لخلقه . ويجوز أن يكون خبر لمبتدأ محذوف تقديره : هى جميعا منه(١) . إن فى ذلك ﴾ المذكور من تسخير البحر وما فى السموات والأرض لكم ﴿ لآيات ساطعات ، وعلامات واضحات ، ودلائل بينات ، على وحدانية الله - تعالى - وقدرته وفضله لقوم يتفكرون ﴾ فى هذه النعم ، ويحسنون شكرها . وخص المتفكرين بالذكر ، لأنهم هم الذين ينتفعون بما بين أيديهم من نعم ، إذ بالتفكر السليم ينتقل العاقل من مرحلة الظن ، إلى مرحلة اليقين ، التى يجزم معها بأن المستحق للعبادة والحمد ، إنما هو الله رب العالمين . ثم أمر الله - تعالى - نبيه - ﴿ - أن يحض المؤمنين على التجاوز والصفح، عما يصدر من المشركين من كلمات بذيئة ، ومن أفعال قبيحة ، حتى يأتى الله بأمره .. فقال - تعالى - : : قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ﴾ . وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : ما روى عن ابن عباس أنها نزلت فى عمر بن الخطاب ، شتمه مشرك بمكة قبل الهجرة فهمَّ أن يبطش به ، فنزلت(٢). ومقول القول محذوف لأن الجواب دال عليه . والرجاء هنا: بمعنى الخوف . والمراد بأيام الله: وقائعه بأعدائه . أى : قل - أيها الرسول الكريم - لأتباعك المؤمنين ، على سبيل النصح والإِرشاد ، قل (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٢٨٨ . ( ٢) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٥ ص ١٤٦. ١٥٢ المجلد الثالث عشر لهم : اغفروا يغفروا للمشركين الذين لا يخافون من وقائع الله ونقمته بأعدائه ، ولا يتوقعون أن هناك عذابا شديدا سينتظرهم ، وأن هناك ثوابا عظيما سينتظر المؤمنين . فالآية الكريمة توجيه حكيم للمؤمنين إلى التسامح والصبر على كيد أعدائهم ، حتى يأتى الله - تعالى - بأمره ، الذى فيه النصر للمؤمنين ، والخسران للكافرين . وقوله - سبحانه -: ﴿ ليجزى قوما بما كانوا يكسبون ﴾ علة للأمر بالصفح والمغفرة ، وهو متعلق بما قبله ، والمراد بالقوم : المؤمنون الذين أمروا بالتسامح والعفو .. والتنكير فى لفظ قوما ﴾ للتعظيم . أى : أمر الله المؤمنين بذلك، ليجزيهم يوم القيامة بما كسبوا فى الدنيا من الأعمال الصالحة ، التى منها الصبر على أذى أعدائهم ، والإِغضاء عنهم ، واحتمال المكروه منهم . قال صاحب الكشاف : قوله : ﴿ ليجزى قوما ﴾ تعليل للأمر بالمغفرة أى إنما أمروا بأن يغفروا ، لما أراده الله من توفيتهم جزاء مغفرتهم يوم القيامة . فإن قلت : قوله: ﴿ قوما﴾ ما وجه تنكيره ، وإنما أراد الذين آمنوا وهم معارف ؟ قلت : هو مدح لهم وثناء عليهم ، كأنه قيل : ليجزى أيما قوم . أو قوما مخصوصين ، لصبرهم وإغضائهم على أعدائهم من الكفار، وعلى ما كانوا يجرعونهم من الغصص (١). ثم عقب - سبحانه - على ذلك بما يؤكد عدالة الجزاء ، واحتمال كل نفس لما تعمله فقال : ﴿ من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ﴾. أى : من عمل عملا صالحا ، فثواب هذا العمل يعود إلى نفسه ، ومن عمل عملا سيئا فعقاب هذا العمل يعود عليها - أيضا - . ثم إلى ربكم ترجعون ﴾ يوم القيامة فترون ذلك رأى العين ، وتشاهدون أن كل إنسان سوف يجازى على حسب عمله ، إن خيرا فخير ، وإن شراً فشر . ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن نعم الله - سبحانه - على بنى إسرائيل ، وعن موقفهم منها ، وأمرت النبى - و ◌َله - أن يتمسك بالشريعة التى أنزلها الله - سبحانه - عليه .. فقال : (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٢٨٨ . 1 ١٥٣ سورة الجاثية وَلَقَدْءَانَيْنَا بَنِىَّ إِسْرَّهِ يَ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ اَلَّيَِّتِ وَفَضَّلْنَهُ عَلَى الْعَلَمِينَ ﴿ وَءَتَيْنَهُمْ بَبِنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِّ فَمَا اخْتَلَفُوْإِلَّا مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْعِلْمُ بَغْيَ ابَيْنَهُمَّ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ٢) ثُمَّجَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيعَةٍمِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٥) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُواْعَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الَّلِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ وَاللَّهُ وَلِىّ الْمُنَّقِينَ ◌َ هَذَا بَصَّهُ لِلنَّاسِ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ١٩ ٢٠ والمراد بإسرائيل : يعقوب - عليه السلام - وببنيه : ذريته من بعده . والمراد بالكتاب : التوراة - أو جنس الكتاب فيشمل التوراة والإنجيل والزبور . أى : والله لقد أعطينا بنى إسرائيل ﴿ الكتاب﴾ ليكون هداية لهم، وآتيناهم - أيضا - الحكم ﴾ أى : الفقه والفهم للأحكام حتى يتمكنوا من القضاء بين الناس ، وأعطيناهم كذلك ﴿ النبوة﴾ بأن جعلنا عددا كبيرا من الأنبياء فيهم ومنهم . وهكذا منحهم - سبحانه - نعما عظمى تتعلق بدينهم ، أما النعم التى تتعلق بدنياهم فقد بينها - سبحانه - فى قوله: ﴿ورزقناهم من الطيبات ﴾ أى: ورزقناهم من المطاعم والمشارب الطيبات التى جعلناها حلالا لهم . وقوله : ﴿وفضلناهم على العالمين) بيان لنعمة أخرى. وللمفسرين فى معنى هذه الجملة اتجاهان : أحدهما : أن المقصود بها فضلناهم على العالمين بأمور معينة حيث جعلنا عددا من الأنبياء منهم ، وأنزلنا المن والسلوى عليهم . قال الآلوسى: قوله: ﴿وفضلناهم على العالمين﴾ حيث آتيناهم ما لم نؤت غيرهم من فلق البحر ، وإظلال الغمام ، ونظائرهما ، فالمراد تفضيلهم على العالمين مطلقا من بعض ١٥٤ المجلد الثالث عشر الوجوه، لا من كلها ، ولا من جهة المرتبة والثواب فلا ينافى ذلك تفضيل أمة محمد - والخر - عليهم من وجه آخر ، ومن جهة المرتبة والثواب(١) . والثانى : أن المقصود بها : فضلناهم على عالمى زمانهم . قال الإِمام الرازى ، ما ملخصه : فإن قيل إن تفضيلهم على العالمين ، يقتضى تفضيلهم على أمة محمد - * - وهذا باطل ، فكيف الجواب ؟ قلنا : الجواب من وجوه أقربها إلى الصواب أن المراد : فضلتكم على عالمى زمانكم ، وذلك لأن الشخص الذى سيوجد بعد ذلك وهو الآن ليس بموجود ، لم يكن من جملة العالمين حال عدمه، وأمة محمد - وَالز - لم تكن موجودة فى ذلك الوقت ، فلا يلزم من كون بنى إسرائيل أفضل العالمين فى ذلك الوقت ، أنهم أفضل من الأمة الإسلامية .(٢) . وقال الشيخ الشنقيطى ما ملخصه : قوله - تعالى -: ﴿وفضلناهم على العالمين﴾. ذكر - سبحانه - فى هذه الآية أنه فضل بنى إسرائيل على العالمين ، كما ذكر ذلك فى آيات أخرى .. ولكن الله - تعالى - بين أن أمة محمد - * - خير من بنى إسرائيل ، وأكرم على الله، كما صرح بذلك فى قوله: ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾. فخير صيغة تفضيل ، والآية نص صريح فى أنهم خير من جميع الأمم ، بنى إسرائيل وغيرهم . ويؤيد ذلك من حديث معاوية بن حيدة القشيرى، أن النبى - ﴿ - قال فى أمته : أنتم توفون سبعين أمة ، أنتم خيرها وأكرمها على اللّه ، وقد رواه عنه الإِمام أحمد والترمذى وابن ماجه والحاكم وهو حديث مشهور . واعلم أن ما ذكرنا من كون الأمة الإسلامية أفضل من بنى إسرائيل وغيرهم ، لا يعارض ما ورد من آيات فى تفضيل بنى إسرائيل . لأن ذلك التفضيل الوارد فى بنى إسرائيل، ذكر فيهم حال عدم وجود أمة محمد - الاز - والمعدوم فى حال عدمه ليس بشىء حتى يفضل على غيره ، أو يفضل غيره عليه . ولكنه - تعالى - بعد وجود الأمة الإسلامية صرح بأنها خير الأمم ، فثبت أن كل ما جاء فى القرآن من تفضيل بنى إسرائيل ، إنما يراد به ذكر أحوال سابقة(٣). (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٥ ص ١٤٨ . (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١ ص ٣٥٥ . (٣) راجع تفسير أضواء البيان جـ ٧ ص ٢٥١ . .... سورة الجاثية " - . ١٥٥ وهذا الاتجاه الثانى هو الذى نرجحه ، لأن المقصود بالآية الكريمة وأمثالها تذكير بنى إسرائيل المعاصرين للنبى - ﴿ - بنعم الله عليهم وعلى آبائهم، حتى يشكروه عليها. ومن مظاهر هذا الشكر - بل على رأسه - إيمانهم بما جاءهم به النبى - زَاد - . ولكن بنى إسرائيل لم يقابلوا تلك النعم بالشكر ، بل قابلوها بالجحود والحسد للنبى - * - على ما آتاه الله - تعالى - من فضله، فكانت نتيجة ذلك أن لعنهم الله وغضب عليهم ، وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت . ولقد سبق أن قلنا عند تفسيرنا لقوله - تعالى - فى سورة البقرة: ﴿وأنى فضلتكم على العالمين ﴾ . والعبرة التى نستخلصها من هذه الآية وأمثالها : أن الله - تعالى - فضل بنى إسرائيل على غيرهم من الأمم السابقة على الأمة الإسلامية ، ومنحهم الكثير من النعم ولكنهم لم يقابلوا ذلك بالشكر .. فسلب الله عنهم ما حباهم به من نعم . ووصفهم فى كتابه بنقض العهد ، وقسوة القلب . وهذا مصير كل أمة بدلت نعمة الله كفرا ، لأن الميزان عند الله للتقوى والفعل الصالح ، وليس للجنس أو اللون أو النسب(١) . ثم بين - سبحانه - نعمة أخرى من النعم التى أنعم بها على بنى إسرائيل فقال : وآتيناهم بينات من الأمر ﴾ والبينات جمع بينه، وهى الدليل الواضح الصريح . من﴾ بمعنى فى . أى : وأعطيناهم - فضلا عن كل ما سبق - دلائل واضحة ، وشرائع بينة تتعلق بأمر دينهم ، بأن فصلنا لهم الحلال والحرام ، والحسن والقبيح ، والحق والباطل ، فصاروا بذلك على علم تام بشريعتهم ، بحيث لا يخفى عليهم شىء مما اشتملت عليه من أوامر أو نواهى ، أو حلال أو حرام . فالمقصود من هذه الجملة الكريمة أن الله - تعالى - قد أعطاهم شريعة واضحة لا غموض فيها ولا التباس ، ولا عوج فيها ولا انحراف . بل إن شريعتهم قد أخبرتهم عن طريق رسلهم بمبعث النبى - ﴿ - وبوجوب إيمانهم به عند ظهوره ، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿وإذ قال عيسى ابن مريم يا بنى إسرائيل إنى رسول الله إليكم، مصدقا لما بين يدى من التوراة ، ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه (١) راجع تفسيرنا لسورة البقرة ص ١١٥ . ١٥٦ المجلد الثالث عشر ﴾(١). أحمد ، فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين ثم بين - سبحانه - الموقف القبيح الذى وقفه بنو إسرائيل من نعم الله عليهم فقال : فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ﴾. والبغى : تجاوز الحق إلى الباطل فى كل شىء . يقال بغت المرأة إذا أتت مالا يحل لها . وبغى فلان على فلان إذا اعتدى عليه ، ومنه قوله - تعالى -: ﴿ فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر الله ﴾ . والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أو الأوقات ، وقوله : ﴿ بغيا﴾ مفعول لأجله . أى : أن بنى إسرائيل أنعمنا عليهم بتلك النعم الدينية والدنيوية ، فما اختلفوا فى أمور دينهم التى وضحناها لهم ، إلا عن علم لا عن جهل ، ولم يكن خلافهم فى حال من الأحوال إلا من أجل البغى والحسد فيما بينهم ، لا من أجل الوصول إلى الحق . فأنت ترى أن الجملة الكريمة توبخ بنى إسرائيل توبيخا شديدا ، لأنها بينت أن خلافهم لم يكن عن جهل ، وإنما كان عن علم ، والاختلاف بعد العلم بالحق أقبح وأشنع ، وأن اختلافهم لم يكن من أجل الوصول إلى الحق ، وإنما كان سببه البغى والحسد . فهم قد اختلفوا فى الحق مع علمهم به ، لأن العلم كالمطر ، لا تستفيد منه إلا الأرض الطيبة النقية ، وكذلك لا يستفيد من العلم إلا أصحاب النفوس الصافية ، والقلوب الواعية .. والنفوس عندما يستولى عليها الهوى ، تحول المقتضى إلى مانع . ورحم الله الإِمام الرازى فقد قال عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : والمقصود من هذه الجملة ، التعجب من أحوالهم ، لأن حصول العلم يوجب ارتفاع الخلاف . وها هنا صار مجىء العلم سببا لحصول الاختلاف ، وذلك لأنهم لم يكن مقصودهم من العلم نفس العلم ، وإنما المقصود منه طلب الرياسة والبغى(٢). وقوله - تعالى -: ﴿إن ربك يقضى بينهم يوم القيامة ) بيان لحكم الله العادل فيهم. أى : إن ربك - أيها الرسول الكريم - يقضى بين هؤلاء المختلفين يوم القيامة ، بقضائه العادل ، بأن ينزل بهم العقاب الذى يستحقونه بسبب ما كانوا يختلفون فيه من أمر الدين ، الذى جعل الله أحكامه واضحة لهم، ولا تحتمل الاختلاف أو التنازع. ثم أمر الله - تعالى - رسوله - ٣ - أن يتمسك بالدين الذى أوحاه إليه ، فقال: (١ ) سورة الصف الآية ٦ . (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٤٦٧ . ١٥٧ سورة الجاثية ﴿ ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ﴾. والشريعة فى الأصل تطلق على المياه والأنهار التى يقصدها الناس للشرب منها ، والمراد بها هنا : الدين والملة ، لأن الناس يأخذون منهما ما تحيا به أرواحهم ، كما يأخذون من المياه والأنهار ما تحيا به أبدانهم . قال القرطبى : الشريعة فى اللغة : المذهب والملة . ويقال المشرعة الماء - وهى مورد الشاربة - شريعة . ومنه الشارع لأنه طريق إلى المقصد . فالشريعة : ما شرع الله لعباده من الدين، والجمع الشرائع والشرائع فى الدين المذاهب التى شرعها الله - تعالى - لخلقه(١). أى : ثم جعلناك - أيها الرسول الكريم - على شريعة ثابتة ، وسنة قويمة ، وطريقة حميدة ، من أمر الدين الذى أوحيناه إليك ، ﴿ فاتبعها ﴾ اتباعا تاما لا انحراف عنه ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ﴾ من أهل الكفر والضلال والجهل . وقد ذكروا أن كفار قريش قالوا للنبى - 18 - ارجع إلى دين آبائك ، فإنهم كانوا أفضل منك ، فنزلت هذه الآية . وقوله - سبحانه - : ﴿ إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا ﴾ تعليل للنهى عن اتباع أهوائهم . أى : إنك - أيها الرسول الكريم - إن اتبعت أهواء هؤلاء الضالين ، صرت مستحقا لمؤاخذتنا ، ولن يستطيع هؤلاء أو غيرهم ، أن يدفع عنك شيئا مما أراده الله - تعالى - بك . وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض ﴾ أى: بعضهم نصراء بعض فى الدنيا ، أما فى الآخرة فولايتهم تنقلب إلى عداوة . ﴿ والله ) - تعالى - هو ﴿ولى المتقين) الذين أنت إمامهم وقدوتهم ، فاثبت على شريعتنا التى أوحيناها إليك ، لتنال ما أنت أهله من رضانا وعطائنا . ثم أثنى - سبحانه - على القرآن الكريم الذى أنزله على نبيه - ﴿ - فقال: ﴿ هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون ﴾. والبصائر : جمع بصيرة - وهى للقلب بمنزلة البصر للعين . فهى النور الذى يبصر به القلب * هدايته ، كما أن البصر هو النور الذى تبصر به العين طريقها .. وقوله : ﴿ هذا﴾ مبتدأ، وبصائر خبره، وجمع الخبر باعتبار ما فى القرآن من تعدد الآيات والبراهين . (١) تفسير القرطبى جـ ١٦ ص ١٦٣. ٠ ١٥٨ المجلد الثالث عشر أى هذا القرآن الذى أنزلناه إليك - أيها الرسول الكريم - ﴿بصائر للناس ﴾ لأن ما فيه من حجج وبراهين ، تكشف للقلب طريق الحق ، كما تكشف العين للإِنسان مساره وهو - أيضا - ﴿هدى﴾ أى: هداية عظيمة إلى الرشاد والسعادة ﴿ورحمة) واسعة لقوم يوقنون ﴾ أى: لقوم من شأنهم الإِيقان بأنه من عند الله - تعالى - ، وبأنك - أيها الرسول الكريم - صادق فيما مبلغه عن ربك . وخص الموقنين بالذكر ، لأنهم هم الذين ينتفعون بحجج القرآن الكريم ، وبهداياته ، أما الذين فى قلوبهم مرض أوشك ، فإنهم لا ينتفعون بذلك . قال - تعالى -: ﴿ وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا ، فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون .. وأما الذين فى قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ﴾(١) . وقال - سبحانه -: ﴿ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ، والذين لا يؤمنون فى آذانهم وقر وهو عليهم عمى ، أولئك ينادون من مكان بعيد ﴾(٢). ثم فرقت السورة الكريمة بين حال الذين يجترحون السيئات ، وحال الذين يعملون الصالحات ، وحكت جانبا من أقوال المشركين ، وردت عليهم بما يبطلها ، فقال - تعالى - : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ تَّجْعَلَهُمْ كَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ سَوَاءٍ فَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءُ مَا يَحْكُّمُونَ ﴿ وَخَلَقَ اللّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَيِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسِ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَأَ يُظْلَمُونَ (٢٢) أَفَرَءَيْتَ مَنِ أَخَذَّإِلَهَهُ هَوَنُهُ وَأَضَلَّهُاللّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ، غِشَوَةٌ فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿﴿ وَقَالُواْمَا هِىَ إِلَّ حَيَانُنَالدُّنْيَانَمُوتُ وَهَا وَمَا يُهْلِكُنَآَ (١) سورة التوبة الآية ١٢٤ - ١٢٥ . (٢) سورة فصلت الآية ٤٤ . ١٥٩ سورة الجاثية إِلَّا الدَّهْرُ وَمَالَم بِذَلِكَ مِنْ عِلٍَّ إِنْهُمْ إِلََّ يَظُونَ () وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَتُّنَا بَيْنَتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُوا أَثْتُوا إِنَا بَآَيْنَآإِن كُمْ صَدِقِينَ ﴿٢)قُلِ اللَّهُ يُحِيَكُمْ ثُمَ يُمِئُكُمْ ثُمَّيَحْمَمَكٌ إِيَوْم ٦ اُلْقِيَمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ أم﴾ فى قوله - تعالى -: ﴿ أم حسب الذين اجترحوا السيئات ﴾ منقطعة، وتقدر بيل والهمزة ، وما فيها من معنى بل للانتقال من البيان الأول إلى الثانى ، والهمزة لإنكار الحسبان . والاجتراح : الاكتساب ، ومنه الجارحة للأعضاء التى يكتسب بها كالأيدى . ويقال : فلان جارحة أهله ، أى : هو الذى يكتسب لهم أرزاقهم . وحسب : فعل ماض ، والذين فاعله ، وجملة ﴿ أن نجعلهم ﴾ ساد مسد المفعولين. والمعنى : بل أحسب الذين اكتسبوا ما يسوء من الكفر والمعاصى ، أن نجعلهم متساوين مع الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات فى دار الدنيا أو فى الدار الآخرة ؟ كلا !! لا يستوون فيها ، فإن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يحيون فى الدنيا حياة طيبة لا مكان فيها للهموم والأحقاد والإِحن ببركة إيمانهم ، وفى الآخرة ينالون رضا الله - تعالى - وحسن ثوابه . أما الذين اجترحوا السيئات فهم فى شقاء فى الدنيا وفى الآخرة . قال الشوكانى قرأ الجمهور ﴿سواء﴾ بالرفع على أنه خبر مقدم. والمبتدأ محياهم ومماتهم . والمعنى إنكار حسبانهم أن محياهم ومماتهم سواء . وقرأ حمزة والكسائى وحفص ﴿ سواء﴾ بالنصب على أنه حال من الضمير المستتر فى الجار والمجرور فى قوله: ﴿ كالذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ أو على أنه مفعول ثان لحسب ﴾ (١) . وقوله: ﴿ ساء ما يحكمون ﴾ أى بئس حكما حكمهم هذا الذى زعموا فيه تسويتنا بين (١) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٥ ص ٨. ١٦٠ المجلد الثالث عشر الذين اجترحوا السيئات ، والذين آمنوا وعملوا الصالحات . فالمقصود بهذه الجملة الكريمة ، توبيخهم على أحكامهم الباطلة ، وأفكارهم الفاسدة . قال الآلوسى: قوله: ﴿ساء ما يحكمون﴾ أى: ساء حكمهم هذا، وهو الحكم بالتساوى ، فما مصدرية ، والكلام إخبار عن قبح حكمهم المعهود . ويجوز أن يكون لإنشاء ذمهم على أن ﴿ ساء﴾ بمعنى بئس ، فتكون كلمة ﴿ ما ) نكرة موصوفة ، وقعت تمييزا مفسرا لضمير الفاعل المبهم والمخصوص بالذم محذوف أى : بئس شيئا (١) حكموا به ذلك ثم أكد - سبحانه - عدم المساواة بين الفريقين فقال: ﴿وخلق الله السموات والأرض بالحق ﴾ أى خلقها خلقا ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل . وقوله ﴿ ولتجزى كل نفس بما كسبت ﴾ معطوف على مقدر يفهم من سياق الكلام. أى : خلقهما بالحق ليبرهن بذلك على وحدانيته وقدرته . ولتجزى كل نفس يوم القيامة بسبب ما اكتسبته من أعمال . ويصح أن يكون معطوفا على قوله ﴿ بالحق). أى: خلقهما بالحق المقتضى للعدل بين العباد ، ولتجزى كل نفس بما كسبت ، فهو من عطف المسبب على السبب . ﴿ وهم لا يظلمون﴾ أى: الخلائق المدلول عليهم بقوله ﴿كل نفس﴾ لا يلحقهم شىء من الظلم يوم القيامة ، لأن الله - تعالى - قد كتب على نفسه أنه لا يظلم أحدا . والاستفهام فى قوله - سبحانه -: ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ للتعجب من حال هؤلاء المشركين، ولتسلية النبى - رولز - عما أصابه منهم من أذى . والمراد بهواه : ما يستحسنه من تصرفات ، حتى ولو كانت تلك التصرفات فى نهاية القبح والشناعة والجهالة . والمعنى : انظر وتأمل - أيها الرسول الكريم - فى أحوال هؤلاء الكافرين فإنك لن ترى جهالة كجهالاتهم ، لأنهم إذا حسن لهم هواهم شيئا اتخذوه إلها لهم ، مهما كان قبح تصرفهم ، وانحطاط تفكيرهم ، وخضعوا له كما يخضع العابد لمعبوده . قال ابن عباس : كان الرجل فى الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانا . فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثانى وترك الأول . (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٥ ص ١٥١ .