النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
سورة غافر
﴿ لا إله إلا هو﴾ أى: لا إله بحق وصدق إلا هو - سبحانه - .
إليه المصير ﴾ أى: إليه المرجع والمآب يوم القيامة ، ليحاسبكم على أعمالكم فى
الدنيا .
قال القرطبى : روى عن عمر بن الخطاب - رضى عنه - أنه افتقد رجلا ذا بأس شديد
من أهل الشام فلما سأل عنه قيل له : تتابع فى هذا الشراب .
فقال عمر لكاتبه : اكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان ، سلام عليك ، وأنا أحمد اللّه إليك
الذى لا إله إلا هو ( بسم الله الرحمن الرحيم ، حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم )
إليه المصير
إلى قوله - تعالى - : ﴿
ثم ختم الكتاب وقال لرسوله : لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيا . ثم أمر من عنده بالدعاء
له بالتوبة . فلما وصل الكتاب إلى الرجل جعل يقرؤه ويقول : قد وعدنى الله أن يغفر لى ،
وحذرنى عقابه ، فلم يبرح يرددها حتى بكى ، ثم نزع فأحسن النزع وحسنت توبته .
فلما بلغ عمر ذلك قال : هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أحدكم قد زل زلته فسددوه وادعوا الله له
أن يتوب عليه ، ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه (١) .
ثم هون - سبحانه - على نبيه -# - من شأن الكافرين ، وأخبره بأنهم أتفه من أن
يغتر بهم فقال: ﴿ ما يجادل فى آيات الله إلا الذين كفروا، فلا يغررك تقلبهم فى البلاد ﴾.
والمراد بالجدال هنا : الجدال بالباطل ، وأما الجدال من أجل الوصول إلى الحق فمحمود .
وقوله : ﴿ فلا يغررك ﴾ جواب الشرط محذوف. والتقلب: التنقل من مكان إلى آخر من
أجل الحصول على المنافع والمكاسب .
أى: ما يجادل فى آيات الله الدالة على وحدانيته وقدرته ، عن طريق التكذيب بها والطعن
فيها .. إلا الذين كفروا بالحق لما جاءهم ، وإذا تقرر ذلك ، فلا يغررك - أيها الرسول
الكريم - تقلبهم فى البلاد ، وتصرفهم فيها عن طريق التجارات الرابحة، وجمع الأموال
الكثيرة ، فإن ما بين أيديهم من أموال إنما هو لون من الاستدراج ، وعما قريب ستزول هذه
الأموال من بين أيديهم ، وستكون عليهم حسرة ..
كذبت قبلهم ﴾ أى: قبل هؤلاء الكافرين المجادلين بالباطل ليدحضوا به الحق ﴿قوم
نوح ﴾ الذين أغرقناهم بسبب هذا التكذيب لنبيهم.
(١) تفسير القرطبى جـ ١٥ ص ٢٩١ .

م
٢٦٢٠
المجلد الثانى عشر
والأحزاب من بعدهم ﴾ أى: وكذلك الأقوام الآخرون الذين جاءوا من بعد قوم
نوح ، قد تجزبوا على أنبيائهم ، وأجمعوا على تكذيبهم ، كما فعل قوم عاد مع نبيهم هود ، وكما
فعل قوم ثمود مع نبيهم صالح ، وكما فعل أهل مدين مع نبيهم شعيب ..
فالضمير فى قوله - تعالى -: ﴿ من بعدهم﴾ يعود إلى قوم نوح. وأفردهم
- سبحانه - بالذكر لأنهم أول قوم كذبوا رسولهم بعد أن مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين
عاما . ولم يزدهم دعاؤه لهم إلا عتوا ونفورا .
وقوله - تعالى -: ﴿وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به
الحق) بيان لما فعله هؤلاء الأقوام الظالمون مع أنبيائهم الذين جاءوا لهدايتهم ..
أى: أن هؤلاء الأقوام المجرمين ، لم يكنفوا بالتكذيب لأنبيائهم ، بل إن كل أمة منهم قد
مكرت بنبيها ، وأرادت به السوء ، وحاولت أن تتمكن منه بالأسر أو بالقتل ، وجادلته بالجدال
الباطل ، لتزيل به الحق الذى جاء به من عند ربه وتبطله .
والتعبير بقوله: ﴿ ليأخذوه ﴾ يشعر بأن هؤلاء المجرمين كانوا حريصين على التمكن من
إيذاء نبيهم ومن الاعتداء عليه ، كما يحرص الشخص على أخذ عدوه وأسره ليفعل به
ما يشاء .
وقوله - تعالى -: ﴿ فأخذتهم فكيف كان عقاب ﴾ بيان لما آل إليه مكرهم وجدالهم
بالباطل .
أى: هموا بما هموا ، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ، وحاولوا أن يجعلوا رسولهم بمنزلة
الأسير فيهم . فكانت نتيجة كل ذلك أن أخذناهم أخذ عزيز مقتدر ، بأن دمرناهم تدميرا
فكيف كان عقابى لهم ؟ لقد كان عقابا مدمرا ، جعلهم أثرا بعد عين ، وترك آثار مساكنهم
تشهد بهلاكهم واستئصالهم .
ثم بين - سبحانه - سنة من سننه التى لاتتخلف فقال: ﴿وكذلك حقت كلمة ربك على
الذين كفروا أنهم أصحاب النار
أى : وكما حقت كلمة ربك - أيها الرسول الكريم - ووجبت بإهلاك الأمم الماضية التى
كذبت أنبياءها ، وجعلهم وقودا للنار ، فكذلك تكون سنتنا مع المكذبين لك من قومك ، إذا
ما استمروا فى تكذيبهم لك ، ولم يعودوا إلى طريق الحق .
فالآيات الكريمة تسلية للرسول - - وتحذير لمشركى قريش من الاستمرار فى غيهم .
:ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر رحمته بالمؤمنين ، وتكريمهم ، فذكر أن حملة عرشه

٢٦٣
سورة غافر
من وظائفهم الاستغفار للمؤمنين ، والدعاء لهم بالخير فقال - تعالى - :
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ
وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بَحَمْدِ رَبِهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَحْمَةً وَعِلَّمًا
فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَنَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَأَلْحِ
٧
رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُرْ جَنَتِ عَذّنٍ الَّتِى وَعَدَنَّهُمْ وَمَن صَلَحَ
مِنْءَابَآبِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِيَّتِهِمَّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ ﴾ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَ مَن تَّقِ السَّيِّئَاتِ
يَوْمَبِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ, وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ))
والمراد بالذين يحملون العرش: عدد من الملائكة المقربين إلى الله - تعالى - ولا يعلم
عددهم أحد سوى الله - تعالى - لأنه لم يرد نص صحيح فى تحديد عددهم .
والمراد بمن حوله : عدد آخر من الملائكة يطوفون بالعرش مهللين مسبحين مكبرين الله
- تعالى - كما قال - تعالى -: ﴿وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد
رهم ... ﴾ .
وعرش الله - تعالى - كما قال الراغب مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم ، فعلينا أن نؤمن بان
قه - تعالى - عرشا عظيما ، أما كيفيته وهيئته فنفوض معرفتها إلى الخالق - عز وجل - .
وقد ذكر هذا اللفظ فى القرآن الكريم فى إحدى وعشرين آية .
والاسم الموصول فى قوله - تعالى - : ﴿ الذين يحملون العرش) مبتدأ. وخبره قوله:
يسبحون ..
والجملة الكريمة مستأنفة ومسوقة لتسلية النبى - 1 - ببيان أن هؤلاء الملائكة الذين هم

٢٦٤
المجلد الثانى عشر
أقرب الملائكة إلى الله - تعالى - يضمون إلى تسبيحهم لذاته - سبحانه - ، الاستغفار
للمؤمنين ، والدعاء لهم .
وقد ذكر كثير من المفسرين كلاما طويلا فى صفة هؤلاء الملائكة وفى صفة العرش . رأينا أن
نضرب عنه صفحا لضعفه وقلة فائدته .
أى : الملائكة الكرام المقربون إلينا، والحاملون لعرشنا، والحافون به، من صفاتهم أنهم
يسبحون بحمد ربهم ﴾ أى: ينزهون الله - تعالى - عن كل نقص ، ويلهجون بحمده
وبالثناء عليه بما يليق به .
ويؤمنون به﴾ - تعالى - إيمانا تاما لا يشوبه ما يتنافى مع هذا الإيمان والإذعان له
الواحد القهار .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما فائدة قوله - تعالى -: ﴿ويؤمنون به ﴾ ولا يخفى
أن حملة العرش ومن حوله مؤمنون ؟ .
قلت : فائدته إظهار شرف الإيمان وفضله ، والترغيب فيه ، كما وصف الأنبياء فى غير
موضع من كتابه بالصلاح كذلك ، كما عقب أعمال الخير بقوله - تعالى -: ﴿ ثم كان من
الذين آمنوا ﴾ فأبان بذلك فضل الإيمان (١).
ويستغفرون للذين آمنوا ، أى : أنهم بجانب تسبيحهم وحمدهم لربهم ، وإيمانهم به ،
يتضرعون إليه - سبحانه - أن يغفر للذين آمنوا ذنوبهم .
وفى هذا الاستغفار منهم للمؤمنين ، إشعار بمحبتهم لهم ، وعنايتهم بشأنهم ، لأنهم مثلهم فى
الإيمان بوحدانية - اللّه تعالى - وفى وجوب إخلاص العبادة والطاعة له .
ثم حكى - سبحانه - كيفية استغفارهم للمؤمنين فقال: ﴿ ربنا وسعت كل شىء رحمة
وعلا﴾
.
والجملة الكريمة على تقدير قول محذوف ، وهذا القول فى محل نصب على الحال من فاعل
يستغفرون﴾ وقوله ﴿رحمة وعلما﴾ منصوبان على التمييز.
أى : أنهم يستغفرون للذين آمنوا ، حالة كونهم قائلين : ياربنا يا من وسعت رحمتك ووسع
علمك كل شىء ، تقبل دعاءنا .
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ١٥٢.

٢٦٥
سورة غافر
فاغفر ﴾ بمقتضى سعة رحمتك وعلمك ﴿ للذين تابوا﴾ إليك توبة صادقة نصوحا
واتبعوا سبيلك ﴾ الحق ، وصراطك المستقيم .
وقهم عذاب الجحيم ﴾ أى : وصنهم ياربنا واحفظهم من الوقوع فى جهنم لأن عذابها
کرب عظيم .
يا ﴿ ربنا وأدخلهم جنات عدن﴾ أى: وأدخلهم جناتك دخولا دائما لا انقطاع معه.
يقال : عدَن فلان بالمكان يعدِنُ عَدْناً، إذ لزمه وأقام فيه دون أن يبرحه ، ومنه سمى الشىء
المخزون فى باطن الأرض بالمعدن ، لأنه مستقر بداخلها .
فضلا منك وكرما .
التی وعدتهم
وأدخل معهم ﴿ من صلح﴾ لدخولها بسبب إيمانهم وعملهم الطيب ﴿ من آبائهم
وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت﴾ يامولانا ﴿العزيز﴾ أى: الغالب لكل شىء ﴿الحكيم﴾
فى كل تصرفاتك وأفعالك .
فالمراد بالصلاح فى قوله - تعالى -: ﴿ومن صلح من آبائهم ﴾: من كان منهم مؤمنا
بالله، وعمل عملا صالحا، ودعوا لهم بذلك. ليتم سرورهم وفرحهم إذ وجود الآباء والأزواج
والذرية مع الإِنسان فى الجنة ، يزيد سروره وانشراحه .
﴿وقهم﴾ ياربنا ﴿السيئات﴾ أى: احفظهم ياربنا من ارتكاب الأعمال السيئات ،
ومن العقوبات التى تترتب على ذلك ، بأن تتجاوز عن خطاياهم .
ومن تق السيئات يومئذ ﴾ أى: فى يوم القيامة الذى تجازى فيه كل نفس بما كسبت
فقد رحمته﴾ أى: فقد رحمته برحمتك الواسعة من كل سوء .
وذلك﴾ الذى تقدم من رحمتهم ومن إدخالهم الجنة ، ومن وقايتهم السوء.
﴿ هو الفوز العظيم) الذى لايضارعه فوز، والظفر الكبير الذى لا يقاربه ظفر،
والأمل الذى لا مطمع وراءه لطامع .
وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة ، قد أخبرتنا أن الملائكة المقربين يدعون للمؤمنين
بما يسعدهم فى دنياهم وآخرتهم .
وكعادة القرآن الكريم فى قرن الترغيب بالترهيب أو العكس : جاء الحديث بعد ذلك عن
الكافرين . مبينا انقطاعهم عن كل من يشفع لهم ، أو يدعو لهم بخير - كما دعا الملائكة
للمؤمنين - فقال - تعالى - :

٢٦٦
المجلد الثانى عشر
١
إِنَّ
اَلَّذِينَ كَفَرُواْيُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اَللَّهِأَ كْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ
أَنْفُسَكُمْ إِذْنُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾
١٠
قَالُوارَبَّنَا أَمْتَّنَا أَنْتَيْنِ وَأَحْبَيْتَنَا أُنْنَتَيْنِ فَأَعْتَرَفْنَابِذُنُوبِنَا
فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ ﴿ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَادُعِىَ
اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمٌ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ، تُؤْمِنُواْ فَاَ لْحُكْمُلِلَّهِ
١٢
الْعَلِيِّالْكَبِيرِ
والمقت أشد أنواع البغض والغضب . يقال : مقته مقتا ، إذا غضب عليه غضبا شديدا ،
ومنه قوله - تعالى -: ﴿ ولا تنكحوا مانكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان
فاحشة ومقتا وساء سبيلا﴾(١).
والمنادى لهؤلاء الكافرين : هم الملائكة خزنة النار ، أو المؤمنون . وهذا النداء إنما يكون
يوم القيامة ، يوم توفى كل نفس ما كسبت .
أى : إن الذين كفروا بعد أن أحاطت بهم النار ، وبعد أن عادوا على أنفسهم بأشد ألوان
الندامة والحسرة والمقت . لإِيثارها الكفر على الإِيمان .
بعد كل ذلك ﴿ ينادون ﴾ بأن يقال لهم: إن مقت الله - تعالى - لكم بسبب إصراركم
على الكفر حتى هلكتم .. أشد وأعظم من مقتكم لأنفسكم مهما بلغ مقتكم لها وكراهيتكم لها .
قال الآلوسى ما ملخصه : قوله ﴿ينادون﴾ المنادى لهم الخزنة أو المؤمنون يقولون إعظاما
لحسرتهم: ﴿ لمقت اللّه أكبر من مقتكم أنفسكم) وهذا معمول للنداء لتضمنه معنى القول،
كأنه قيل : ينادون مقولا لهم : لمقت .. ومقت مصدر مضاف إلى الاسم الجليل : إضافة المصدر
لفاعله ، وكذا إضافة المقت الثانى إلى ضمير الخطاب .. (٢).
(١) سورة النساء الآية ٢٢ .
( ٢) تفسير الآلوسى جـ ٢٤ ص ٥٠ .

٢٦٧
سورة غافر
وقوله - سبحانه -: ﴿إذا تدعون إلى الإِيمان فتكفرون ﴾ تعليل لمقت اللّه أى: لغضب
الله - تعالى - عليكم ، أشد من غضبكم على أنفسكم الأمارة بالسوء وذلك لأنكم جاءتكم
دعوة الحق على ألسنة رسلكم ، فأعرضتم عنها ، وصمعتم على الكفر والفسوق والعصيان ،
حتى أدرككم الموت ، وها أنتم اليوم تجزون ما كنتم تعملونه فى الدنيا .
ثم يحكى - سبحانه - ما يقوله الكافرون بعد أن أنزل بهم - سبحانه - عقابه العادل
فيقول : ﴿ قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ... ﴾.
وأرادوا بالموتة الأولى : خلقهم من مادة لا روح فيها وهم فى بطون أمهاتهم .. وأرادوا
بالثانية : قبض أرواحهم عند انقضاء آجالهم .
وأرادوا بالحياة الأولى: نفخ أرواحهم فى أجسادهم وهى فى الأرحام ، وأرادوا بالثانية
إعادتهم إلى الحياة يوم البعث ، للحساب والجزاء .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ﴿ كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتا فأحياكم ، ثم
يميتكم ثم يحييكم .. ﴾(١) .
فاعترفنا بذنوبنا ﴾ أى: أنت ياربنا الذى - بقدرتك وحدها - أمتنا إماتتين اثنتين،
وأحييتنا إحياءتين اثنتين ، وها نحن قد اعترفنا بذنوبنا التى وقعت منا فى الدنيا ، وندمنا على
ما كان منا أشد الندم ..
فهل إلى خروج من سبيل﴾ أى : فهل بعد هذا الاعتراف ، فى الإمكان أن تخرجنا
من النار ، وأن تعيدنا إلى الحياة الدنيا ، لنؤمن بك حق الإِيمان . ونعمل غير الذى كنا نعمل .
فأنت ترى أن الآية تصور ذلهم وحسرتهم أكمل تصوير ، وأنهم يتمنون العودة إلى الدنيا
ليتداركوا ما فاتهم ، ولكن هذا التمنى والتلهف جاء بعد فوات الأوان .
قال ابن كثير ما ملخصه : هذه الآية كقوله - تعالى - : ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم
أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ... ﴾ وهذا هو الصواب الذى لاشك فيه ولا مرية .
وقال السدى : أميتوا فى الدنيا ثم أحيوا فى قبورهم فخوطبوا ، ثم أميتوا ثم أحيوا يوم
القيامة .
وقال ابن زيد: أحيوا حين أخذ عليهم الميثاق من صلب آدم ، ثم خلقهم فى الأرحام . ثم
أماتهم يوم القيامة .
وهذا القولان ضعيفان لأنه يلزمهما على ما قالا ثلاث إحياءات وإماتات .
(١) سورة البقرة الآية ٢٨.

٢٦٨
المجلد الثانى عشر
والمقصود من هذا كله أن الكفار يسألون الرجعة وهم وقوف بين يدى الله ، كما قال
- تعالى - ﴿ ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ، ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا
(١)
نعمل صالحا إنا موقنون
ثم بين - سبحانه - أن تذللهم هذا لن يجديهم ، وأن ما هم فيه من عذاب سببه إعراضهم
عن دعوة الحق فى الدنيا ، فقال: ﴿ ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم، وإن يشرك به
تؤمنوا ، فالحكم الله العلى الكبير ﴾ .
أى: ذلكم الذى نزل بكم من عذاب سببه ، أنكم كنتم فى الدنيا إذا عبد الله - تعالى -
وحده ، وطلب منكم ذلك كفرتم به - عز وجل -، وإن يشرك به غيره من الأصنام أو غيرها
آمنتم ، ومادام هذا حالكم فى الدنيا ، فأخسأوا فى النار ولا تؤملوا فى الخروج منها ، بحال من
الأحوال ، فالحكم لله وحده دون غيره ، وهو سبحانه الذى حكم عليكم بما حكم ..
وهو - سبحانه - ﴿ العلى﴾ أى: المتعالى عن أن يكون له مماثل فى ذاته أو صفاته
الكبير﴾ أى: العظيم الذى هو أعظم وأكبر من أن يكون له شريك أو صاحبة أو ولد .
وجمع - سبحانه - لذاته بين هذين الوصفين للدلالة على كبريائه وعظمته .
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك مايدل على فضله ورحمته بعباده ، وعلى وحدانيته وکمال
قدرته ، وعلى أن يوم القيامة آت لا ريب فيه ، وعلى أن كل نفس ستجازى فى هذا اليوم بما
كسبت بدون ظلم أو محاباة ، لأن القضاء فيه لله الواحد القهار. فقال - تعالى - :
هُوَ الَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَتِهِ، وَيُنَزِءُ
لَكُ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَايَتَذَ كَّرُّ إِلَّ مَنْ يُنِيبُ
١٣
فَادْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَؤْكَرِهَ اُلْكَفِّرُونَ
١٤
رَفِيعُ الَّرَحَتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِهِ عَلَى مَن
يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِلِيُذِرَ بَوْمَ النَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُم بَِزُونَ لَا يَخْفَ
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ١٢٢ .

٢٦٩
سورة غافر
عَلَى اللَّهِمِنْهُمْ شَىْءٌ لِّمَنِ الْمُلَكُ اَلْيَوْمِ لِلَّهِالْوَجِدِ اَلْقَهَّارِ
١٦
الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَأُظَلْمَ الْيَوْمِ إِنّ
اَللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ، وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِذِاَ لْقُلُوبُ
لَدَى الْحَاجِرِكَظِمِينَّ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعِ
يُطَاعُ ﴿ يَعْلَمُ خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِىِ الصُّدُورُ ﴿
١٩
وَاللَّهُ يَقْضِى بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، لَا يَقْضُونَ
﴿ أَلَمْ يَسِرُوا فِى
بِشَىْءٌ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ق
اُلْأَرْضِ فَيَنَظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ
كَانُوْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَانَارَا فِ الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُاللَّهُ
◌ِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٦)، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
كَانَت ◌َأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَّنَتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَ هُمُ اللَّهَ إِنَّهُ.
قَوِىٌّ شَدِيدُالْعِقَابِ
٢٢
والمقصود بآياته - عز وجل - فى قوله: ﴿ هو الذى يريكم آياته ... ﴾ الدلائل الدالة
على وحدانيته وقدرته ، كخلقه للشمس والقمر والليل والنهار ، والبحار والأنهار ، والسماء
والأرض ، والمطر والرعد ، والنجوم والرياح، والأشجار الكبيرة والصغيرة .. إلى غير ذلك
من آياته التى لا تحصى فى هذا الوجود ..
أى : هو - سبحانه - الذى يريكم آياته الدالة على وحدانیته وقدرته ، لتزدادوا - أيها
المؤمنون - إيمانا على إيمانكم ، وثباتا على ثباتكم ، ويقينا على يقينكم ، بأن المستحق للعبادة
والطاعة هو الله الواحد القهار .

٢٧٠
المجلد الثانى عشر
وقد ساق - سبحانه - فى كتابه عشرات الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته ، ومن ذلك
قوله - تعالى - :
إن فى خلق السموات والأرض ، واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب﴾(١).
وقوله - عز وجل -: ﴿ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله .. ﴾(٢).
,(٢)
وقوله - تعالى -: ﴿إن فى اختلاف الليل والنهار، وما خلق الله فى السموات والأرض ،
لآيات لقوم يتقون ﴾(٢).
والمراد بالرزق فى قوله: ﴿وينزل من السماء رزقا﴾ .. الأمطار التى تنزل من السماء على
الأرض ، فتحييها بعد موتها ، بأن تحولها من أرض جدباء يابسة ، إلى أرض خضراء بشتى
الزروع والثمار .
وأطلق - سبحانه - على المطر رزقا . لأنه سبب فيه ، وأفرده بالذكر مع كونه من جملة
الآيات التى يريها - تعالى - لعباده لتفرده بعنوان كونه من آثار رحمته ، وجلائل نعمه ،
الموجبة لشكره - عز وجل - ، ولوجوب إخلاص العبادة له .
وقوله - تعالى -: ﴿ وما يتذكر إلا من ينيب﴾ بيان لمن هو أهل للانتفاع بهذه الآيات.
أى : وما يتذكر وينتفع بهذه الآيات إلا من يرجع عن المعصية إلى الطاعة وعن الكفر إلى
الإِيمان ، وعن العناد والجحود ، إلى التفكر والتدبر بقلب سليم .
فقوله ﴿ينيب﴾ من الإنابة، ومعناها الرجوع عن الكفر والمعاصى: إلى الإِيمان
والطاعة .
والفاء فى قوله - تعالى -: ﴿ فادعوا الله مخلصين له الدين .. ﴾ للإفصاح عن شرط
مقدر . أى : إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن كل شىء فى هذا الوجود يدل على وحدانية
الله - تعالى - فأخلصوا له العبادة والطاعة ﴿ولو كره الكافرون ﴾ منكم ذلك - أيها
المؤمنون - فلا تلتفتوا إلى كراهيتهم ، وامضوا فى طريق الحق ، ودعوهم يموتوا بغيظهم ..
وقد أخذ العلماء من هذ الآية الكريمة ، وجوب إخلاص العبادة قه - تعالى - ووجوب
الإكثار من التضرع إليه بالدعاء .
(١) سورة آل عمران الآية ١٩٠.
(٢) سورة الروم الآية ٢٣ .
(٣) سورة يونس الآية ٦.

٠٠٠٠ ٢٠٠٫٥
٢٧١
سورة غافر
ومن الأحاديث التى أوردها الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ، ما رواه الإمام مسلم
وأبو داود ، والنسائى ، وأحمد ، عن أبى الزبير محمد بن مسلم المكى قال: كان عبد الله بن
الزبير يقول فى دبر كل صلاة حين يسلم : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله
الحمد ، وهو على كل شىء قدير ، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا
إياه ، له النعمة وله الفضل ، وله الثناء الحسن ، لا إله الا الله ، مخلصين له الدين ولو كره
الكافرون قال: وكان رسول الله - *- يهلل بهن دبر كل صلاة (١).
ثم يذكر - سبحانه - بعد ذلك من صفاته العظمى ، ما يزيد المؤمنين فى إخلاص العبادة
له ، فيقول: ﴿رفيع الدرجات ذو العرش .. ﴾ أى: هو - تعالى - وحده صاحب الرفعة
والمقام العالى ، وهو وحده صاحب العرش العظيم ، الذى لا يعلم مقدار عظمته إلا هو ..
قال الآلوسى قوله : ﴿رفيع الدرجات ﴾رفيع صفة مشبهة أضيفت إلى فاعلها من رُفِعَ
الشىء إذا علا .. والدرجات : مصاعد الملائكة إلى أن يبلغوا العرش ، أى : رفيع درجات
ملائكته ومعارجهم إلى عرشه .. ويجوز أن يكون كناية عن رفعة شأنه وسلطانه - عز شأنه -
كما أن قوله - تعالى -: ﴿ ذو العرش) كناية عن ملكه - جل جلاله - .. (٢).
والمراد بالروح فى قوله - تعالى -: ﴿يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده ﴾:
الوحى الذى يوحى به على أنبيائه ، وأمين هذا الوحى جبريل - عليه السلام - .
أى: هو وحده - سبحانه - الذى يلقى الوحى . حالة كون هذا الوحى ناشئا من أمره
وقضائه على من يختاره لهذا الإلقاء من عباده الصالحين . فقوله ﴿من أمره ﴾ متعلق بمحذوف
حال من الروح .
وسمى الوحى روحا ، لأن الأرواح تحيا به ، كما أن الأجساد تحيا بالغذاء .
وقوله - تعالى -: ﴿ لينذر يوم التلاق ) بيان للوظيفة الخاصة بمن يختاره - سبحانه -
من عباده لإلقاء الوحى عليه .
والإنذار : الإعلام المقترن بالتخويف والتحذير ، فكل إنذار إعلام ، وليس كل إعلام
إنذارا .
والمراد بيوم التلاق : يوم القيامة ، وسمى بيوم التلاق لأنه يتلاقى فيه الأولون والآخرون
والمؤمنون والكافرون ، والظالمون والمظلومون .. الكل يتلاقى فى ساحة المحشر ليقضى الله
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ١٢٤ .
( ٢) تفسير الآلوسى جـ ٢٤ ص ٥٥.

٢٧٢
المجلد الثانى عشر
- تعالى - فيهم بقضائه العادل .
أى: يلقى - سبحانه - يوحيه على أنبيائه، ليتذروا الناس ويحذروهم من سوء العذاب
يوم القيامة ، إذا ما استمروا فى كفرهم وعصياتهم لخالقهم.
ثم صور - سبحانه - أحوال الناس فى هذا اليوم العصيب ، فقال: ﴿ يوم هم بارزون
لا يخفى على اله منهم شىء ... ﴾ .
وهذه الجملة الكريمة بدل من قوله ﴿يوم التلاق﴾، أى: يلقى - سبحانه - على من
يشاء من عباده ، لكى يتذر الناس من أهوال ذلك اليوم الذى تلتقى فيه الخلائق ، والذى
يظهرون فيه ظهورا تاما، دون أن يخفى منهم شىء على الله - تعالى - .
واقه - تعالى - لا يخفى عليه شىء من أمرهم لا فى هذا اليوم ولا فى غيره ، ولكنه
- سبحانه - ذكر بروزهم وعدم خفائهم عليه فى هذا اليوم ، لأنهم - لجهلهم - كانوا
يتوهمون فى الدنيا أنهم يستطيعون التستر عنه، كما أشار - سبحانه - إلى ذلك فى قوله
- تعالى - ﴿ ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه، ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم
ما يسرون وما يعلنون ، إنه عليم بذات الصدور ﴾ .
ورحم الله صاحب الكشاف ، فقد قال: قوله: ﴿ يوم هم بارزون﴾ أى: ظاهرون
لا يسترهم شىء من جبل أو أكمة أو بتاء، لأن الأرض بارزة قاع صفصف ، ولا عليهم
ثياب، إنما هم عراة مكشوفون، كما جاء فى الحديث: ((يحشرون عراة حفاة غرلا ))
لا يخفى على الله منهم شىء ﴾ أى: من أعمالهم وأحوالهم ...
فإن قلت: قوله: ﴿لا يخفى على اللّه منهم شىء﴾ بيان وتقرير لبروزهم، والقه
- تعالى - لا يخفى عليه منهم شىء برزوا أم لم يبرزوا، فما معناه ؟
قلت : معناه أنهم كانوا يتوهمون فى الدنيا أنهم إذا استقروا بالحيطان والحجب ، أن القه
لا يراهم وتخفى عليه أعمالهم ، فهم اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون
فيها مثل ما كانوا يتوهموته قال - تعالى -: ﴿ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما
تعملون .. ﴾(١) .
وقوله - تعالى -: ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ﴾ السائل والمجيب هو الله
- تعالى - .
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ١٥٦٠.

٢٧٣
سورة غافر
أى: ينادى الله - تعالى - فى المخلوقات فى ذلك اليوم ، لمن الملك فى هذا اليوم الهائل
الشديد ؟ ثم يجيب - سبحانه - على هذا السؤال بقوله: ﴿لله الواحد القهار﴾.
قال القرطبى ما ملخصه : قال الحسن : هو السائل - تعالى - وهو المجيب ، لأنه يقول
ذلك حين لا أحد يجيبه، فيجيب نفسه سبحانه فيقول: ﴿ لله الواحد القهار﴾.
وعن ابن مسعود قال: يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة ، لم يعص الله - جل
وعلا - عليها ، فيأمر مناديا ينادى: ﴿ لمن الملك اليوم ) فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم:
ه الواحد القهار ﴾ .
فيقول المؤمنون هذا الجواب سرورا وتلذذا ، ويقوله الكافرون غما وانقيادا وخضوعا . .
ثم قال: والقول الأول ظاهر جدا ، لأن المقصود إظهار انفراده - تعالى - بالملك عند
انقطاع دعاوى المدعين ، وانتساب المنتسبين ، إذ قد ذهب كل ملك وملكة (١).
وبعد أن قرر - سبحانه - أن الملك فى هذا اليوم له وحده . أتبع ذلك ببيان ما يحدث فى
هذا اليوم فقال: ﴿ اليوم تجزى كل نفس بما كسبت .. ﴾ .
أى : فى هذا اليوم الهائل الشديد تجازى كل نفس من النفوس المؤمنة والكافرة ، والبارة
والفاجرة . بما كسبت فى دنياها من خير أو شر، ومن طاعة أو معصية .
﴿ لا ظلم اليوم﴾ ولا جور ولا محاباة ولا وساطات .. وإنما تعطى كل نفس ما تستحقه
من ثواب أو عقاب .
إن الله سريع الحساب﴾ لأنه - سبحانه - لا يحتاج إلى تفکیر عند محاسبته لخلقه ، بل
هو - سبحانه - قد أحاط بكل شىء علما ، كما قال - تعالى -: ﴿عالم الغيب ، لا يعزب
عنه مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا فى كتاب مبين ﴾ .
ثم يوجه اللّه - تعالى - أمره إلى النبى -* - بأن يحذر كفار قريش من أهوال هذا
اليوم فيقول: ﴿وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين .. ﴾.
والآزفة : القيامة . وأصل معنى الآزفة : القريبة ، وسميت القيامة بذلك لقربها ، يقال :
أزف - بزنة فرح - يوم الرحيل . إذا دنا وقرب .
والحناجر : جمع حنجرة وهى الحلقوم .
(١) تفسير القرطبى جـ ١٥ ص ٣٠١.

٢٧٤
المجلد الثانى عشر
وكاظمين : حال من أصحاب القلوب على المعنى . فإن ذكر القلوب يدل على ذكر
أصحابها .
وأصل الكظم : الحبس والإمساك للشىء . يقال : كظم القربة إذا ملأها بالماء ، وسد فاها ،
حتى لا يخرج منها شىء من الماء .
والمعنى : وأنذر - أيها الرسول الكريم - الناس ، وحذرهم من أهوال يوم عظيم قريب
الوقوع ، هذا اليوم تكون قلوبهم فيه مرتفعة عن مواضعها من صدورهم . ومتشبئة
بحناجرهم ، ويكونون كاظمين عليها وممسكين بها حتى لا تخرج مع أنفسهم . كما يمسك
صاحب القربة فمها لكى لا يتسرب منها الماء .
فالآية الكريمة تصوير يديع لما يكون عليه الناس فى هذا اليوم من فزع شديد ، وکرب
عظيم . وخوف ليس بعده خوف .
والحديث عن قرب يوم القيامة قد جاء فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : ﴿اقتربت
الساعة وانشق القمر .. ﴾
وقوله - سبحانه - ﴿ اقترب للناس حسابهم وهم فى غفلة معرضون ﴾
والظاهر أن قوله هنا ﴿ يوم الآزفة ) هو المفعول الثانى للإنذار ليس ظرفا له . لأن
الإنذار والتخويف من أهوال يوم القيامة واقع فى دار الدنيا .
وقوله : ﴿ إذ القلوب﴾ بدل من يوم الآزفة.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت ((كاظمين)) بم انتصب ؟ قلت : هو حال من أصحاب
القلوب على المعنى ، لأن المعنى : إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها . ويجوز أن يكون
حالا من القلوب ، وأن القلوب ، كاظمة على غم وكرب فيها مع بلوغها الحناجر .
وإنما جمع تجمع السلامة ، لأنه وصفها بالكظم الذى هو من أفعال العقلاء ، كما قال
- تعالى -: ﴿والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين ... ﴾(١).
وقوله - تعالى -: ﴿ ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاعَ ﴾ نفى لكون هؤلاء الظالمين
يوجد فى هذا اليوم من ينفعهم أو يدافع عنهم .
والحميم : هو الإنسان الذى يحبك ويشفق عليك ويهتم بأمرك ، ومنه قيل لخاصة الرجل :
حَامَّتَهُ .
: (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ١٥٧ .

٢٧٥
سورة غافر
والشفيع : من الشفع، بمعنى الانضمام ، يقال شفع فلان لفلان إذا انضم إليه ليدافع عنه .
أى : ليس للظالمين فى هذا اليوم قريب أو محب يعطف عليهم ، ولا شفيع يطيعهم فى
الشفاعة لهم ، لأنهم فى هذا اليوم يكونون محل غضب الجميع ونقمتهم ، بسبب ظلمهم
وإصرارهم على كفرهم .
فالآية الكريمة نفت عنهم الصديق الذى يهتم بأمرهم ، والشفيع الذى يشفع لهم ، والإِنسان
الذى تكون له أية كلمة تسمع فى شأنهم .
ثم أكد - سبحانه - شمول علمه لكل شىء فقال: ﴿ يعلم خائنة الأعين وما تخفى
الصدور ﴾ .
والمراد بخائنة الأعين : النظرة الخائنة التى يتسلل بها المتسلل ليطلع على ما حرم الله
الاطلاع عليه .
والجملة خبر لمبتدأ محذوف . والإضافة فى قوله ﴿ خائنة الأعين) على معنى من، وخائنة:
نعت لمصدر محذوف .
أى : هو - سبحانه - يعلم النظرة الخائنة من الأعين ، وهى التى يوجهها صاحبها فى
تسلل وخفية إلى محارم الله - تعالى - كما يعلم - سبحانه - الأشياء التى يخفيها الناس فى
صدورهم ، وسيجازيهم على ذلك فى هذا اليوم بما يستحقون .
قال القرطبى: ولما جىء بعبد الله بن أبى سرح إلى رسول الله - 18 - بعدما اطمأن أهل
مكة ، وطلب له الأمان عثمان بن عفان، صمت رسول الله - * - طويلا، ثم قال :
(( نعم)).
فلما انصرف قال - 18 - لمن حوله: (( ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه)).
فقال رجل من الأنصار: فهلا أو مأت إلى يارسول الله؟ فقال: ((إن النبى لا تكون له
خائنة أعين ))(١) .
ثم بين - سبحانه - أن القضاء الحق فى هذا اليوم مرده إليه وحده فقال : ﴿والله يقضى
بالحق ... ﴾ .
أى : والله - تعالى - يقضى بين عباده قضاء ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل.
والذين يدعون من دونه لا يقضون بشىء .. ﴾ أى: والآلهة الذين يعبدهم الكفار من
(١) تفسير القرطبى جـ ١٥ ص ٣٠٣ .

٢٧٦
المجلد الثانى عشر
دون الله - تعالى - لا يقضون بشىء أصلا ، لأنهم لا يعلمون شيئا ، ولا يقدرون على شىء ،
وإذا فهم أعجز وأتفه من أن يلتفت إليهم .
·إن الله﴾ - تعالى - ﴿هو السميع﴾ لكل شىء ﴿ البصير﴾ بكل شىء، لا يخفى
عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء .
ثم وبخ - سبحانه - هؤلاء الظالمين على عدم اعتبارهم واتعاظهم بمن كان قبلهم فقال :
﴿ أو لم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم ، كانوا هم أشد
منهم قوة وآثارا فى الأرض فأخذهم اللّه بذنوبهم وما كان لهم من اللّه من واق ﴾.
أى : أبلغت الجهالة والغفلة وانطاس البصيرة بهؤلاء المشركين من قومك - يا محمد - أنهم
لم يعتبروا ولم يتعظوا بالظالمين السابقين الذين دمرناهم تدميرا .
إنهم يمرون عليهم مصبحين وبالليل ، وإنهم ليشاهدون آثارهم ماثلة أمام أعينهم ، يشاهدون
آثار قوم صالح ، ويشاهدون آثار غيرهم .
ولقد كان هؤلاء السابقون الظالمون ، أشد من مشركى قريش فى القوة والبأس ، وأشد
منهم فى إقامة المبانى الفارهة ، والحصون الحصينة ..
فلما استمروا فى جحودهم وكفرهم ، أخذهم الله - تعالى - أخذ عزيز مقتدر ، بسبب
ذنوبهم . وما كان لهم من دون الله - تعالى - من يدفع عنهم عذابه ، أو يقيهم من بأسه.
ذلك ﴾ الأخذ من أسبابه ﴿ بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات﴾ أى: بالدلائل
الواضحات على صدقهم فيما يبلغونهم عن ربهم .
فكفروا﴾ أى: بالرسل وبما جاءوهم به ﴿ فأخذهم الله﴾ أى: فأهلكهم
- سبحانه - ﴿ إنه قوى شديد العقاب ﴾ أى: إنه - سبحانه - قوى لا يحول بين ما يريد
أن يفعله حائل ، شديد العقاب لمن كفر به ، وأعرض عن دعوة رسله .
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لنا أنواعا متعددة من مظاهر قدرة الله ، ومن أهوال
يوم القيامة ، ومن علمه الشامل لكل شىء ، ومن قضائه العادل ومن أخذه للظالمين أخذ عزيز
مقتدر .
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من قصة موسى - عليه السلام - مع
فرعون . فذكرت جانبا من التهديدات التى وجهها فرعون إلى موسى وقومه ، وكيف أن
موسى - عليه السلام - رد عليه ردا قويا حكيما ، فقال - تعالى - :

٢٧٧
سورة غافر
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِشَايَتِنَا
إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَقَرُونَ
وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ))
فَلَمَّاجَآءَ هُم بِالْحَقِّ مِنْ
٢٤
فَقَالُواْ سَحِرٌ كَذَّابٌ
عِندِنَا قَالُواْ أَقْتُلُوْ أَبْنَاءَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, وَأَسْتَحْيُواْ
نِسَآءَ هُمَّ وَمَا كَيْدُ الْكَفِرِينَ إِلَّ فِ ضَلَكلٍ
٠ ٢٥
وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِ أَقْتُلُ مُوسَى وَلَيَدْعُ رَبَّهُ: إِنَّ أَخَافُ
أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فيِ الْأَرْضِ اَلْفَسَادَ
وَقَالَ مُوسَىٌّ إِنِ عُدِّتُ بِرَبِ وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكٍِّ
لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ
٧
والمراد بآياتنا فى قوله: ﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا ﴾ تلك الآيات التسع التى أعطاها
الله - تعالى - لموسى، لتكون معجزات له دالة على صدقة، وهى : العصا ، واليد ،
والسنون ، والبحر ، والطوفان ، والجراد ، والقمل والضفادع ، والدم .
قال - تعالى - ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات .. ﴾.
والمراد بالسلطان المبين : الحجة القاهرة الظاهرة التى تغلب بها فى الحجاج والجدال على
فرعون .
أى : والله لقد منحنا موسى - عليه السلام - بفضلنا وقدرتنا معجزات باهرات ، ومنحناه
- أيضا - حجة قوية واضحة ، يدمر بها حجج أعدائه .
وقوله - سبحانه - : ﴿ إلى فرعون وهامان وقارون ... ﴾ بيان لمن أرسله الله
- تعالى - إليهم .
وفرعون : لقب لكل ملك من ملوك مصر فى تلك العهود السابقة ، والمراد به هنا : ذلك

٢٧٨
المجلد الثانى عشر
الملك الجبار الظالم الذى أرسل فى عهده موسى - عليه السلام -، ويقال إنه ((منفتاح)) بن
رمسيس الثانى .
و﴿ هامان﴾ هو وزير فرعون و﴿ قارون﴾ هو الذى كان من قوم موسى فبغى عليهم.
وأعطاه الله - تعالى - الكثير من الأموال .. ثم خسف به وبداره الأرض .
وخص - سبحانه - هؤلاء الثلاثة بالذكر ، مع أن رسالة موسى كانت لهم ولأتباعهم ،
لأنهم هم الزعماء البارزون ، الذين كانوا يدبرون المكايد ضد موسى - عليه السلام - فيتبعهم
العامة من أقوامهم .
وقوله: ﴿فقالوا ساحر كذاب﴾ أرسلناه إلى هؤلاء الطغاة ومعه آياتنا الدالة على
صدقه ، فكان جوابهم على دعوته إياهم إلى عبادة الله - تعالى - وحده . أن قالوا فى شأنه،
إنه ساحر يموه على الناس بسحره ، وأنه كذاب فى دعواه أنه رسول من رب العالمين .
وهكذا كانت نتيجة أول لقاء بين موسى - عليه السلام - وبين هؤلاء الطغاة الظالمين . أنهم
وصفوه بالسحر والكذب ، وهو المؤيد بآيات الله ، وبحججه الظاهرة . وما وصفوه بذلك إلا
من أجل الحسد والعناد ، والحرص على دنياهم وملكهم .
ثم لم يكتفوا بهذا القول ، بل انتقلوا إلى مرحلة أخرى أشد وأطغى ، فقالوا - كما حكى
القرآن عنهم : ﴿ فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا
نساءهم ... ﴾ .
أى : فحين وصل إليهم موسى - عليه السلام - بدعوته. وخاطبهم بما أمره الله
- تعالى - أن يخاطبهم به ، وجابههم بالحق الذى زوده الله - تعالى - به.
ما كان منهم إلا أن قالوا - على سبيل التهديد والوعيد - : اقتلوا الذكور من أبناء الذين
آمنوا مع موسى ، ودخلوا فى دينه ، واتركوا الإِناث بدون قتل لخدمتكم ، وليكون ذلك أبلغ فى
إذلالهم . إذ بقاء النساء بدون رجال فتنة كبيرة . وذل عظيم .
والتعبير بقوله . ﴿فلما جاءهم بالحق من عندنا﴾ يشعر بأن هؤلاء الظالمين قد جاءهم
الحق إلى بيوتهم ومساكنهم ، وأنهم لم يخرجوا لطلبه ، وإنما هو الذى جاءهم عن طريق موسى ،
المؤيد بآيات الله - تعالى - .
والقائلون: ﴿اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم ﴾ هم الملأ من قوم فرعون
الذين كانوا يزينون له الظلم والعدوان . إرضاء له . وإرهابا لموسى - عليه السلام - ولمن
آمن معه .

٢٧٩
سورة غافر
قال الإِمام الرازى : والصحيح أن هذا القتل كان غير القتل الذى وقع فى وقت ولادة
موسى ، لأن القتل فى ذلك الوقت كان بسبب أن المنجمين قد أخبروا فرعون بولادة عدو له
يظهر عليه، فأمر بقتل الأبناء فى ذلك الوقت. وأما فى هذا الوقت. فموسى - عليه السلام -
كان قد جاءه وأظهر المعجزات . فعند ذلك أمر بقتل أبناء الذين آمنوا معه ، لئلا ينشأوا على
دين موسى ، فيقوى بهم . وهذه العلة مختصة بالبنين دون البنات . فلهذا السبب أمر بقتل
الأبناء .. (١) .
وقوله - تعالى -: ﴿وما كيد الكافرين إلا فى ضلال﴾ توهين لشأن الكافرين فى كل
زمان ومكان ، وتشجيع للمؤمنين على أن يسيروا فى طريق الحق دون أن يرهبهم وعد أو وعيد .
فإن النصر سيكون فى النهاية لهم .
أى : وما كيد الكافرين ومكرهم وعدوانهم ، إلا مصيره إلى الضلال والضياع والبطلان .
يقال : ضل فلان الطريق إذا ضاع منه الرشد . والتبست عليه السبل . وصار تائها لا يعرف
له طريقايوصله إلى ما يريد .
ثم بين - سبحانه - لونا آخر من ألوان فجور فرعون وبغيه فقال : ﴿ وقال فرعون
ذرونى أقتل موسى .. ﴾
والجملة الكريمة معطوفة على قوله : ﴿ قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه ﴾ وجملة ﴿وما
كيد الكافرين إلا فى ضلال ﴾ اعتراضية ، جىء بها مسارعة لبيان خسرانهم وضلالهم .
أى : وقال فرعون لحاشيته ومستشاريه وخاصته : اتركونى لأقتل موسى - عليه السلام -
وأتخلص منه ومن أقواله التى فيها ما فيها من الضرر بى وبكم .
ويبدو من أسلوب الآية الكريمة أن اتجاه فرعون لقتل موسى كان يجد معارضة مستشاريه .
لأنهم يرون أن قتله لا ينهى المتاعب ، بل قد يزيدها اشتعالا لأن عامة الناس سيفهمون أن قتل
موسى كان بسبب أنه على الحق ، فتثور ثائرتهم لقتله ، أو لأنهم كانوا يخافون أن قتله سيؤدى
إلى نزول العذاب بهم ، غضبا من رب موسى ، ولعل بعضهم كان يعتقد أن موسى على حق
ولكن الخوف منعه من الجهر بذلك ، أو لأنهم كانوا يرون أن قتل موسى سيؤدى إلى تفرغ
فرعون لهم ، وهم لا يريدون هذا التفرغ، لأنه يؤدى إلى ضياع الكثير من منافعهم .
قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿ ذرونى أقتل موسى ﴾ كانوا إذا هم بقتله كفّوه بقولهم:
ليس موسى بالذى تخافه . وهو أقل من ذلك وأضعف وما هو إلا بعض السحرة .. وأنك إذا
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٣٠٢ .

٢٨٠٠
المجلد الثانى عشر
قتلته أدخلت الشبهة على الناس . واعتقدوا أنك قد عجزت عن معارضته بالحجة .
والظاهر أن فرعون - لعنه الله - كان قد استيقن أن موسى نبيا . وأن ما جاء به آيات
وما هو بسحر، ولكن الرجل كان قتالا سفاكا للدماء فى أهون شىء، فكيف لا يقتل من أحس
منه بأنه هو الذى يثل عرشه. وبيدم ملكه . ولكنه كان يخاف إن هَمّ بقتله . أن يعاجل
بالهلاك .. (١).
وقوله : ﴿ وليدع ربه ﴾ تظاهر من فرعون بأنه لا يبالى بما يكون من وراء قتله لموسى.
وأنه غير مكترث لا بموسى ولا برب موسی .
فالجملة الكريمة بيان لما جبل عليه هذا الطاغية من فجور وتكبر واستهزاء بالحق فكأنه
يقول : إنى قاتل لموسى وليدع ربه لكى يخلصه منى .. !!
ثم نرى فرعون بعد ذلك يتظاهر أمام حاشيته ، أنه ما حمله على إرادة قتل موسى ، إلا
الحرص على منفعتهم. فيقول: ﴿ إنى أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر فى الأرض
الفساد ﴾ .
أى: اتركونى لأقتل موسى . وليدع ربه لكى يخلصه منى . إن كان فى إمكانه ذلك. فإنى
أخاف إن لم أقتله أن يبدل دينكم الذى أنتم عليه بدين آخر أو بأن يظهر فى الأرض التى
تعيشون عليها الفساد ، عن طريق بث الفتن بينكم وإيقاد نار العداوة فى صفوفكم . والعمل
على اضطراب أمر دنياكم ومعاشكم .
وهكذا الطغاة الماكرون فى كل زمان ومكان : يضربون الحق بكل سلاح من أسلحتهم
الباطلة . ثم يزعمون بعد ذلك أمام العامة والبسطاء والمغلوبين على أمرهم .. أنهم ما فعلوا ذلك
إلا من أجل الحرص على مصالحهم الدينية والدنيوية !!
قال الإِمام الرازى: والمقصود من هذا الكلام، بيان السبب لقتل موسى، وهو أن وجوده
يوجب إما فساد الدين أو فساد الدنيا ، أما فساد الدين فلأن القوم اعتقدوا أن الدين الصحيح
هو الذى كانوا عليه . فلما كان موسى ساعيا فى إفساده كان فى اعتقادهم أنه ساع فى إفساد
الدين الحق .
وأما فساد الدنيا فهو أنه لابد وأن يجتمع عليه قوم ، ويصير ذلك سببا لوقوع الخصومات
وإثارة الفتن .
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ١٦٠.