النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ مقدمة ۔ بِسم اللهُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مقدمة وتمهيد ١ - سورة ((فصلت)) هى السورة الحادية والأربعون فى ترتيب المصحف ، أما ترتيبها فى النزول فكان بعد سورة ((غافر)). وهى من السور المكية الخالصة ، وعدد آياتها ثنتان وخمسون آية فى المصحف البصرى والشامى ، وثلاث وخمسون فى المصحف المكى والمدنى ، وأربع وخمسون فى المصحف الكوفى . وسورة ((فصلت)) تسمى - أيضا بسورة السجدة ، وحم السجدة ، وبسورة المصابيح ، وبسورة الأقوات(١) . ٢ - والذى يقرأ هذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل ، يراها فى مطلعها تمدح القران الكريم : وتذكر موقف المشركين منه ومن الرسول -# - وتلقن الرسول -* - الجواب الذى یکبتهم ، وتهددهم بالعذاب الأليم . قال - تعالى -: ﴿ حم. تنزيل من الرحمن الرحيم . كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون . بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون . وقالوا قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفى آذاننا وقر ، ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون ﴾ . ٣ - ثم انتقلت السورة إلى الحديث عن مظاهر قدرة الله - تعالى - ، عن طريق بيان خلقه للأرض وما اشتملت عليه من جبال وأقوات ، وعن طريق خلق السماء بطبقاتها المتعددة ، وعن طريق تزيين السماء الدنيا بمصابيح وحفظها . قال - تعالى -: ﴿ قل أننكم لتكفرون بالذى خلق الأرض فى يومين ، وتجعلون له أندادا ، ذلك رب العالمين . وجعل فيها رواسى من فوقها وبارك فيها ، وقدر فيها أقواتها فى أربعة أيام سواء للسائلين . ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أوكرها قالتا أتينا طائعين ﴾ . ٤ - وبعد أن هدد الله - تعالى - مشركى مكة بالعذاب الذى أصاب من قبلهم قوم عاد ـن (١) راجع تفسير الآلوسي جـ ٢٤ ص ٩٤ . ٠ ٠٠ --- ٣٢٢ المجلد الثانى عشر وثمود ، وفصل لهم موقف هؤلاء الأقوام من رسلهم وكيف أنهم عندما كذبوا رسلهم واستحبوا العمى على الهدى ، أخذتهم صاعقة العذاب الهون .. بعد كل ذلك تحدثت عن أحوالهم السيئة يوم يحشرون للحساب يوم القيامة ، وكيف أن حواسهم تشهد عليهم فى هذا اليوم العصيب . ولنتدبر قوله - تعالى -: ﴿ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون . حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون . وقالوا لجلودهم : لم شهدتم علينا ، قالوا أنطقنا الله الذى أنطق كل شىء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون ﴾. ٥ - وكعادة القرآن الكريم فى قرنه الترغيب بالترهيب أو العكس ، وفى بيان عاقبة الأخيار والأشرار ، أتبعت السورة الحديث عن المشركين وسوء عاقبتهم ، بالحديث عن المؤمنين وحسن مصيرهم، فقال - تعالى -: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون . نحن أولياؤكم فى الحياة الدنيا وفي الآخرة ، ولكم فيها ما تشتهى أنفسكم ، ولكم فيها ما تدعون . نزلا من غفور رحيم ﴾ . ٦ - ثم ساقت سورة ((فصلت)) أنواعا من الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته ، قال - تعالى -: ﴿ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لاتسجدوا للشمس ولا للقمر كنتم إياه تعبدون واسجدوا لله الذى خلقهن إن ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذى أحياها لمحبى الموتى ، إنه على كل شىء قدير ﴾ . ٧ - ثم أخذت السورة فى تسلية الرسول - ﴿ - وفى إقامة الأدلة الساطعة على أن هذا القرآن من عند الله . قال - تعالى -: ﴿ ما يقال لك إلا ماقد قيل للرسل من قبلك ، إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم . ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا : لولا فصلت آياته ، أأعجمى وعربى ، قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ، والذين لا يؤمنون فى آذانهم وقر ، وهو عليهم عمى ، أولئك ينادون من مكان بعيد ٨ - ثم ختم - سبحانه السورة الكريمة ، ببيان أن مرد علم قيام الساعة إليه - تعالى - ، وحده، وببيان طبيعة الإِنسان فى حالتى اليسر والعسر ، وببيان أن حكمته - سبحانه - اقتضت أن يطلع الناس فى كل وقت على بعض من آياته الدالة على وحدانيته وقدرته . قال ٣٢٣ مقدمة - تعالى - ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، أو لم يكف بربك أنه على كل شىء شهيد. ألا إنهم فى مرية من لقاء ربهم ، ألا إنه بكل شىء محيط ﴾ . ٩ - وبعد: فهذا عرض إجمالى لسورة فصلت، ومنه نرى: أنها اهتمت بإقامة الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، وبأن هذا القرآن من عند الله - تعالى - ، وبأن الرسول -* - صادق فيما يبلغه عن ربه ، وبأن يوم القيامة حق لا ريب فيه . / كما اهتمت بالحديث عن مصارع الغابرين الذين استحبوا العمى على الهدى وببيان أحوالهم يوم القيامة ... وببشارة الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وأحسنوا القول والدعوة إلى الله ... بأحسن البشارات وأفضلها .. والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات: وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . القاهرة - مدينة نصر صباح الاربعاء : ١٠ من المحرم ١٤٠٦ هـ ١٩٨٥/٩/٢٥ م د . محمد سيد طنطاوى ٣٢٤ المجلد الثانى عشر التفسير قال الله - تعالى - : ◌ِاللَّهِ الرَّحمَنِالرَّحِيمِ حَمّ تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ )، كِثَبُ فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ، قُرْءَانَا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ، بَشِيرًا وَنَذِيرًاً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَاتَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِيّءَاذَاتِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حَجَابٌ فَأَعْمَلْ إِنَّنَاعَلِمِلُونَ ﴾ قُلْ إِنَّمَا أَنْ بَشَرٌ مِّنْ لُكُمْيُوحَى إِلَىَّ. أَنَّمَا إِلَكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ فَاسْتَقِيمُوْإِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُوهُ وَوَِلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ا الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم بِالْآَّخِرَةِ هُمَّ كَفِرُونَ ﴿ إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْالصَّالِحَتِ لَهُمْ ٨ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ سورة (( فصلت)) من السور التى بدئت ببعض حروف التهجى. والرأى الراجح فى هذه الحروف أنها جىء بها للإِيقاظ والتنبيه على أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - ، بدليل أنه مؤلف من جنس الحروف التى يتخاطب بها المشركون ، ومع ذلك فقد عجزوا عن أن يأتوا بسورة من مثله . وقوله: ﴿تنزيل من الرحمن، الرحيم﴾ بيان لمصدر هذا القرآن، وقوله (تنزيل ) خبر لمبتدأ محذوف . ٣٢٥ سورة فصلت أى : هذا القرآن ليس أساطير الأولين - كما زعم الجاحدون الجاهلون - وإما هو منزل من عند الله - تعالى - صاحب الرحمة العظيمة الدائمة . إذ لفظ ((الرحمن)) بمعنى عظيم الرحمة ، لأن فعلان صيغة مبالغة فى كثرة الشىء وعظمته ، أما صيغة فعيل فتستعمل فى الصفات الدائمة ككريم ، فكأنه - تعالى - يقول : هذا الكتاب منزل من الله - تعالى - العظيم الرحمة الدائمة . قال بعض العلماء : وإنما خص هذان الوصفان بالذكر ، لأن الخلق فى هذا العالم كالمرضى المحتاجين ، والقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية ، وعلى كل ما يحتاج إليه الأصحاء من الأغذية . فكان أعظم النفع من الله على هذا العالم إنزال القرآن الناشىء عن رحمته ولطفه بخلقه(١). ثم أثنى - سبحانه - على هذا القرآن الذى أنزله بمقتضى رحمته وحكمته فقال : ﴿ کتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون ، بشيرا ونذيرا ﴾ . ومعنى: ﴿ فصلت آياته﴾: ميزت فى ألفاظها بفواصل ومقاطع، وميزت فى معانيها لاشتمالها على أنواع متعددة من المعانى الحكيمة . وقوله ﴿قرآنا﴾ منصوب على المدح، أو على الحال من كتاب، و﴿ عربيا﴾ صفة للقرآن . '۔۔ وقوله ﴿ لقوم يعلمون﴾ متعلق بفصلت . أى : هذا القرآن منزل من عند الله - تعالى - الذى وسعت رحمته كل شىء ، وهو كتاب فصلت آياته ووضحت وميزت من حيث ألفاظها تفصيلا بليغا ، إذ اشتملت على فواصل ومقاطع فيما بينها ليسهل فهمه وحفظه . وفصلت آياته من حيث معانيها تفصيلا حكيما . إذ بعضها جاء لبيان ذاته وصفاته وأفعاله - تعالى - ، وبعضها اشتمل على ألوان من نعمه التى لا تحصى ، وبعضها جاء بأسمى أنواع الهدايات والآداب والأحكام والقصص والمواعظ ، وبعضها جاء لتبشير المؤمنين بحسن الثواب ، ولإِنذار الكافرين بسوء العقاب . وخص - سبحانه - الذين يعلمون بالذكر ، لأنهم هم الذين ينتفعون بما اشتمل عليه هذا الكتاب من تفصيل لآياته شامل لألفاظها ومعانيها . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٢٨. ٣٢٦ المجلد الثانى عشر قال صاحب الكشاف : قوله: ﴿لقوم يعلمون﴾ أى لقوم عرب يعلمون ما نزل عليهم من الآيات المفصلة المبينة بلسانهم العربى ، لا يلتبس عليهم شىء منه . فإن قلت : بم يتعلق قوله: ﴿ لقوم يعلمون قلت : يجوز أن يتعلق بتنزيل ، أو بفصلت ، أى : تنزيل من اللّه لأجلهم . أو فصلت آياته لهم . وأجود أن يكون صفة مثل ما قبله وما بعده ، أى : قرآنا عربيا كائنا لقوم عرب ؛ لئلا يفرق بين الصلات والصفات .. (١). وقوله - تعالى -: ﴿ فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون ﴾ بيان لموقف الناس من هذا القرآن المنزل من الرحمن الرحيم . والمراد بالأكثر هنا : الكافرون الذين لا ينتفعون بهدايات القرآن الكريم . أى : هذا القرآن أنزلناه إليك لتخرج الناس به من الظلمات إلى النور ، فأعرض أكثرهم عن هداياته لاستحواذ الشيطان عليهم ، فهم لا يسمعون سماع تدبر واتعاظ ، وإنما يسمعون بقلوب قاسية ، وعقول خالية من إدراك معانيه ، ومن الاستجابة له . ونفى - سبحانه - سماعهم له ، مع أنهم كانوا يسمعون من الرسول - # - ومن أصحابه ، لأنهم لما سمعوه ولم يؤمنوا به .. صار سماعهم بمنزلة عدمه . ثم حكى - سبحانه - أقوالهم التى تدل على توغلهم فى الكفر والعناد فقال: ﴿وقالوا قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه ، وفى آذاننا وقر ، ومن بيننا وبينك حجاب ، فاعمل إننا عاملون﴾، والأكنة: جمع كنان وهو الغطاء للشىء. و﴿ وقر﴾ الصمم الذى يحول بين الإِنسان وبين سماع ما يقال له . والحجاب : من الحجب بمعنى الستر لأنه يمنع المشاهدة ، ومنه قيل للبواب حاجب ، لأنه يمنع من الدخول . أى: وقال الكافرون للنبى - ليزر - على سبيل تيئيسه من إيمانهم : إن قلوبنا قد كستها أغطية متكاثفة جعلتها لا تفقه ما تقوله لنا ، وما تدعونا إليه ، وإن آذاننا فيها صمم يحول بيننا وبين سماع حديثك ، وإن من بيننا ومن بينك حاجزا غليظا يحجب التواصل والتلاقى بيننا وبينك ، وما دام حالنا وحالك كذلك فاعمل ما شئت فيما يتعلق بدينك ، ونحن من جانبنا سنعمل ما شئنا فيما يتعلق بديننا . (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ١٨٤. ١ ٣٢٧ سورة فصلت وهذه الأقوال التى حكاها القرآن عنهم ، تدل على أنهم قوم قد بلغوا أقصى درجات الجحود والعناد : فقلوبهم قد أغلقت عن إدراك الحق ، وأسماعهم قد صمت عن سماعه ، وأشخاصهم قد أبت الاقتراب من شخص الرسول - ﴿ - الذى يحمل لهم الخير والنور، وما حملهم على ذلك إلا اتباعهم للهوى والشيطان . وصدق الله إذ يقول: ﴿ فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدى القوم الفاسقين﴾. ثم لقن الله - تعالى - رسوله - * - الجواب الذى يرد به عليهم فقال: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين : إنما أنا بشر مثلكم فى الصفات البشرية أوجدنى الله - تعالى - بقدرته كما أوجدكم ، وينتهى نسبى ونسبكم إلى آدم - عليه السلام - إلا أن الله - تعالى - قد اختصنى بوحيه ورسالته - وهو أعلم حيث يجعل رسالته - وأمرنى أن أبلغكم أن إلهكم وخالقكم .. هو إله واحد لاشريك له ، فعليكم أن تخلصوا له العبادة والطاعة . وقوله: ﴿ فاستقيموا إليه واستغفروه ﴾ أى: فالزموا الاستقامة فى طريقكم إليه - تعالى - بالإِيمان به وطاعته والإِخلاص فى عبادته . وقوله - تعالى -: ﴿ .. وويل للمشركين . الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون ﴾ تهديد لهم بسوء المصير إذا استمروا على عنادهم وشركهم . والويل : لفظ دال على الشر أو الهلاك ، وهو مصدر لافعل له من لفظه ، والمراد به هنا : الدعاء عليهم بالخزى والهلاك . أى : فهلاك وخزى وعقاب شديد لهؤلاء المشركين ، الذين لا يؤتون الزكاة ، أى : لا يؤمنون بها ، ولا يخرجونها إلى مستحقيها ، ولا يعملون على تطهير أنفسهم بأدائها .. وفضلا عن كل ذلك فهم بالآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب كافرون . قال ابن كثير : والمراد بالزكاة ها هنا : طهارة النفس من الأخلاق المرذولة .. وقال قتادة : يمنعون زكاة أموالهم ، واختاره ابن جرير .. وفيه نظر ، لأن إيجاب الزكاة إنما كان فى السنة الثانية من الهجرة ، وهذه الآية مكية . اللهم إلا أن يقال : لا يبعد أن يكون أصل الزكاة - وهو الصدقة - كان مأمورا به فى ابتداء البعثة ، كقوله - تعالى -: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ فأما الزكاة ذات النصب والمقادير فإنما بين ٣٢٨ المجلد الثانى عشر أمرها فى المدينة ، ويكون هذا جمعا بين القولين .. (١) . وقال بعض العلماء : قد استدل بعض علماء الأصول بهذه الآية الكريمة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة ، لأنه - تعالى - صرح فى هذه الآية الكريمة ، بأنهم مشركون ، وأنهم كافرون بالآخرة ، وقد توعدهم - سبحانه - بالويل على كفرهم بالآخرة ، وعدم إيتائهم الزكاة ، سواء أقلنا إن الزكاة فى الآية هى زكاة المال المعروفة ، أو زكاة الأبدان عن طريق فعل الطاعات ، واجتناب المعاصى . ورجع بعضهم - أن المراد بالزكاة هنا زكاة الأبدان - لأن السورة مكية وزكاة المال المعروفة إنما فرضت فى السنة الثانية من الهجرة . وعلى أية حال فالآية تدل على خطاب الكفار بفروع الإِسلام . أعنى امتثال أوامره واجتناب نواهيه ، ومادلت عليه هذه الآية من أنهم مخاطبون بذلك ، وأنهم يعذبون على الكفر والمعاصى ، جاء موضحا فى آيات أخر كقوله - تعالى - : ما سلككم فى سقر . قالوا لم نك من المصلين . ولم نك نطعم المسكين ، وكنا نخوض مع الخائضين .. ﴾(٢). وخص - سبحانه - من بين أوصاف المشركين منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة . لأن أحب شىء إلى الإِنسان ماله ، وهو شقيق روحه ، فإذا بذله للمحتاجين ، فذلك أقوى دليل على استقامته ، وصدق نيته . وقوله - تعالى -: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون ﴾ بيان لحسن عاقبة المؤمنين ، بعد بيان سوء عاقبة الكافرين . أى : إن الذين آمنوا إيمانا حقا وعملوا الأعمال الصالحات ، لهم أجر عظيم غير منون ﴾ أى غير مقطوع عنهم ، من مننت الحبل إذا قطعته ، أو غير منقوص عما وعدهم اللّه به ، أو غير ممنون به عليهم ، بل يعطون ما يعطون من خيرات جزاء أعمالهم الصالحة فى الدنيا ، فضلا من الله - تعالى - وكرما . 1. ثم أمر الله - تعالى - رسوله - ولي - أن يوبخ هؤلاء المشركين على إصرارهم على (١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ١٥٣ . (٢) تفسير أضواء البيان جـ ٧ ص ١١٤ للشيخ محمد أمين الشنقيطى. ٠٫٥ ٣٢٩ سورة فصلت كفرهم ، مع أن مظاهر قدرة الله - تعالى - المائلة أمام أعينهم تدعوهم إلى الإِيمان ، فقال - تعالى - : قُلْ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ اَلْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ: أَنْدَادً ا ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴾ وَجَعَلَ فِيَهَارَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَافِىّ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءٌ لِلْسَّآِلِينَ ، ثُمَّاسْتَوَىَّ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَا وَ لِلْأَرْضِ أَثْتِيَا طَوَّعًا أَوَكَرُهَا قَالَتَّآ أَنْيْنَا طَآئِعِينَ. فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَِيحَ وَحِفْظَأْ ذَلِكَ تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ اَلْعَلِيمِ ١٢ قال الإِمام الرازى ما ملخصه: اعلم أنه - تعالى - لما أمر نبيه - وَل﴿ - أن يقول للناس : ﴿ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى ... ﴾ أردفه بما يدل على أنه لا يجوز إثبات الشركة بينه - تعالى - وبين هذه الأصنام فى الإلهية والمعبودية ، وذلك بأن بين كمال قدرته وحكمته فى خلق السموات والأرض فى مدة قليلة .. والاستفهام فى قوله ﴿ أتنكم لتكفرون ... ﴾ بمعنى الإنكار، وهو لإنكار شيئين: الكفر بالله .. وجعل الأنداد له(١). والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين على سبيل الإنكار لأفعالهم : أننكم لتكفرون بالله - تعالى - الذى خلق الأرض فى يومين . قال الألوسى : وإن واللام فى قوله ﴿ أثنكم لتكفرون ﴾ لتأكيد الإنكار .. وعلق - سبحانه - كفرهم بالاسم الموصول لتفخيم شأنه - تعالى - واستعظام كفرهم به . (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٣٤٠ . ٣٣٠ المجلد الثانى عشر واليوم فى المشهور عبارة عن زمان كون الشمس فوق الأفق ، وأريد منه ها هنا الوقت مطلقا ، لأنه لا يتصور ذلك قبل خلق السماء والكواكب والأرض نفسها ، ثم إن ذلك الوقت يحتمل أن يكون بمقدار اليوم المعروف ، ويحتمل أن يكون أقل منه أو أكثر ، والأقل أنسب بالمقام .. (١) . قال سعيد بن جبير - رضى الله عنه - إن الله - تعالى - قادر على أن يخلق هذا الكون كله فى لحظة ، ولكنه خلق السموات والأرض فى ستة أيام ، ليعلم خلقه التثبت والتأنى فى الأمور . وقوله : ﴿ وتجعلون له أنداداً﴾ معطوف على قوله ﴿تكفرون﴾ وداخل معه فى حكم الإِنكار . والأنداد : جمع ند وهو مثل الشىء يضاده وينافره ويتباعد عنه . وأصله من ند البعير إذا نفر وذهب على وجهه شاردا . أى : وتجعلون له أمثالا ونظراء تعبدونها من دونه ، وتسمونها - زورا وكذبا - آلهة ، وجمع - سبحانه - الأنداد باعتبار واقعهم ، لأنهم كانوا يعبدون آلهة شتى ، فمنهم من عبد الأصنام ، ومنهم من عبد الملائكة ، ومنهم من عبد الكواكب . واسم الإشارة فى قوله ﴿ ذلك رب العالمين ﴾ يعود إلى الموصول باعتبار اتصافه بما فى حيز الصلة . أى : ذلك الموصوف بتلك القدرة الباهرة ، رب العالمين جميعا، وخالق جميع المخلوقات ، والمتولى لتربيتها دون سواه . وقوله : ﴿ وجعل فيها رواسى من فوقها .. ﴾ معطوف على ﴿خلق الأرض فى يومين ﴾ . والرواسى : جميع راس من الرسو - بفتح الراء وسكون السين - بمعنى الثبات والاستقرار فى المكان ، يقال : رسا الشىء إذا ثبت واستقر . وهو صفة لموصوف محذوف . أى : وجعل فيها جبالا رواسى من فوقها ، لكى تستقر وتثبت ، ولا تميد أو تضطرب بكم . وقال - تعالى -: ﴿ من فوقها) لبيان الواقع، إذ وجود الجبال من فوق الأرض ، ومشاهدة الإِنسان لذلك بعينيه ، يزيده إقناعا بقدرة الله - تعالى - الباهرة وحكمته البليغة . . (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٤ ص ٩٩ . ٣٣١ سورة فصلت وبارك فيها ﴾ أى: وجعلها مباركة زاخرة بأنواع الخيرات والمنافع، عن طريق الزروع والثمار المبثوثة فوقها ، والمياه التى تخرج من جوفها . والكنوز التى تحصل من باطنها . وقدر فيها أقواتها ﴾ والأقوات: جمع قوت. والمراد بها أرزاق أهل الأرض وما يصلحهم . أى : وجعل أقوات أهلها التى يحتاجون إليها فى معايشهم ومنافعهم ، على مقادير محددة معينة ، بحيث نشر فى كل قطر من أقطارها أقواتا تناسب أهله ، وبذلك يتبادل الناس المنافع فيما بينهم ، فيعمر الكون ، ويزيد الاتصال والتعارف فيما بينهم . قال ابن جرير : بعد أن ذكر جملة من الأقوال فى معنى هذه الآية : والصواب من القول فى ذلك أن يقال: إن الله - تعالى - أخبر أنه قدر فى الأرض أقوات أهلها ، وذلك ما يقوتهم من الغذاء ، ويصلحهم من المعاش . ولم يخصص - جل ثناؤه - بقوله ﴿وقدر فيها أقواتها ﴾ أنه قدر فيها قوتا دون قوت ، بل عم الخبر عن تقديره جميع الأقوات .. (١) . وقوله - تعالى -: ﴿ فى أربعة أيام) متعلق بمحذوف يدل ، عليه ما قبله . أى: خلق الأرض ، وجعل فيه رواسى من فوقها ، وبارك فيها . وقدر فيها أقواتها فى تمام أربعة أيام ، فتكون المدة التى خلق فيها الأرض وما عليها أربعة أيام . وقوله - سبحانه -: ﴿ سواء للسائلين﴾ تأكيد لما دلت عليه الآية الكريمة من أن خلق كل من الأرض وما فيها وما عليها قد حدث فى أربعة أيام . قال الآلوسى : وقيدت الأيام الأربعة بقوله: ﴿سواء﴾ فإنه مصدر مؤكد لمضمر هو صفة الأيام . أى : - فى أربعة أيام - استوت سواء، أى : استواء . وقوله - تعالى -: ﴿ للسائلين) متعلق بمحذوف وقع خبرا لمبتدأ محذوف ، أى : هذا الحصر فى أربعة ، كائن للسائلين عن مدة خلق الأرض ، وما فيها .. (٢). وقال الجمل فى حاشيته : فإن قيل لم جعلت مدة خلق الأرض بما فيها ، ضعف مدة خلق السموات، مع كون السماء أكبر من الأرض وأكثر مخلوقات وعجائب ؟ قلت : للتنبيه على أن الأرض هى المقصودة بالذات لما فيها من الثقلين ومن كثرة المنافع ، فزادت مدتها ليكون ذلك أدخل فى المنة على ساكنيها ، وللاعتناء بشأنهم وشأنها - أيضا - (١) تفسير ابن جرير جـ ٢٤ ص ٦٣ . (٢) تفسير الآلوسى جـ ٢٤ ص ١٠١ . ٣٣٢ المجلد الثانى عشر زادت مدتها لما فيها من الابتلاء بالمعاصى والمجاهدات والمعالجات .. (١). ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر قدرته فى خلق السماء ، فقال: ﴿ ثم استوى إلى السماء وهى دخان .. ومعنى استوائه - سبحانه - إلى السماء ، ارتفاعه إليها بلا كيف أو تشبيه أو تحديد ، لأنه - سبحانه - منزه عن ذلك . والدخان : ما ارتفع من لهب النار . والمراد به هنا: ما يرى من بخار الأرض أو بخار الماء ويصح أن يكون معنى: ﴿ ثم استوى إلى السماء﴾: تعلقت إرادته - تعالى - بخلقها . قال الألوسى : قوله : ﴿ ثم استوى إلى السماء﴾ أى: قصد إليها وتوجه، دون إرادة تأثير فى غيرها ، من قولهم : استوى إلى مكان كذا ، إذا توجه إليه لا يلوى على غيره .. وقوله : ﴿ وهى دخان﴾ أى أمر ظلمانى، ولعله أريد بها مادتها التى منها تركبت.(٢). وقوله - تعالى -: ﴿ فقال لها وللأرض انتيا طوعا أو كرها ... ﴾ بيان لما وجهه - سبحانه - إليها من أوامر . والمرّاد بإتيانهما : انقيادهما التام لأمره - تعالى - . أى : فقال - سبحانه - للسماء وللأرض أخرجا ما خلقت فيكما من المنافع لمصالح العباد ، فأنت ياسماء ، أبرزى ما خلقت فيك من شمس وقمر ونجوم .. وأنت يا أرض أخرجى ما خلقت فيك من نبات وأشجار وكنوز. قال الفخر الرازى : والمقصود من هذا القول : إظهار كمال القدرة ، أى : انتيا شئتما أو أبيتما ، كما يقول الجبار لمن تحت يده: لتفعلن هذا شئت أو لم تشأ ، ولتفعلته طوعا أو كرها ، وانتصابها على الحال ، بمعنى طائعين أو مكرهين .. (٣). وقوله : ﴿ قالتا أتينا طائعين﴾ بيان لامتثالهما التام لأمره - تعالى - . أى : قالتا : فعلنا ما أمرتنا به منقادين خاضعين متسجيبين لأمرك ، فأنت خالقنا وأنت مالك أمرنا . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٣٢ . (٢) تفسير الآلوسى جـ ٢٤ ص ١٠٢. (٣) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٣٥٣. ٣٣٣ سورة فصلت قال القرطبى: وقوله : ﴿ قالتا أتينا طائعين﴾ فيه وجهان: أنه تمثيل لظهور الطاعة منها ، حيث انقادا وأجابا فقام مقام قولهما . ومنه قول الراجز : امتلأ الحوض وقال قطنى مهلا رويدا ملأت بطنى یعنی : ظهر ذلك فيه . وقال أكثر أهل العلم : بل خلق الله - تعالى - فيها الكلام فتكلمتا كما أراد - سبحانه -(١) . وجمعهما - سبحانه - جمع من يعقل ، لخطابهما بما يخاطب به العقلاء . ثم فصل - سبحانه - بديع صنعه فى خلق السموات فقال : ﴿ فقضاهن سبع سموات فى يومين ... ﴾. أى: ففرغ من خلقهن وتسويتهن على أبدع صورة وأحكم صنع فى مقدار يومين . والضمير فى قوله ﴿ فقضاهن﴾ إما راجع إلى السماء على المعنى لأنها سبع سموات ، وإما مبهم يفسره ما بعده وهو سبع سموات . وقوله: ﴿وأوحى فى كل سماء أمرها﴾ أى: وأوحى فى كل منها ما أراده وما أمر به، وخلق فيها ما اقتضته حكمته من الملائكة ومن خلق لا يعلمه إلا هو - سبحانه - . وقوله : ﴿وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً﴾ أى: وزينا السماء الدنيا أى القريبة منكم - بكواكب مضيئة ، وحفطناها حفظا عظيما من الاختلال والاضطراب والسقوط ذلك ﴾ الذى ذكرناه لكم من خلق السموات والأرض ، وخلق ما فيهما . تقدير العزيز العليم ﴾ أى: تقدير الله - القاهر - لكل شىء . والعليم بما ظهر وبما بطن فى هذا الكون . وقد أخذ العلماء من هذه الآيات الكريمة أن خلق الأرض وما عليها من جبال ومن أقوات للعباد قد تم فى أربعة أيام ، وأن خلق السموات كان فى يومين فيكون مجموع الأيام التى خلق الله - تعالى - فيها السموات والأرض وما بينهما ستة أيام . وقد جاء ذلك فى آيات متعددة ، منها قوله - تعالى -: ﴿إن ربكم اللّه الذى خلق السموات والأرض فى ستة أيام ﴾ .. (٢) . (١) تفسير القرطبى جـ ١٥ ص ٣٤٤ . ( ٢ ) سورة الأعراف الآية ٥٤ . : ٣٣٤ المجلد الثانى عشر وقوله - سبحانه - ﴿ ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام وما مسنا من لغوب .. ﴾(١). كما أخذ العلماء منها - أيضا - : أن خلق الأرض متقدم على خلق السموات بدليل قوله - تعالى - بعد حديثه عن خلق الأرض ، ثم استوى إلى السماء وهى دخان . وبدليل قوله - تعالى - فى آيه أخرى: ﴿ هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا ، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات ﴾(٢). وعلى هذا الرأى سار جمهور العلماء ، وردوا على من قال بأن خلق السموات متقدم على خلق الأرض ، لأن الله - تعالى - يقول فى سورة النازعات: ﴿ أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها . رفع سمكها فسواها ، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها . والأرض بعد ذلك دحاها آی : بسطها . ردوا عليهم بما روى عن ابن عباس من أنه سئل عن الجمع بين الآيات التى معنا ، وبين آيات سورة النازعات فقال: إنه - تعالى - خلق الأرض أولا غير مدحوة ثم خلق السماء ، ثم دحا الأرض بعد ذلك ، وجعل فيها الرواسى والأنهار وغيرهما . أى : أن أصل خلق الأرض كان قبل خلق السماء ، ودحوها بجبالها وأشجارها كان بعد خلق السماء، وردوا عليهم - أيضا - بأن لفظ ((بعد)) فى قوله - تعالى - ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ بمعنى مع أى: والأرض مع ذلك بسطها ومهدها لسكنى أهلها فيها . وردوا عليهم - أيضا - بأنه - تعالى - لما خلق الأرض غير مدحوة ، وهى أهل لكل ما فيها كان كل ما فيها كأنه قد خلق بالفعل لوجود أصله فيها . قال بعض العلماء : والدليل من القرآن على أن وجود الأصل يمكن به إطلاق الخلق على الفرع، - وإن لم يكن موجودا بالفعل - قوله - تعالى -: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ... فقوله: ﴿ خلقناكم ثم صورناكم﴾ أى: بخلقنا وتصويرنا لأبيكم آدم الذى هو أصلكم (٣) . كما أخذ منها العلماء أن وجود هذا الكون ، بتلك الصورة البديعة ، المتمثلة فى هذه الأرض (١ ) سورة ق الآية ٣٨. (٢) سورة البقرة الآية ٢٩. (٣) أضواء البيان جـ ٧ ص ١٠٢ للشيخ الشنقيطى. ٣٣٥ سورة فصلت وما أقلت . وفى هذه السموات وما أظلت .. من أكبر الأدلة التى تحمل العقلاء على إخلاص العبادة لله الواحد القهار. وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر قدرة الله فى هذا الكون ، انتقلت السورة إلى تهديد المشركين ، وإنذارهم بأن عاقبتهم ستكون كعاقبة الظالمين الذين سبقوهم ، فقال - تعالى - :. فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنَذَرْتُّكُمْ صَعِقَةً مِثْلَ صَعِفَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ﴿ إِذْجَاءَ تُهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلِفِهِمْ أَلََّ تَعْبُدُ وَاْإِلَّا اللّهَ قَالُوْلَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَبِكَةً فَإِنَّابِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَفِرُونَ ﴿ فَمَّا عَادٌ فَأُسْتَكْبَرُواْ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِالْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّاقُوَةٌ أَوَلَمْيَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَأَشَدُ مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَكَانُواْ بِعَايَتِّنَا يَخْحَدُونَ ، فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّا مِنَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ ١٥ عَذَابَ الْخِرِىِ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْرَىْ وَهُمْ لَيُصَرُونَ ﴿ وَأَمَّا تَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُواْ الْعَمَى عَلَىَ اُلْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَحِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴿ وَّيْنَا الَّذِينَءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَنَّقُونَ ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات والتى قبلها روايات تتعلق بما بين النبى - 43*1 - وبين بعض المشركين ، منها ما ذكره محمد بن كعب القرظى قال : حدثت أن عتبة بن ربيعة قال يوما لقريش - ورسول الله عليه - جالس فى المسجد وحده: يامعشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه ، وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها . ٣٣٦ المجلد الثانى عشر فقالوا: بلى يا أبا الوليد، فقم إليه فكلمه. فقام إليه عتبة فقال: ((يا محمد ، يابن أخي ، إنك منا حيث قد علمت من السلطة - أى من الشرف - فى العشيرة وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم ، فرقت به جماعتهم ، وسفهت به أحلامهم ، وعبت به آلهتم ودينهم ، وكفرت به من مضى من آبائهم ، فاسمع منى أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل بعضها . ثم قال : إن كنت - يابن أخى - تريد مالا أعطيناك من المال حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت تريد ملكا جعلناك ملكا علينا .. وإن كان الذى يأتيك رئيا تراه - أى ترى بعض الجن - طلبنا لك الطب حتى تبرأ . فلما فرغ عتبة قال - ﴿ -: ((أفرغت يا أبا الوليد؟)) قال: نعم. قال: ((فاسمع منى)) قال: أفعل. فتلا عليه النبى -1 - من أول سورة ((فصلت)). - وفى رواية أنه لما بلغ قوله - تعالى - : ﴿فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ... ﴾ قال له عتبة: حسبك ما عندك غير هذا . ثم عاد عتبة إلى أصحابه ، فقال بعضهم لبعض : لقد جاءكم عتبة بوجه غير الذى ذهب به ، فلما جلس إليهم قالوا له : ماوراءك يا أبا الوليد ؟ فقال: لقد سمعت من محمد - 13 - قولا ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالسحر ، ولا بالشعر ، ولا بالكهانة . يا معشر قريش ، أطيعوني واجعلوها لى ، خَلّوا بين الرجل وبين ماهو فيه فاعتزلوه ، فوالله ليكونن لقوله الذى سمعت نبأ . فقالوا: لقد سحرك محمد - * - فقال: ((هذا رأيى فيه فاصنعوا ما بدا لكم))(١). فقوله - تعالى -: ﴿ فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ﴾ تهديد لهؤلاء المشركين ، بعد أن وضح الحق لهم فى أكمل صورة .. والصاعقة - كما يقول ابن جرير - : كل أمر هائل رآه الرائى أو عاينه أو أصابه . حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل، يكون مصعوقا .. (٢). والمراد بها هنا : العذاب الشديد الذى أنزله الله - تعالى - على قوم عاد وثمود فصعقهم وأهلكهم . (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ١٥٢ . ( ٢) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ٢٩٠ . ٣٣٧ سورة فصلت والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين لقد أقمت لكم الأدلة الناصعة على وحدانية الله - تعالى - وعلى عظيم قدرته ، وعلى أنى رسول من عنده ، وصادق فيما أبلغه عنه . فإن أعرضوا ﴾ عن دعوتك ، ولجوا فى طغيانهم ، واستمروا فى كفرهم وعنادهم. ﴿ فقل﴾ لهم على سبيل التحذير: لقد ﴿أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود﴾. وخص - سبحانه - عادًا وثمود بالذكر ، لأن مشركى قريش يعرفون ما جرى لهؤلاء الظالمين . إذ قوم عاد كانوا بالأحقاف - أى بالمكان المرتفع الكثير الرمال - فى جنوب الجزيرة العربية ورسولهم هو هود - عليه السلام - . وأما ثمود فهم قوم صالح - عليه السلام - ، ومساكنهم كانت بشمال الجزيرة العربية ، ومازالت آثارهم باقية، وأهل مكة كانوا يمرون عليها فى طريقهم إلى بلاد الشام للتجارة. والضمير فى قوله - تعالى -: ﴿ إذا جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ، ألا تعبدوا إلا الله ... ﴾ يعود إلى قوم عاد وثمود. والمراد بالرسل : هود وصالح - عليهما السلام - من باب إطلاق الجمع على الاثنين ، أو من باب إدخال من آمن بهما معهما فى المجىء إلى هؤلاء الأقوام لدعوتهم إلى عبادة الله وحده . وقوله : ﴿ إذا جاءتهم الرسل ... ﴾ حال من قوله ﴿ صاعقة عاد وثمود ﴾ وقوله ﴿ من بين أيديهم ومن خلفهم ﴾ متعلق بجاءتهم . والمراد بالجملة الكريمة : أن الرسل بذلوا كل جهدهم فى إرشاد قوم عاد وثمود إلى الحق ولم يتركوا وسيلة إلا اتبعوها معهم وبينوا لهم بأساليب متعددة حسن عاقبة المؤمنين وسوء عاقبة الكافرين . وقوله: ﴿ أن لا تعبدوا إلا الله) بيان لما نصح به الرسل أقوامهم و((أن)) يصح أن تكون مصدرية ، أى : بأن لا تعبدوا إلا الله ، ويصح أن تكون مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير شأن محذوف . أو تفسيرية لأن مجىء الرسل يتضمن قولا . أى جاء الرسل إلى قوم عاد وثمود بكل دليل واضح على وجوب إخلاص العبادة لله ، ولم يتركوا وسيلة إلا اتبعوها معهم، وقالوا لهم: اجعلوا عبادتكم لله - تعالى - وحده . قال صاحب الكشاف ما ملخصه : قوله : ﴿ إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ... ٣٣٨ المجلد الثانى عشر أى : أتوهم من كل جانب ، واجتهدوا بهم ، واعملوا فيهم كل حيلة ، فلم يروا منهم إلا العتو والإعراض، كما حكى الله - تعالى - عن الشيطان أنه قال: ﴿ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم ... ﴾ يعنى لآتينهم من كل جهة، ولأعملن فيهم كل حيلة . وعن الحسن : أنذروهم بعذاب الله الدنيوى والأخروى . وقيل معناه : إذ جاءتهم الرسل من قبلهم ومن بعدهم ، بمعنى أن هودا وصالحا قد أمروهم بالإِيمان بها وبجميع الرسل الذين من قبلهم والذين من بعدهم ، فكأن الرسل جميعا قد جاءوهم (١) . وقوله - تعالى -: ﴿ قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون ﴾ حكاية للرد السيئ الذى رد به قوم عاد وثمود على رسلهم . ومفعول المشيئة محذوف أى : قال هؤلاء الكافرين لرسلهم على سبيل التكذيب لهم ، والتهكم بهم . أنتم لستم رسلا ، ولو شاء الله - تعالى - أن يرسل إلينا رسلا لأرسل ملائكة ، ومادام الأمر كذلك فإنا بما أرسلتم به - أيها الرسل - كافرون ، وإلى ما تدعونا إليه مكذبون . والسبب الذى حمل هؤلاء الجاهلين على هذا القول : زعمهم أن الرسل لا يكونون من البشر ، مع أن كل عقل سليم يؤيد أن الرسول لا يكون إلا من البشر كما قال - تعالى - : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم .. ﴾ . ثم فصل - سبحانه - بعد ذلك حال كل فريق منهم ، وبين ما نزل به من عذاب مهين فقال: ﴿ فأما عاد فاستكبروا فى الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة ... ﴾ أى . هذا هو قولهم على سبيل الإجمال لرسلهم ، وإليك جانبا من حال قوم عاد ، ومن أقوالهم الباطلة . إنهم قد استكبروا فى الأرض بغير الحق . واغتروا بما بين أيديهم من نعم ، وقالوا على سبيل التباهى والتفاخر والتكبر : من أشد منا قوة . وقيد استكبارهم فى الأرض بأنه بغير الحق . لبيان واقعهم ، حيث كانوا كما وصفهم اقه - تعالى - فى آيات أخرى متجبرين متعالين على غيرهم ، ومن ذلك قوله - تعالى : (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ١٩١. ٣٣٩ سورة فصلت أتبنون بكل ريع آية تعبئون . وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون ، وإذا بطشتم بطشتم جبارین الاستفهام فى قوله - تعالى - الذى حكاه عنهم ﴿ من أشد منا قوة ﴾ للإنكار والنفى. أى : لا أحد أقوى منا ، فنحن فى استطاعتنا أن ندفع كل عذاب ينزل بنا ، وهذا هو الشعور الكاذب الذى يشعر به الطغاة الجاهلون فى كل زمان ومكان . وقد رد الله - تعالى - عليهم وعلى أمثالهم ردا منطقيا حكيما يخرس ألسنتهم فقال: ﴿ أو لم يروا أن اللّه الذى خلقهم هو أشد منهم قوة ، وكانوا بآياتنا يجحدون﴾. أى: أعموا وصموا عن الحق، ولم يعلموا أن الله - تعالى - الذى أوجدهم من العدم، هو - سبحانه - أشد منهم قوة وبأسا . إنهم لغرورهم وجهالاتهم نسوا كل ذلك ، وكانوا بآياتنا الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا يجحدون ، ويعاندون وينكرون الحق الذى جاءتهم به رسلهم . ثم حكى - سبحانه - ما نزل بهم من عذاب بسبب إصرارهم على كفرهم ، وبسبب غرورهم وبطرهم فقال: ﴿ فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا فى أيام نحسات ، لنذيقهم عذاب الخزى فى الحياة الدنيا ... ﴾. ولفظ ((صرصرا)) من الصر - بفتح الصاد - وهو شدة الحر ، أو من الصر - بكسر الصاد - وهو شدة البرد الذى يقبض البدن ، أو من الصرة التى هى الصيحة المزعجة ، ومنه قوله - تعالى - ﴿ فأقبلت امرأته فى صرة ... ﴾ أى: فى صيحة. ولا مانع من أن تكون هذه الريح التى أرسلها الله - تعالى - عليهم ، قد اجتمع فيها الصوت الشديد المزعج ، والبرد الشديد القاتل . وقوله: ﴿ نحسات﴾ جمع نحسة - بفتح النون وكسر الحاء - صفة مشبهة من نحس - كفرح وكرم - ضد سعد . أى: فأرسلنا على قوم عاد ريحا شديدة الهبوب والصوت ، وشديدة البرودة أو الحرارة فى أيام نحسات أو مشتومات نكدات عليهم بسبب إصرارهم على كفرهم وفعلنا ذلك معهم لنذيقهم العذاب المخزى لهم فى الحياة الدنيا . ولعذاب الآخرة أخزى ﴾ أى: أشد خزيا وإهانة لهم من عذاب الدنيا . وهم لا ينصرون﴾ أى: وهم لا يجدون أحدا يدفع عنهم هذا العذاب بحال من الأحوال . ٣٤٠ المجلد الثانى عشر ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ، حال ثمود وما نزل بهم من عذاب فقال: ﴿وأما ثمود فهديناهم ... أى : وأما قوم ثمود الذين أرسلنا إليهم نبينا صالحا ، فبينا لهم عن طريقه سبيل الرشاد وسبيل الغى. فالمراد بالهداية هنا : البيان والإِرشاد والدلالة على الخير . فاستحبوا العمى على الهدى﴾ أى: فاختاروا الكفر على الإِيمان، وآثروا الغى على الرشد . فالمراد بالعمى هنا الكفر والضلال، والمراد بالهداية الإِيمان والطاعة . فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون ﴾ أى: فكانت نتيجة إيثارهم الكفر على الإِيمان، وتصميمهم على ذلك .. أن أنزلنا عليهم الصاعقة التى أهلكتهم، والعذاب المبين الذى أبادهم، بسبب ما اكتسبوه من ذنوب وقبائح . وقد حكى - سبحانه - ما أنزله بعاد وثمود من عذاب فى آيات كثيرة، منها قوله - تعالى -: ﴿ كذبت ثمود وعاد بالقارعة . فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية . وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية. سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما. فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية ﴾(١) . وقد ذكر بعضهم أن الأيام النحسات التى نزل فيها العذاب على قوم عاد، كانت فى أواخر شهر شوال، وأن أولها كان فى يوم الأربعاء، وآخرها - أيضا - كان فى يوم الأربعاء، ولذا صار بعض الناس يتشاءم من هذا اليوم . والحق أن ما ذكروه فى هذا الشأن لا دليل عليه، ولا يلتفت إليه، وأن ما أصاب هؤلاء إنما كان بشؤم كفرهم ومعاصيهم . قال بعض العلماء بعد أن ذكر بعض الآثار التى ذكروها فى أن يوم الأربعاء يوم نحس : (( فهذه الروايات وأمثالها لا تدل على شؤم يوم الأربعاء على من لم يكفر بالله ولم يعصه، لأن أغلبها ضعيف، وما صح معناه منها فالمراد ينحسه شؤمه على أولئك الكفرة العصاة الذين أهلكهم اللّه فيه بسبب كفرهم ومعاصيهم))(٢) . ثم بين - سبحانه - فضله على المؤمنين، ورحمته بهم فقال: ﴿ونجينا الذين آمنوا .. ﴾ أى ونجينا الذين آمنوا من عذاب الدنيا ومن العذاب الآخرة . ( ١) سورة الحاقة الآيات من ٤ - ٧ . (٢) تفسير أضواء البيان جـ ٧ ص ١٢٤ للشيخ الشنقيطى .