النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ سورة الدخان وقوله - سبحانه -: ﴿يغشى الناس ﴾ صفة ثانية للدخان، والمراد بهم كفار مكة وأمثالهم ممن أصابه الجوع والبلاء . أى: ارتقب - أيها الرسول الكريم - يوم تأتى السماء لهؤلاء المشركين بعذاب من صفاته أنه عذاب واضح، يحسونه بحواسهم، ويشعرون به شعورا جليا، ومن صفاته كذلك أنه يحيط بهم من كل جوانبهم، ويجعلهم يتضرعون إلينا ويقولون: ﴿ هذا عذاب أليم﴾ أى: شديد ألمه، وعظيم هوله . ثم يقولون - أيضا -: ﴿ ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون﴾ أى: ياربنا أزل عنا هذا العذاب المتمثل فى الجوع والمرض وغيرهما، فإنك إن رفعت عنا ذلك آمنا برسولك - الخلية - ، واتبعنا دعوته، ولكنهم بعد أن كشف اللّه - تعالى - عنهم هذا العذاب، نقضوا عهودهم، وأصروا على كفرهم . ولذا عقب الله - تعالى - على تضرعهم هذا بقوله: ﴿ أنى لهم الذكرى .. ﴾ أى: كيف يتأتى لهم التذكر والاعتبار والاتعاظ ... والحال أنهم ﴿ قد جاءهم رسول مبين﴾ هو محمد - صل -، الذى لم يترك بابا من أبواب الخير إلا وأرشدهم إليه، ولم يترك وسيلة من وسائل الهداية إلا وسلكها معهم .. ولكنهم استحبوا العمى على الهدى، ولذا أكد القرآن ذلك فقال: ﴿ ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون ﴾ . أى: كيف يتعظون والحال أنه قد جاءهم رسول عظيم الشأن، وضح الحق أكمل توضيح . فما كان منهم بعد أن استمعوا إليه، إلا الإعراض عن دعوته، ولم يكتفوا بهذا الإِعراض والصدود، بل قالوا فى شأنه بجهالة وسوء أدب: ﴿معلم﴾ أى: إنسان يعلمه غيره من البشر، وقالوا فى شأنه - أيضا - ﴿مجنون﴾ أى: مختلط فى عقله . ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله عليهم، ورحمته بهم، فقال: ﴿إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون ﴾ . أى: إنا بفضلنا ورحمتنا كاشفوا العذاب عنكم كشفا قليلا - أيها المشركون -، ولكنكم لم تقابلوا فضلنا عليكم، ورحمتنا بكم، بالشكر والطاعة بل قابلتم ذلك بالإصرار على الكفر، والثبات على الجحود . فالمراد بقوله - تعالى - ﴿ إنكم عائدون﴾: عزمهم وإصرارهم على الاستمرار على الكفر، لأنهم لم يوجد منهم إيمان، حتى يتركوه ويعودوا إلى الكفر، وإنما الذى وجد منهم هو ١٢٢ المجلد الثالث عشر الوعد بالإِيمان إذا انكشف عنهم العذاب، فلما انكشف عنهم، نقضوا عهودهم، واستمروا على كفرهم . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿وقالوا يأيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا المهتدون . فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون﴾(١). ثم هددهم - سبحانه - تهديدا ترتعد له القلوب فقال: ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ﴾ . وقوله ﴿ يوم) منصوب بفعل مقدر. وقوله (نبطش﴾ من البطش بمعنى الأخذ بقوة وعنف . يقال: بطش فلان بفلان يبطش به، إذا نكل به تنكيلا شديدا . أى: اذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ يوم أن نأخذ هؤلاء الكافرين أخذ عزيز مقتدر، حيث ننتقم انتقاما يذلهم ويخزهم . وهذا البطش الشديد منا لهم سيكون جزءا منه فى الدنيا، كانتقامنا منهم يوم بدر وسيكون أشده وأعظمه وأدومه عليهم ... يوم القيامة . وبذلك نرى السورة الكريمة بعد أن مدحت القرآن الكريم مدحا عظيما ، وبینت جانبا من مظاهر فضل الله - تعالى - على عباده، أخذت فى تسلية الرسول - ﴿ - عما أصابه من أعدائه، وهددت هؤلاء الأعداء بسوء المصير فى الدنيا، وفى الآخرة . *** ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه، وكيف أن الله - تعالى - أجاب دعاء نبيه موسى، فأهلك فرعون وقومه، ونجى موسى وبنى إسرائيل من شرورهم فقال - تعالى -: وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءَ هُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ) أَنْ أَدُّوَ إِلَّ عِبَادَ اللّهِ إِنِى لَكُمْرَسُولُ أَمِينٌ ١٨ وَأَنْ لََّ تَعْلُواْ عَلَى اَللَّهِ إِنَّءَاتِيكُمُ بِسُلْطَانِ تُبِينٍ ، وَإِنِ عُذْتُ بِرَبِ وَرَيَّكُمْأَنْ تَجُنِ ، وَإِنْ لَوْنُؤْمِنُوْلِ فَاعْتَرِلُونِ() فَدَعَا (١) سورة الزخرف الآية ٤٩ ، ٥٠ . ۔۔ ... ١٢٣ سورة الدخان رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمُ تُّجْرِمُونَ (٦) فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلًا إِنَّكُم مُتَّبَعُونَ ﴿ وَأَتْرُكِ اَلْبَحْرَرَهُوا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُّغْرَفُونَ (٢) كَمْ تَرَكُواْ مِنْ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ (٥)، وَزُرُوعِ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ(٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَكِينَ ، كَذَلِكَ وَأَوْرَتْنَهَا قَوْمَاءَاخَرِينَ ٢٨ فَمَابَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنَظَرِينَ () وَلَقَدْ ج ◌َّنَا بَنِي إِسْرَّهِ يلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ ® مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ, كَانَ عَالِيًّا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ ﴿٦، وَلَقَدِ اخْتَرْنَهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى اٌلْعَلَمِينَ (٦)، وَءَانَيْنَهُم مِّنَ اْأَبَتِ مَا فِيهِ بَلَوَّأْ مُّبِينٌ ٣٣ واللام فى قوله - تعالى -: ﴿ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون .. ﴾ موطئة للقسم . وقوله : فتنا﴾ من الفتن بمعنى الاختبار والامتحان . يقال: فتنت الذهب بالنار، إذا أدخلته فيها لتعرف جودته من رداءته . والمراد به هنا: إخبارهم وامتحانهم، بإرسال موسى - عليه السلام - وبالتوسعة عليهم تارة، وبالتضييق عليهم تارة أخرى . والمعنى: والله لقد اختبرنا فرعون وقومه من قبل أن نرسلك - أيها الرسول الكريم - إلى هؤلاء المشركين، وكان اختبارنا وامتحاننا لهم عن طريق إرسال نبينا موسى إليهم، وعن طريق ابتلائهم بالسراء والضراء لعلهم يرجعون إلى طاعتنا، ولكنهم لم يرجعوا فأهلكناهم . فالآية الكريمة المقصود بها تسلية الرسول - - عما أصابه من قومه، ببيان أن تكذيب الأقوام لرسلهم، حاصل من قبله، فعليه أن يتأسى بالرسل السابقين فى صبرهم . والمراد بالرسول الكريم فى قوله : - تعالى -: ﴿وجاءهم رسول كريم﴾: موسى - عليه السلام -، فقد أرسله - سبحانه - إلى فرعون وقومه، فبلغهم رسالة ربه، ولكنهم كذبوه وعصوه .. ووصف - سبحانه - نبيه موسى بالكرم، على سبيل التشريف له، والإِعلاء من قدره، فقد كان - عليه السلام - كليا لربه، ومطيعا لأمره، ومتحليا بأسمى الأخلاق وأفضلها . ١٢٤ المجلد الثالث عشر و﴿ أن﴾ فى قوله - تعالى - ﴿أن أدوا إلى عباد الله .. ﴾ مفسرة لأن مجىء الرسول إليهم يتضمن معنى القول . وقوله: ﴿ أدوا إلى) بمعنى سلموا إلى، أو ضموا إلى ... قوله: ﴿ عباد الله﴾ مفعول به. والمراد بهم بنو إسرائيل. والمعنى: جاء إلى فرعون وقومه رسول كريم، هو موسى - عليه السلام -، فقال لهم: سلموا إلى بنى إسرائيل، وأطلقوهم من الذل والهوان، واتركوهم يعيشون أحرارا فى هذه الدنيا . ويؤيد هذا المعنى قوله - تعالى - فى موضع آخر: ﴿ فأتياه فقولا إنا رسولا ربك، فأرسل معنا بنى إسرائيل ولا تعذبهم .. ﴾(١). ويصح أن يكون المراد بقوله ﴿ أن أدوا إلى .. ﴾ بمعنى: أن استجيبوا لدعوتى، والمراد بالعباد: ما يشمل بنى إسرائيل وغيرهم، ويكون لفظ ﴿ عباد الله ﴾ منصوب بحرف نداء محذوف . وعليه يكون المعنى: أرسلنا إلى فرعون وقومه رسولا كريما، فجاء إليهم وقال لهم على سبيل النصح والإرشاد: ياعباد الله، إنى رسول اللّه إليكم، فاستمعوا إلى قولى، واتبعوا ما أدعوكم إليه من عبادة الله - تعالى - وحده، وترك عبادة غيره . قال الآلوسى: قوله: ﴿ أن أدوا إلى عباد الله .. ﴾ أى: أطلقوهم وسلموهم إلى، والمراد بهم بنو إسرائيل الذين كان فرعون يستعبدهم، والتعبير عنهم بعباد الله، للإشارة إلى أن استعباده إياهم ظلم منه لهم .. أو أدوا إلى حق الله - تعالى - من الإيمان وقبول الدعوة ياعباد الله، على أن مفعول أدوا﴾ محذوف، وعباد منادى، وهو عام لبنى إسرائيل والقبط والأداء بمعنى الفعل للطاعة - وقبول الدعوة .. »(٢). وقوله - سبحانه -: ﴿إنى لكم رسول أمين ﴾ تعليل لما تقدم. أى: استجيبوا لدعوتى، وأطيعوا أمرى، فإنى مرسل من الله - تعالى - إليكم، وأمين على الرسالة، لأنى لم أبدل شيئا مما کلفنی به ربى . وقوله - سبحانه -: ﴿وأن لا تعلوا على اللّه .. ﴾ معطوف على قوله: ﴿ أن أدوا .. ﴾ وداخل فى حيز القول . (١) سورة طه الآية ٤٧ . (٢) تفسير الآلوسى جـ ٢٥ ص ١٢١ . ١٢٥ سورة الدخان أى: قال لهم: أرسلوا معى بنى إسرائيل، واستجيبوا لدعوتى، واحذروا أن تتجبروا أو تتكبروا على الله - تعالى-، بأن تستخفوا بوحيه أو تعرضوا عن رسوله ... إنى آتيكم بسلطان مبين﴾ أى: إنى آتيكم من عنده - تعالى - بحجة واضحة لا سبيل إلى إنكارها، وببرهان ساطع يشهد بصدقى وأمانتى .. وإنی عذت بربی وربکم أن ترجمون ﴾ أى: وإنى اعتصمت واستجرت بربی وربكم من أن ترجمونى بالحجارة، أو من أن تلحقوا بى ما يؤذينى، وهذا الاعتصام بالله - تعالى - يجعلنى لا أبالى بكم، ولا أتراجع عن تبليغ دعوته - سبحانه - بحال من الأحوال . : وإن لم تؤمنوا لى فاعتزلون﴾ أى: وقال لهم - أيضا - فى ختام نصحه لهم: إنى لن أتراجع عن دعوتكم إلى الحق مهما وضعتم فى طريقى من عقبات وعليكم أن تؤمنوا بى، فإن لم تؤمنوا بى . فكونوا بمعزل عنى بحيث تتركونى وشأنى حتى أبلغ رسالة ربى، فإنه لا موالاة ولا صلة بينى وبينكم، مادمتم مصرين على كفركم . فأنت ترى أن موسى - عليه السلام - قد طلب من فرعون وقومه الاستجابة لدعوته، ونهاهم عن التكبر والغرور، وبين لهم أنه رسول أمين على وحى الله - تعالى -، وأنه معتصم بربه من كيدهم، وأن عليهم إذا لم يؤمنوا به أن يتركوه وشأنه، لكى يبلغ رسالة ربه، ومن شاء بعد ذلك فليؤمن ومن شاء فليكفر . ولكن الإِرشادات الحكيمة من موسى لفرعون وقومه، لم تجد أذنا صاغية، فإن الطغيان فى كل زمان ومكان، لا يعجبه منطق الحق والعدل والمسالمة ، ولكن الذى يعجبه هو التكبر فى الأرض بغير الحق، وإيثار الغى على الرشد .. ولذا نجد موسى - عليه السلام - يلجأ إلى ربه يطلب منه العون والنصرة فيقول - كما حكى القرآن عنه - : ﴿ فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون ﴾ والآية الكريمة معطوفة على كلام محذوف، يفهم من السياق، والتقدير: وبعد أن أمر موسى فرعون وقومه بإخلاص العبادة لله - تعالى - ونهاهم عن الإشراك به .. بعد كل ذلك أصروا على تكذيبه، وأعرضوا عن دعوته، وآذوه بشتى ألوان الأذى فدعا ربه دعاء حارا قال فيه: يارب إن هؤلاء القوم - وهم فرعون وشيعته - قوم راسخون فى الكفر والإِجرام، فأنزل بهم عقابك الذى يستحقونه . ثم حكت السورة الكريمة بعد ذلك ما يدل على أن الله - تعالى - قد أجاب دعاء موسى - عليه السلام -، وأنه - سبحانه - قد أرشده إلى ما يفعله فقال: ﴿فأسر بعبادي ليلا إنكم . 6 متبعون ١٢٦ المجلد الثالث عشر قال الجمل: ((قوله: ﴿فأسر ﴾ قرأ الجمهور بقطع الهمزة وقرأ نافع وابن كثير بوصلها، وهما لغتان جيدتان: الأولى من أسريت والثانية من سريت . قال - تعالى - ﴿سبحان الذى أسرى بعبده﴾ وقال: ﴿والليل إذا يسر﴾ والإسراء السير ليلا، فذكر الليل - هنا - تأكيد له بغير اللفظ - إذ الإِسراء والسرى: السير ليلا))(١). والكلام على تقدير القول، أى: فقال الله - تعالى - على سبيل التعليم والإِرشاد: سر ياموسى ببنى إسرائيل وبمن آمن معك من القبط من مصر، بقطع من الليل ﴿ إنكم متبعون ﴾ من جهة فرعون وملئه، متى علموا بخروجكم . ﴿ واترك البحر رهوا ... ﴾ أى: ومتى وصلت إلى البحر - أى: البحر الأحمر - فاضربه بعصاك، ینفلق - بإذن الله - فسر فیه أنت ومن معك، واتر که ساکنا مفتوحا على حاله، فإذا ما سار خلفك فرعون وجنوده أغرقناهم فيه . يقال: رها البحر يرهو، إذا سكن. وجاءت الخيل رهوا، أى: ساكنة، ويقال - أيضا -: رها الرجل رهوا، إذا فتح بين رجليه وفرق بينها، وهو حال من البحر . قال الإمام الرازى: ((وفى لفظ ﴿رهوا ﴾ قولان: أحدهما: أنه الساكن، يقال: عيش راه، إذا كان خافضا وادعا ساكنا ... والثانى: أن الرهو هو الفرجة الواسعة، أى: ذا رهو، أى: ذا فرجة حتى يدخل فيها فرعون وقومه فيغرقوا .. وإنما أخبره - سبحانه - بذلك حتى يبقى فارغ القلب من شرهم وإيذائهم ))(٢) . وقوله: ﴿ إنهم جند مغرقون﴾ تعليل للأمر بتركه رهوا، أى: اترك البحر على حاله، فإن أعداءك سيغرقون فيه إغراقا يدمرهم ويهلكهم . ثم بین - سبحانه - سوء مآلهم فقال: ﴿ کم تر کوا من جنات وعيون ﴾ و ﴿ کم ﴾ هنا خبرية للتكثير والتهويل، أى: ما أكثر ما ترك هؤلاء المغرقون خلفهم من بساتين ناضرة، وعيون يخرج منها الماء النمير .. وزروع﴾ كثيرة متنوعة ﴿ومقام كريم﴾ أى: ومحافل ومنازل كانت مزينة بألوان من الزينة والزخرفة .. ونعمة كانوا فيها فاکهين ﴾ أى: وتنعم وترفه کانوا فيه يتلذذون، مما بين أيديهم من رغد العيش . وكثرة الفاكهة .. (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ١٠٤. ( ٢) تفسر الفخر الرازى جـ ٧ ص ٤٥٣. ١٢٧ سورة الدخان والنعمة - بفتح النون - بمعنى التنعم والتلذذ، والنعمة - بالكسر - المنة والإِنعام بالشىء وتطلق على الجنس الصادق بالقليل والكثير . وقوله: ﴿ كذلك﴾ فى محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، أى: الأمر كذلك. قال الجمل ما ملخصه: ((قوله: ﴿ كذلك .. ) خبر مبتدأ محذوف. أى: الأمر كذلك. فالوقف يكون على هذا اللفظ، وتكون الجملة اعتراضية لتقرير وتوكيد ما قبلها ... ويبتدأ بقوله: ﴿وأورثناها قوما آخرين﴾ وهو معطوف على ﴿ كم تركوا .. ﴾ أى: تركوا أمورا كثيرة وأورثناها قوما آخرين، وهم بنو إسرائيل )). وقال الزمخشرى : الكاف فى محل نصب ، على معنى : مثل ذلك الإِخراج أخرجناهم منها وأورثناها قوما آخرين ﴾ ليسوا منهم . فعلى هذا يكون قوله ﴿ وأورثناها﴾ معطوفا على تلك الجملة الناصبة للكاف ، فلا يجوز الوقف على ﴿ كذلك﴾ حينئذ(١). . وقال الآلوسى : والمراد بالقوم الآخرين : بنو إسرائيل ، وهم مغايرون للقبط جنسا ودينا . ويفسر ذلك قوله - تعالى - فى سورة الشعراء : ﴿ كذلك وأورثناها بنى إسرائيل ﴾ وهو ظاهر فى أن بنى اسرائيل رجعوا إلى مصر ، بعد هلاك فرعون وملكوها . وقيل : المراد بالقوم الآخرين غير بنى اسرائيل ممن ملك مصر بعد هلاك فرعون ، لأنه لم يرد فى مشهور التواريخ أن بنى اسرائيل رجعوا إلى مصر ، ولا أنهم ملكوها قط . وما فى سورة الشعراء من باب قوله - تعالى - : ﴿ وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا فى كتاب ﴾ أو من باب: عندى درهم ونصفه . فليس المراد خصوص ما تركوه ، بل نوعه ومايشبهه . وقيل : المراد من إيرائها إياهم : تمكينهم من التصرف فيها ، ولا يتوقف ذلك على رجوعهم إلى مصر، كما كانوا فيها أولا(٢) .. والذى نراه - كما سبق أن قلنا عند تفسير سورة الشعراء(٣) - أن الآية صريحة فى توريث بنى اسرائيل للجنات والعيون .. التى خلفها فرعون وقومه بعد غرقهم ، بمعنى أنهم عادوا إلى مصر بعد غرق فرعون ومن معه ، ولكن عودتهم كانت لفترة معينة ، خرجوا بعدها إلى الأرض المقدسة التى دعاهم موسى - عليه السلام - لدخولها كما جاء فى قوله - تعالى - : ﴿ يا قوم (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ١٠٥. (٢) تفسير الآلوسى جـ ٢٥ ص ١٢٣ . ( ٣) راجع تفسيرنا لسورة الشعراء، ص ٢٥١ - المجلد العاشر . ١٢٨ المجلد الثالث عشر ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله لكم . ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين .. ثم بين - سبحانه - أن فرعون وقومه بعد أن غرقوا ، لم يحزن لهلاكهم أحد ، فقال : فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين ﴾. أى : أن هؤلاء المغرقين ، الذين كانوا ملء السمع والبصر، وكانوا يذلون غيرهم، وكانوا يملكون الجنات والعيون ... هؤلاء الطغاة ، لم يحزن لهلاكهم أحد من أهل السموات أو أهل الأرض ، ولم يؤخر عذابهم لوقت آخر فى الدنيا أو فى الآخرة ، بل نزل بهم الغرق والدمار بدون تأخير أو تسويف .. فالمقصود من الآية الكريمة بيان هوان منزلة هؤلاء المغرقين ، وتفاهة شأنهم ، وعدم أسف أحد على غرقهم ، لأنهم كانوا ممقوتين من كل عاقل .. قال صاحب الكشاف ما ملخصه : كان العرب إذا مات فيهم رجل خطير قالوا فى تعظيم مهلكه: بكت عليه السماء والأرض وبكته الريح ، وأظلمت له الشمس .. قال جرير فى رثاء عمر بن العزيز : ياخير من حج بيت الله واعتمرا نعى النعاة أمير المؤمنين لنا وقمت فيه بأمر الله ياعمرا حملت أمرا عظيما فاصطبرت له تبكى عليك نجوم الليل والقمرا الشمس طالعة ليست بكاسفة وقالت ليلى بنت طريف الخارجية ، ترئى أخاها الوليد : أيا شجر الخابور مالك مورقا كأنك لم تجزع على ابن طريف وذلك على سبيل التمثيل والتخييل ، مبالغة فى وجوب الجزع والبكاء عليه .. وفى الآية تهكم بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده ، فيقال فيه : بكت عليه السماء والأرض . يعنى فما بكى عليهم أهل السماء والأرض ، بل كانوا بهلاكهم مسرورين .. (١) . وقال الإِمام أبن كثير: قوله: ﴿ فما بكت عليهم السماء والأرض .. ﴾ أى: لم تكن لهم أعمال صالحة تصعد فى أبواب السماء فتبكى على فقدهم ، ولا لهم بقاع فى أرض عبدوا الله فيها ففقدتهم فلهذا استحقوا أن لا ينظروا ولا يؤخروا .. ثم ساق - رحمه الله - جملة من الأحاديث منها ما أخرجه ابن جرير عن شريح بن عبيد الحضرمى قال: قال رسول الله -﴿ -: إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا، ألا (١) تفسير الكشاف وحاشيته جـ ٤ ص ٢٧٦ . ١٢٩ سورة الدخان لا غربة على مؤمن . ما مات مؤمن فى غربة غابت عنه فيها بواكيه . إلا بكت عليه السماء والأرض. ثم قرأ - وَ ل - هذه الآية. ثم قال: إنهما لا يبكيان على كافر(١). ثم بين - سبحانه - جانبا من نعمه على بنى اسرائيل فقال : ﴿ ولقد نجينا بنى إسرائيل من العذاب المهين ﴾ . أى: والله لقد نجينا - بفضلنا ورحمتنا - بنى إسرائيل من العذاب المهين ، الذى كان ينزله بهم أعداؤهم ، كقتلهم للذكور ، واستبقائهم للإِناث .. وقوله: ﴿ من فرعون﴾ بدل من العذاب على حذف المضاف ، والتقدير : من عذاب فرعون .. أو على المبالغة كأن فرعون نفس العذاب ، لإفراطه فى تعذيبهم وإهانتهم . ثم بين - سبحانه - حال فرعون فقال: ﴿ إنه كان عاليا من المسرفين ﴾ أى: نجيناهم من فرعون الذى كان متكبرا متجبرا ، ومن المسرفين فى فعل الشرور ، وفى ارتكاب القبائح .. ثم بين - سبحانه - جانبا آخر من إكرامه لبنى اسرائيل فقال: ﴿ولقد اخترناهم على علم على العالمين ﴾ . والاختيار : الاصطفاء على سبيل التشريف والتكريم ، أى : ولقد اصطفينا بنى إسرائيل على عالمى زمانهم ، ونحن عالمون بذلك علما اقتضته حكمتنا ورحمتنا . فقوله ﴿ على علم ﴾ فى موضع الحال من الفاعل ، والمراد بالعالمين : أهل زمانهم المعاصرين لهم ، بدليل قوله - تعالى - فى الأمة الإسلامية : ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس .. ﴾ . وهذا الاصطفاء والاختيار ، إنما مرده إلى من يعمل منهم عملا صالحا ، أما الذين لم يعملوا ذلك فلا مزية لهم ولا فضل ، ولذا نجد كثيرا من الآيات تذم من يستحق الذم منهم . ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿لُعِن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون . كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ، لبئس ما كانوا يفعلون ﴾ (٢). ثم بين - سبحانه - بعض المعجزات التى جاءتهم على أيدى رسلهم فقال: ﴿وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين ﴾ . أى : وأعطيناهم من المعجزات الدالة على صدق رسلهم كموسى وعيسى وغيرهما ، ما فيه بلاء مبين . (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٢٣٩ . (٢) سورة المائدة الآية ٧٨، ٧٩ . ١٣٠ المجلد الثالث عشر أى : ما فيه اختبار وامتحان ظاهر ، ليتميز الخبيث من الطيب ، والكافر من المؤمن . ومن هذه الآيات : فلق البحر بالنسبة لموسى ، وإبراء الأكمه والأبرص ، بالنسبة لعيسى . ومن هذه الآيات الكريمة نرى جانبا من قصة موسى - عليه السلام - ، وكيف أنه بلغ رسالة ربه على أكمل وجه ، وسلك مع فرعون وقومه أحكم السبل فى الدعوة إلى الحق .. كما نرى فيها فضل الله - تعالى - على نبيه ، وعلى بنى إسرائيل ، حيث نجاهم من ظلم فرعون وطغيانه ، وأهلكه ومن معه أمام أعينهم ، وأورثهم كنوز أعدائهم .. ٠٠٠ وبعد هذا الحديث عن موسى - عليه السلام - وعن قومه ، وعن فرعون وشيعته .. بعد كل ذلك انتقلت السورة ، للحديث عن موقف المشركين من قضية البعث والنشور ، وردت عليهم بما يدل على إمكانية البعث وصحته . وأنه واقع لا محالة ، وبینت سوء عاقبة من ینکر ذلك ، ومن يصر على كفره وجحوده فقال الله - تعالى - : إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ ﴿٦) إِنْ هِىَ إِلَّ مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا فَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ﴿ فَأَتُوْبِتَابَآِنَا إِن كُتُمْ صَدِقِينَ (٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبِّهِ أَهْلَكْنَهُمْإِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِنَ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِبِينَ ٣٧ ٣٨ ٣٩ مَا خَلَقْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ يَوْمَ لَا يُغْنِى مَوْلَى إِنَّيَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَتُهُمْ أَخْمَعِينَ )) عَن مَّوْلَى شَيْئًا وَلَهُمْ يُنْصَرُونَ ﴿ إِلَّا مَنْ رَّحِمَ اَللَّهُ ٤٣ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُالرَّحِيمُ ﴿﴿ إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِِ ﴾ كَالْمُهْلِ يَغْلِ فِى الْبُطُونِ ، كَعَلِ ٤٤ طَعَامُ الْأَثِيمِ ـ اُلْحَمِيمِ ﴿﴿ خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْمَحِيمِ ® : ١٣١ سورة الدخان سُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ، مِنْ عَذَابٍ الْحَمِيمِ ، ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيِمُ ﴿ إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُم ◌ِهِ، تَمْتَرُونَ ٥٠ واسم الإشارة فى قوله - تعالى -: ﴿إن هؤلاء ليقولون﴾ يعود إلى مشركى مكة، الذين سبق الحديث عنهم فى قوله - تعالى -: ﴿بل هم فى شك يلعبون﴾ الخ . وذكر - سبحانه - قصة فرعون وقومه فى الوسط ، للاشارة الى التشابه بين الفريقين فى التكذيب للحق ، وفى الإصرار على الضلال . وكانت الإِشارة للقريب ، لتحقيرهم والتهوين من شأنهم . و﴿ إن﴾ فى قوله - تعالى -: ﴿إن هى إلا موتتنا الأولى ... ) نافية. أى: إن هؤلاء الكافرين ليقولون على سبيل الجزم والتكذيب للبعث : ما الموتة التى نموتها فى نهاية حياتنا الدنيوية ، إلا الموتة النهائية لا حياة بعدها ولا بعث ولا نشور . ومرادهم من الأولى : السابقة المتقدمة على الموعد الذى يوعدونه للبعث والنشور . قال بعض العلماء : وذلك أنهم لما وعدوا بعد الحياة الدنيا حالتين أخريين . الأولى منهما الموت ، والأخرى حياة البعث ، أثبتوا الحالة الأولى وهى الموت ، ونفوا ما بعدها . وسموها أولى مع أنهم اعتقدوا أنه لا شىء بعدها ، لأنهم نزلوا جحدهم على الإِثبات فجعلوها أولى على ما ذكرت لهم .. (١) . وقوله : ﴿ وما نحن بمنشرين) تأكيد لما سبقه. أى: قالوا ليس هنا من موت سوى الموت المزيل لحياتنا ، ثم لا بعث ولا حساب ولا نشور بعد ذلك . يقال : أنشر الله - تعالى - الموتى نشورا ، إذا أحياهم بعد موتهم ، فهم منشرون . ثم بين - سبحانه - مطالبهم المتعتنة ، وأدلتهم الباطلة فقال: ﴿ فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقین والفاء للإِفصاح، والخطاب للرسول - ﴿ - وللمؤمنين الذين كانوا يؤمنون بالبعث . أى: إن هؤلاء الكافرين قالوا - أيضا - للرسول - صل ﴿ - وللمؤمنين: إن كان الأمر (١) راجع تفسير الكشاف وحاشيته جـ ٤ ص ٣٧٩ . ١٣٢ المجلد الثالث عشر كما تقولون من أن هناك بعثا وحسابا .. فأعيدوا الحياة إلى آبائنا الأولين ، واجعلوهم يخرجون إلينا مرة لنراهم . وقوله - سبحانه -: ﴿ أهم خير أم قوم تبع ... ﴾ تهديد لهم على جهالاتهم وإصرارهم على كفرهم . والمراد بتبع : أبو كريب أسعد بن مليك ، ويسمى بتبع الحميرى . وهو أحد ملوك حمير . وكان مؤمنا، وقومه كانوا كافرين فأهلكهم الله . وإليه ينسب الأنصار، ولفظ ﴿تبع ﴾ يعد لقبا لكل ملك من ملوك اليمن ، كما أن لقب فرعون يعد لقبا لمن ملك مصر كافرا .. (١). أى : إن هؤلاء الكافرين المعاصرين لك - أيها الرسول الكريم - ليسوا خيرا من قوم تبع ، الذين كانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعا ، فلما لجوا فى طغيانهم أهلكهم الله - تعالى - وإن مصير هؤلاء المشركين - إذا ما استمروا فى عنادهم - سيكون كمصير قوم تبع .. فالمقصود من الآية الكريمة تحذير الكافرين من التمادى فى الضلال ، لأن هذا التمادى سيؤدى بهم الى الخسران ، كما هو حال قوم تبع الذين لا يخفى أمرهم عليهم . والمراد بمن قبلهم فى قوله - تعالى -: ﴿والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين ﴾: الأقوام السابقون على قوم تبع ، كقوم عاد وثمود وغيرهم . أو على هؤلاء الكافرين المعاصرين للنبى - * - . أى : والذين من قبل قوم تبع أو من قبل قومك من الظالمين ، أهلكناهم لأنهم كانوا قوما مجرمين . ثم لفت - سبحانه - أنظار الناس إلى التفكر فى خلق السموات والأرض فقال : ﴿ وما خلقنا السموات والأرض ومابينهما .. ﴾ من مخلوقات لا يعلمها إلا الله - تعالى - ما خلقنا ذلك ﴿لاعبين﴾ أى : عابتين أو لغير غرض صحيح . وقوله - تعالى -: ﴿ ما خلقناهما إلا بالحق﴾ استثناء مفرغ من أعم الأحوال. أى : ما خلقناهما إلا خلقا ملتبسا بالحق مؤيدا بالحكمة .. ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ ذلك ، لانطماس بصائرهم ، واستحواذ الشيطان عليهم . ثم بين - سبحانه - أن يوم القيامة آت لا ريب فيه ، وسيحكم - سبحانه - فى هذا اليوم بين الناس بحكمه العادل فقال: ﴿إن يوم الفصل﴾ وهو يوم القيامة الذى يفصل فيه الله (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ص ٢٤٢ . ٠ ١٣٣ سورة الدخان - عز وجل - بين المحق والمبطل ، وبين المهتدى والضال .. هذا اليوم ﴿ ميقاتهم أجمعين﴾ أى: وقت اجتماعهم للحساب جميعا دون أن يتخلف منهم أحد . ثم وصف - سبحانه - هذا اليوم بقوله : ﴿ يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا ولا هم ینصرون وقوله: ﴿ يوم لا يغنى ... ﴾ بدل من يوم الفصل. والمولى: يطلق على القريب والصديق والناصر .. أى : فى هذا اليوم ، وهو يوم الفصل ، لن يستطيع قريب أن ينفع قريبه ، أو صديق أن ينفع صديقه شيئا من النفع، ولا هم ينصرون من عذاب الله - تعالى - إذا ما أراد - سبحانه - إنزال عذابه بهم . وقوله : ﴿ إلا من رحم الله ... ﴾ فى محل رفع على أنه بدل من ضمير ﴿ينصرون). أو فى محل نصب على الاستثناء منه أى : لا يستطيع صديق أن يدفع العذاب عن صديقه ، ولا قريب أن ينفع قريبه أو ينصره ، إلا من رحمه الله - تعالى - ، وذلك بأن يعفو - سبحانه - عنه ، أو يقبل شفاعة غيره فيه . ﴿ إنه) - سبحانه - هو ﴿العزيز) الذى لا يغلب ﴿الرحيم) الذى وسعت رحمته كل شىء . ثم بين - سبحانه - طعام أهل النار وحالهم يوم القيامة فقال: ﴿إن شجرة الزقوم . طعام الأثيم . كالمهل يغلى فى البطون ، كغلى الحميم .. ﴾ . والمراد بشجرة الزقوم : الشجرة التى خلقها الله - تعالى - فى جهنم، وسماها الشجرة الملعونة ، ليكون طعام أهل النار منها . ولفظ الزقوم : اسم لتلك الشجرة ، أو من الزقم بمعنى الالتقام والابتلاع للشىء . والأثيم : الكثير الآثام والسيئات . والمراد به الكافر لدلالة ما قبله عليه . والمهل : هو النحاس المذاب ، أو ردىء الزيت الحار . أى : إن الشجرة الملعونة التى هى شجرة الزقوم ، خلقها الله - تعالى - لتكون طعاما للإِنسان الكافر ، الكثير الآثام والجرائم .. فتنزل فى بطنه كما ينزل النحاس الحار المذاب ، فيغلى فيها كغلى الماء البالغ نهاية الحرارة . فقوله: ﴿ كغلى الحميم﴾ نعت لمصدر محذوف. أى: غليا كغلى الحميم. ١٣٤ المجلد الثالث عشر ٠٫٦ وقوله - سبحانه - ﴿خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم . ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم ، ذق إنك أنت العزيز الكريم ... ﴾ مقول لقول محذوف ، هذا القول موجه من الله - تعالى - لملائكة العذاب . وقوله - سبحانه ، ﴿ فاعتلوه ﴾ من العتل وهو الأخذ بمجامع الشىء، وجره بغلظة وقهر . يقال : عتل فلان فلانا يعتله عتلا ، إذا جذبه جذبا شديدا، وسار به إلى ما يكره السير إليه . أى : يقول الله - تعالى - لملائكة العذاب فى هذا اليوم العسير : خذوا هذا الكافر الأثيم، فجروه بغلظة ، وسوقوه بشدة ﴿إلى سواء الجحيم﴾ أى: إلى وسطها. ﴿ ثم صبوا فوق رأسه﴾ على سبيل التنكيل به ﴿ من عذاب الحميم﴾ صبا يذله ويوجعه ويجعل رأسه تغلى من شدة حرارة هذا الماء . ثم قولوا له بعد ذلك على سبيل التهكم به ، والتقريع له : ﴿ذق ﴾ أى: تذوق شدة هذا العذاب فالأمر للإهانة . إنك﴾ كنت تزعم فى الدنيا، بأنك ﴿ أنت العزيز الكريم ﴾. ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات بقوله: ﴿إن هذا ما كنتم به تمترون﴾ أى: إن هذا العذاب الذى نزل بكم أيها الكافرون ، هو ما كنتم بشأنه تجادلون وتخاصمون فى الدنيا ، فمنكم من كان ينكره ، ومنكم من كان يشكك فى صحته . فها هو ذا قد أصبح حقيقة واقعة فوق رءوسكم . وهكذا نجد الآيات الكريمة ، قد وضحت أن يوم القيامة حق لا ريب فيه ، وأن الكافرين به سيصيبهم عذاب شديد يذلهم ويخزهم . وبعد هذا الحديث عن الكافرين وسوء مصيرهم ، ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالحديث عن المتقين وحسن عاقبتهم فقال - تعالى - : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِ مَقَامٍ أَمِينٍ ﴿ فِ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسِ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّقَبِلِينَ ٥٢ ٥٣ ١٣٥ سورة الدخان كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَهُمْ بِحُورِ عِينٍ ﴿٥) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلّ ٠ لایذُوقُونَفِیھاالموت ٥٥ فَكِهَةٍ،َامِنِينَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىِّ وَوَقَتُهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ،فَضْلًا مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿٥، فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿٨، فَأَرْتَقِبْ إِنَّهُمْ قُرْتَقِبُونَ أى : إن الذين اتقوا الله - تعالى - وصانوا أنفسهم عن كل ما لا يرضيه سيكونون يوم القيامة ﴿فى مقام أمين ﴾ أى: فى مكان يأمن معه صاحبه من كل خوف . فالمراد بالمقام - بالفتح - موضع القيام ، أى : الثبات والملازمة . وقرأ ابن عامر ونافع ، ﴿ مقام﴾ - بضم الميم - أى: موضع الإقامة. والمراد أنهم فى مكان أو مجلس لا خوف فيه ولا مكروه . وقوله : ﴿ فى جنات وعيون﴾ بدل من ﴿مقام أمين) بإعادة حرف الجر أى: هم فى مكان آمن ، تتوسطه وتحيط به البساتين الناضرة ، وعيون الماء المتفجرة . يلبسون من سندس ﴾ والسندس هو أجود أنواع الحرير وأرقه، واحدة سندسة . وإستبرق ﴾ وهو ما كان سميكا من الديباج والحرير. متقابلين ﴾ أى: يجلسون فى مجالس متقابلة ، بحيث ينظر بعضهم إلى بعض . كذلك﴾ أى : الأمر كذلك . من أن المتقين لهم كل هذا النعيم. وزوجناهم بحور عين ﴾ أى: وزوجناهم بنساء يحار الطرف فيهم لجمالهن وحسنهن، والحور : جمع حوراء .. وهى التى يحار الطرف فيها لفرط جمالها . والعين: جمع عيناء . وهى التى اتسعت عينها فى حسن وجمال . يدعون فيها ﴾ أى: فى الجنات ﴿بكل فاكهة آمنين أى : يطلبون ويأمرون غيرهم بأن يحضر لهم كل ما يشتهونه من فاكهة أو غيرها ، فيلبى طلبهم وهم آمنون فى أماكنهم من كل خوف أو ضرر . ثم بين - سبحانه - أن بقاءهم فى تلك الجنات بقاء دائم فقال : ﴿ لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ، ووقاهم عذاب الجحيم ﴾ . ١٣٦ المجلد الثالث عشر أى : هم باقون بقاء دائما فى تلك الجنات ، بحيث لا يموتون فيها أبدا ، إلا الموتة الأولى التى ذاقوها عند نهاية آجالهم فى الدنيا ، ووقاهم - سبحانه - بعدها عذاب الجحيم ، الذى ٦٠ حل بالكافرين . قال الآلوسى : وقوله: ﴿ لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) جملة مستأنفة أو حالية ، وكأنه أريد أن يقال : لا يذوقون فيها الموت البتة ، فوضع الموتة الأولى موضع ذلك ، لأن الموتة الماضية محال ذوقها فى المستقبل فهو من باب التعليق بالمحال ، كأنه قيل : إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها فى المستقبل فإنهم يذوقونها . ونظيره قول القائل لمن يستسقيه : لا أسقيك إلا الجمر ، وقد علم أن الجمر لا يسقى (١). وقوله ﴿ فضلا من ربك ﴾ أى : أعطوا كل ذلك فضلا من ربك، فقوله ﴿ فضلا ﴾ منصوب على المصدرية بفعل محذوف . أو على أنه مفعول لأجله . أى : لأجل الفضل منه - سبحانه - . ذلك ﴾ الذى أعطيناهم إياه ﴿ هو الفوز العظيم) الذى لا يدانيه ولا يساميه فضل. فإنما يسرناه بلسانك ﴾ أى: فإنما أنزلنا عليك - يا محمد - هذا القرآن ، وجعلناه بلغتك ولغة قومك ﴿ لعلهم يتذكرون ﴾ ما فيه من هدايات ويعتبرون بما اشتمل عليه من عبر وعظات . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله : ﴿ فارتقب إنهم مرتقبون أى : فعلنا ذلك لعلهم يتذكرون ، فإن لم يتذكروا ويتعظوا ويؤمنوا بما جئتهم به . فارتقب وانتظر ما يحل بهم من عذاب ، وما وعدناك به من النصر عليهم ، إنهم - أيضا - منتظرون ومرتقبون ما يحل بك من موت أو غيره . ونحن بفضلنا ورحمتنا سنحقق لك ما وعدناك به ، وسنخيب ظنونهم وآمالهم . وبعد فهذا تفسير وسيط لسورة ((الدخان)). نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . کتبه الراجى عفو ربه القاهرة - مدينة نصر صباح الجمعة : ٢ من ربيع الأول ١٤٠٦ هـ ١٥ / ١١ / ١٩٨٥ م د .. محمد سيد طنطاوى (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٥ ص ١٣٦. تفسير ◌ُودَةِ الْجَائِيَّةُ ١٣٩ مقدمة بِسْم اللهُ الرَّحَمَنِّ الرَّحِيمِ مقدمة وتمهيد ١ - سورة ((الجاثية)) هى السورة الخامسة والأربعون فى ترتيب المصحف . وكان نزولها بعد سورة ((الدخان)). وعدد آياتها سبع وثلاثون آية فى المصحف الكوفى ، وست وثلاثون فى غيره ، لاختلافهم فى قوله - تعالى - ﴿ حم﴾ ، هل هو آية مستقلة أولا . ٢ - وقد افتتحت هذه السورة بالثناء على القرآن الكريم ، وبدعوة الناس إلى التدبر والتأمل فى هذا الكون العجيب ، وما اشتمل عليه من سموات وأرض ، ومن ليل ونهار ، ومنٍ أمطار ورياح .. فإن هذا التأمل من شأنه أن يهدى إلى الحق ، وإلى أن لهذا الكون إلها واحداً قادرا حكيما ، هو اللّه رب العالمين . قال - تعالى -: ﴿تنزيل الكتاب من اللّه العزيز الحكيم. إن فى السموات والأرض لآيات للمؤمنين . وفى خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون ﴾ . ٣ - ثم توعد - سبحانه - بعد ذلك الأفاكين بأشد أنواع العذاب ، لإصرارهم على كفرهم ، واتخاذهم آيات الله هزوا . قال - تعالى -: ﴿ويل لكل أفاك أثيم . يسمع آيات الله تتلى عليه، ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها ، فبشره بعذاب أليم . وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهین ٤ - ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان جانب من نعم الله - تعالى - على خلقه ، تلك النعم التى تتمثل فى البحر وما اشتمل عليه من خيرات ، وفى السموات والأرض وما فيهما من منافع . قال - سبحانه -: ﴿ اللّه الذى سخر لكم البحر لتجرى الفلك فيه بأمره ، ولتبتغوا من فضله ، ولعلكم تشكرون . وسخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض جميعا منه إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ . ٥ - ثم بين - سبحانه - موقف بنى إسرائيل من نعم الله - تعالى - ، وكيف أنهم قابلوا ١٤٠ المجلد الثالث عشر ذلك بالاختلاف والبغى، ونهى - سبحانه - نبيه - ◌َل - عن الاستماع إليهم ، وبين أنه لا يستوى عنده - عز وجل - الذين اجترحوا السيئات ، والذين عملوا الصالحات . فقال - تعالى - : ﴿ أم حسب الذين اجترحوا السيئات ، أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ، سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون . وخلق الله السموات والأرض بالحق ، ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون ﴾ . ثم حكى بعض الأقوال الباطلة التى تفوه بها الكافرون ، ورد عليها بما يزهقها ويثبت كذبها ، قال - تعالى -: ﴿ وقالوا ما هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ، وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون . وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآياتنا إن كنتم صادقين . قل اللّه يحييكم، ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه. ولكن أكثر الناس لا يعلمون ٦ - ثم أخذت السورة الكريمة فى أواخرها ، فى بيان أهوال يوم القيامة ، وفى بيان عاقبة الأخيار وعاقبة الأشرار . قال - تعالى -: ﴿ فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم فى رحمته ذلك هو الفوز المبين . وأما الذين كفروا ، أفلم تكن آياتى تتلى عليكم ، فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمین ٧ - ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالثناء على ذاته بما هو أهله ، فقال - · تعالى -: ﴿ فلله الحمد رب السموات ورب الأرض ، رب العالمين، وله الكبرياء فى السموات والأرض وهو العزيز الحكيم ﴾ . هذا ، والمتدبر فى هذه السورة الكريمة ، يراها تدعو الناس إلى التفكر فيما اشتمل عليه هذا الكون من آيات دالة على وحدانية الله - تعالى - وكمال قدرته ، كما أنه يراها تحكى بشىء من التفصيل أقوال المشركين وترد عليها ، وتبين سوء عاقبتهم كما يراها تسوق ألوانا من نعم الله على خلقه ، وتدعو المؤمنين إلى التمسك بكتاب ربهم ، وتبشرهم بأنهم متى فعلوا ذلك ظفروا برضوان الله تعالى وثوابه . فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم فى رحمته ، ذلك هو الفوز المبين ، كما يراها تهتم بتفصيل الحديث عن أهوال يوم القيامة ، لكى يفىء الناس إلى رشدهم ، ويستعدوا لاستقبال هذا اليوم بالإِيمان والعمل الصالح . قال - تعالى -: ﴿وترى كل أمة جائية ، كل أمة تدعى إلى كتابها ، اليوم تجزون