النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١
سورة الزمر
ما ملخصه : ثم إن هذه الآية - وإن كان سياقها فى المؤمنين والكافرين ، وذكر الخصومة بينهم
فى الدار الآخرة - فإنها شاملة لكل متنازعين فى الدنيا ، فإنه تعاد عليهم الخصومة فى الدار
الآخرة .
روى ابن أبى حاتم عن الزبير بن العوام - رضى الله عنه - قال : لما نزلت هذه الآية
قلت : يارسول الله أتكرر علينا الخصومة ؟ قال: نعم . قلت : إن الأمر إذا لشديد .
وروى الإمام أحمد عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله -# -؛ ((والذى نفسى
بيده إنه ليختصم حتى الشاتان فيما انتطحتا )).
وقال ابن عباس : يخاصم الصادقُ الكاذبَ ، والمظلومُ الظالمَ، والمهدىُّ الضالَّ، والضعيفُ
المُسْتَكْبِرَ (١).
ثم بين - سبحانه - أنه لا أحد أشد ظلما ممن كذب على الله - تعالى - وكذب بالصدق إذ
جاءه ، وأن من صفات المتقين أنهم يؤمنون بالحق ، ويدافعون عنه ، وأنه - سبحانه - سيكفر
عنهم سيئاتهم ... فقال - تعالى - : .
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَذَبَ عَلَ اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ
إِذْجَآءَهُوَأَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَنْوَى لِّلْكَفِرِينَ ﴾ وَالَّذِى
جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهٌِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
٣٣
لَهُم مَّايَشَآءُ ونَ عِندَرَيْهِمْ ذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ.
(٣٤
لِيُكَفِرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَ الَّذِى عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم
بِأَحْسَنِ الَّذِى كَانُوايَعْمَلُونَ ﴿ أَلَيْسَ اَللَّهُ بِكَافٍ
عَبْدَةٌوَ يُخَوْفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ، وَمَنْ يُضْلِلِ
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٨٧ .
(*) أول الجزء الرابع والعشرون .
٢٢٢
المجلد الثانى عشر
اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴿ وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ، مِن مُضِلٍ
أَلَسَ اللهُ بِعَزِيزِ ذِى أَنِقَامِ
٧
والفاء فى قوله - تعالى -: ﴿ فمن أظلم ممن كذب على الله ... ﴾ لترتيب ما بعدها على
ما قبلها ، والاستفهام للإنكار والنفى .
أى مادام الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - من أنك ستموت وهم سيموتون ،
وأنكم جميعا ستقفون أمام ربكم للحساب والجزاء .. فلا أحد أشد ظلما من هؤلاء المشركين
الذين كذبوا على اله، بأن عبدوا من دونه آلهة أخرى ، ونسبوا إليه الشريك أو الولد ، ولم
يكتفوا بكل ذلك ، بل كذبوا بالأمر الصدق وقت أن جئتهم به من عند ربك .
والتعبير بقوله: ﴿وكذب بالصدق إذ جاءه﴾ يدل على أنهم بادروا بتكذيب ماجاءهم به
الرسول -* - من عند ربه ، بمجرد أن سمعوه ، ودون أن يتدبروه أو يفكروا فيه .
وتكذيبهم بالصدق، يشمل تكذييهم للقرآن الكريم ، ولكل ماجاءهم به الرسول
· 一進一
والاستفهام فى قوله - تعالى - ﴿أليس فى جهنم مثوى للكافرين ﴾ للتقرير.
والمتوى : المكان مأخوذ من قولهم ثوى فلان بمكان كذا ، إذا أقام به . يقال : ثَوَى يثوِى
ثَواء ، كمضَى يِضِى مَضَاء ...
أى: أليس فى جهنم مكانا يكفى لإهانة الكافرين وإذلالهم وتعذيبهم ؟ بل إن فيها لمكانا
يذلهم ويذوقون فيه سوء العذاب .
ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة أهل الصدق والإِيمان فقال: ﴿ والذى جاء بالصدق
وصدق "به أولئك هم المتقون ﴾ .
والمراد بالذى جاء بالصدق: رسول الله -* - والمراد بالذى صدق به : ما يشمل
الرسول -# - ويشمل كل من آمن به واتبعه فيما جاء به ، كأبى بكر الصديق وغيره من
الصحابة .
قال الآلوسى ما ملخصه : قوله - تعالى -: ﴿والذى جاء بالصدق وصدق به ﴾
الموصول عبارة عن رسول الله - 13 - كما أخرجه ابن جرير وغيره عن ابن عباس ...
والمؤمنون داخلون بدلالة السياق وحكم التبعية ، دخول الجند فى قولك : نزل الأمير موضع
كذا .. .
٢٢٣
سورة الزمر
والجمع فى قوله - تعالى -: ﴿ أولئك هم المتقون﴾ باعتبار دخول الأتباع تباعا:
ومراتب التقوى متفاوتة ، ولرسول الله -# - أعلاها ... (١).
ثم بين - سبحانه - ما أعده لهؤلاء المتقين من نعيم فقال ﴿لهم مايشاءون عند
رہم ... ﴾ .
أى : لهؤلاء المتقين كل مايشاءونه عند ربهم ومالك أمرهم ، بسبب تصديقهم للحق ،
واتباعهم لما جاءهم به رسولهم - * - .
وفى قوله: ((عند ربهم )» تكريم وتشريف لهم .
وقوله : ﴿ ذلك جزاء المحسنين ﴾ أى : ذلك الذى ذكرناه من حصولهم على ما يشتهونه ،
جزاء من أحسنوا فى أقوالهم وأفعالهم .
ثم بين - سبحانه - جانبا مظاهر تكريمه لهم ، ورحمته بهم فقال: ﴿ ليكفر الله عنهم أسوأ
الذى عملوا ، ويجزهم أجرهم بأحسن الذى كانوا يعملون ﴾.
واللام فى قوله: ((ليكفر .. )) متعلقة بمحذوف، أى: أعطاهم - سبحانه - ما أعطاهم من
فضله ورحمته ليكفر عنهم أسوأ الذنوب التى عملوها ، كالكفر قبل الإِسلام ، بأن يغفر لهم ذلك
ولا يؤاخذهم عليه .
وإذا غفر الله - تعالى - لهؤلاء المتقين أسوأ أعمالهم ، غفر لهم - بفضله ورحمته ماهو دونه
بالطريق الأولى .
((ويجزيهم أجرهم)) أى: ويعطيهم ثواب أعمالهم ((بأحسن الذى كانوا يعملون)) أى:
يعطيهم فى مقابل عملهم الصالح فى الدنيا جنات فيها ما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر
على قلب بشر .
وعلى هذا التفسير يكون قوله - تعالى - : أسوأ وأحسن ، أفعل تفضيل حيث كفر
- سبحانه - عنهم أسوأ أعمالهم ، وكافأهم على أعمالهم بما هو أحسن منها وهو الجنة .
وهذا منتهى الفضل والإِحسان من الله - تعالى - لعباده المتقين ، حيث عاملهم بالفضل ولم
يعاملهم بالعدل .
ومنهم من يرى أن قوله: أسوأ وأحسن ، بمعنى السيئ والحسن ، فيكون أفعل التفضيل
ليس على بابه ، وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: مامعنى إضافة الأسوأ والأحسن
إلى الذى عملوا ؟ وما معنى التفضيل فيها ؟ .
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٤ ص ٢.
٢٢٤
المجلد الثانى عشر
قلت : أما الإِضافة فما هى من إضافة أفعل إلى الجملة التى يفضل عليها ، ولكن من إضافة
الشىء إلى ما هو بعضه من غير تفضيل . كقولك : الأشج أعدل بنى مروان .
وأما التفضيل فإيذان بأن السيئ الذى يفرط منهم من الصغائر والزلات المكفرة ، هو
عندهم الأسوأ لاستعظامهم المعصية ، والحسن الذى يعملونه هو عند الله الأحسن ؛ لحسن
إخلاصهم فيه، فلذلك ذكر سيئهم بالأسوأ، وحسنهم بالأحسن))(١) .
ثم بين - سبحانه - عصمته لنبيه -# - بأبلغ وجه وأتمه فقال ﴿ أليس الله بكاف
عبده ، ويخوفونك بالذين من دونه
وقراءة الجمهور: ﴿ عبده﴾ بالإفراد وقرأ حمزة والكسائى: ﴿عباده﴾، والاستفهام
للتقرير .
قال القرطبى: وذلك أنهم خوفوا النبى - ﴿ - مضرة الأوثان فقالوا له : أتسب آلهتنا
لئن لم تنته عن ذكرها لتصيبنك بالسوء .
وقال قتادة : مشى خالد بن الوليد إلى العزى ليكسرها بالفأس ، فقال له سادنها : احذرك
منها ياخالد ، فإن لها شدة لا يقوم لها شىء . فعمد خالد إلى العزى فهشم أنفها حتى كسرها ،
وتخويفهم لخالد تخويف للنبى -* - لأنه هو الذى أرسله . ويدخل فى الآية تخويفهم النبى
-* - بكثرة جمعهم وقوتهم .. ))(٢).
والمعنى: أليس الله - تعالى - يكاف عبده محمدا - - من كل سوء ؟ وکاف عباده
المؤمنين الصادقين من أعدائهم ؟ بلى إنه - سبحانه - لعاصم نبيه -* - من أعدائه ،
ولناصر عباده المتقين على من ناوأهم .
والحال أن هؤلاء المشركين يخوفونك - أيها الرسول الكريم - من أصنامهم التى يعبدونها
من دونه - تعالى - ، مع أن هذه الآلهة الباطلة أتفه من أن تدافع عن نفسها فضلا عن
غيرها .
ومن يضلل الله﴾ أى: من يضلله الله - تعالى - ﴿ فما له من هاد﴾ يهديه إلى
الصراط المستقيم .
﴿ ومن يهد اللّه﴾ أى: ومن يهده الله - تعالى - إلى طريق الحق والصواب.
﴿ فما له من مضل﴾ أى: فما له من أحد كائنا من كان يستطيع إضلاله.
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ١٢٨.
( ٣ ) تفسير القرطبى جـ ١٥ ص ٢٥٨.
٢٢٥
سورة الزمر
أليس الله بعزيز ذى انتقام ﴾ بلى إنه - سبحانه - لعزيز إذ لا يغلبه غالب ، ولا يمانعه
مانع ، ولا ينازعه منازع . ولذو انتقام شديد من أعدائه ، ولا يستطيع أحد أن يمنع انتقامه
منهم .
ثم حكى - سبحانه - ما كان عليه هؤلاء المشركون من تناقض بين أقوالهم وأفعالهم .
وأمر النبى - - أن يهددهم بسوء المصير إذا ما استمروا على كفرهم ... فقال - تعالى -
وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَ اَللَّهُ قُلْ أَفَرَّهَ يْتُم مَّاتَدْعُونَ
مِن دُونِ اللَّهِإِنْ أَرَادَفِيَ اللَّهُ بِضُرِ هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِّوٍ.
أَوْأَرَادَنِ بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْىَ
اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكُّونَ ﴿ قُلْ يَدَقَوْمِ أَعْمَلُواْ
عَلَى مَكَانَئِكُمْ إِنِ عَمِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (
٩
مَنْ يَأْتِهِ عَذَابٌ يُخْزِيِهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمُ ))
إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ أَهْتَدَى
فَلِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُ عَلَيْهَاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم
(اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَأَلَّتِى
٤١
بَوَكِيلِ
لَمْ تَمُتْ فِ مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ
وَيُرْسِلُ اَلْأُخْرَىِّ إِلَى أَجَلِ مُسَمَّىَّ إِنَّ فِىِ ذَلِكَ لَيَتٍ
لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿ أَمِ أَّخَذُ واْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَآءَ
قُلْ أَوْلَوْ كَانُواْلَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ ()
٢٢٦
المجلد الثانى عشر
قُل لِلّهِالشَّفَعَةُ جَمِيعًا لَّهُ, مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ
إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٤٤
والمعنى : ولئن سألت - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين : من الذى خلق هذه
السموات التى ترونها بأعينكم، وخلق هذه الأرض التى فوقها تعيشون .. .
لئن سألتهم هذا السؤال ، لا يملكون فى الإجابة عليه إلا أن يقولوا: خلقهم الله ، فلفظ
الله فاعل لفعل محذوف .
وقولهم هذا دليل واضح على تناقضهم مع أنفسهم . لأنهم يعترفون بأن الخالق هو اقه ،
ولكنهم يشركون معه فى العبادة آلهة أخرى لا تنفع ولا تضر ..
ولذا أمر الله - تعالى - نبيه -# - أن يقول لهم مبكتا وموبخا: ﴿قل أفر أيتم
ما تدعون من دون الله، إن أرادنى الله بضر هل هن كاشفات ضره . أو أرادنى برحمة هل هن
ممسكات رحمته ﴾ ؟.
أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاهلين : إذا كان الأمر كما ذكرتم من أن
الخالق لهذا الكون هو اللّه ، فأخبرونى عن هذه الآلهة التى تعبدونها من دونه - سبحانه - :
أتستطيع أن تدفع ضرا أراده الله - تعالى - بى ؟ أم تستطيع أن تمنع رحمة أو خيرا أعطاه الله
لى ؟ كلا إنها لا تستطيع شيئاً من ذلك ، وعبادتكم لها إنما هى نوع من السفه والحماقة .
وقال - سبحانه -: ﴿هل هن .. ﴾ بالتأنيث على سبيل التحقير لتلك الآلهة المزعومة ،
ولأنهم كانوا يسمونها بأسماء الإناث ، كاللات ، والعزى ، ومناة . الخ .
وقدم الضر لأن دفعه أهم ، وعلق - سبحانه - إرادة الضر والرحمة بذاته - واصلفر - فقال :
إن إرادنى الله بضْر .. ﴾ ليرد عليهم ردا يخرس ألسنتهم، حيث خوفوه - والله - منها
وزعموا أنه لو استمر فى تحقيرها فإنها ستؤذيه .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم فرض المسألة فى نفسه دونهم ؟ قلت : لأنهم خوفوه
معرة الأوثان وتخبيلها ، فأمر بأن يقررهم - أولا - بأن خالق العالم هو الله وحده ، ثم يقول
لهم بعد التقرير : فإذا أرادنى خالق العالم الذى أقررتم به بضر من مرض أو فقر أو غير ذلك
من النوازل ، أو برحمة من صحة أو غنى أو نحوهما . هل هؤلاء اللائى خوفتمونى إياهن
كاشفات عنى ضره ، أو ممسكات رحمته ، حتى إذا ألقمهم الحجر وقطعهم ، حتى لا يحيروا ببنت
شفة قال: ﴿ حسبى الله﴾ كافياً لمعرة أوثانكم ﴿عليه يتوكل المتوكلون﴾ وفيه تهكم.
٢٢٧
سورة الزمر
ويروى أنه -# - سألهم فسكتوا، فنزل: ﴿قل حسبى الله ... ﴾(١).
أى : قل - أيها الرسول الكريم - فى الرد عليهم وفى السخرية من آلهتم : اقه
- تعالى - الخالق لكل شىء ، کافینی فی جمیع أموری ، وعاصمنی من کیدکم وکید من
تتوهمون كيده ، وعليه وحده لا على غيره يتوكل المتوكلون ، لعلمهم أن كل ماسواه تحت
ملكوته وقدرته .
ثم أمره - سبحانه - مرة أخرى أن يتحداهم وأن يتهددهم فقال: ﴿ قل ياقوم اعملوا
على مكانتكم ﴾. أى: وقل لهم للمرة الثالثة: اعملوا ماشئتم عمله من العداوة لى ، والتهديد
بآلهتكم .
والمكانة مصدر مكن - ككرم - ، يقال : مكن فلان من الشئ مكانة ، إذا تمكن منه أبلغ
تمكن .
أى : اعملوا مافى إمكانكم عمله معى . والأمر للتهديد والوعيد .
: إنى عامل ﴾ أى: إنى سأقابل عملكم السيئ بعمل أحسن من جانبى ، وهو الدعوة
إلى وحدانية الله ، وإلى مكارم الأخلاق .
فسوف تعلمون ﴾ من منا الذى سينجح فى عمله، ومن منا سيأتيه عذاب يخزيه
ويفضحه وهينه فى الدنيا ، ومن منا الذى سيحل عليه عذاب مقيم فى الآخرة . فالمراد بالعذاب
المخزى عذاب الدنيا ، والمراد بالعذاب المقيم عذاب الآخرة .
ولقد تحقق ماتوعدهم - سبحانه - به ، حيث أنزل عليهم عقابه فى بدر وفى غيرها
فأخزاهم وهزمهم ، أما عذاب الآخرة فهو أشد وأبقى .
ثم أخذت السورة الكريمة فى تسلية الرسول - - عما أصابه منهم ، فقال - تعالى -
إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق ... ﴾ .
أى : إنا أنزلنا عليك - أيها الرسول الكريم - القرآن لأجل منفعة الناس ومصلحتهم ،
وقد أنزلناه متلبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل .
﴿ فمن اهتدى﴾ إلى الصراط المستقيم، وإلى الحق المبين فهدايته تعود إلى نفسه ﴿ومن
ضل﴾ عن الطريق المستقيم ، فإثم ضلاله . إنما يعود على نفسه وحدها .
وما أنت عليهم ﴾ يا محمد ﴿ بوكيل﴾ أى: بمكلف بهدايتهم ، وبإجبارهم على
اتباعك ، وإنما أنت عليك البلاغ ، ونحن علينا الحساب .
(١) الكشاف جـ ٤ ص ١٢٩ .
٢٢٨
المجلد الثانى عشر
ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته ، ونفاذ مشيئته فقال - تعالى -: ﴿اقه
يتوفى الأنفس حين موتها ... ﴾
أى : الله - بقدرته وحدها يقبض أرواح مخلوقاته حين انتهاء آجالها بأن يقطع تعلقها
بالأجسام قطعا كليا ، ويسلب هذه الأجسام والأبدان ما به قوام حياتها ، بأن تصير أجساما
هامدة لا إدراك لها . ولا حركة فيها .
وقوله - تعالى -: ﴿والتى لم تمت فى منامها﴾ معطوف على الأنفس، أى: يسلب الحياة
عن الأنفس التى انتهى أجلها سلبا ظاهرا وباطنا ، ويسلب الحياة عنها سلبا ظاهرا فقط فى
حال نومها . إذ أنها فى حالة النوم تشبه الموتى من حيث عدم التمييز والتصرف .
فالآية الكريمة تشير إلى أن التوفى للأنفس أعم من الموت ، إذ أن هناك وفاتين . وفاة كبرى
وتكون عن طريق الموت ، ووفاة صغرى وتكون عن طريق النوم . كما قال - تعالى -
﴿ وهو الذى يتوفاكم بالليل .. ﴾ أى: يجعلكم تنامون فيه نوما يشبه الموت فى انقطاع
الإدراك والإحساس ..
وقوله - تعالى -: ﴿ فيمسك التى قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل
مسمى﴾ بيان لحالة الأنفس التى انتهى أجلها ، والتى لم ينته أجلها بعد.
أى: الله - تعالى - وحده هو الذى يتوفى الأنفس حين الموت، وحين النوم ، أما الأنفس
التى انتهى أجلها فيمسك - سبحانه - أرواحها إمساكا تاما بحيث لا تعود إلى أبدانها مرة
أخرى ، وأما التى لم يحن وقت موتها ، فإن الله - تعالى - يعيدها إلى أبدانها عند اليقظة من
نومها ، وتستمر على هذه الحالة إلى أجل مسمى فى علمه - تعالى - فإذا ما انتهى أجلها الذى
حدده - سبحانه - لها ، خرجت تلك الأرواح من أبدانها خروجا تاما ، كما هو الشأن فى
الحالة الأولى .
ولاشك أن الله - تعالى - الذى قدر على ذلك ، قادر أيضا - على إعادة الأرواح إلى
أجسادها عند البعث والنشور يوم القيامة .
فالآية الكريمة مسوقة لبيان كمال قدرة الله - تعالى - ولبيان أن البعث حق ، وأنه يسير
على قدرة اللّه التى لا يعجزها شىء .
ولا منافاة بين هذه الآية التى صرحت بأن الله - تعالى - هو الذى يتوفى الأنفس عند
موتها ، وبين قوله - تعالى -: ﴿ قل يتوفاكم ملك الموت .. ﴾ وقوله - تعالى - ﴿ حتى
إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا ... ﴾ لأن المتوفى فى الحقيقة هو الله - تعالى - وملك الموت
.
:
٠٨٣٠
:
٤
؟
. .
.
:
٢٢٩
سورة الزمر
إنما يقبض الأرواح بإذنه - سبحانه - ولملك الموت أعوان وجنود من الملائكة ينتزعون
الأرواح بأمره المستمد من أمر الله - عز وجل - .
قال القرطبى: ((فإذًا يقبض اللّه الروح فى حالين: فى حالة النوم وحالة الموت ، فما قبضه
فى حال النوم فمعناه أنه يغمره بما يحبسه عن التصرف فكأنه شىء مقبوض . وما يقبضه فى حال
الموت فهو يمسكه ولا يرسله إلى يوم القيامة .
وفى الآية تنبيه على عظيم قدرته ، وانفراده بالألوهية ، وأنه يفعل ما يشاء ويحيى ويميت ،
ولا يقدر على ذلك سواه .(١) .
واسم الإشارة فى قوله : ﴿إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾ يعود إلى المذكور من
التوفى والإمساك والإِرسال .
أى : إن فى ذلك الذى ذكرناه لكم من قدرتنا على توفى الأنفس وإمساكها وإرسالها ، لآيات
بينات على وحدانيتنا وقدرتنا ، لقوم يحسنون التأمل والتفكير والتدبر ، فيما أرشدناهم إليه
وأخبر ناهم به .
ثم نعى - سبحانه - على الكفار غفلتهم وعدم تفكرهم فقال: ﴿أم اتخذوا من دون الله
شفعاء قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون﴾.
و((أم)) هنا بمعنى بل والهمزة ، والاستفهام للإنكار، والمراد بالشفعاء تلك الأصنام التى
زعموا أنها ستشفع لهم يوم القيامة .
والمعنى : لقد ترك هؤلاء المشركون التفكر والتدبر فى دلائل وحدانيته وقدرته - سبحانه -
ولم يلتفتوا إلى ما ينفعهم ، بل اتخذوا الأصنام آلهة لينالوا بواسطتها الشفاعة عند الله.
قل لهم - أيها الرسول الكريم - مرشدا ومنبها : أتفعلون ذلك ولو كانت هذه الآلهة
لا تملك شيئا من أمرها ، ولا تعقل شيئا مما يتوجهون به إليها ؟
ثم أمر - سبحانه - رسوله 1 - أن يبين لهم أن الله - تعالى - هو مالك الشفاعة
كلها ، وأنه لن يستطيع أحد أن يشفع إلا بإذنه ، فقال: ﴿قل الله الشفاعة جميعا .. ﴾.
أى: قل لهم: اللّه -تعالى - هو المالك للشفاعة كلها ، وآلهتكم هذه لا تملك شيئا من
ذلك ، بل أنتم وآلهتكم - أيها المشركون - ستكونون وقودا لنار جهنم .
وهو سبحانه -: ﴿ له ملك السموات والأرض ﴾ ملكا تاما لا تصرف لأحد فى شىء
منهما معه ، ولا شفاعة لأحد إلا بإذنه .
(١) تفسير القرطبى جـ ١٥ ص ٢٦١.
٢٣٠
المجلد الثانى عشر
ثم إليه ترجعون ) يوم القيامة فيحاسبكم على أعمالكم ، ويجازى الذين أساءوا بما
عملوا ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى .
ثم بين - سبحانه - أحوال هؤلاء المشركين ، عندما يذكر - سبحانه - وحده دون أن
تذكر معه آلهتهم ، كما بين أحوالهم السيئة يوم القيامة ، وكيف أنهم يندمون ولا ينفعهم الندم ،
وكيف أنهم لو ملكوا فى هذا اليوم ما فى الأرض جميعا ومثله معه ، لقدموه فداء لأنفسهم من
أهوال عذاب يوم القيامة .. فقال - تعالى - :
وَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ أَشْمَأَزَّتْ
قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةُ وَ إِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن
دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿﴿ قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَتِ
وَاَلْأَرْضِ عَلِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ
فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ، وَلَوْأَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ
مَا فِ اَلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَأَفْتَدَ وْأْبِهِ مِن سُوءِ اَلْعَذَابِ
يَوْمَ الْقِيَئِمَةِ وَبَدَالَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَالَمْ يَكُونُواْيَحْتَسِبُونَ ﴿
(٤٧
وَبَدَالَهُمْ سَيِّئَاتُ مَاكَسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْبِهِ.
يَسْتَهْزِءُونَ ﴿ فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَنَ ضُرّدَعَانَا ثُمَ إِذَا خَوَّلْنَهُ
نِعْمَةً مِّنَاقَالَ إِنَّمَا أُوتِنُهُ عَلَى عِلْ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿، قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَ
عَنْهُمْ مَّا كَانُواْيَكْسِبُونَ ( ٥) فَأَصَابَهُمْ سَبِّئَاتُ مَاكَسَبُواْ
وَالَّذِينَ ظَلَمُوْ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبُصِدُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ
٢٣١
سورة الزمر
وَمَاهُمْ بِمُعْجِزِينَ (٦) أَوَّلَمْ يَعْلَمُوَ أ ◌َنَّاللَّهَ يَبْسُطُ الْرِزْقَ
٥٢
لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرٌ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِّقَوْمِ يُؤْمِنُونَ
وقوله - تعالى -: ﴿ اشمازت .. ﴾ أى: نفرت وانقبضت وذعرت ، مأخوذ من
الشّعْزِ، وهو نفور النفس مما تكرهه .
قال الإمام الرازى : اعلم أن هذا نوع آخر من الأعمال القبيحة للمشركين وهو أنك إذا
ذكرت الله وحده .. ظهرت آثار النفرة فى وجوههم وقلوبهم ، وإذا ذكرت الأصنام والأوثان
ظهرت آثار الفرح .. وذلك يدل على الجهل والحماقة ، لأن ذكر الله رأس السعادة ، وعنوان
الخيرات ، وأما ذكر الأصنام فهو رأس الحماقات .. ))(١).
أى: إنك - أيها الرسول الكريم - إذا ذكرت الله - تعالى - وحده ، ونسبت إليه ما
يليق به - سبحانه - من وحدانيته وقدرته .. دون أن تذكر معه الأصنام اشمأزت وانقبضت
وذعرت نفوس هؤلاء المشركين الجهلاء ، أما إذا ذكرت آلهتهم سواء أذكرت الله - تعالى -
معها أم لم تذكره ، إذا هم يستبشرون ويبتهجون ..
والتعبير بالاشمئزاز والاستبشار ، يشعر بأنهم قد بلغوا الغاية فى الأمرين ، فهم عند ذكر
الله - تعالى - تمتلىء قلوبهم إلى نهايتها غما وهما وانقباضا وذعرا . وعند ذكر أصنامهم تمتلىء
قلوبهم إلى نهايتها - أيضا - بهجة وسرورا حتى لتظهر آثار ذلك على بشرتهم ...
وحالهم هذا يدل على أنهم قد بلغوا الغاية - أيضا - فى الجهالة والسفاهة والغفلة ..
وهذا الذى ذكرته الآية الكريمة من اشمئزاز الكافرين عند ذكر الله - تعالى - واستبشارهم
عند ذكر غيره ، نرى ما يشبهه عند كثير من الناس ..
فكم من أناس إذا حدثتهم عن ذات الله - تعالى - وصفاته ، وعن سلامة دينه وتشريعاته ،
وعن آداب قرآنه وهداياته ، وعن كل ما يتعلق بوجوب تنفيذ أوامره ونواهيه .. انقبضت
نفوسهم ، واكفهرت وجوههم، وتمنوا لو أنك تركت الحديث عن ذلك.
أما إذا سمعوا ما يتعلق بالتشريعات والنظم التى هى من صنع البشر - استبشرت
نفوسهم ، وابتهجت أساريرهم ..
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم
وقرا ، وإذا ذكرت ربك فى القرآن وحده ، ولوا على أدبارهم نفورا ﴾ (٢).
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٢٥٨.
(٢) سورة الإسراء الآية ٤٦ .
٢٣٢
المجلد الثانى عشر
قال الآلوسي : وقد رأينا كثيرا من الناس على نحو هذه الصفة التى وصف الله - تعالى -
بها المشركين ، يهشون لذكر أموات يستغيثون بهم ويطلبون منهم ، ويطربون من سماع حكايات
كاذبة عنهم .. وينقبضون من ذكر الله - تعالى - وحده - ونسبة الاستقلال بالتصرف إليه -
عز وجل - وسرد ما يدل على مزيد عظمته وجلاله . وينفرون ممن يفعل ذلك كل النفرة ،
وينسبونه إلى ما يكره .. ))(١).
ثم أمر اقه - تعالى - نبيه -* - أن يلتجئ إلى خالقه وحده من شرور هؤلاء
المشركين ، وأن يفوض أمره إليه، فقال - تعالى - ﴿قل اللهم فاطر السموات والأرض،
عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ﴾.
ولفظ: (اللهم) أصله يا أقه. فلما استعمل دون حرف النداء . عوض عنه بالميم
المشددة التى فى آخره .
ولفظ ((فاطر، وعالم)) منصوبان على النداء .
أى : قل - أيها الرسول الكريم - على سبيل الاستعاذة والاعتزال لما عليه هؤلاء
المشركون من جهل وسفه ، يا اقه ، يا خالق السموات والأرض ويا عالم الغائب والمشاهد .
والخفى والظاهر من أمور خلقك ، أنت وحدك الذى تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون فى
الدنيا ، فتجازى كل نفس بما تستحقه من ثواب أو عقاب .
وما دام الأمر كذلك، فاهدنى إلى صراطك المستقيم، وجنبنى الشرك والمشركين .
فالمقصود بالآية الكريمة تسلية الرسول -* - عما فعله المشركون معه، وإرشاده إلى ما
يعصمه من كيدهم . وتعليم العباد وجوب الالتجاء إلى الله - تعالى - وحده - لدفع کید
أعدائه عنهم .
وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث ، منها مارواه الإِمام
مسلم فى صحيحه عن أبى سلمة بن عبدالرحمن قال : سألت عائشة : بأى شىء كان رسول
الله - ◌َ﴾ - يفتح صلاته إذا قام من الليل؟
قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته بقوله: (( اللهم رب جبريل وميكائيل
وإسرافيل ، فاطر السموات والأرض . عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا
فيه يختلفون ، اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط
مستقيم .. *(".
(١) راجع تغير الآلوسى جـ ٢٤ ص ١١.
(٢) رفيع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص. ٦
٢٣٣
سورة الزمر
وقال صاحب الكشاف: ((بعل - بكسر العين - أى: دهش وفزع رسول انه - # -
من شدة شكيمتهم فى الكفر، فقيل له: ((ادع الله بأسمائه الحسنى ، وقل : أنت وحدك تقدر
على الحكم بينى وبينهم، ولا حيلة لغيرك فيهم)». وفيه وصف لحالهم ، وإعذار الرسول
اله - 4 - وتسلية له، ووعيد لهم .. (١).
وبعد هذه التسلية من الله - تعالى - لنبيه - # - بين - سبحانه - لهؤلاء الذين إذا
ذكر الله وحده اشمأزت قلوبهم .. بين لهم ما لهم من سوء المصير فقال: ﴿ولو أن للذين ظلموا
ما فى الأرض جميعا ومثله معه ، لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة ..
أى: أن العذاب المعد لهؤلاء المشركين شىء رهيب ، ولو أن لهم جميع ما أعد فى الأرض من
خيرات ، ولهم - أيضا - مثل ذلك منضمها إليه ، لقدموه فداء لأنفسهم ، أملا فى النجاة من
سوء العذاب الذى ينتظرهم يوم القيامة .
فالآية الكريمة وعيد لهم ليس بعده وعيد ، وتيئيس لهم من النجاة ليس بعده تيئيس .
ومن الآيات الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - ﴿ إن الذين كفروا لو أن
لهم ما فى الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ، ما تقبل منهم ولهم عذاب
أليم . يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ، ولهم عذاب مقيم ﴾(٢).
ثم هددهم - سبحانه - بتهديد آخر فقال: ﴿وبدا لهم من اقه ما لم يكونوا
يحتسبون ﴾
أى : وظهر لهم يوم القيامة من ألوان العقوبات ، ومن فنون الآلام ، ما لم يكونوا فى الدنيا
يظنون أنه سيقع بهم ، وما لم يكن واردا فى حسبانهم .
قال صاحب الكشاف: وقوله - تعالى - ﴿وبدا لهم من اقه .. ﴾ وعيد لهم بعذاب
مادروا كنهه لفظاعته وشدته ، وهو نظير قوله - تعالى - فى الوعد : ﴿ فلا تعلم نفس ما
أخفى لهم من قرة أعين .. ﴾ .
والمعنى : وظهر من سخط الله وعذابه ، ما لم يكن قط فى حسابهم ، وما لم يحدثوا به
أنفسهم .
وقيل : عملوا أعمالا حسبوها حسنات ، فإذا هى سيئات .
وعن سفيان الثورى أنه قرأها فقال : ويل لأهل الرياء . ويل لأهل الرياء .
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ١٣٢.
(٢) سورة المائدة الآيتان ٣٦، ٣٧.
٢٣٤
المجلد الثانى عشر
وجزع بعض الصالحين عند موته ، فسئل عن سبب ذلك فقال : أخشى أن يبدو لى من اله
مالم أحتسبه، ثم قرأ هذه الآية))(١).
ثم تهديد ثالث يتمثل فى قوله - تعالى - : ﴿ وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا
به يستهزئون
والمراد بسيئات ما كسبوا : الأعمال السيئة التى اكتسبوها فى دنياهم ، وهذا البدو والظهور
يكون عند عرض صحائف أعمالهم عليهم. و((ما)) موصولة أو مصدرية .
أى : وظهر لهم عند عرض صحائف أعمالهم عليهم يوم القيامة ، الذى عملوه واكتسبوه فى
الدنيا من رذائل ﴿وحاق بهم ﴾ أى: وأحاط ونزل بهم العذاب الذى كانوا يستهزئون به فى
حياتهم ويتهكمون بمن كان يحذرهم منه فى الدنيا .
وبعد هذا التصوير الرهيب لمصير هؤلاء المشركين يوم القيامة ، عادت السورة إلى بيان
تناقضهم مع أنفسهم ، فهم إن سئلوا عمن خلق السموات والأرض ، قالوا : إن خالقها هو
الله ، ومع ذلك يعبدون غيره وتشمئز قلوبهم عند ذكره وحده .
وهم يتقربون إلى آلهتهم بالطاعات ، ومع ذلك فهم عند نزول الشدائد بهم ، ينسون تلك
الآلهة ويتجهون إلى الله - تعالى - وحده بالدعاء .
لنستمع إلى السورة الكريمة وهى تحكى أحوالهم فى السراء والضراء فتقول: ﴿فإذا مس
الإنسان ضر دعانا، ثم إذا خولتاه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم ... ﴾ .
والمراد بالإنسان هنا هو جنس الكفار ، بدليل سياق ، الآيات وسباقها ويصح أن يراد به
جنس الإِنسان عموما، ويدخل فيه الكفار دخولا أولياً .
أى : فإذا أصاب الإنسان ضر، من مرض أو فقر أو نحوهما ، دعانا قاعدا أو قائما . لكى
نکشف عنه ما نزل به من بلاء .
﴿ ثم إذا خولتاه نعمة منا .. ﴾ أى: ثم إذا أجبنا لهذا الإنسان دعوته وكشفنا عنه الضر
وأعطيناه على سبيل التفضل والإحسان نعمة من عندنا ، بأن حولنا مرضه إلى صحة ، وفقره
إلى غنى .
قال﴾ هذا الإنسان الظلوم الكفار ﴿إنما أوتيته على علم ﴾ منى بوجوه المكاسب، أو
على علم منى بأن سأعطى هذه النعمة ، بسبب استعدادى واجتهادى وتفوقى فى مباشرة
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ١٣٣.
٢٣٥
سورة الزمر
الأسباب التى توصل إلى الغنى والجاه .
وقال - سبحانه -: ﴿ خولناه ) لأن التخويل معناه العطاء بدون مقابل ، مع تكراره
مرة بعد مرة .
وجاء الضمير فى قوله ﴿أوتيته﴾ مذكرا مع أنه يعود إلى النعمة . لأنها بمعنى الإِنعام.
أى : إذا خولناه شيئاً من الإنعام الذى تفضلنا به عليه ، قال إنما أوتيته على علم وتبوغ
عندى .
وقوله - تعالى - ﴿بل هى فتنة﴾ رد لقوله ذلك، وزجر لهذا الجاحد عما تفوه به.
أى: ليس الأمر كما زعم هذا الجاحد ، فإننا ما أعطيناه هذه النعم بسبب علمه - كما
زعم - وإنما أعطيناه ما أعطيناه على سبيل الإحسان منا عليه، وعلى سبيل الابتلاء والاختبار
له ، ليتبين قوى الإِيمان من ضعيفه ، وليتميز الشاكر من الجاحد .
:ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أى: ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذه الحقائق ،
ولا يفطن إليها إلا من استنارت بصيرته ، وطهرت سريرته .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما السبب فى عطف هذه الآية بالفاء ، وعطف مثلها فى
أول السورة بالواو ؟ قلت: السبب فى ذلك أن هذه وقعت مسببة من قوله . ﴿إذا ذكر الله
وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ . على معنى أنهم يشمئزون من ذكر الله،
ويستبشرون بذكر الآلهة . فإذا مس أحدهم ضر دعا من اشمأز من ذكره ، دون من استبشر
بذكره ، وما بينهما من الآى اعتراض .. (١).
ثم بين - سبحانه - المصير السيئ للجاحدين السابقين ليعتبر بهم اللاحقون فقال: ﴿قد
قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون
والضمير فى قوله ﴿ قالها ﴾ يعود إلى ما حكاه - سبحانه - عن هذا الإنسان الجاحد من
قوله : ﴿ إنما أوتيته على علم ﴾.
فهذه الكلمة قد قالها قارون عندما نصحه الناصحون ، فقد رد عليهم بقوله ﴿ إنما أوتيته
على علم عندى ﴾ فكانت نهايته أن خسف الله به وبداره الأرض .
أى : قد قال هذه الكلمة الدالة على الجحود والغرور ، بعض الأقوام الذين سبقوا قومك .
والذين يشبهونهم فى البطر والكنود ، فكانت نتيجة ذلك أن أخذهم الله - تعالى - أخذ عزيز
مقتدر ، ولم ينفعهم شيئا ما جمعوه من حطام الدنيا ، وما اكتسبوه من متاعها .
( ١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ١٣٤.
٢٣٦
المجلد الثانى عشر
فأصابهم سيئات ماكسبوا .. ﴾ أى : فأصاب هؤلاء السابقين ، العقاب الذى يستحقونه
بسبب سيئاتهم التى اكتسبوها واقترفوها فى دنياهم .
فالكلام على حذف مضاف . أى : فأصابهم جزاء سيئات كسبهم بأن أنزل الله - تعالى -
بهم العقوبة التى يستحقونها بسبب إصرارهم على الكفر والمعاصى .
والذين ظلموا من هؤلاء ﴾ أى: من هؤلاء المشركين المعاصرين لك - أيها الرسول
الكريم - .
سيصيبهم ﴾ - أيضا - سيئات ما كسبوا ، كما أصاب الذين من قبلهم .
وما هم بمعجزين ﴾ أى: وماهم بفائتين أو هاربين من عذابنا.
﴿ أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾ أى: أعموا عن التفكر والإبصار،
ولم يشاهدوا بأعينهم أن الله - تعالى - يوسع الرزق لمن يشاء من عباده ، ويضيقه على من
يشاء أن يضيقه عليه منهم ، إذ أن ذلك مرجعه إلى مشيئته وحكمته - سبحانه - إذا سعة
الرزق ليست دليلا على رضاه، كما أن ضيقه ليس دليلا على غضبه .
إن فى ذلك﴾ الذى ذكرناه ﴿لآيات﴾ واضحات ﴿لقوم يؤمنون﴾ بالحق
ويستجيبون له ، وينتفعون بالهدايات التى نسوقها لهم .
وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة ، قد صورت حال المشركين أكمل تصوير ، كما بينت
ما أُعِدَّ لهم من عذاب مقيم ، بسبب إصرارهم على كفرهم ، وإعراضهم عن دعوة الحق .
ثم فتح - سبحانه - لعباده باب رحمته ، ونهاهم عن اليأس من مغفرته ، وأمرهم أن يتوبوا
إليه توبة صادقة نصوحا، قبل أن يفاجئهم الموت والحساب ، فقال - تعالى :
قُلْ يَعِبَادِىَّ الَّذِينَ أَسْرَ فُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَ طُواْ مِن
رَّحْمَةِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
٥٣
وَأَنِيبُوْ إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُو ◌ْلَهُ، مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ
الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴿٦)، وَأَّبِعُواْ أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ
إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ
بَغْتَةٌ وَأَنْتُرْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسُبَصْرَقَ
٢٣٧
سورة الزمر
٥٦
عَلَى مَا فَرَّطتُ فِى جَنْبٍ اللَّهِ وَ إِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّخِرِينَ
أَوْتَقُولَ لَوْأَنَّ اللَّهَ هَدَنِى لَكُنتُ مِنَ الْمُنَّقِينَ ﴿
٥٧
أَوْتَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوَأَنَّ لِى كَرَّةً فَأَكُونَ
﴿ بَلَ قَدْ جَاءَتَكَ ءَايَتِ فَكَذَّبْتَبِهَا
٥٨
مِنَ الْمُحْسِنِينَ
وَأَسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ
ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - ﴿ قل ياعبادي الذين أسرفوا على
أنفسهم﴾. روايات منها : ما رواه محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال : لما اجتمعنا
على الهجرة . تواعدت أنا وهشام بن العاص بن وائل السَّهْمى وعَّش بن أبى ربيعة بن
عتبة ، فقلنا : الموعد أَضَّاةٌ بنى غفار - أى : غدير بنى غفار - وقلنا : من تأخر منا فقد
حبس فليمض صاحبه فأصبحت أنا وعياش بن عتبة ، وحبس عنا هشام ، وإذا به قد فُتِن
فافتَتنَ ، فكنا نقول بالمدينة: هؤلاء قد عرفوا الله - عز وجل - وآمنوا برسوله - # - ،
ثم افتتنوا لبلاء لحقهم لا نرى لهم توبة ، وكانوا هم - أيضاً - يقولون هذا فى أنفسهم .
فأنزل الله - عز وجل - فى كتابه : ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم .. ﴾ إلى
﴾.
قوله - تعالى - ﴿ أليس فى جهنم مثوى للمتکبرین
قال ابن عمر : فكتبتها بيدى ، ثم بعثتها إلى هشام . قال هشام : فلما قدمت على خرجت
بها إلى ذى طوى فقلت : اللهم فهمنيها ، فعرفت أنها نزلت فينا ، فرجعت فجلست على
بعيرى فلحقت برسول انه - ﴾ - (١) .
والأمر فى قوله - تعالى -: ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من
رحمة الله﴾ موجه إلى الرسول -# - وإضافة العباد إلى الله - تعالى - للتشريف
والتكريم .
والإسراف : تجاوز الحد فى كل شىء ، وأشهر ما يكون استعمالا فى الإنفاق ، كما فى
قوله - تعالى -: ﴿ يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا
ولا تسرفوا
(١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٥ ص ٢٦٨، تفسير الآلوسى جـ ٢٤ ص ١٥.
٢٣٨
المجلد الثانى عشر
والمراد بالإسراف هنا : الإسراف فى اقتراف المعاصى والسيئات ، والخطاب للمؤمنين
المذنبين. وعدى الفعل ((أسرفوا)) بعلى، لتضمته معنى الجناية ، أى جنوا على أنفسهم .
والقُنُوط : اليأس ، وفعله من بابى ضرب وتعب . يقال : فلان قانط من الحصول على هذا
الشىء، أى يائس من ذلك ولا أمل له فى تحقيق ما يريده .
والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - لعبادى المؤمنين الذين جنوا على أنفسهم بارتكابهم
للمعاصى ، قل لهم: لا تيأسوا من رحمة الله - تعالى - ومن مغفرته لكم .
وجملة («إن الله يغفر الذنوب جميعا)) تعليلية. أى: لا تيأسوا من رحمة الله - تعالى -
لأنه هو الذى تفضل بمحو الذنوب جميعها . لمن يشاء من عباده المؤمنين العصاة .
﴿إنه﴾ - سبحانه - ﴿هو الغفور الرحيم﴾ أى: هو الواسع المغفرة والرحمة لمن
يشاء من عباده المؤمنين ، فهم إن تابوا من ذنوبهم قبل - سبحانه - توبتهم كما وعد تفضلا منه
وكرما ، وإن ما توا دون أن يتوبوا ، فهم تحت رحمته ومشيئته ، إن شاء غفر لهم ، وإن شاء
عذبهم ، ثم أدخلهم الجنة بفضله وكرمه .
أما غير المؤمنين، فإنهم إن تابوا من كفرهم ودخلوا فى الإسلام ، غفر - سبحانه -
ما كان منهم قبل الإسلام لأن الإسلام يجب ما قبله .
وإن ما توا على كفرهم فلن يغفراقه - تعالى - لهم، لقوله: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك
به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ .
قال الإمام الشوكانى: واعلم أن هذه الآية أرجى آية فى كتاب الله ، لا شتمالها على أعظم
بشارة، فإنه أولا: أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم، ومزيد تبشيرهم. ثم وصفهم
أبالإسراف فى المعاصى .. ثم عقب على ذلك بالنهى عن القنوط من الرحمة .. ثم جاء بما
لا يبقى بعده شك ولا يتخالج القلب عند سماعه ظن فقال: ﴿ إن الله يغفر الذنوب .. ﴾
فالألف واللام قد صيرت الجمع الذى دخلت عليه للجنس الذى يستلزم استغراق أفراده ، فهو
فى قوة إن الله يتفر كل تتب كائنا ما كان، إلا ما أخرجه النص القرآنى وهو الشرك.
ثم لم يكتف بما أخبر به عباده من مغفرة كل ذنب ، بل أكد ذلك بقوله ﴿ جميعا ﴾ فيالها
من بشارة ترتاح لها النفوس .. وما أحسن تحليل هذا الكلام بقوله : ﴿ إنه هو الغفور
﴾("".
الرحيم ..
وقال الجمل فى حاشيته ما ملخصه : وفى هذه الآية من أنواع المعانى والبيان أشياء حسنة ،
. (١) راجع تمسير فتح التدبير الشوكانى جـ ٤ ص ٤٧٠ .
:
٢٣٩
سورة الزمر
منها إقباله عليهم، ونداؤهم ، ومنها : إضافتهم إليه إضافة تشريف ، ومنها : الالتفات من
التكلم إلى الغيبة، فى قوله: ﴿من رحمة الله﴾، ومنها: إضافة الرحمة لأجل أسمائه الحسنى ،
ومنها: إعادة الظاهر بلفظه فى قوله: ﴿ إن الله يغفر﴾ ومنها: إبراز الجملة من قوله: ﴿إنه
هو الغفور الرحيم ﴾ مؤكدة بإن، والفصل، وبإعادة الصفتين اللتين تضمنتهما الجملة
السابقة .
وقال عبد الله بن مسعود وغيره : هذه أرجى آية فى كتاب الله تعالى(١).
وبعد أن فتح - سبحانه - لعباده باب رحمته فتحا واسعا كريما .. أتبع ذلك بحضهم على
التوبة والإنابة إليه، حتى يزيدهم من فضله وإحسانه فقال: ﴿وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له
من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تتصرون ﴾ .
أى قل لهم - أيها الرسول الكريم - لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ،
وارجعوا إليه بالتوبة والإنابة ، وأخلصوا له العبادة ، من قبل أن ينزل بكم العذاب الذى
لا تستطيعون دفعه ثم لا تجدون من ينجيكم منه .
فأنت ترى أن الآية الأولى بعد أن فتحت للعصاة باب رحمة الله على مصراعيه ، جاءت
الآية الثانية فحثتهم على التوبة الصادقة النصوح ، حتى تكون رحمة الله - تعالى - بهم أكمل
وأتم وأوسع ، فإن التوبة النصوح سبب فى تحويل السيئات إلى حسنات .
كما قال - تعالى - : ﴿ إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم
حسنات ، وكان الله غفوراً رحياً﴾(٢).
ثم أمرهم باتباع أوامر القرآن الكريم ونواهيه فقال: ﴿واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من
ربكم ﴾ .
أى: واتبعوا هذا القرآن الكريم ، الذى هو أحسن ما أنزله - سبحانه - إليكم ، بسبب
ما اشتمل عليه من هدايات سامية ، ومن تشريعات حكيمة . ومن آداب قريمة .
فإن اتباع ما اشتمل عليه هذا القرآن من توجيهات . يؤدى إلى السعادة فى الدنيا
والآخرة .
وقوله : ﴿من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون﴾ متعلق بالأمر بالاتباع،
وإرشاد إلى وجوب الامتثال بدون تأخير أو تسويف.
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٦٠٥.
(٢) سورة الفرقان الآية ٧٠.
٢٤٠
المجلد الثانى عشر
أى: سارعوا إلى اتباع إرشادات وتشريعات وآداب هذا القرآن ، من قبل أن ينزل بكم
العذاب فجأة وبدون مقدمات ، بحيث لا تشعرون بإتيانه إلا عند نزوله .
فالآية الكريمة تقرير وتأكيد لما قبلها : من الدعوة إلى المسارعة بالتوبة وبالعمل الصالح .
وقوله : ﴿ أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت فى جنب الله﴾ فى موضع المفعول
لأجله بتقدير مضاف محذوف .
أى : اتبعوا ما أمرناكم به ، واحذروا ما نهيناكم عنه ، كراهة أن تقول نفس يوم القيامة
﴿ يا حسرتا﴾ أى: يا ندامتى ﴿على ما فرطت فى جنب الله ... ﴾ أى: بسبب تفريطى
وتقصيرى فى طاعة الله ، وفى حقه - تعالى - .
وأصل الجنب والجانب : الجهة المحسوسة للشىء ، وأطلق على الطاعة على سبيل المجاز،
حيث شبهت بالجهة . بجامع تعلق كل منها - أى الجانب والطاعة - بصاحبه . إذ الطاعة لها
تعلق باقه - تعالى - . كما أن الجهة لها تعلق بصاحبها .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم نكرت ((نفس)) .؟ قلت : لأن المراد بها بعض
الأنفس وهى نفس الكافر . ويجوز أن يكون نفس متميزة من الأنفس: إما بلجاج فى الكفر
شديد ، أو بعذاب عظيم، ويجوز أن يراد التكثير ، كما قال الأعشى :
وناديت قوما بالمسناة غيبا
دعا قومه حولى فجاءوا لنصره
أتانى کریم ینفض الرأس مغضبا
ورب بقيع لو هتفت بجوه
وهو يريد: أفواجا من الكرام ينصرونه ، لا كريما واحدا .. (١).
وجملة: ﴿وإن كنت لمن الساخرين﴾ فى محل نصب على الحال . أى: فرطت فى جنب
الله وطاعته ، والحال أنى لم أكن إلا من الساخرين بدينه ، المستهزئين بأتباع هذا الدين الحق .
قال قتادة : لم يكنه أنه ضيع طاعة اللّه حتى سخر من أهلها .
ثم ذكر - سبحانه - مقالة أخرى مما تقوله تلك النفس فقال: ﴿ أو تقول لو أن اقه
هدانى﴾ إلى طاعته واتباع دينه ﴿لكنت من المتقين) للشرك والمعاصى، ومن الذين صانوا
أنفسهم عما يغضبه - سبحانه - ولا يرضيه .
ثم ذكر - سبحانه - مقالة ثالثة لها فقال: ﴿ أو تقول) هذه النفس ﴿ حين ترى.
العذاب﴾. فى الآخرة ﴿ لو أن لى كرة﴾ أى رجعة إلى الدنيا ﴿فأكون ﴾ فيها ﴿ من
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ١٣٦.