النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ سورة غافر والتسبيح عبارة عن تنزيه الله - تعالى - عن كل ما لا يليق به، والعشى والإِبكار ، قيل صلاة العصر وصلاة الفجر . وقيل : الإِبكار عبارة عن أول النهار إلى النصف . والعشى عبارة عن النصف إلى آخر النهار ، فيدخل فيه كل الأوقات ، وبالجملة فالمراد منه المواظبة على ذكر اللّه. وأن لا يفتر اللسان عنه .. (١). ثم تعود السورة الكريمة مرة أخرى إلى توبيخ الذين يجادلون فى آيات الله بغير حجة أو برهان ، وتبين الأسباب التى حملتهم على ذلك ، وترشد إلى العلاج من شرورهم ، وتنفى المساواة بين الكافر والمؤمن ، وتدعو المؤمنين إلى الإكثار من التضرع إلى الله - تعالى - فتقول : إِنَّالَّذِينَ يُحَدِّ لُونَ فِىّءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَنُهُمْ إِن فِي صُدُورِ هِمْ إِلََّ كِكِبْرٌ مَّاهُمْ بِبَلِغِيَةٍ فَأَسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ ﴿ لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبُرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّأَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٥٧ وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَىِ وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ ٥٨ الصَّلِحَتِ وَلَا الْمُسِىٌَّ قَلِيلًا مَّانَتَّذَّ كَّرُونَ إِنَّ السَّاعَةَ لَنِيَةٌ لََّرَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِِ ج لَا يُؤْمِنُونَ ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمـ إِنَّالَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْ خُلُونَ جَهَنََّ ٦٠ دَاخِرِين (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٣٢١ . ٣٠٢ المجلد الثانى عشر والمراد بالمجادلة فى قوله - تعالى -: ﴿ إن الذين يجادلون فى آيات الله بغير سلطان أتاهم .. ﴾ المجادلة بالباطل بدون حجة أو دليل ، أما المجادلة لإحقاق الحق والكشف عنه .. فهى محمودة ، لأنها تهدى إلى الخير والصلاح .. قال صاحب الكشاف : فأما الجدال فى آيات الله ، لإِيضاح ملتبسها ، وحل مشكلها ، ومقادحة أهل العلم فى استنباط معانيها ورد أهل الزيغ عنها ، فأعظم جهاد فى سبيل اقه .. (١) . وجملة ﴿ إن فى صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه﴾ خبر إن، والكبر بمعنى التكبر والتعالى والتعاظم على الغير . والمعنى : إن الذين يجادلون فى آيات الله - تعالى - الدالة على وحدانيته وصدق رسله ، وليس عندهم دليل أو برهان على صحة دعواهم .. هؤلاء المجادلون بالباطل ما حملهم على ذلك إلا التكبر والتعاظم والتطلع إلى الرياسة وإلى أن تكون النبوة فيهم أو فيمن يميلون إليهم .. وهم جميعا لن يصلوا إلى شىء من ذلك ، ولن يبلغوا ما تتوق إليه نفوسهم المريضة ، لأن العطاء والمنع بيد الله - تعالى - وحده . وصدق الله إذ يقول: ﴿ ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم ﴾(٢). فالآية الكريمة تبين أن على رأس الأسباب التى حملت هؤلاء المجادلين بالباطل على جدالهم . هو حبهم للتكبر والتعالى ... قال الآلوسى: قوله : ﴿ بغير سلطان أتاهم ... ﴾ أى: بغير حجة فى ذلك أتتهم من جهته - تعالى - وتقييد المجادلة بذلك مع استحالة إتيان الحجة ، للإِيذان بأن المتكلم فى أمر الدين ، لابد من استناده إلى حجة واضحة وبرهان مبين ، وهذا عام فى كل مجادل مبطل .. وقوله: ﴿ ما هم ببالغيه﴾ صفة لقوله ﴿كبر﴾ أى ما هم ببالغى موجب الكبر ومقتضيه ، وهو متعلق إرادتهم من دفع الآيات أو من الرياسة أو النبوة .. (٣). وقوله - سبحانه -: ﴿ فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير﴾. إرشاد منه - تعالى - إلى ما يقى من شرور هؤلاء المجادلين بالباطل . أى : هذا هو حال المجادلين بالباطل وهذا هو الدافع إلى جدالهم ، وما دام هذا هو حالهم ، (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ١٥٠. (٢) سورة فاطر آية ٢ . (٣) تفسير الآلوسى جـ ٢٤ ص ٧٨ . ٣٠٣ سورة غافر فالتجىء إلى الله - تعالى - أيها الرسول الكريم - لكى يحفظك من شرورهم وكيدهم ، إنه - تعالى - هو السميع لكل شىء ، البصير بما ظهر وخفى من شئون عباده . ثم بين - سبحانه - للناس من طريق المشاهدة صغر حجمهم بالنسبة إلى بعض خلقه - تعالى - فيقول: ﴿لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أى : لخلق السموات والأرض ابتداء وبدون مثال سابق ، أكبر وأعظم من خلق الناس . ومما لاشك فيه أن من قدر على خلق الأعظم ، فهو على خلق ما هو أقل منه أقدر وأقدر ، ولكن أكثر الناس لاستيلاء الغفلة والهوى عليهم ، لا يعلمون هذه الحقيقة الجلية . وقوله - تعالى - ﴿ أكبر من خلق الناس) إنما هو من باب تقريب الأشياء إلى الفهم . فمن المعروف بين الناس أن معالجة الشىء الكبير أشد من معالجة الشىء الصغير . وإن كان الامر بالنسبة إلى الله - تعالى - لا تفاوت بين خلق الكبير وخلق الصغير ، إذ كل شىء خاضع لإرادته كما قال - سبحانه -: ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ﴾. لخلق السموات والأرض .. ﴾ قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف اتصل قوله بما قبله ؟ . قلت : إن مجادلتهم فى آيات الله كانت مشتملة على إنكار البعث . وهو أصل المجادلة ومدارها ، فَحُجُّوا بخلق السموات والأرض لأنهم كانوا مقرين بأن الله خالقهم ، وبأنهما خلق عظيم لا يقادر قدره ، وخلق الناس بالقياس إلى خلقهما شىء قليل ، فمن قدر على خلقهما مع عظمها . كان على خلق الإِنسان مع ضآلته أقدر .. (١). وقوله - تعالى - ﴿ وما يستوى الأعمى والبصير ، والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسىء ... ﴾ نفى لعدم المساواة بين الأخيار والأشرار. والمتقين والفجار .. أى : كما أنه لا يصح فى عرف أى عاقل المساواة بين الأعمى والبصير. كذلك لا تصح المساواة بين المؤمنين الذين قدموا فى دنياهم العمل الصالح ، وبين الكافرين والفاسقين الذين لطخوا حياتهم بالعمل السيئ ، والفعل القبيح .. ولفظ ((قليلا)) فى قوله - تعالى - ﴿ قليلا ما تتذكرون ﴾ مفعول مطلق، وهو صفة. الموصوف محذوف، و((ما)) مزيدة للتأكيد . أى. تذكرا قليلا تتذكرون. (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ١٧٤. : ٣٠٤ المجلد الثانى عشر ثم أكد - سبحانه - مجىء الساعة فى الوقت الذى يختاره - تعالى - فقال : ﴿إن الساعة لآتية لا ريب فيها ﴾ أى: لا ريب ولاشك فى مجيئها فى الوقت الذى يشاؤه - عز وجل - ﴿ ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ﴾ بذلك لغفلتهم وقصور نظرهم، واستحواذ الشيطان عليهم .. ثم أمر - سبحانه - عباده المؤمنين أن يكثروا من التضرع اليه بالدعاء فقال: ﴿وقال ربكم ادعونى أستجب لكم ... أى : وقال ربكم - أيها المؤمنون - تضرعوا إلى بالدعاء ، وتقربوا إلى بالطاعات ، أستجب لكم ، ولا أخيب لكم رجاء . ولا تنافى بين تفسير الدعاء هنا بالسؤال والتضرع إلى الله - تعالى - ، وبين تفسيره بالعبادة ، لأن الدعاء هو لون من العبادة ، بل هو مخها كما جاء فى الحديث الشريف . والإِنسان الذى التزم فى دعائه الآداب والشروط المطلوبة ، كان دعاؤه جديرا بالإجابة ، فقد حكى لنا القرآن الكريم فى آيات كثيرة ، أن الأنبياء والصالحين ، عندما دعوا الله - تعالى - أجاب لهم دعاءهم ، ومن ذلك قوله - تعالى - ﴿ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له ، فنجيناه وأهله من الكرب العظيم ﴾(١). ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الذين يتكبرون عن طاعة الله وعن دعائه فقال: ﴿ إن الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم داخرين﴾ أى: إن الذين يستكبرون عن طاعتى ، وعن التقرب إلى بما يرضينى ، سيدخلون يوم القيامة نار جهنم حالة كونهم أذلاء صاغرين . فقوله: ﴿ داخرين﴾ من الدخور بمعنى الانقياد والخضوع يقال : دخر فلان يدخر دخور إذا ذل وهان . هذا ، وقد ذكر الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث التى تتصل بموضوع الدعاء فارجع إليه إن شئت(٢) . وبعد أن بين - سبحانه - مصير الذين يستكبرون عن عبادته ، أتبع ذلك ببيان ألوان من النعم التى أنعم بها على عباده ، كنعمة السماء والأرض ، ونعمة خلق الإِنسان ورزقه من (١) لمعرفة آداب الدعاء وشروطه وفضله .. راجع كتابنا ((الدعاء)) طبع مجمع البحوث الإسلامية. ( ٢) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ١٤٢. ٣٠٥ سورة غافر الطيبات ، ونعمة الليل والنهار .. فقال - تعالى - : اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرَاْ إِنَّ اللَّهَ لَذُ و فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴿٦َ ذَلِكُمُ اَللَّهُ رَبُّكُمْ خَطِقُ كُلِّ شَىْءٍلَّ إِلَهَ إِلَّهُوَ فَّى تُؤْفَكُونَ كَذَلِكَ يُؤْفَدُ الَّذِينَ كَانُواْبِثَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ٦٢ اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَآءَ ٦٣ بِسَآءَ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمِّنَ الطَّيِّبَتِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُ (٦٤ هُوَ الْحَىُّ لَآ إِلَهَ إِلَّ هُوَ فَادْعُوهُ الْعَلَمِينَ قُلْ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينُ الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ ٦٥ إِى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَّدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِلَمَّا جَآءَ فِيَ (٦٦ الْبَغِنَتُ مِن رَّبِ وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّنِ تُرَابٍ ثُمَ مِنْ تُطْفَةٍ ثُمَ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ ◌ِفْلَا ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَِّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخَاً وَمِنكُم مَّن يُنَوَفَى مِن قَبْلُ وَلِنَبْلُغُواْ أَجَلَا مُسَمَّى ◌ٌ هُوَ الَّذِى يُحِى، وَيُمِثٌ فَإِذَا ٦٧ وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿ قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ! ٦٨ ٣٠٦ المجلد الثانى عشر فقوله - تعالى -: ﴿ اللّه الذى جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا ﴾ بيان لنعمتى الليل والنهار اللتين أنعم بها - سبحانه - على الناس . أى: اللّه - تعالى - هو وحده الذى جعل لكم - أيها الناس - الليل لتسكنوا فيه ، وتستريحوا من عناء العمل بالنهار وهيأه لهذه الاستراحة بأن جعله مظلا ساكنا ... وجعل لكم بقدرته وفضله النهار مبصرا ، أى : جعله مضيئا مسفرا ، بحيث تبصرون فيه ما تريدون إبصاره من الأشياء المتنوعة . قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿مبصرا﴾ هو من الإسناد المجازى لأن الإبصار فى الحقيقة لأهل النهار . فإن قلت : لم قرن الليل بالمفعول له ، والنهار بالحال ؟ وهلا كانا حالين أو مفعولا لهما . فيراعى حق المقابلة ؟ قلت : هما متقابلان من حيث المعنى ، لأن كل واحد منهما يؤدى مؤدى الآخر ، ولأنه لو قال: لتبصروا فيه فاتت الفصاحة التى فى الإِسناد المجازى ، ولو قيل: ساكنا - والليل يجوز أن يوصف بالسكون على الحقيقة ، الا ترى إلى قولهم : ليل ساج وساكن لا ربح فيه - لم تتميز الحقيقة من المجاز(١) . وقوله: ﴿ إن اللّه لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾ بيان لموقف أكثر الناس من نعم الله - تعالى - عليهم . أى: إن الله - تعالى - لصاحب فضل عظيم على الناس جميعا، ولكن أكثرهم لا يشكرونه على آلائه ونعمه ، لغفلتهم وجهلهم واستيلاء الأهواء والشهوات عليهم . وقال - سبحانه - ﴿لذو فضل﴾ بالتنكير للإشعار بأنه فضل لا تحيط به عبارة أو وصف . واسم الإِشارة فى قوله - تعالى -: ﴿ ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شىء .. ﴾ يعود إلى من سبقت صفاته ونعمه وهو الله - عز وجل - . و﴿ ذلكم﴾ مبتدأ ، وما بعده أخبار متعددة . أى : ذلكم الذى أعطاكم من النعم ما أعطاكم هو الله - تعالى - ربكم خالق كل شىء فى هذا الوجود . لا إله إلا هو فى هذا الكون .. (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ١٧٦. ٠ ٣٠٧ سورة غافر وقوله - تعالى -: ﴿ فأنى تؤفكون﴾ تعجيب من انصرافهم - بعد هذه النعم - عن الحق إلى الباطل ، وعن الشكران إلى الكفران . أى ؛ فكيف تنقلبون عن عبادته - سبحانه - إلى عبادة غيره ، مع أنه - عز وجل - هو الخالق لكل شىء ، وهو صاحب تلك النعم التى تتمتعون بها . وقوله - تعالى -: ﴿ كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون﴾ بيان لحال الذين وقفوا من نعم الله - تعالى - موقف الجحود والكفران . ويؤفك هنا : بمعنى القلب والصرف عن الشىء ، من الأفك - بالفتح - مصدر أفكه عن الشىء بمعنى صرفه عنه - وبابه ضرب - ومنه قوله - تعالى -: ﴿ قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا ... ﴾ أى : لتصرفنا عن عبادتها . والمعنى : مثل ذلك الصرف العجيب من الحق إلى الباطل ، ينصرف وينقلب كل أولئك الذين انتكست عقولهم ، والذين كانوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا يجحدون ویکفرون . وبعد أن بين - سبحانه - مظاهر نعمه عن طريق الزمان - الليل والنهار - أتبع ذلك ببيان نعمه عن طريق المكان - الأرض والسماء - فقال: ﴿اللّه الذى جعل لكم الأرض قرارا } أى : جعل الأرض مكانا لاستقراركم عليها ، والسعى فيها . ﴿ والسماء بناء ﴾ أى: وجعل لكم السماء بمنزلة القبة المبنية المضروبة فوق رءوسكم ، فأنتم ترونها بأعينكم مرفوعة فوقكم بغير عمد . قال الألوسى قوله: ﴿والسماء بناء﴾ أى: قبة، ومنه أبنية العرب لقبابهم التى تضرب. وإطلاق ذلك على السماء على سبيل التشبيه ، وهو تشبيه بليغ . وفيه إشارة لكرويتها . وهذا بيان لفضله - تعالى - المتعلق بالمكان بعد بيان فضله المتعلق بالزمان(١). وقوله : ﴿ وصوركم فأحسن صوركم﴾ بيان لفضله - تعالى - المتعلق بذواتهم . أى : جعل لكم الأرض مستقرا ، والسماء بناء ، وصور أشكالكم فى أحسن تقويم . وأجمل هيئة . كما قال - تعالى -: ﴿لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم ﴾. ورزقكم من الطيبات ﴾ أى: ورزقكم من الرزق الطيب الحلال المستلذ . ﴿ ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين﴾ أى: ذلكم الذى أعطاكم تلك النعم المتعلقة (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٤ ص ٨٣ . ٣٠٨ المجلد الثانى عشر بزمانكم . ومكانكم . وذواتكم. ومطعمكم ومشربكم . هو الله ربكم الذى تولاكم بتر بيته ورعايته فى جميع أطوار حياتكم . فتبارك الله - تعالى - وتعاظم فى ذاته وفى صفاته . فهو رب العالمين ومالك أمرهم . ﴿هو الحى﴾ أى: هو - سبحانه - المنفرد بالحياة الدائمة الباقية .. لا إله إلا هو﴾ إذ لا موجود يدانيه لا فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى أفعاله. فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين﴾ أى: فاعبدوه عبادة خالصة لوجهه الكريم ، وأطيعوه طاعة لا مكان معها للتردد أو التكاسل ، حالة كونكم قائلين : الحمد لله رب العالمين . قال ابن جرير : كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال لا إله إلا الله ، أن يتبعها بقوله : ﴿ الحمد لله رب العالمين) عملا بهذه الآية (١). ثم لقن الله - تعالى - نبيه - ﴿ - الرد الذى يوبخ به المشركين فقال: ﴿قل إنى نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءنى البينات من ربى ... ﴾. أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين يطلبون منك مشاركتهم فى عبادة آلهتهم : قل لهم إنى نهيت من ربى وخالقى ومالك أمرى عن عبادة غيره - تعالى - ، والسبب فى ذلك أن كل الدلائل والبراهين التى أكرمنى - سبحانه - بها ، تشهد وتصرح بأن المستحق للعبادة هو الله - تعالى - وحده . فقوله: ﴿ لما جاءنى البينات من ربى) بيان السبب الذى من أجله نهاه ربه عن عبادة غيره ، وهذه البينات تشمل دلائل التوحيد العقلية والنقلية . وقوله ﴿ وأمرت أن أسلم لرب العالمين﴾ أى: إنى بعد أن نهانى ربى عن عبادة غيره ، أمرنى بأن أسلم وجهى إليه بالعبادة والطاعة ، إذ هو وحده رب العالمين ومالك أمرهم . ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته فى خلق الإنسان فى أطوار مختلفة ، فقال - تعالى - : ﴿ هو الذى خلقكم من تراب﴾ أى: خلق أباكم آدم من تراب، وأنتم فرع عنه. ثم من نطفة ﴾ وأصل النطفة : الماء الصافى . أو القليل من الماء الذى يبقى فى الدلو أو القربة ، وجمعها نطف ونطاف . يقال : نطفت القربة إذا تقاطر ماؤها بقلة . ( ٢) تفسير ابن جرير جـ ٢٤ ص ٥٣ . ٣٠٩ سورة غافر والمراد بها هنا: المنى الذى يخرج من الرجل ، ويصب فى رحم المرأة ، ﴿ ثم من علقة والعلقة قطعة من الدم المتجمد . ثم يخرجكم طفلا ﴾ أى : ثم يخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا صغارا ، بعد أن تكامل خلقكم فيها . فقوله: ﴿ طفلا ﴾ اسم جنس يصدق على القليل والكثير . ثم ﴿ لتبلغوا أشدكم﴾ بعد ذلك، بعد أن تنتقلوا من مرحلة الطفولة إلى المرحلة التى تكتمل فيها أجسامكم وعقولكم . ثم لتكونوا شيوخا﴾ بعد ذلك ، بأن تصلوا إلى السن التى تتناقص فيها قوتكم والجملة الكريمة معطوفة على قوله ﴿ لتبلغوا﴾، أو معمولة لمحذوف كالجمل التى تقدمتها، أى: ثم یبقیكم لتكونوا شيوخا . ﴿ ومنكم من يتوفى من قبل﴾ أى: ومنكم من يدركه الموت من قبل أن يدرك سن الشيخوخة ، أو سن الشباب ، أو سن الطفولة . وقوله - تعالى -: ﴿ولتبلغوا أجلا مسمى ﴾ معطوف على مقدر. أى: فعل ذلك بكم لكى تعيشوا ، ولتبلغوا أجلا مسمى تنتهى عنده حياتكم ، ثم تبعثون يوم القيامة للحساب . والجزاء . وقوله: ﴿ولعلكم تعقلون ﴾ أى: ولعلكم تعقلون عن ربكم أنه هو الذى يحيبكم يوم القيامة كما أماتكم ، وكما أنشأكم من تلك الأطوار المتعددة وأنتم لم تكونوا قبل ذلك شيئا مذكورا . ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الزاخرة بكثير من النعم بقوله - تعالى - ﴿ هو الذى يحيى﴾ من يريد إحياءه ﴿ويميت) من يشاء إماتته. فإذا قضى أمرا﴾ أى: فإذا أراد إبراز أمر من الأمور إلى هذا الوجود ﴿ فإنما يقول له ﴾ أى لهذا الأمر ﴿ كن فيكون﴾ فى الحال بدون توقف على سبب من الأسباب، أو علة من العلل . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يسلى النبى - بصل - عما أصابه من المشركين ، بأن بين له سوء عاقبتهم يوم القيامة ، وبأن أمره بالصبر على كيدهم ، وبشره بأن العاقبة ستكون له ولأتباعه .. فقال - تعالى - : ٣١٠ المجلد الثانى عشر أَلَوْتَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ أَنَّ يُصْرَفُونَ )الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِالْكِتَبِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ، رُسُلَنَاْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ٧١ ، إِذِاَلْأَغْلَلُ فِى أَعْتَقِهِمْ وَالسَّلَسِلُ يُسْحَبُونَ ٧٠ فِ اَلْحَمِيمِ ثُمَّ فِ النَّارِ يُسْجُرُونَ ، ثُمَّقِلَ لَمْ أَنَ مَا كُمْ تُشْرِكُونَ ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ قَالُواْضَلُواْعَنَّابَل لَّمْ ٧٤ نَكُنْ تَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُ اللَّهُ الْكَفِرِينَ ذَلِكُمْ بِمَا كُمْ تَفْرَحُونَ فِىِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْقِّ وَبِمَاكُمْ تَمْرَحُونَ ﴿٥) ادْ خُلُواْأَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَتِرِينَ ﴿ فَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ اَلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ تَتَوَفَيَّنَّكَ فَإِلَيْنَايُرْجَعُونَ ﴿ وَلَقَدْأَرْ سَلْنَارُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنَ لَّمْ نَقْصُصْ عَلَّكَهُ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْنِىَ بِشَايَةٍ إِلَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَاجَآءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِىَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ ٧٨ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ. والاستفهام فى قوله - تعالى -: ﴿ ألم تر إلى الذين يجادلون فى آيات الله ... ) للتعجب من أحوال هؤلاء المشركين . حيث أنكروا الحق الواضح وانساقوا وراء الأوهام والأباطيل . والمعنى : انظر - أيها الرسول الكريم - إلى أحوال المشركين ، وتعجب من سلوكهم ٣١١ سورة غافر الذميم ، حيث جادلوا فى الآيات الدالة على وحدانية الله وقدرته بدون علم أو حجة . وقوله : ﴿ أنى يصرفون﴾ أى: انظر كيف يصرفون عن آيات الله الموجبة للإِيمان بها. إلى الجحود والتكذيب والجدال بالباطل فيها ؟ لقد كان من المنتظر منهم أن يهتدوا إلى الحق بعد أن وصل إليهم .. ولكنهم عموا وصموا عنه . لانطماس بصائرهم ، واستحواذ الشيطان عليهم . وقوله: ﴿ الذين كذبوا بالكتاب .. ﴾ بدل من قوله ﴿الذين يجادلون فى آيات الله﴾. أى : تعجب من هؤلاء الذين كذبوا بالقرآن الكريم . الذى أنزلناه إليك - يا محمد - لتخرجهم به من الظلمات إلى النور . وكذبوا - أيضا - ﴿ بما أرسلنا به رسلنا﴾ من سائر الكتب والمعجزات . فهم لم يكتفوا بالتكذيب بك بل أضافوا إلى ذلك تكذيبهم بكل كتاب ورسول . وقوله - تعالى - : ﴿ فسوف يعلمون ﴾ وعيد شديد لهم على تكذيبهم بالرسل وبكتبهم ، أى: فسوف يعلمون سوء عاقبة تكذيبهم لأنبياء الله - تعالى - ولكتبه التى أنزلها عليهم . ثم فصل - سبحانه - هذا الوعيد ، وبين ما أعده لهم من عذاب فقال: ﴿ إذ الأغلال فى أعناقهم والسلاسل يسحبون. فى الحميم ثم فى النار بسجرون ﴾. و ((إذ)) هنا ظرف بمعنى ((إذا)) وهو متعلق بيعلمون، وعبر - سبحانه - بالظرف الدال على المضى ، للدلالة على تحقق الخبر ، حتى لكأن العذاب قد نزل بهم فعلا . والأغلال : جمع غل - بضم الغين - وهو القيد يوضع فى اليد والعنق فيجمعهما . والسلاسل : جمع سلسلة ، وهى ما يربط بها الجانى على سبيل الإِذلال له . والحميم : الماء البالغ أقصى درجات الحرارة . ويسجرون : مأخوذ من سجر التنور، إذا ملأه بالوقود . والمعنى : فسوف يعلمون سوء عاقبة تكذييهم وجدالهم بالباطل يوم القيامة ، وقت أن توضع الأغلال والقيود فى أعناقهم ، ثم يسحبون ويجرون إلى الحميم بعنف وإهانة ، ثم يلقى بهم فى النار التى تمتلئ بهم ، ويكونون وقودا لها . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : وهل قوله: ﴿فسوف يعلمون . إذ الأغلال .. ﴾ إلا مثل قولك : سوف أصوم أمس ؟ . ٣١٢ المجلد الثانى عشر قلت : المعنى على إذا ، إلا أن الأمور المستقبلة لما كانت فى أخبار الله - تعالى - متيقنة مقطوعا بها ، عبر عنها بلفظ ما كان ووجد. والمعنى على الاستقبال .. (١). وقوله - تعالى -: ﴿ ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون﴾ تبكيت وتأنيب لهم. أى : ثم قيل بعد هذا العذاب المهين لهم: أين تلك الآلهة التى كنتم تعبدونها من دون الله، لكى تدفع عنكم شيئا من العذاب الأليم الذى نزل بكم ؟ . وقوله ﴿ قالوا ضلوا عنا ، بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا ... ﴾ حكاية لجوابهم الذى يدل على حسرتهم وبؤسهم . أى : قالوا : ذهبوا وضاعوا وغابوا عنا ولم نعد نعرف لهم طريقا ، ولاهم يعرفون عنا طريقا ، ثم أضربوا عن هذا القول توهما منهم أن هذا الإضراب ينفعهم فقالوا : بل لم نكن نعبد من قبل فى الدنيا شيئا يعتد به ، وإنما كانت عبادتنا لتلك الآلهة أوهاما وضلالا .. وقوله - تعالى - : ﴿ كذلك يضل الله الكافرين) أى مثل هذا الضلال البين والتخبط الواضح ، يضل الله - تعالى - الكافرين ، ويجعلهم يتخبطون فى إجابتهم على السائلين لهم . ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت بهم الى هذا العذاب المهين فقال: ﴿ ذلكم بما كنتم تفرحون فى الأرض بغير الحق ، وبما كنتم تمرحون ، ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها ، فبئس مثوى المتكبرين وقوله: ﴿ترحون﴾ من المرح وهو التوسع فى الفرح مع الأشر والبطر. أى : ذلكم الذى نزل بكم من العذاب ، بسبب فرحكم وبطركم فى الأرض بالباطل ، وبسبب مرحكم وأشركم وغروركم فيها . وحق عليكم أن يقال لكم بسبب ذلك : ادخلوا أبواب جهنم المفتوحة أمامكم ، حالة كونكم خالدين فيها خلودا أبديا، فبئس ﴿مثوى﴾ أى: مكان ﴿المتكبرين﴾ عن قبول الحق جهنم . وقال - سبحانه - ﴿ فبئس مثوى المتكبرين ﴾ ولم يقل فبئس مدخل المتكبرين ، للإشارة إلى خلودهم فى جهنم ، إذ الثواء معناه الإقامة الدائمة ، مأخوذ من ثوى فلان بالمكان إذا أقام به إقامة دائمة . ثم ذكر الله - تعالى - لنبيه -* - الوصية بالصبر فقال: ﴿ فاصبر إن وعد الله حق، . (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ١٧٨ . ٣١٣ سورة غافر فإما نرينك بعض الذى نعدهم او نتوفينك فإلينا يرجعون } وقوله: ﴿فإما نرينك﴾ أصله: فإن نُرِك، فزيدت ((ما)) لتوكيد ((إن)) الشرطية، وجوابها محذوف ، وقوله ﴿ أو نتوفينك﴾ جوابه ﴿فإلينا يرجعون﴾. والمعنى : إذا كان حال هؤلاء المشركين كما ذكرنا لك يا محمد ، فاصبر على جدالهم بالباطل ، إن وعد الله - تعالى - بتعذيبهم وبنصرك عليهم حق . فإن ترك بعض الذى نعدهم به من القتل والأسر والهزيمة فبها ونعمت ، أو نتوفينك قبل ذلك فإلينا مرجعهم يوم القيامة ، فنجازهم بما يستحقون من عقاب . فالآية الكريمة تأمر النبى - # - بمداومة الصبر، وتحض على تبليغ ما أنزل إليه من ربه بدون كلل أو ملل ، ثم بعد ذلك يترك النتائج لله - تعالى - يسيرها كيف يشاء ، فإما أن يطلعه على ما توعد به أعداءه ، وإما أن يتوفاه قبل ذلك . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿وإما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك ، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ﴾(١) . ثم ساق - سبحانه - تسلية أخرى للرسول - ج - فقال: ﴿ولقد أرسلنا رسلا ... ﴾ أى: رسلا كثيرين ﴿ من قبلك﴾ أى من قبل إرسالك إلى الناس. ﴿ منهم من قصصنا عليك﴾ كنوح وهود وصالح وابراهيم . وغيرهم. ﴿ ومنهم من لم نقصص عليك﴾ أخبارهم وأحوالهم لأن حكمتنا قد اقتضت ذلك. كما قال - تعالى - فى آية أخرى: ﴿ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك، وكلم اللّه موسى تكليما﴾(٢). والمراد بالآية فى قوله - تعالى - ﴿وما كان لرسول أن يأتى بآية إلا بإذن الله ﴾ المعجزة الخارقة الدالة على صدقه فيما يبلغه عن ربه . أى: وما صح وما استقام لرسول من الرسل أن يأتى بمعجزة من عند نفسه، وإنما يأتى بها بإذن الله - تعالى - ومشيئته، إذ المعجزات جميعا عطايا من الله - تعالى - لرسله لتأييدهم فى دعوتهم . (١) سورة الرعد الآية ٤٠ . (٢) سورة النساء الآية ١٦٤ . ٣١٤ المجلد الثانى عشر فإذا جاء أمر الله ﴾ أى: فإذا جاء الوقت الذى حدده - سبحانه - لعذاب أعدائه قضى بالحق﴾ أى: قضى بين الناس جميعا بالحق، فينجى - سبحانه - بقضائه العادل عباده المؤمنين . وخسر هنالك المبطلون ﴾ أى: وخسر - عند مجىء أمر الله، عند القضاء بين خلقه - المبطلون، وهم الذين ماتوا مصرين على كفرهم أو فسوقهم عن أمره . وكما قال - تعالى - فى آيات أخرى منها قوله - تعالى -: ﴿وقه ملك السموات والأرض. ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون ﴾ . ثم بين - سبحانه - فى أواخر هذه السورة الكريمة، جانبا آخر من نعمه على عباده، ووبخ الفاسقين على عدم اعتبارهم بأحوال من سبقهم من الأمم، وهددهم بأنهم عند مجىء العذاب إليهم لن ينفعهم إيمانهم .. فقال - تعالى -: اللهُالَّذِى جَعَلَ لَكُم ◌ْأَنْعَمَ لِتَرْ كَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِ صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى اَلْفُلْكِ مُحْمَلُونَ ﴿ وَيُرِيكُمْءَايَتِهِ، فَىَّ ءَايَتٍ اللَّهِ تُكِرُونَ ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَيَنْظُرُ واْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوَأْأَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَذَّ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِ الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَرِحُواْ بِمَا عِنْدَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَافَ بِهِم مَّا كَانُواْبِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴿ فَلَمَّا رَأَوْ بَأَسَنَا قَالُوَاْءَامَنَّا بِلَّهِ وَحْدَهُوَكَفَرْنَا بِمَا كُتَّابِهِ. ٠٠ ٣١٥ سورة غافر مُشْرِكِينَ ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْبَأْسَنَّأْمُنَّتَ اَللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِ عِبَادِ هِ مُوَ خَسِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ ﴾ وقوله - تعالى - ﴿اللّه الذى جعل لكم الأنعام .. ﴾ بيان لنعمة أخرى من نعمه التى تتعلق بما سخره - سبحانه - لخدمة الإنسان من دواب، بعد بيانه قبل لكثير من النعم التى تتعلق بالليل والنهار، والسماء والأرض ... الخ . والأنعام : جمع نعم ، وأطلق على الإبل والبقر والغنم، قالوا والمراد بها هنا: الإِبل خاصة ؛ لأن معظم المنافع التى ذكرت هنا توجد فيها . أى: القه - تعالى - هو الذى خلق لكم بقدرته الإِبل ﴿ لتركبوا منها ومنها تأكلون﴾ أى لتركبوا بعضا منها، ولتأكلوا بعضا آخر منها . فمن فى الموضعين للتبعيض . ﴿ ولكم فيها منافع ﴾ أخرى غير الأكل وغير الركوب، كالانتفاع بألبانها وأوبارها وجلودها ... ولتبلغوا عليها حاجة فى صدوركم ﴾ أى: ومن منافعها - أيضا - أنكم تستعملونها فى الأمور الهامة كحمل الأثقال، والانتقال عليها من مكان إلى مكان .. كما قال - تعالى - ﴿وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم ﴾(١). وعليها وعلى الفلك تحملون﴾ أى: وعلى هذه الإِبل فى البر وعلى السفن فى البحر تجملون . كما قال - تعالى -: ﴿والذى خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون ﴾ (٢) . هذا، ولا مانع من أن يكون المراد بالأنعام هنا ما يشمل الإِبل والبقر والغنم ، وإلى هذا المعنى ذهب الإِمام ابن كثير، فقد قال: يقول - تعالى - ممتنا على عباده بما خلق لهم من الأنعام ! وهى: الإبل والبقر والغنم، فالإِبل تركب وتؤكل وتحلب، ويحمل عليها الأثقال فى (١) سورة النحل الآية ٧ . (٢) سورة الزخرف الآية ١٢ . ٣١٦ المجلد الثانى عشر الأسفار والرحال إلى البلاد النائية، والأقطار الشاسعة، والبقر تؤكل ويشرب لبنها، وتحرث عليها الأرض، والغنم تؤكل ويشرب لبنها، والجميع تجز أوبارها وأصوافها وأشعارها . فيتخذ منه الأثاث والثياب والأمتعة .. »(١). وقوله - تعالى -: ﴿ويريكم آياته فأى آيات الله تنكرون) تعجب من غفلتهم عن هذه الآيات المبثوثة فى الكون . والتى تدل جميعها على وحدانية الله - تعالى - وقدرته . ولفظ ((أى)) منصوب بقوله ((تتكرون)) وقدم وجوبا لأن له صدر الكلام . أى: أنه - سبحانه - فى كل وقت وحين يريكم آياته الدالة على قدرته ووحدانيته، فقولوا لى . أية تلك الآيات تنكرون دلالتها على ذلك . إنها جميعا تنطق وتصرح بوجوب إخلاص العبادة لله - عز وجل - فكيف جحدتموها أو غفلتم عنها مع وضوحها ؟ فالآية الكريمة توبيخ شديد لأولئك الذين استحبوا العمى على الهدى مع أن كل شىء فى هذا الكون يدعوهم إلى الإِيمان بالله الواحد القهار . ثم وبخهم - سبحانه - مرة أخرى لعدم اتعاظهم بمصارع الغابرين فقال: ﴿ أفلم يسيروا فى الأرض، فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم .. ﴾ . أى: أقبعوا فى بيوتهم . فلم يسيروا فى أقطار الأرض . فينظروا كيف كانت عاقبة الأمم المكذبة من قبلهم، كقوم صالح وقوم لوط، وقوم شعيب وغيرهم . فالاستفهام للتوبيخ والتأنيب، والفاء فى قوله: ﴿ أفلم .. ﴾ للعطف على مقدر. ثم فصل - سبحانه - حال الذين كانوا من قبل كفار مكة فقال: ﴿كانوا أكثر منهم ﴾ أى: فى العدد ﴿وأشد قوة﴾ أى فى الأبدان والأجسام ﴿وآثارا فى الأرض﴾ أى: وكانوا أظهر منهم فى العمران والحضارة والغنى . فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ﴾ أى أن هؤلاء الغابرين عندما حل بهم عذابنا لم تغن عنهم شيئا كثرتهم أو قوتهم أو أموالهم ... بل أخذناهم أخذ عزيز مقتدر فى زمن يسير . ثم بين - سبحانه - موقف هؤلاء الجاحدين من رسلهم فقال: ﴿ فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم .. ﴾ . أى: فحين جاء الرسل إلى هؤلاء الجاهلين، فرحوا بما لديهم من العلوم الدنيوية كالتجارة (١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ١٤٧. ٣١٧ سورة غافر والزراعة .. واغتروا بتلك القشور التى كانوا يسمعونها ممن كانوا يزعمون أنهم على شىء من العلم الدينى، واستهزأوا بما جاءهم به الرسل من علوم تهدى إلى الرشد، وتدعو إلى إخلاص العبادة لله . واعتقدوا - لغبائهم - وانطاس بصائرهم - أنه لا علم أنفع من علومهم ففرحوا بها .. ورحم الله صاحب الكشاف فقد فصل القول عند تفسيره لهذه الآية فقال: قوله : ﴿ فرحوا بما عندهم من العلم ﴾ فيه وجوه : منها: أنه أراد العلم الوارد على سبيل التهكم فى قوله - تعالى -: ﴿بل ادارك علمهم فى الآخرة) وعلمهم فى الآخرة أنهم كانوا يقولون لانبعث ولا نعذب. ومنه: أن يريد علم الفلاسفة والدهريين عن بنى يونان، وكانوا إذا سمعوا بوحى الله: دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم . ويجوز أن يريد بما فرحوا به من العلم: علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها، كما قال - تعالى - ﴿يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون﴾ فلما جاءهم الرسل بعلوم الديانات .. لم يلتفتوا إليها وصغروها واستهزءوا بها، واعتقدوا أنه لا أنفع وأجلب للفوائد من علمهم، ففرحوا به))(١). ويبدو لنا أن هذا الرأى الأخير الذى ذكره صاحب الكشاف، هو أقرب الآراء إلى الصواب . وقوله - سبحانه -: ﴿وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون ﴾ بيان لما نزل بهم من عذاب بسبب تكذيبهم لرسلهم، واستهزائهم بهم . أى: ونزل بهؤلاء الكافرين العذاب الأليم بسبب استهزائهم برسلهم، وإعراضهم عن دعوتهم . ثم بين - سبحانه - حالهم عندما أحاط بهم العذاب فقال: ﴿ فلما رأوا بأسنا ﴾ أى عاينوا عذابنا النازل بهم . قالوا ﴾ بفزع وخوف﴿ آمنا باقه وحده وكفرنا بما كنا به مشركين ﴾ أى: وکفرنا بما كنا به مشركين فى الدنيا من عبادة لغير الله - تعالى- واعتماد على سواه . وقد بين - سبحانه - أن إيمانهم هذا لن ينفعهم لأنه جاء فى غير وقته فقال ﴿ فلم يك ينفعهم إيمانهم ﴾ شيئا من النفع لأنه إيمان جاء عند معاينة العذاب، والإيمان الذى يدعى فى هذا (١) راجع تفسير الكشاف جـ ٤ ص ١٨١ . ٠ ٣١٨ المجلد الثانى عشر الوقت لا قيمة له، لأنه جاء فى وقت الاضطرار لافى وقت الاختيار . ولفظ ((سنة)» فى قوله - تعالى -: ﴿ سنة اللّه التى قد خلت فى عباده .. ﴾ منصوب على أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف . أى: سن اللّه - تعالى - ذلك، وهو عدم نفع الإِيمان عند حلول العذاب سنة ماضية فى الناس، بحيث لا تتخلف فى أى زمان أو مكان . ﴿ وخسر هنالك الكافرون﴾ أى: فى هذا الوقت الذى ينزل الله - تعالى - فيه العذاب على الكافرين يخسرون كل شىء، بحيث لا تنفعهم لا أموالهم ولا أولادهم ولا آلهتهم التى كانوا يتوهمون شفاعتها . وبعد: فهذا تفسير وسيط لسورة ((غافر)) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده : وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم - كتبه الراجي عفو ربه القاهرة - مدينة نصر - مساء الثلاثاء د . محمد سيد طنطاوى ٩ من المحرم سنة ١٤٠٦ ٢٤ / ٩ / ١٩٨٥ م تفسير سُورَةِ فُصَلَبَ