النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
سورة الزخرف
ويحسبون﴾ أى: هؤلاء الكافرون ﴿ أنهم مهتدون﴾ إلى السبيل الحق . فالضمائر فى
قوله ﴿ ويحسبون﴾ وما بعده يعود إلى الكافرين .
ويصح أن يكون الضمير فى قوله ﴿ ويحسبون﴾ يعود إلى الكفار، وفى قوله ﴿ أنهم
مهتدون ﴾ يعود إلى الشيطان ، فيكون المعنى :
ويظن هؤلاء الكافرون أن الشياطين مهتدون إلى الحق ، ولذلك اتبعوهم وأطاعوهم .
ثم بين - سبحانه - ما يكون بين هذا الإِنسان الكافر وبين قرينه من الشياطين يوم
القيامة ، فقال - تعالى -: ﴿ حتى إذا جاءنا قال ياليت بينى وبينك بعد المشرقين فبئس
القرين
أى : لقد استمر هذا المعرض عن ذكر الله فى غيه. ومات على ذلك حتى إذا جاءنا يوم
القيامة للحساب والجزاء ، ﴿ قال﴾ لقرينه الذى صده عن طريق الحق ..
ياليت بينى وبينك بعد المشرقين ﴾ أى: أتمنى أن تكون المسافة التى بينى وبينك من
البعد والمفارقة ، كالمسافة التى بين المشرق والمغرب .
فالمراد بالمشرقين المشرق والمغرب فعبر - سبحانه - بالمشرقين على سبيل التغليب
لأحدهما على الآخر .
فبئس القرين ﴾ أى : فبئس القرين أنت - أيها الشيطان - فالمخصوص بالذم
محذوف .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما سيقال لهذا العاشى عن ذكر الله ولقرينه على سبيل
التأنيب والتوبيخ فقال: ﴿ولن ينفعكم اليوم إذا ظلمتم ... ﴾.
والضمير فى قوله: ﴿ينفعكم﴾ يعود إلى التمنى المذكور فى قوله: ﴿ياليت بينى وبينك
بعد المشرقين .. ﴾ و﴿ إذ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، بدل من ﴿اليوم﴾.
أى : ولن ينفعكم ندمكم وتمنيكم اليوم شيئا ، بعد أن تبين لكم أنكم كنتم ظالمين فى الدنيا ،
ومصرين على الكفر والضلال .
وقوله: ﴿ أنكم فى العذاب مشتركون ﴾ تعليل لما قبله . أى: ولن ينفعكم اليوم تمنيكم
وندمكم لأنكم فى هذا اليوم أنتم وقر ناؤكم مشتركون فى العذاب ، كما كنتم فى الدنيا مشتركون
فى سببه ، وهو الكفر والضلال .
قال صاحب الكشاف ما ملخصه : قوله: ﴿ أنكم فى العذاب مشتركون ﴾ فى محل الرفع
على الفاعليه . يعنى : ولن ينفعكم كونكم مشتركين فى العذاب كما ينفع الواقعين فى الأمر

٨٢
المجلد الثالث عشر
الصعب اشتراكهم فيه لتعاونهم فى تحمل أعبائه . لأن كل واحد منكم ، به من العذاب ما هو
فوق طاقته ..
ولك أن تجعل الفاعل التمنى فى قوله : ﴿ياليت بينى وبينك ... ﴾ على معنى: ولن ينفعكم
اليوم ما أنتم فيه من تمنى مباعدة القرين ، وقوله: ﴿ أنكم فى العذاب مشتركون ﴾ تعليل،.
أى : ولن ينفعكم تمنيكم ، لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم فى العذاب ... وتقويه قراءة
من قرأ ﴿ إنكم ﴾ بالكسر (١).
وبعد هذا التوبيخ الشديد للمعرض عن ذكر الله ولشيطانه ، يوجه الله - تعالى - خطابه
لنبيه - والله - ليزيده تسلية وتثبيتا فيقول: ﴿أفأنت تسمع الصم أو تهدى العمى ومن كان فى
ضلال مبين ﴾ .
والاستفهام للنفى أى : أفأنت - أيها الرسول الكريم - تستطيع أن تسمع الصم صوتك ،
أو أن تهدى الذين انطمست بصائرهم إلى الطريق الحق . أو أن تخرج من كان فى الضلال
الواضح إلى الهدى والرشاد ؟
كلا إنك لن تستطيع ذلك ، لأن الهداية والإضلال ، من الله - تعالى - وحده . وأنت
- أيها الرسول الكريم - عليك البلاغ ونحن علينا الحساب .
فالمقصود من الآية الكريمة تسلية الرسول - وَاج - ونهيه من أن يضيق صدره بسبب
إعراضهم المستمر عن دعوة الحق ، وبيان أن الهداية والإضلال بيد الله - تعالى - وحده .
وسماهم - سبحانه - صما وعميا ، مع أنهم يسمعون ويبصرون ، لأنهم بمنزلة الصم والعمى
فى عدم انتفاعهم بالهدى والرشاد الذى جاءهم به - وثر - .
وقوله - تعالى -: ﴿ ومن كان فى ضلال مبين ﴾ معطوف على العمى والصم باعتبار تغاير
الصفات .
أى : أنت - أيها الرسول الكريم - لن تستطيع هداية من كان أصم وأعمى ، ومن كان
مصرا على الضلال المبين وما دام الأمر كذلك فسر فى طريقك ، دون أن تذهب نفسك عليهم
حسرات ..
وقوله - سبحانه - : ﴿ فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون ، أو نريتك الذى وعدناهم فإنا
عليهم مقتدرون﴾ زيادة فى تسليته وتثبيته - والثالث - .
أى : أن أمرك - أيها الرسول الكريم - مع هؤلاء الظالمين لا يخلو عن حالين : إما أن .
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٢٥٢ .

٨٣
سورة الزخرف
نتوفينك قبل أن ترى نقمتنا منهم .. وفى هذه الحالة فسنتولى نحن عذابهم والانتقام منهم ،
حسب إرادتنا ومشيئتنا ، وإما أن نبقى حياتك حتى ترى بعينيك العذاب الذى توعدناهم به ،
فإنا عليهم وعلى غيرهم مقتدرون على تنفيذ ما نتوعد به من دون أن يستطيع أحد الإفلات من
قبضتنا وقدرتنا .
قال ابن كثير : أى : نحن قادرون على هذا وعلى هذا . ولم يقبض الله - تعالى - رسوله ،
حتى أقر عينه من أعدائه ، وحكمه فى نواصيهم، وملكه ما تضمنته صياصيهم(١) .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ﴿ وإما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك فإنما
عليك البلاغ وعلينا الحساب ﴾(٢).
والفاء فى قوله - تعالى -: ﴿فاستمسك بالذى أوحى إليك ... ﴾ واقعة جوابا لشرط
مقدر .
أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا لك من أن أمرك مع هؤلاء المشركين لا يخلو عن حالين :
فاستمسك - أيها الرسول الكريم - بما أوحينا إليك من هدايات وإرشادات ﴿ إنك على
صراط مستقيم ) وطريق قويم لا عوج فيه ولا اضطراب .
﴿ وإنه﴾ أى: هذا القرآن ﴿لذكر لك ولقومك﴾ أى: لشرف عظيم لك ولشرف
عظيم لأهل مكة الذين بعثت فيهم بصفة خاصة ، ولغيرهم ممن آمن بك بصفة عامة كما قال
- تعالى -: ﴿ لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم ... ﴾ أى: عزكم وشرفكم.
وقوله : ﴿ وسوف تسألون ﴾ تحذير من مخالفة ما اشتمل عليه هذا القرآن من أحكام
وآداب وتشريعات .
أى : وسوف تسألون يوم القيامة عنه ، وعن القيام بحقه ، وعن مقدار تمسككم بأوامره
ونواهيه وعن شكركم الله - تعالى - على منحكم لهذه النعمة .
ثم أضاف - سبحانه - إلى هذا التثبيت لنبيه - * - تثبيتا آخر فقال: ﴿ واسأل من
أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ﴾ .
والمقصود من الآية الكريمة بيان أن الرسل جميعا، قد دعوا أقوامهم إلى عبادة الله
- تعالى - وحده، كما قال - سبحانه -: ﴿ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله
(٣)
واجتنبوا الطاغوت ، فمنهم من هدى الله ، ومنهم من حقت عليه الضلالة
. (١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٢١٥ .
٢ (٢ ) سورة الرعد الآية ٤٠ .
(٣) سورة النحل الآية ٣٦ .
٨

٨٤١
المجلد الثالث عشر
وكما قال - تعالى -: ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه أنه لا إله إلا أنا
فاعبدون ﴾(١) .
قال صاحب الكشاف ما ملخصه : ليس المراد بسؤال الرسل حقيقة السؤال لاستحالته ،
ولكنه مجاز عن النظر فى أديانهم ، وأنهم ما جاءوا قط بعبادة الأوثان ، وإنما جاءوا بالأمر بعبادة
الله - تعالى - وحده ..
وقيل: إن النبى - 9 - جمع الله له الأنبياء، فى ليلة الإسراء فى بيت المقدس، فصلى
بهم إماما ، وقيل له سلهم : فلم يتشكك ولم يسأل .
وقيل معناه ، سل أمم من أرسلنا من قبلك ، وهم أهل الكتابين : التوراة والإنجيل فإذا
سألهم فكأنما سأل - رسلهم - فالكلام على حذف مضاف (٢).
فالآية الكريمة تقرر على كل الوجوه بأبلغ أسلوب ، أن جميع الرسل قد جاءوا بعقيدة
واحدة ، وبدين واحد ، هو عبادة الله - تعالى - ونبذ كل معبود سواه .
ثم تمضى السورة الكريمة فى تسليتها للرسول - وَل18 - وفى تثبيتها للمؤمنين ، فتذكر جانبا
من قصة موسى - عليه السلام ه مع فرعون ، وكيف أن فرعون سخر من دعوة موسى
- عليه السلام - وتباهى على قومه بذلك ، وكيف أنه استخف بهم فأطاعوه ، فكانت عاقبته
وعاقبتهم أن أغرقهم الله جميعا. قال - تعالى - :
وَلَقَدْأَرْسَلْنَا
مُوسَى بِشَايَتِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ، فَقَالَ إِنِّ رَسُولُ
رَبِّ الْعَلَمِينَ * فَلَّا جَآءَ هُم ◌ِثَانَئِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ
٤٧
وَمَا نُرِبِهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّ هِىَ أَكْبُرُ مِنْ أُخْتِهًا وَأَخَذْنَهُم
بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢) وَقَالُوْيَكَيُّهَ السَّاحِرُ أَدْعُ لَنَا
(١ ) سورة الأنبياء الآية ٢٥.
( ٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٢٥٤ .

٨٥
سورة الزخرف
رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنََّا لَمُهْتَدُونَ ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ
اَلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ * وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ.
قَالَ يَقَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ اَلْأَنْهَرُ تَجْرِى مِن
تَّحْنِى أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴿٨) أَمْ أَنْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِى هُوَمَهِينٌ
وَلَا يَكَادُ يُبِينٌ ﴿ فَلَوْلَا أُلْفِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْجَآءَ
مَعَهُ الْمَلَبِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ﴿٥، فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ.
فَلَمَّاءَاسَفُونَا
٥٤
فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًافَسِقِينَ
فَجَعَلْنَهُمْ
أُنثَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ
سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ
٥٦
وقصة موسى - عليه السلام - مع فرعون ومع بنى إسرائيل ، على رأس القصص التى
تكرر الحديث عنها فى القرآن الكريم ، فى سور متعددة ، وذلك لما فيها من مساجلات ومحاورات
بين أهل الحق وأهل الباطل ، ولما فيها من عبر وعظات لقوم يعقلون .
لقد وردت هذه القصة فى سور : البقرة ، والأعراف ، ويونيس ، وهود ، والإِسراء ، وطه ،
والقصص ، والصافات ، وغافر .. ولكن بأساليب متنوعة يكمل بعضها بعضا .
وهنا تبدأ هذه القصة بقوله - تعالى - : ﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه ،
. .
فقال إنى رسول رب العالمين
أى: والله لقد أرسلنا نبينا موسى - عليه السلام - ﴿بآياتنا ﴾ الدالة على وحدانيتنا
وقدرتنا ، والتى على رأسها اليد والعصا .. وأرسلناه بهذه الآيات ﴿ إلى فرعون وملئه ﴾ أى:
أشراف قومه ﴿ فقال لهم﴾ ناصحا ومرشدا: إنى رسول رب العالمين إليكم ، لآمركم بعبادة
الله - تعالى - : وحده ، وأنهاكم عن عبادة غيره .
فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون ﴾ أى : فحين جاء موسى - عليه السلام -

٨٦
المجلد الثالث عشر
إلى فرعون وملئه بآياتنا الدالة على قدرتنا ، سارعوا إلى الضحك منها ، والسخرية بها ، بدون
تأمل أو تدبر ، شأن المغرورين الجهلاء .
فقوله - تعالى -: ﴿إذا هم منها يضحكون﴾ جواب ﴿لما﴾ والتعبير يشير إلى
مسارعتهم إلى السخرية والاستخفاف بالآيات التى جاء بها موسى - عليه السلام - ، مع أن
هذه الآيات كانت تقتضى منهم التدبر والتفكر لو كانوا يعقلون .
وقوله - سبحانه -: ﴿وما نريهم من آية إلا هى أكبر من أختها ... ﴾ بيان لقسوة
قلوبهم ، وعدم تأثرها بالآيات والمعجزات .
أى: وما نريهم من آية دالة على صدق نبينا موسى ، إلا وتكون هذه الآية أكبر من أختها
السابقة عليها ، فى الدلالة على ذلك ، مع كون الآية السابقة عظيمة وكبيرة فى ذاتها .
والمقصود بالجملة الكريمة ، بيان أن هؤلاء القوم لم يأتهم موسى - عليه السلام - بآية
واحدة تشهد بصدقه فيما جاءهم به من عند ربه ، وإنما أتاهم بمعجزات متعددة ، وكل معجزة
أدل على صدقه مما قبلها .
ويصح أن يكون المراد وصف الجميع بالكبر ، على معنى أن كل واحدة لكمالها فى ذاتها ، إذا
نظر إليها الناظر ، ظنها أكبر من البواقى لاستقلالها بإفادة الغرض الذى جاءت من أجله .
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : والغرض بهذا الكلام ، أنهن موصوفات
بالكبر ، لا يكدن يتفاوتن فيه ، وكذلك العادة فى الأشياء التى تتلاقى فى الفضل . وتتفاوت
منازلها فيه التفاوت اليسير ، أن تختلف آراء الناس فى تفضيلها ، فيفضل بعضهم هذا ، وبعضهم
ذاك ، فعلى ذلك بنى الناس كلامهم فقالوا : رأيت رجالا بعضهم أفضل من بعض ، وربما
اختلفت آراء الرجل الواحد فيها ، فتارة يفضل هذا وتارة يفضل ذاك ، ومنه بيت الحماسة :
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التى يسرى بها السارى(١)
وقوله - تعالى -: ﴿وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون ) بيان للمصير السيئ الذى
آلوا إليه .
أى : وأخذناهم بسبب إصرارهم على الكفر والمعاصى ، بالعذاب الدنيوى الشديد لكى
يرجعوا عما هم عليه من كفر وفسوق ، ولكنهم لم يرجعوا .
فالمراد بالعذاب هنا العذاب الدنيوى ، الذى أشار إليه - سبحانه - بقوله : ﴿ فأرسلنا .
م
( ١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٢٥٥ .

٨٧
سورة الزخرف
عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ، آيات مفصلات ، فاستكبروا وكانوا قوما
مجرمين .. ﴾(١) .
ثم حكى - سبحانه - ما قالوه بعد أن نزل بهم العذاب ، فقال : ﴿وقالوا يأيها الساحر
ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون ﴾ .
وجمهور المفسرين على أن قولهم هذا ، كان على سبيل التعظيم لموسى - عليه السلام - :
لأنهم كانوا يوقرون السحرة ، ويعتبرونهم العلماء .
قال ابن كثير : قوله ﴿يأيها الساحر﴾ أى: العالم ... وكان علماء زمانهم هم السحرة ،
ولم يكن السحر عندهم فى زمانهم مذموما ، فليس هذا منهم على سبيل الانتقاص ، لأن الحال
حال ضرورة منهم إليه ، فهى تقتضى تعظيمهم لموسى - عليه السلام - ... (٢).
و﴿ ما﴾ فى قوله: ﴿ بما عهد عندك) مصدرية: أى: بعهده عندك، والمراد بهذا
العهد : النبوة . وسميت عهدا ، لأن الله - تعالى - عاهد نبيه أن يكرمه بها ، أو لأن لها
حقوقا تحفظ كما يحفظ العهد .
وقوله : ﴿ إننا لمهتدون﴾ مرتب على كلام محذوف.
أى : وحين أخذنا فرعون وقومه بالعذاب ، قالوا لموسى - على سبيل التذلل والتعظيم من
شأنه - يأيها الساحر الذى غلبنا بسحره وعلمه ، أدع لنا ربك بحق عهده إليك بالنبوة ، لئن
كشف عنا ربك هذا العذاب الذى نزل بنا ﴿ إننا لمهتدون﴾ أى إننا لمؤمنون ثابتون على
ذلك ، متبعون لك فى كل ما تأمرنا به أو تنهانا عنه .
فدعا موسى - عليه السلام - ربه أن يكشف عنهم العذاب ، فأجاب الله دعوته بأن كشف
عنهم ، فماذا كانت النتيجة ؟ كانت النتيجة أنهم نقضوا عهودهم ، واستمروا على كفرهم ، كما
قال - تعالى -: ﴿ فلما كشفنا عنهم العذاب﴾ أى: فحين كشفنا عنهم العذاب الذى حل
بهم ﴿ إذا هم ينكثون﴾ أى: إذا هم ينقضون عهدهم بالإِيمان فلا يؤمنون. يقال: نكث
فلان عهده ونقضه ، إذا لم يف به .
أ ومن سوء أدبهم أنهم قالوا : ادع لنا ربك ، فكأن الله - تعالى - رب موسی وحده ، وليس
ربا لهم .
وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى -: ﴿ ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا
(١) سورة الأعراف الآية ١٣٣.
( ٢) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٢٠٧ .

٨٨
المجلد الثالث عشر
ربك بما عهد عندك ، لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ، ولنرسلن معك بنى إسرائيل - فلما
كشفنا عنهم العذاب إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون ﴾(١).
ثم حكى - سبحانه - جانبا من طغيان فرعون وفجوره ، واستخفافه بعقول قومه فقال :
ونادى فرعون فى قومه ... ﴾ أى: أن فرعون جمع زعماء قومه ، وأخبرهم بما يريد أن
يقول لهم .
أو أنه أمر مناديا ينادى فى قومه جميعا ، ليعلمهم بما يريد إعلامهم به ، وأسند - سبحانه -
النداء إلى فرعون ، لأنه هو الآمر به .
والتعبير بقوله : ﴿ فى قومه ) يشعر بأن النداء قد وصل اليهم جميعا ودخل فى قلوبهم .
وقوله - تعالى -: ﴿ قال يا قوم أليس لى ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتى أفلا
تبصرون ... ﴾ حكاية لما قاله فرعون لقومه .
أى: أن فرعون جمع عظماء قومه ، وقال لهم - بعد أن خشى إيمانهم بموسى: ﴿ يا قوم
أليس لى ملك مصر ﴾ بحيث لا ينازعنى فى ذلك منازع ، ولا يخالفنى فى ذلك مخالف ،
فالاستفهام للتقرير .
وفضلا عن ذلك فإن هذه الأنهار التى ترونها متفرعة من النيل تجرى تحت قدمى ، أو من
تحت قصرى .
أفلا تبصرون ﴾ ذلك ، وتستدلون به على قوة أمرى ، وسعة ملكى ، وعظم شأنى
فمفعول ﴿ تبصرون﴾ محذوف، أى: أفلا تبصرون عظمتى .
و﴿ أم﴾ فى قوله: ﴿ أم أنا خير من هذا الذى هو مهين ولا يكاد يبين ﴾ هى المنقطعة
المقدرة بمعنى بل التى هى للاضراب ، والإِشارة بهذا تعود لموسى - عليه السلام - .
أى : بل أنا خير من هذا الذى هو فقير وليس صاحب ملك أو سطوة أو مال .. وفى الوقت
نفسه ﴿ لايكاد يبين﴾ أى : لا يكاد يظهر كلامه لعقدة فى لسانه .
ثم أضاف إلى ذلك قوله - كما حكى القرآن عنه: ﴿ فلولا ألقى عليه أسورة من ذهب أو
﴾ .
جاء معه الملائكة مقترنين
١
والأسورة : جمع سوار ، وهو كناية عن تمليكه ، وكانوا إذا ملكوا رجلا عليهم ، جعلوا فى
يديه سوارين ، وطوقوه بطوق من ذهب ، علامة على أنه ملكهم .
(١) سورة الأعراف الآيتان ١٣٤، ١٣٥.

٨٩
سورة الزخرف
أى : فهلا لو كان موسى ملكا أو رسولا ، أن يحلى نفسه بأساور من ذهب ، أو جاء إلينا
ومعه الملائكة محيطين به ، ومتقارنين معه ، لكى يعينوه ويشهدوا له بالنبوة .
ولاشك أن هذه الأقوال التى تفوه بها فرعون ، تدل على شدة طغيانه ، وعلى عظم
غروره ، وعلى استغلاله الضخم لغفلة قومه وسفاهتهم وضعفهم .
ورحم الله الإِمام ابن كثير فقدقال ما ملخصه: وهذا الذى قاله فرعون - لعنه الله -
كذب واختلاق ، وإنما حملة على هذا الكفر والعناد ، وهو ينظر إلى موسى - عليه السلام -
بعين كافرة شقية ، وقد كان موسى من الجلالة والعظمة والبهاء فى صورة يبهر أبصار ذوى
الألباب .
وقوله: ﴿ ولا يكاد يبين﴾ افتراء - أيضا - فإنه وإن كان قد أصاب لسانه فى حال
صغره شىء من جهة تلك الجمرة ، فقد سأل ربه أن يحل عقدة من لسانه ، فاستجاب الله
- تعالى - له وفرعون إنما أراد بهذا الكلام، أن يروج على رعيته ، لأنهم كانوا جهلة
أغبياء .. (١).
وقوله - تعالى -: ﴿ فاستخف قومه فأطاعوه ، إنهم كانوا قوما فاسقين ﴾ بيان لما كان
عليه فرعون من لؤم وخداع ، ولما كان عليه قومه من جبن وخروج على طاعة الله
- تعالى - .
أى : وبعد أن قال فرعون لقومه ما قال من تطاول على موسى - عليه السلام - طلب
منهم الخفة والسرعة والمبادرة إلى الاستجابة لما قاله لهم ، فأجابوه إلى طلبه منهم ، لأنهم كانوا
قوما خارجين على طاعتنا ، مؤثرين الغى على الرشد ، والضلالة على الهداية ..
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبتهم فقال: ﴿ فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين .
فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين
وقوله : ﴿ آسفونا﴾ أى: أغضبونا أشد الغضب، من أسف فلان أسفا، إذا اشتد
غضبه و﴿ سلفا﴾ أى: قدوة لمن بعدهم من الكفار فى استحقاق مثل عقوبتهم . وهو مصدر
وصف به على سبيل المبالغة ، ولذا يطلق على القليل والكثير . يقال : سلفه الشىء سلفا ، إذا
تقدم ومضى . وفلان سلف له عمل صالح ، أى : تقدم له عمل صالح ومنه : الأسلاف ، أى :
المتقدمون على غيرهم .
أى : فلما أغضبنا فرعون وقومه أشد الغضب ، بسبب إصرارهم على الكفر والفسوق
والعصيان ، انتقمنا منهم انتقاما شديدا ، حيث أغرقناهم أجمعين فى اليم .
( ١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٢١٨.

٩٠
المجلد الثالث عشر
فجلعناهم سلفا ﴾ أى قدوة لمن بعدهم فى الكفر فى استحقاق مثل عقوبتهم كما جعلناهم
مثلا﴾ أى: عبرة وموعظة ﴿للآخرين﴾ الذين يعملون مثل أعمالهم ..
وبذلك نرى فى هذه الآيات الكريمة ، جانبا من قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون
وملئه .
ويتجلى فى هذا الجانب من القصة طغيان فرعون ، واستخفافه بعقول قومه ، ومجاهرته
بالكذب والفجور .. فكانت عاقبتهم جميعا الدمار والبوار .
ثم انتقلت السورة الكريمة من الحديث عن جانب من قصة موسى ، إلى الحديث عن جانب
من قصة عيسى - عليه السلام - فقال - تعالى - :
وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَمَ
مَثَلًا إذَا قَوْمُكَمِنْهُيَصِدُّونَ
وَقَالُوْاْ ءَ أْ لِهَتُنَا
Ov
خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَ بُوهُ لَكَ إِلََّ جَدَلاً بَلْ هُرْ قَوْمُ خَصِمُونَ
٥٨
إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدُ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَهُ مَثَلًا لِبَنِيّ إِسْرَّاءِيلَ
٦٠
﴿ وَلَوْنَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُم مَّلَئِكَّةً فِىِ الْأَرْضِ يَخْلُقُونَ
وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَ بِهَا وَأَتَّبِعُونِ هَذَا صِرَطٌ
مُسْتَقِيمٌ ﴿ وَلَا يَصُدَّ نَّكُمُ الشَّيْطِنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مِينٌ
﴿١) وَلَمَّاجَآءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ
وَلِأُبَيِّنَ لَكُمُ بَعْضَ الَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِعُونِ
﴿٣) إِنَّاللَّهَ هُوَرَبٍ وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَفِيمٌ
ا فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ
٦٤
مِنْ عَذَابٍ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ السَّاعَةَ أَنْ
تَأْنِيَهُمْ بَغْتَةٌ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

٩١
سورة الزخرف
ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - : ﴿ولما ضرب ابن مريم مثلا ... ﴾
روايات منها : أنه لما نزل قوله - تعالى -: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا ... ﴾
تعلق المشركون بأمر عيسى وقالوا: ما يريد محمد - صل - إلا أن نتخذه إلها ، كما اتخذت
النصارى عيسى ابن مريم فأنزل الله - تعالى - ﴿ ولما ضرب ابن مريم مثلا ... ﴾.
وقال الواحدى : أكثر المفسرين على أن هذه الآية ، نزلت فى مجادلة ابن الزبعرى - قبل
أن يسلم - مع النبى - وَ لَ - فإنه لما نزل قوله - تعالى -: ﴿إنكم وما تعبدون من دون
الله حصب جهنم ... ﴾.
قال ابن الزبعرى خصمتك - يا محمد - ورب الكعبة . أليست النصارى يعبدون المسيح ،
واليهود يعبدون عزيرا ، وبنو مليح يعبدون الملائكة ؟ فإن كان هؤلاء فى النار ، فقد رضينا أن
نكون نحن وآلهتنا فى النار ؟ .
فقال له النبى - وسلم -: ((ما أجهلك بلغة قومك ؟ أما فهمت أن ﴿ ما ﴾ لما لا
يعقل))؟. وفى رواية أنه - بَ ير - قال له: ((إنهم يعبدون الشيطان)) وأنزل الله
- تعالى -: ﴿ ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون .. ﴾(١).
وكلمة ﴿ يصدون﴾ قرأها الجمهور بكسر الصاد . وقرأها ابن عامر والكسائى بضم
الصاد . وهما بمعنى واحد . ومعناهما : يضجون ويصيحون فرحا . يقال : صد يصد - بكسر
الصاد وضمها - بمعنى ضج - كعكف - بضم الكاف وكسرها .
ويرى بعضهم أن ﴿ يصدون ﴾ - بكسر الصاد - بمعنى: يضجون ويصيحون
ويضحكون ... وأن ﴿ يصدون﴾ - بضم الصاد - بمعنى يعرضون . من الصد بمعنى الإِعراض
عن الحق .
والمعنى : وحين ضرب ابن الزبعرى ، عيسى ابن مريم مثلا ، وحاجك بعبادة النصارى له ،
فاجأك قومك - كفار قريش - بسبب هذه المحاجة ، بالصياح والضجيج والضحك ، فرحا
منهم بما قاله ابن الزبعرى ، وظنا منهم أنه قد انتصر عليك فى الخصومة والمجادلة .
فمن فى قوله ﴿منه﴾ الظاهر أنها للسببية، كما فى قوله - تعالى - : ﴿ مما خطيئاتهم
أغرقوا فأدخلوا نارا ... ﴾ .
والمراد بالمثل هنا : الحجة والبرهان .
قال الآلوسي : والحجة لما كانت تسير مسير الأمثال شهرة ، قيل لها مثل . أو المثل بمعنى
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٢٢٠. والشوكانى جـ ٤ ص ٥٦١. والآلوسى جـ ٢٥ ص ٩٤.

٩٢
المجلد الثالث عشر
المثال. أى: جعله مقياسا وشاهدا على إبطال قوله - وَ له - : إن آلهتهم من حصب جهنم ،
وجعل عيسى - عليه السلام - نفسه مثلا من باب: الحج عرفة(١).
ثم بين - سبحانه - أقوالهم التى بنوا عليها باطلهم فقال : ﴿ وقالوا أآلهتنا خير أم
هو ... ﴾؟ والضمير (هو) يعود إلى عيسى - عليه السلام - .
ومرادهم بالاستفهام تفضيل عيسى - عليه السلام - على آلهتهم ، مجاراة للنبى
.- -
فكأنهم يقولون : لقد أخبرتنا بأن عيسى ابن مريم رسول من رسل الله - تعالى - وأنه
خير من آلهتنا .. فإن كان فى النار يوم القيامة لأن الله - تعالى - يقول: ﴿ إنكم وما تعبدون
من دون اللّه حصب جهنم) فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا فى النار.
وقد أبطل اللّه زعمهم هذا بقوله: ﴿ ماضربوه لك إلا جدلاً ﴾.
أى: لاتهتم - أيها الرسول الكريم - بما قالوه ، فإنهم ماضربوا لك هذا المثل بعيسى إلا
من أجل مجادلتك بالباطل ، وليس من أجل الوصول إلى الحق .
وقوله : ﴿ بل هم قوم خصمون ﴾ مؤكد لما قبله من كونهم قالوا ذلك لأجل الجدل
بالباطل ، لا لطلب الحق ، وإضراب عن مزاعمهم وعن مجاراتهم فى خصومتهم .
أى : ذرهم - أيها الرسول الكريم - فى باطلهم يعمهون ، فإنهم قوم مجبولون على
الخصومة ، وعلى اللجاج فى الباطل .
فقوله : ﴿ خصمون﴾ جمع خصم - بفتح فكسر - وهو الإِنسان المبالغ فى الجدل
والخصومة ، دون أن يكون هدفه الوصول إلى الحق .
وجاء التعبير فى قوله : ﴿ ما ضربوه لك إلا جدلا﴾ بصيغة الجمع، مع أن ضارب المثل
واحد ، وهو ابن الزبعرى ، لأن إسناد فعل الواحد إلى الجماعة ، من الأساليب المعروفة فى
اللغة العربية ، ومنه قول الشاعر :
فسَيف بنى عبس وقد ضربوا به نبا بيدى ورقاء عن رأس خالد
فإنه قد نسب الضرب إلى جميع بنى عبس ، مع تصريحه بأن الضارب واحد ، وهو ورقاء ..
ولأنهم لما أيدوا ابن الزبعرى فى قوله ، فكأنهم جميعا قد قالوه ..
ثم بين - سبحانه - حقيقة عيسى - عليه السلام - فقال: ﴿إن هو إلا عبد أنعمنا
عليه ، وجعلناه مثلا لبنى اسرائيل ﴾ .
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٥ ص ٩٢ .

4 ماء
سورة الزخرف
٩٣
أى : ليس هو أى : عيسى - عليه السلام - إلا عبد من عبادنا الذين أنعمناعليهم بنعمة
النبوة ﴿ وجعلناه مثلا﴾ أى: أمرا عجيبا، جديرا بأن يسير ذكره كالأمثال ﴿ لبنى
إسرائيل ﴾ الذين أرسلناه إليهم ، حيث خلقناه من غير أب، وأعطيناه المعجزات الباهرات
التى منها : إبراء الأكمة والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله ... وهذا كله دليل على وحدانيتنا ،
وكمال قدرتنا ونفاذ إرادتنا .
فالآية الكريمة ترفع من شأن عيسى - عليه السلام - ، وتحدد منزلته ، وتنفى عنه غلو
المغالين فى شأنه ، وإنقاص المنقصين من قدره .
ثم أكد - سبحانه - كمال قدرته فقال: ﴿ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة فى الأرض
يخلفون ﴾ .
و ((من)) فى قوله - تعالى - ﴿منكم) يصح أن تكون للبدلية، فيكون المعنى: ولو
نشاء إهلاككم أيها الكافرون لفعلنا ولجعلنا بدلا منكم ملائكة يخلفونكم بعد موتكم ، ولكنا لم
نشأ ذلك لحكم نحن نعلمها .
ويصح أن تكون للتبعيض فيكون المعنى : ولو نشاء لجعلنا منكم يارجال قريش ملائكة ،
بطريق التوليد منكم ، من غير واسطة نساء ، فهذا أمر سهل علينا ، مع أنه أعجب من حال
عيسى الذى تستغربونه ، لأنه جاء من غير أب ، مع أن الأم من طبيعتها الولادة .
فالمقصود بالآية الكريمة بيان أن قدرة الله - تعالى - لا يعجزها شىء ، وأن ما تعجبوا منه ،
الله - تعالى - قادر على أن يأتى بما هو أعجب منه .
قال صاحب الكشاف : قوله ﴿ولو نشاء﴾ لقدرتنا على خلق عجائب الأمور، وبدائع
الفطر، ﴿ لجعلنا منكم﴾ أى: لولدنا منكم يارجال ﴿ملائكة﴾ يخلفونكم فى الأرض، كما
يخلفكم أولادكم ، كما ولدنا عيسى من أنثى من غير فحل ، لتعرفوا تميزنا بالقدرة الباهرة ،
ولتعلموا أن الملائكة أجسام .. وذات الله - تعالى - متعالية عن ذلك(١).
ثم بين - سبحانه - بعض ما يتعلق بعيسى - عليه السلام - فقال: ﴿ وإنه لعلم ٦
للساعة ﴾ .
فالضمير فى ﴿ إنه ﴾ يعود إلى عيسى لأن السياق فى شأنه، وقيل يعود إلى القرآن أو إلى
الرسول - * - وضعف ذلك لأن الكلام فى شأن عيسى.
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٢٦١ .

٩٤
المجلد الثالث عشر
والمراد بالعلم : العلامة ، واللام فى قوله ﴿ للساعة ) بمعنى على. والكلام على حذف
مضاف .
والمعنى : وإن عيسى - عليه السلام - عند نزوله من السماء فى آخر الزمان حيا ، ليكونن
علامة على قرب قيام الساعة ، ودليلا على أن نهاية الدنيا توشك أن تقع ..
قال الآلوسي: ﴿وإنه﴾ أى: عيسى عليه السلام - ﴿لعلم للساعة﴾ أى: أنه
بنزوله شرط من أشراطها .
وقد نطقت الأخبار بنزوله - عليه السلام - فى آخر الزمان ، فقد أخرج البخارى ومسلم
والترمذى وأبو داود وابن ماجه، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله - * - : لينزلن ابن
مريم ، حكما عدلا فليكسرن الصليب ، وليقتلن الخنزير ، وليضعن الجزية ، وليذهبن الشحناء
والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد (١).
وقال ابن كثير ما ملخصه: قوله: ﴿ إنه لعلم للساعة ﴾ الصحيح أن الضمير يعود على
عيسى ، فإن السياق فى ذكره ، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة كما قال - تعالى -
﴿ وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ... ﴾ أى: قبل موت عيسى.
وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله - 14 - (( أنه أخبر بنزول عيسى قبل يوم
القيامة ، إماما عادلا ، وحكما مقسطا))(٢).
وقوله : ﴿ فلا تمترن بها﴾ أى: فلا تشكن فى وقوعها فى الوقت الذى يشاؤه الله
- تعالى -، فقوله ﴿ تمترن﴾ من المرية بمعنى الشك والريب.
وقوله : ﴿ واتبعون هذا صراط مستقيم ) أى: واتبعوا - أيها الناس - ما جئتكم به من
عند ربى ، فإن هذا الذى جئتكم به ، هو الطريق المستقيم الذى يوصلكم إلى السعادة فى الدنيا
والآخرة .
﴿ ولا يصدنكم الشيطان﴾ أى: ولا يمتعنكم الشيطان بسبب وسوسته لكم، عن طاعتى
واتباعى ﴿ إنه لكم عدو مبين﴾ أى: إن الشيطان عداوته لكم ظاهرة، وكيده لكم واضح ،
كما قال - تعالى - : ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا. إنما يدعو حزبه ليكونوا من
أصحاب السعير
٠
ثم حكى - سبحانه - ما قاله عيسى - عليه السلام - لقومه ، عندما بعثه الله إليهم
-
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٥ ص ٩٥ .
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٢٢٣ .

٩٥
سورة الزخرف
فقال: ﴿ ولما جاء عيسى بالبينات ، قال قد جئتكم بالحكمة ﴾.
والبينات : جمع بينة . وهى صفة لموصوف محذوف ، والمراد بها : المعجزات التى أيد الله
- تعالى - بها عيسى - عليه السلام - .
والمراد بالحكمة : التشريعات والتكاليف والمواعظ التى أرشدهم إليها ، عن طريق الكتاب
الذى أنزله الله تعالى إليه ، وهو الإِنجيل .
أى : وحين جاء عيسى - عليه السلام - إلى قومه ، قال لهم على سبيل النصح والإِرشاد :
يا قوم لقد جئتكم بالمعجزات البينات الواضحة التى تشهد بصدقى وجئتكم بالإنجيل المشتمل
على ما تقتضيه الحكمة الإلهية من آداب وتشريعات ومواعظ .
وقوله : ﴿ولأبين لكم بعض الذى تختلفون فيه ﴾ متعلق بمحذوف والتقدير :
قد جئتكم بالحكمة لأعلمكم إياها ، وجئتكم - أيضا - لأبين لكم ولأصحح لكم بعض
الأمور التى تختلفون فيها .
وقال - سبحانه - ﴿ ولأبين لكم بعض الذى تختلفون فيه ﴾ ولم يقل كل الذى تختلفون
فيه، للإِشعار بالرحمة بهم، وبالستر عليهم ، حيث بين البعض وترك البعض الآخر ، لأنه لا
ضرورة تدعو إلى بيانه .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا بين لهم كل الذى يختلفون فيه ؟ قلت : كانوا
يختلفون فى الديانات ، وما يتعلق بالتكليف ، وفيما سوى ذلك مما لم يتعبدوا بمعرفته والسؤال
عنه ، وإنما بعث ليبين لهم ما اختلفوا فيه مما يعنيهم من أمر دينهم .. (١) .
وقوله - تعالى -: ﴿فاتقوا الله وأطيعون. إن اللّه هو ربى وربكم فاعبدوه هذا صراط
مستقيم ﴾ .
أى : إذا كان الأمر كما ذكرت لكم ، فاتقوا الله - تعالى - بأن تصونوا أنفسكم عن كل
ما يغضبه ، وبأن تطيعونى فى كل ما آمركم به أو أنهاكم عنه .
وإن الله - تعالى - هو ربي وربكم فأخلصوا له العبادة والطاعة ، وهذا الذى آمركم به أو
أنهاكم عنه ، هو الطريق القويم، الذى يوصلكم إلى السعادة الدنيوية والأخروية .
ثم بين - سبحانه - موقف أهل الكتاب من دعوة عيسى - عليه السلام - فقال :
فاختلف الأحزاب من بينهم ...
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ١٦٢ .

٩٦
المجلد الثالث عشر
والأحزاب : جمع حزب . والمراد بهم الفرق التى تحزبت وتجمعت على الباطل من بعد
عيسى .
وضمير الجمع فى قوله ﴿ من بينهم﴾ يعود إلى من بعث إليهم عيسى - عليه السلام - من
اليهود والنصارى .
وقيل : يعود إلى النصارى خاصة ، لأنهم هم الذين اختلفوا فى شأنه ، فمنهم من قال : هو
اللّه ومنهم من قال: هو ابن الله. ومنهم من قال: ثالث ثلاثة.
قال الآلوسي : قوله: ﴿ فاختلف الأحزاب﴾ أى: الفرق المتحزبة ﴿ من بينهم﴾
أى : من بين من بعث إليهم ، وخاطبهم بما خاطبهم من اليهود والنصارى وهم أمة دعوته
- عليه السلام - .
وقيل : المراد النصارى ، وهم أمة إجابته ، وقد اختلفوا فرقا : ملكانية ، ونسطورية ،
ويعقوبية(١).
وقوله - تعالى -: ﴿ فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم ) بيان للعقاب الشديد
الذى أعده الله - تعالى - لهم، بسبب اختلافهم وبغيهم ، ونسبتهم إلى عيسى ما هو برىء
منه .
أى : فهلاك وعذاب شديد للذين ظلموا أنفسهم بالكفر ، وبافترائهم على عيسى - عليه
السلام - ، وما أشد حسرتهم فى هذا اليوم العصيب .
والاستفهام فى قوله : ﴿ هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون ﴾
للنفى .
وينظرون بمعنى : ينتظرون . والخطاب لكفار مكة الذين أعرضوا عن دعوة الحق .
أى : ما ينتظر هؤلاء المشركون إلا قيام الساعة ، وهذا القيام سيأتيهم فجأة ، وبدون
شعور منهم بها ، وحينئذ يندمون ولن ينفعهم الندم ، ولو كانوا عقلاء لا تبعوا الحق الذى جاءهم
به رسولنا -* - ، قبل فوات الأوان .
فالآية الكريمة دعوة لهؤلاء المشركين إلى الاستجابة للرسول - خليجي - إذا دعاهم لما
يصلحهم ، من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلال .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ﴿ فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء
أشراطها . فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم ﴾.
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٥ ص ٩٧ .

٩٧
سورة الزخرف
وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد وبخت المشركين على جدالهم بالباطل وردت عليهم
بما يخرس ألسنتهم ، وبينت الحق فى شأن عيسى - عليه السلام - وتوعدت المختلفين فى أمره
- اختلافا يتنافى مع ما جاءهم به - بالعذاب الشديد .
وبعد هذا الحديث عن جانب عن قصة موسى، وعن جانب من قصة عيسى - عليهما
السلام - ، وعن موقف أقوامهما منهما .. بعد كل ذلك رسمت السورة الكريمة صورة واضحة
لحسن عاقبة المؤمنين ، ولسوء عاقبة المكذبين ، ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حى عن
بينة ، فقال - تعالى - :
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَيِ
بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴿ يَعِبَادِ لَاخَوْفُ
عَلَيْكُ اَلْيَّوْمَ وَلَّ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بَايِنَا
وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ ، أَدْ خُلُواْالْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَجُكُمْ
تُحْبَرُونَ ﴿ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكَوَابٍ
وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّاُلْأَعْيُرُّ وَأَنْتُمْ فِيهَا
خَلِدُونَ ﴿ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِىِّ أُوْرِئْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ ﴿ لَكُمْ فِيهَا فَكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُونَ ﴿
٧٣
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِ عَذَابٍ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ﴿٨) لَا يُفَتَُّ عَنْهُمْ وَهُمْ
٠١٠٠١٠/١٠
٨٦
فِيهِ مُبْلِسُونَ (١٥) وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ كَانُواْ هُمُ الظَّالِمِينَ
وَنَادَوْيَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبٌِّ قَالَ إِنَّكُمْ مَكِّتُونَ ﴾ لَقَدْ
◌ِتْنَكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَ كْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَرِهُونَ ﴿) أَمْ أَبْرَ مُواْأَمْرًاً
١

٩٨
المجلد الثالث عشر
فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٦) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَجْوَدُهُ ◌ّ بَ
٨٠
وَرُسُلُنَا لَدَتِهِمْ يَكْثُبُونَ
وقوله - تعالى -: ﴿ الأخلاء) جمع خليل بمعنى صديق. وسمى الأصدقاء أخلاء، لأن
المودة التى بينهم تخللت قلوبهم واختلطت بنفوسهم .
أى : الأصدقاء فى الدنيا ، يصير بعضهم لبعض يوم القيامة أعداء ، لأنهم كانوا يجتمعون
على الشرور والآثام فى الدنيا ، وكانوا يتواصون بالبقاء على الكفر والفسوق والعصيان فلما
جاء يوم القيامة ، وانكشفت الحقائق .. انقلبت صداقتهم إلى عداوة .
إلا المتقين ) فإن صداقتهم فى الدنيا تنفعهم فى الآخرة ، لأنهم أقاموها على الإِيمان
والعمل الصالح والطاعة لله رب العالمين .
فالآية الكريمة إنذار للكافرين الذين كانت صداقاتهم فى الدنيا تقوم على محاربة الحق ،
ومناصرة الباطل ... وبشارة عظيمة للمتقين الذين بنوا صداقتهم فى الدنيا على طاعة الله
- تعالى - ونصرة دينه ، والعمل بشريعته .
ثم بشر الله - تعالى - عباده بجملة من البشارات الكريمة ، فقال - تعالى - : ﴿ ياعباد
لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون . الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين . ادخلوا الجنة أنتم
وأزواجكم تحبرون ﴾ .
والخوف معناه: توقع ما يخشاه ويغتم له الإِنسان فى المستقبل . والحزن معناه : غم يلحق
الإِنسان من أجل شىء مضى .
وقوله : ﴿ تحبرون﴾ أى: تفرحون وتسرون سرورا عظيما يظهر حباره - بفتح الحاء
وكسرها - أى : أثره الحسن على وجوهكم وأفئدتكم ، فهو من الحبر - بفتح الحاء والباء
- بمعنى الأثر. ويصح أن يكون من الحبرْ - بسكون الباء - بمعنى الزينة وحسن الهيئة .
وبهذا ترى الآيات الكريمة قد نفت عنهم الخوف والحزن ، وفتحت لهم أبواب الجنة ،
وأعلمتهم بأنهم سيكونون هم وأزواجهم فى سرور دائم .
أى: يقول الله - تعالى - لعباده المؤمنين يوم القيامة: ياعباد الذين شرفتكم بالإضافة إلى
ذاتى ، لا خوف عليكم اليوم من أمر المستقبل ، ولا أنتم تحزنون على أمر مضى .
وقوله: ﴿الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ﴾ فى محل نصب، صفة لقوله (( يا عباد))
أى: يا عباد الذين آمنوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وعلى صدق نبينا - * - . وكانوا فى

٩٩
سورة الزخرف
الدنيا مخلصين وجوههم لنا ، وجاعلين أنفسهم سالمة لطاعتنا ..
ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم ﴾ أى: ونساؤكم المؤمنات ﴿تحبرون﴾ أى: تسرون
وتتلذذون بتلك النعم التى أنعم بها - سبحانه - عليكم .
فالمراد بأزواجهم هنا : نساؤهم ، لأن فى هذه الصحبة تلذذا أكثر ، ونعيما أكبر .
والإِضافة فى قوله ﴿ أزواجكم﴾ للاختصاص التام، فتخرج الأزواج غير المؤمنات.
ومنهم من يرى أن المراد بقوله ﴿وأزواجكم﴾: نظراؤكم وأشباهكم فى الطاعة لله
- تعالى - .
أى : ادخلوا الجنة أنتم وأشباهكم فى الإِيمان والطاعة ، دخولا لا تتالون معه إلا الفرح
الدائم ، والسرور الذى لا انقطاع له .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ﴿إن أصحاب الجنة اليوم فى شغل فاكهون . هم
وأزواجهم فى ظلال على الأرائك متكئون ﴾ .
ثم بين - سبحانه - مظاهر أخرى لتكريمه لهؤلاء العباد فقال : ﴿يطاف عليهم بصحاف
من ذهب وأكواب ... ﴾ .
والصحاف : جمع صحفة ، وهى الآنية الواسعة الكبيرة التى توضع فيها الأطعمة .
والأكواب : جمع كوب وهو مايوضع فيه الشراب .
وفى الكلام حذف يعرف من السياق ، والتقدير : يقال لهم : ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم
تحبرون ، فإذا ما دخلوها واستقروا فيها ، يطاف عليهم بأطعمة وأشربة فى أوان من ذهب .
ولم تذكر الأطعمة والأشربة للعلم بها ، إذ لا معنى للطواف بالصحاف والأكواب وهى
فارغة ..
وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ﴾ أى: وفى الجنة التى دخلوها كل ما تشتهيه
الأنفس من أنواع المشتهيات ، وكل ما تتلذذ بين الأعين وتسر برؤيته .
وأنتم﴾ أيها المؤمنون ﴿ فيها خالدون﴾ خلودا أبديا لا نهاية له.
1
ثم ختم - سبحانه - هذا التكريم لعباده بقوله : ﴿وتلك الجنة التى أورثتموها بما كنتم
تعملون . لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون ﴾ .
واسم الإشارة ﴿ تلك﴾ مبتدأ وخبره ﴿الجنة) وما بعدهما صفة الجنة .. وفى الكلام
التفات من الغيبة إلى الخطاب على سبيل التشريف .

١٠٠
المجلد الثالث عشر
وقال - سبحانه - ﴿ وتلك ﴾ بالإِفراد ، للإشعار بأن الخطاب لكل واحد من أهل الجنة ،
على سبيل العناية به ، والإِعلاء من شأنه .
أى : ويقال لهم يوم القيامة على سبيل التشريف : وهذه الجنة التى أورثتموها بسبب
أعمالكم الصالحة فى الدنيا ، لكم فيها فاكهة كثيرة ، وثمار شهية لذيذة ، منها تأكلون أكلا هنيئا
مریئا .
وعبر بقوله - تعالى - ﴿ أورثتموها﴾ للإشعار بأنها قد صارت إليهم بفضل الله وكرمه،
كما يصير الميراث إلى الوارث .
وقوله ﴿ بما كنتم تعملون﴾ بيان الأسباب التى أوصلتهم إلى هذه المنازل العالية ، فإن
أعمالهم الطيبة التى تقبلها الله - تعالى - منهم ، جعلتهم - بفضله وإحسانه - فى أعلى
الدرجات وأسماها .
وكعادة القرآن الكريم فى المقارنة بين الأخيار والأشرار جاء الحديث عن سوء عاقبة
الكافرين بعد الحديث عن حسن عاقبة المؤمنين ، فقال - تعالى - ﴿ إن المجرمين فى عذاب
جهنم خالدون
أى : إن الكافرين بالحق ، الراسخين فى الإجرام ، الكاملين فيه ، سيكونون يوم القيامة ،
فى عذاب جهنم خالدين فيه خلودا أبديا .
لا يفتر عنهم﴾ أى: لا يخفف عنهم العذاب، فقوله ﴿يفتر ﴾ مأخوذ من الفتور
بمعنى الهدوء والسكون ، يقال : فترت الحمى ، إذا خفت حدتها ، وفتر المرض إذا سكن قليلا .
وهم فيه مبلسون ﴾ أى: وهم فى هذا العذاب فى أقصى درجات الحزن والذلة واليأس
يقال : أبلس فلان إبلاسا ، إذا سكت عن الكلام سكوتا مصحوبا بالحزن وانقطاع الحجة .
ثم بين - سبحانه - أن ما نزل بهؤلاء المجرمين من عذاب كان بسبب كفرهم فقال
- تعالى -: ﴿ وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين ﴾.
أى : نحن ماظلمنا هؤلاء الكافرين بإنزال هذا العذاب المهين الدائم بهم ، ولكن هم الذين
ظلموا أنفسهم ، باستحبابهم العمى على الهدى ، وإيثارهم الغى على الرشد .
ثم حكى - سبحانه - بعض أقوالهم بعد نزول العذاب بهم فقال: ﴿ونادوا يا مالك
ليقض علينا ربك
والمراد بذلك سؤال مالك خازن النار، واللام فى قوله ﴿ ليقض﴾ لام الدعاء.
أى : وبعد أن طال العذاب على هؤلاء الكافرين ، نادوا فى ذلة واستجداء قائلين لخازن