النص المفهرس
صفحات 161-180
:
١٦١ :
سورة ص
والحقّ أن ما ذهب إليه كثير من المفسرين من أن سليمان - عليه السلام - شغل
باستعراض الخيل عن صلاة العصر ، وأنه أمر بضرب سوقها وأعناقها .. لا دليل عليه لا من
النقل الصحيح ولا من العقل السليم ..
وأن التفسير المقبول للآية هو ما ذكره الإمام الرازى والإِمام ابن حزم ، وما سبق أن
ذكرناه من أن المقصود بقوله - تعالى -: ﴿ فطفق مسحا بالسوق والأعناق ﴾ إنما هو
تكريمها ..
وأن الضمير فى قوله: ﴿حتى توارت ﴾ يعود إلى الصافنات لأنه أقرب مذكور.
ثم تحدثت الآيات الكريمة بعد ذلك عن فتنة سليمان - عليه السلام - فقال - تعالى - :
ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب .. ﴾ .
وقوله: ﴿ فتنا﴾ من الفتن بمعنى الابتلاء والاختبار والامتحان. تقول: فتنت الذهب
بالنار ، أى : اختبرته لتعلم جودته ..
قال الآلوسى : وأظهر ما قيل فى فتنة سليمان - عليه السلام - أنه قال: لأطوفن الليلة
على سبعين امرأة . تأتى كل واحدة بفارس يجاهد فى سبيل الله - تعالى - ولم يقل إن شاء
الله . فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة وجاءت بشق رجل .
وقد روى ذلك الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة مرفوعا، وفيه: ((فوالذي نفس محمد
بيده لو قال إن شاء اته لجاهدوا فرسانا)).
ولكن الذى فى صحيح البخارى أربعين بدل سبعين . وأن الملك قال له : قل إن شاء اللّه ،
فلم يقل - أى فلم يقل ذلك على سبيل النسيان ..
والمراد بالجسد ذلك الشق الذى ولدته له . ومعنى إلقائه على كرسيه: وضع القابلة له عليه
ليراء(١).
وقد ذكروا أن سليمان: إنما قال: (( تحمل كل امرأة فارسا يجاهد فى سبيل الله )) على سبيل
التمنى للخير ، وطلب الذرية الصالحة المجاهدة فى سبيل الله .
ومعنى ((فلم يقل)) أى: بلسانه على سبيل النسيان ، والنسيان معفو عنه، إلا أن سليمان
- عليه السلام - لسمو منزلته اعتبر ذلك ذنبا يستحق الاستغفار منه ، فقال بعد ذلك «رب
اغفر لى ... )).
۔
(١) تفسير الآلوسي جـ ٢٣ ص ١٩٨.
١٦٢
المجلد الثانى عشر
وقوله: ((لأطوفن الليلة ... )) كناية عن الجماع . قالوا: ولعل المقصود . طوافه عليهن
ابتداء من تلك الليلة ، ولا مانع من أن يستغرق طوافه بهن عدة ليال .
وقد استنبط العلماء من هذا الحديث أن فتنة سليمان، هى تركه تعليق ما طلبه على مشيئة
اللّه ، وأن عقابه على ذلك كان عدم تحقق ما طلبه .
وهذا الرأى فى تقديرنا هو الرأى الصواب فى تفسير الآية الكريمة لأنه مستند إلى حديث
صحيح ثابت فى الصحيحين وفى غيرهما ، ولأنه يتناسب مع عصمة الأنبياء وسمو منزلتهم ، فإن
النسيان الذى لا يترتب عليه ترك شىء من التكاليف التى كلفهم الله - تعالى - بها جائز
عليهم .
وقد ذكرنا عند تفسيرنا لقوله - تعالى -: ﴿ ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك غدا إلا أن
يشاء الله ﴾ أن الوحى مكث فترة لم ينزل على رسول الله -* - لأنه نسى أن يقول -
عندما سأله المشركون عن بعض الأشياء إن شاء الله ، وقال سأجيبكم على ما سألتمونى عنه
غدا .(١) .
ومن العلماء من آثر عدم تعيين الفتنة التى اختبر الله - تعالى - بها سيدنا سليمان - عليه
السلام - ، بتركه المشيئة ، فقال بعد أن ذكر الحديث السابق : وجائز أن تكون هذه الفتنة
التى تشير إليها الآيات هنا وأن يكون الجسد هو هذا الوليد الشق ، ولكن هذا مجرد احتمال .
ثم قال : وكل ما نخرج به هو أنه كان هناك ابتلاء من الله وفتنة لنبى الله سليمان - عليه
السلام - فى شأن يتعلق بتصرفاته فى الملك والسلطان ، كما يبتلى الله أنبياءه ليوجههم
ويرشدهم . ويبعد خطاهم عن الزلل ، وأن سليمان أناب إلى ربه ورجع . وطلب المغفرة ، واتجه .
إلى اللّه بالرجاء والدعاء .. (٢).
ونرى أنه رأى لا بأس به ، وإن كنا نؤثر عليه الرأى السابق لاستناده فى استنباط المراد
من الفتنة هنا إلى الحديث الصحيح .
هذا . وهناك أقوال أخرى ذكروها فى المقصود بفتنة سليمان وبالجسد الذى ألقاه الله على
كرسى سليمان ، وهى أقوال ساقطة ، تتنافى مع عصمة الأنبياء - عليهم السلام - .
ومن هذه الأقوال قول بعضهم : إن الجسد الذى ألقى على كرسى سليمان ، عبارة عن
شيطان تمثل له فى صورة إنسان ، ثم أخذ من سليمان خاتمه الذى كان يصرف به ملكه . وقعد
: (١) راجع تفسيرنا لسورة الكهف ص ٤٩٨ .
( ٢) راجع تفسير فى ظلال القرآن جـ ٢٣ ص ١٠٠.
١٦٣
سورة ص
ذلك الشيطان على كرسى سليمان ، ولم يعد لسليمان ملكه إلا بعد أن عثر على خاتمه .
وقول بعضهم : إن سبب فتنة سليمان - عليه السلام - هو سجود إحدى زوجاته لتمثال
أبيها الذى قتله سليمان فى إحدى الحروب ، وقد بقيت على هذه الحال هى وجوارها أربعين
ليلة ، دون أن تعلم سليمان بذلك .
وقول بعضهم : إن سبب فتنة سليمان أنه وُلِدَ له ولد فخاف عليه من الشياطين ، فأمر.
السحاب بحفظه وتغذيته . ولكن هذا الولد وقع ميتا علی کرسی سلیمان ، فاستغفر سليمان ربه.
لأنه لم يعتمد عليه فى حفظ ابنه . إلى غير ذلك من الأقوال الساقطة الباطلة ، التى تتنافى مع
عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - . وتتنافى - أيضا - مع كل عقل سليم ، ولا
مستند لها إلا النقل عن الإسرائيليات وعن القصاص الذين يأتون بقصص ماأنزل الله بها من
سلطان(١).
قال أبو حيان - رحمه الله - : نقل المفسرون فى هذه الفتنة وفى إلقاء الجسد أقوالا يجب
براءة الأنبياء منها ، يوقف عليها فى كتبهم ، وهى مما لا يحل نقلها ، وهى إما من أوضاع
اليهود ، أو الزنادقة ، ولم يبين الله - تعالى - الفتنة ما هى، ولا الجسد الذى ألقاه على
کرسی سلیان .
وأقرب ما قيل فيه ، أن المراد بالفتنة كونه لم يستثن فى الحديث الذى قال فيه : لأطوفن
الليلة على سبعين امرأة .. والجسد الملقى هو المولود شق رجل .. (٢).
وقوله - سبحانه -: ﴿ قال رب اغفر لى وهب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى ... ﴾
بيان لما قاله سليمان - عليه السلام - بعد الابتلاء والاختبار من الله - تعالى - له .
أى : قال سليمان - عليه السلام - يارب اغفر لى ما فرط منى من ذنوب وزلات ..
{وهب لى ملكا﴾ عظيما ﴿لا ينبغى لأحد من بعدى﴾ أى: لا يحصل مثله لأحد من
الناس من بعدى ﴿إنك أنت﴾ يا إلهى ﴿الوهاب) أى: الكثير العطاء لمن تريد عطاءه.
وقدم سليمان - عليه السلام - طلب المغفرة على طلب الملك ، للإشارة إلى أنها هى الأهم
عنده .
قال الإمام الرازى - رحمه الله - : دلت هذه الآية على أنه يجب تقديم مهم الدين على
مهم الدنيا ، لأن سليمان طلب المغفرة أولا ، ثم بعدها طلب المملكة، وأيضا الآية تدل على أن
(١) راجع تفسير ابن جرير جـ ٢٣ ص ١٠١. والآلوسى جـ ٢٣ ص ٢٠٠ وغيرهما .
( ٢) راجع تفسير البحر المحيط لأبي حيان جـ ٧ ص ٣٩٧ .
١٦٤
المجلد الثانى عشر
طلب المغفرة من الله - تعالى - سبب لانفتاح أبواب الخيرات فى الدنيا ، لأن سليمان طلب:
المغفرة أولا ، ثم توسل به إلى طلب المملكة (١) .
ولا يقال كيف طلب سليمان - عليه السلام - الدنيا والملك مع حقارتها إلى جانب الآخرة
وما فيها من نعيم دائم ؛ لأن سليمان - عليه السلام - ما طلب ذلك إلا من أجل خدمة دينه
وإعلاء كلمة الله فى الأرض ، والتمكن من أداء الحقوق لأصحابها ، ونشر العدالة بين الناس ،
وإنصاف المظلوم، وإعانة المحتاج . وتنفيذ شرع الله - تعالى - على الوجه الأكمل .
فهو - عليه السلام - لم يطلب الملك للظلم أو البغى .. وإنما طلبه للتقوى به على تنفيذ
شريعة الله - تعالى - فى الأرض .
ولقد وضح الإمام القرطبى هذا المعنى فقال : كيف أقدم سليمان على طلب الدنيا ، مع ذمها
من الله - تعالى -... ؟
فالجواب : أن ذلك محمول عند العلماء على أداء حقوق الله - تعالى - وسياسة ملكه ،
وترتيب منازل خلقه ، وإقامة حدوده . والمحافظة على رسومه وتعظيم شعائره ، وظهور
عبادته ، ولزوم طاعته ... وحوشى سليمان - عليه السلام - أن يكون سؤاله طلبا لنفس
الدنيا . لأنه هو والأنبياء ، أزهد خلق الله فيها ، وإنما سأل مملكتها قه . كما سأل نوح دمارها
وهلاكها قه ، فكانا محمودين مجابين إلى ذلك .
ومعنى قوله ﴿ لا ينبغى لأحد من بعدى ﴾ أى: أن يسأله . فكأنه سأل منع السؤال بعده ،
حتى لا يتعلق به أمل أحد، ولم يسأل منع الإجابه .. (٢) .
والفاء فى قوله - تعالى -: ﴿ فسخرنا له الريح تجرى بأمره رخاء حيث أصاب ﴾
للتفريع على ما تقدم من طلب سليمان من ربه أن يهبه ملكا لا ينبغى لأحد من بعده .
والتسخير : التذليل والانقياد . أى : دعانا - سليمان - عليه السلام والتمس منا أن نعطيه
ملكا لا ينبغى لأحد من بعده ، فاستجبنا له دعاءه . وذللنا له الريح ، وجعلناها منقادة لأمره
بحيث تجرى بإذنه رخية لينة ، إلى حيث يريدها أن تجرى .
وقوله: ﴿ تجرى﴾ حال من الريح. وقوله ﴿بأمره) من إضافة المصدر لفاعله. أى:
بأمره إياها . ولا تنافى بين هذه الآية وبين قوله - تعالى - فى آية أخرى: ﴿ ولسليمان الريح
عاصفة تجرى بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها ... ﴾(٢) لأن المقصود من الآيتين بيان أن "
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ١٩٦.
( ٢) تفسير القرطبى جـ ١٥ ص ٣٠٤ .
(٣) سورة الأنبياء الآية ٨١
١٦٥
سورة ص
الريح تجرى بأمر سليمان ، فهى تارة تكون لينة وتارة تكون عاصفة ، وفى كلتا الحالتين هى .
تسير بأمره ورغبته .
وقوله: ﴿ والشياطين كل بناء وغواص﴾ معطوف على الريح أى: سخرنا له الريح
تجرى بأمره .. وسخرنا له الشياطين . بأن جعلناهم منقادين لطاعته ، فمنهم من يقوم ببناء
المبانى العظيمة التى يطلبها سليمان منهم . ومنهم الغواصون الذين يغوصون فى البحار
ليستخرجوا له منها اللؤلؤ والمرجان ، وغير ذلك من الكنوز التى اشتملت عليها البحار .
وقوله - سبحانه -: ﴿وآخرين مقرنين فى الأصفاد ﴾ معطوف على كل بناء ، داخل معه
فى حكم البدل من الشياطين .
أى : أن الشياطين المسخرين لسليمان كان منهم البناءون ، وكان منهم الغواصون ، وكان
منهم المقيدون بالسلاسل والأغلال ، لتمردهم وكثرة شرورهم .
فمعنى ((مقرنين)»: مقرونا بعضهم ببعض بالأغلال والقيود. والأصفاد: جمع صَفَد وهو
ما يوثق به الأسير من قيد وغُلّ .
ثم بين - سبحانه - أنه أباح لسليمان - عليه السلام - أن يتصرف فى هذا الملك الواسع
كما يشاء فقال: ﴿ هذا عطاؤنا﴾ أى: منحنا هذا الملك العظيم لعبدنا سليمان - عليه
السلام - وقلنا له : هذا عطاؤنا لك ﴿ فامنن أو أمسك بغير حساب ﴾ أى: فأعط من شئت
منه . وأمسك عمن شئت. فأنت غير محاسب منا لا على العطاء ولا على المنع .
ثم بين - سبحانه - ما أعده لسليمان - عليه السلام - فى الآخرة ، فقال: ﴿وإن له
عندنا﴾ أى فى الآخرة ﴿لزلفى) لقربى وكرامة ﴿وحسن مآب﴾ أى: وحسن مرجع
إلينا يوم القيامة .
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن أيوب - عليه السلام - فذكرت نداءه لربه ،
واستجابة الله - تعالى - له وما وهبه من نعم جزاء صبره ، فقال - تعالى - :
وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُبَ إِذْنَادَى رَبَّهُ وَأَنِى مَسَّنِىَ الشَّيْطَانُ
بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ، أَرَّكُضْ بِحْلِكٌ هَذَا مُعْتَسَلٌ بَرِدُ وَشَرَابٌ ()
وَوَهَبْنَهُ: أَهْلَهُ, وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ
٤٣
١٦٦
المجلد الثانى عشر
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْنَافَأَضْرِبِيِّهِم وَلَا تَحْنَكَّ إِنَّ وَجَدْتَهُ صَابِرَاً
(٤٤
نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَابٌ
قال الإمام الرازى : اعلم أن قصة أيوب هى القصة الثالثة من القصص المذكورة فى هذه
السورة ، واعلم أن داود وسليمان كانا ممن أفاض الله عليه أصناف الآلاء والنعماء ، وأيوب كان
ممن خصه الله بأنواع البلاء ، والمقصود من جميع هذه القصص الاعتبار.
فكأن الله - تعالى - يقول لنبيه -# - : اصبر على سفاهة قومك ، فإنه ما كان فى
الدنيا أكثر نعمة ومالا من داود وسليمان، وما كان أكثر بلاء ومحنة من أيوب ، فتأمل فى أحوال
هؤلاء لتعرف أن أحوال الدنيا لا تنتظم لأحد، وأن العاقل لابد له من الصبر على
المكاره .. (١) .
وأيوب - عليه السلام - هو ابن أموص بن برزاح ، وينتهى نسبه إلى إسحاق بن ابراهيم
- عليهما السلام - وكانت بعثته على الراجح بين موسى ويوسف - عليهما السلام - .
وكان صاحب أموال كثيرة ، وله أولاد .. فابتلى فى ماله وولده وجسده ، وصبر علی کل ذلك
صبرا جميلا، فكافأه الله - تعالى - على صبره ، بأنَ أجاب دعاءه ، وآتاه أهله ومثلهم
معهم ..
وقوله - سبحانه -: ﴿واذكر عبدنا أيوب ... ﴾ معطوف على قوله - تعالى - قبل
واذكر عبدنا داود ...
ذلك :
.
و ((النّصْب)) - بضم فسكون - وقرأ حفص ونافع - بضم النون والصاد : - التعب
والمشقة مأخوذ من قولهم أنصبنى الأمر ، إذا شق عليه وأتعبه . والعذاب : الآلام الشديدة التى
يحس بها الإِنسان فى بدنه . أى : واذكر - أيها الرسول الكريم - حال أخيك أيوب - عليه
السلام - حين دعا ربه - تعالى - فقال : يارب أنت تعلم أنى مسنى الشيطان بالهموم
الشديدة ، وبالآلام المبرحة التى حلت بجسدى فجعلتنى فى نهاية التعب والمرض .
وجمع - سبحانه - فى بيان ما أصابه بين لفظى النصب والعذاب ، للإشارة إلى أنه قد
أصيب بنوعين من المكروه : الغم الشديد بسبب زوال الخيرات التى كانت بين يديه ، وهو
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ١٩٨.
١٦٧
سورة ص
ما يشير إليه لفظ ((النصب)) والألم الكثير الذى حل بجسده بسبب الأمراض والأسقام،
والعلل، وهو ما يشير إليه لفظ ((العذاب)) ..
ونسب ما مسه من نصب وعذاب إلى الشيطان تأدبا منه مع ربه - عز وجل - حيث أبى أن
ينسب الشر إليه - سبحانه - ، وإن كان الكل من خلق الله - تعالى - .
وفى هذا النداء من أيوب لربه ، أسمى ألوان الأدب والإجلال ، إذ اكتفى فى تضرعه بشرح
حاله دون أن يزيد على ذلك ، ودون أن يقترح على خالقه - عز وجل - شيئا معينا ، أو يطلب
شيئا معينا .
قال صاحب الكشاف : ألطف أيوب - عليه السلام - فى السؤال حيث ذكر نفسه بما
يوجب الرحمة .. ولم يصرح بالمطلوب .
ويحكى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت له : يا أمير المؤمنين ، مشت
جرذان - أى فئران - بيتى على العصا !! فقال لها : ألطفت فى السؤال ، لا جرم لأجعلتها تتب
وثب الفهود ، وملأ بيتها حبا(١) ..
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى سورة الأنبياء : ﴿وأيوب إذ نادى ربه أنى مسنى
الضر وأنت أرحم الراحمين ﴾ .
وقد ذكر بعض المفسرين هنا قصصا وأقوالا فى غاية السقوط والفساد ، حيث ذكروا أن
أيوب - عليه السلام - مرض زمنا طويلا ، وأن الديدان تناثرت من جسده ، وأن لحمه قد
تمزق(٢).
وهذه كلها أقوال باطلة ، لأن الله - تعالى - عصم أنبياءه من الأمراض المنفرة ، التى
تؤدى إلى ابتعاد الناس عنهم، سواء أكانت أمراضا جسدية أم عصبية أم نفسية ..
والذى يجب اعتقاده أن الله - تعالى - قد ابتلى عبده أيوب ببعض الأمراض التى لا تتنافى
مع منصب النبوة ، وقد صبر أيوب على ذلك حتى ضرب به المثل فى الصبر ، فكانت عاقبة
صبره أن رفع الله - تعالى - عنه الضر والبلاء ، وأعطاه من فضله الكثير من نعمه .
وقوله - سبحانه - : ﴿ اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ﴾ حكاية لما قيل له بعد
ندائه لربه ، أو مقول لقول محذوف معطوف على قوله ﴿نادى ﴾ .
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ١٣٠.
(٢) راجع على سبيل المثال تفسير الآلوسى جـ ٢٣ ص ٣٠٦، والقرطبى جـ ١٥ ص ٢٠٨.
١٦٨
المجلد الثانى عشر
وقوله: ﴿ اركض﴾ بمعنى الدفع والتحريك للشىء. يقال: ركض فلان الدابة برجله إذا
دفعها وحركها بها .
والمغتسل : اسم للمكان الذى يغتسل فيه ، والمراد به هنا : الماء الذى يغتسل به .
وقوله : ﴿ هذا مغتسل﴾ مقول القول محذوف.
والمعنى : لقد نادانا عبدنا أيوب بعد أن أصابه من الضر ما أصابه، والتمس منا الرحمة
والشفاء مما نزل به من مرض ، فاستجبنا له دعاءه ، وأرشدناه الى الدواء ، بأن قلنا له :
((اركض برجلك)» أى: اضرب بها الأرض ، فضربها فنبعت من تحت رجله عين الماء ، فقلنا
له : هذا الماء النابع من العين إذا اغتسلت به وشربت منه ، برئت من الأمراض ، ففعل ما
أمرناه به ، فبرئُ بإذننا من كل داء .
ثم بين - سبحانه - أنه بفضله وكرمه لم يكتف بمنح أيوب الشفاء من مرضه ، بل أضاف
إلى ذلك أن وهب له الأهل والولد فقال - تعالى -: ﴿ووهبنا له أهله ومثلهم معهم، رحمة
منا وذكرى لأولى الألباب ﴾ .
والآية الكريمة معطوفة على كلام مقدر يفهم من السياق أى ؛ استجاب أيوب لتوجيهنا ،
فاغتسل وشرب من الماء ، فكشفنا عنه ما نزل به من بلاء ، وعاد أيوب معافى ، ولم نكتف
بذلك بل وهبنا له أهله . ووهبنا له ﴿ مثلهم معهم ﴾ أى: بأن رزقناه بعد الشفاء أولادا كعدد
الأولاد الذين كانوا معه قبل شفائه من مرضه، فصار عددهم مضاعفا .
وذلك كله ﴿رحمة منا﴾ أى من أجل رحمتنا به ﴿وذكرى لأولى الألباب﴾ أى: ومن
أجل أن يتذكر ذلك أصحاب العقول السليمة ، فيصبروا على الشدائد كما صبر أيوب ،
ويلجأوا إلى الله - تعالى - كما لجأ، فينالوا منا الرحمة والعطاء الجزيل .
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله: ﴿ووهبنا له أهله ﴾ الجمهور على أنه - تعالى - أحيا له
من مات من أهله ، وعافى المرضى ، وجمع له من تشتت منهم ، وقيل - وإليه أميل - وهبه من
كان حيا منهم ، وعافاه من الأسقام ، وأرغد لهم العيش فتتاسلوا حتى بلغ عددهم عدد من
مضى ، ومثلهم معهم ، فكان له ضعف ما كان ، والظاهر أن هذه الهبة كانت فى الدنيا(١).
ثم بين - سبحانه - منة أخرى من المنن التى من بها على عبده أيوب فقال: ﴿وخذ بيدك
ضغتا فاضرب به ولا تحنث ، إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب ﴾ .
(١) تغير الآلوسى جـ ٢٣ ص ٢٠٧.
١٦٩
سورة ص
والجملة الكريمة معطوفة على قوله قبل ذلك: ﴿اركض﴾ أو على ﴿وهبنا﴾ بتقدير:
وقلنا له .
والضغث فى اللغة : القبضة من الحشيش اختلط فيها الرطب باليابس . وقيل : هى قبضة
يجمعها أصل واحد .
من عيدان مختلفة
والحنث : يطلق على الإِثم وعلى الخَلْفِ فى اليمين .
والآية الكريمة تفيد أن أيوب - عليه السلام - قد حلف أن يضرب شيئا وأن عدم الضرب
يؤدى إلى حتثه فى يمينه ، أى : إلى عدم وفائه فيما حلفه عليه ، فنهاه الله - تعالى - عن الحنث
فى يمينه ، وأوجد له المخرج الذى يترتب عليه البر فى يمينه دون أن يتأذى المضروب بأى أذى
يؤمه .
وقد ذكروا فيمن وقع عليه الضرب وسبب هذا الضرب ، روايات لعل أقربها إلى الصواب ،
أن أيوب أرسل امرأته فى حاجة له فأبطأت عليه ، فأقسم أنه إذا برىء من مرضه ليضر بنها
مائة ضربة ، وبعد شفائه رخص له ربه أن يأخذ حزمة صغيرة - وهى المعبر عنها بالضغث -
وبها مائة عود ، ثم يضرب بها مرة واحدة ، وبذلك يكون قد جمع بين الوفاء بيمينه ، وبين
الرحمة بزوجته التى كانت تحسن خدمته خلال مرضه ، وتقوم بواجبها نحوه خير قيام .
والمعنى : وهبنا له بفضلنا ورحمتنا أهله ومثلهم معهم ، وقلنا له بعد شفائه خذ بيدك حزمة
صغيرة من الحشيش فيها مائة عود ، فاضرب بها من حلفت أن تضربه مائة ضربة ، وبذلك
تكون غير حانث فى يمينك .
هذا وقد تكلم العلماء عن هذه الرخصة . أهى خاصة بأيوب ، أم هى عامة للناس ؟ .
فقال بعضهم : إذا حلف الشخص أن يضرب فلانا مائة جلدة ، أو أن يضربه ضربا غير
شديد ، فيكفيه مثل هذا الضرب المذكور الذى جاء فى الآية ؛ لأن شرع من قبلنا شرع لنا .
وقال آخرون : هذه الرخصة خاصة بأيوب - عليه السلام - ولا تنسحب إلى غيره ، لأن
الخطاب إليه وحده . ولأن الله - تعالى - لم يبين لنا فى الآية كيفية اليمين ، ولا من يقع عليه
الضرب(١) .
ثم بين - سبحانه - أنه جعل لعبده أيوب هذا المخرج لصبره وكثرة رجوعه إلى ما يرضيه
- تعالى - فقال: ﴿إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب ﴾ .
(١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٥ ص ٢١٢. وتفسير الآلوسى جـ ٢٣ ص ٢٠٨ .
١٧٠
المجلد الثانى عشر
أى : إنا وجدنا عبدنا أيوب صابرا على ما أصبناه به من بلاء ، ونعم العبد هو . إنه كثير
الرجوع إلينا فى كل أحواله .
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لنا جانبا من فضائل أيوب - عليه السلام - ومن
النعم التى أنعم الله - تعالى - بها عليه جزاء صبره وطاعته لربه .
وبعد أن عرض - سبحانه - قصص داود وسليمان وأيوب بشىء من التفصيل . أتبع ذلك
بالحديث عن عدد من الأنبياء على سبيل الإجمال ، فقال - تعالى - :
وَأَذَّكُرْ عِبَدَنَّ إِنَّهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ
أُوْلِ الْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ ®) إِنَّا أَنْلَصْنَهُم بِخَالِصَةِذِكْرَى
الدَّارِ ، وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ اُلْأَخْيَارِ ، وَأَذَّكُرْ
٤٨
إِسْمَعِيلَ وَالْيَسعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلُّ مِنَ الْأَخْيَارِ
R
أى : واذكر - أيها الرسول الكريم - حال عبادنا إبراهيم وإسحاق ، ويعقوب . أصحاب
القوة فى الطاعة ، وأصحاب البصيرة المشرقة الواعية فى أمور الدين .
فالأيدى مجاز مرسل عن القوة ، والأبصار جمع بصر بمعنى بصيرة على سبيل المجاز -
أيضا - ويصح أن يكون المراد بقوله: ﴿أولى الأيدى والأبصار﴾ أى: أصحاب الأعمال
الجليلة ، والعلوم الشريفة ، فيكون ذكر الأيدى من باب ذكر السبب وإرادة المسبب ،
والأبصار بمعنى البصائر ، لأن عن طريقها تكون العلوم النافعة .
قال صاحب الكشاف : قوله: ﴿أولى الأيدى والأبصار) يريد: أولى الأعمال والفكر،
كأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة ، ولا يجاهدون فى الله، ولا يفكرون أفكار ذوى
الديانات ، ولا يستبصرون ، كأن هؤلاء فى حكم الزمنى - أى المرضى - الذين لا يقدرون
على إعمال جوارحهم . والمسلوبى العقول الذين لا استبصار بهم . وفيه تعريض بكل من لم
يكن من عمال الله ، ولا من المستبصرين فى دين الله ، وتوبيخ على تركهم المجاهدة والتأمل ،
مع كونهم متمكنين منها(١) ..
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٩٩.
١٧١
سورة ص
ثم بين - سبحانه - أسباب وصفهم بتلك الأوصاف الكريمة ، فقال - تعالى - : ﴿ إنا
أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار ... ﴾ .
ومعنى: ﴿ أخلصناهم﴾ خالصين لطاعتنا وعبادتنا. والباء فى قوله ﴿بخالصة ﴾
للسببية . وخالصة اسم فاعل . والتنوين فيها للتفخيم، وهى صفة لمحذوف .
ذكرى الدار ﴾ بيان لها بعد إبهامها للتفخيم . أو محلها النصب بإضمار أعنى .. أو
الرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف أى : هى .
و﴿ ذكرى﴾ مصدر مضاف لمفعوله، وتعريف الدار للعهد. أى: الدار الآخرة.
والمعنى : إنا جعلنا هؤلاء العباد - وهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب - خالصين لطاعتنا
وعبادتنا ، متبعين لأوامرنا ونواهينا ، لا تصافهم بخصلة خالصة من كل مالا يرضينا ، وهى
تذكرهم للدار الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب .
وقرأ نافع ﴿ بخالصةِ ﴾ بدون تنوين على الإضافة لذكرى. من إضافة الصفة إلى
الموصوف . أو المصدر لفاعله إن جعلت خالصة مصدرا كالعاقبة .
أى : أخلصناهم بأن خلصت لهم ذكرى الدار .
ثم أثنى عليهم - سبحانه - بثناء آخر فقال : ﴿ وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار )
أى: وإن هؤلاء العباد ، لهم عندنا ممن اصطفيناهم لحمل رسالتنا ، واخترناهم لتبليغ
دعوتنا . ومن العباد الأخيار . أى : الذين يفضلون على غيرهم فى المناقب الحميدة ، والصفات
الكريمة . جمع خير - بإسكان الياء - أفعل تفضيل .
ثم أثنى - سبحانه - على عدد آخر من عباده الصالحين فقال: ﴿واذكر إسماعيل واليسع
من الاخيار
وذا الكفل وکل
وإسماعيل هو ابن ابراهيم - عليهما السلام - ، ولم يذكر فيما سبق مع أبيه ومع أخيه
اسحاق ، ومع ابن أخيه يعقوب ، اعتناء بشأنه ، وللإشارة إلى عراقته فى الصبر وفى تحمل
الشدائد .
واليسع : هو ابن شافاط أو أخطوب : قيل استخلفه إلياس من بعده على بنى إسرائيل ، ثم
منحه الله - تعالى - النبوة . وكانت وفاته فى حوالى سنة ٨٤٠ ق. م ودفن بالسامرة .
وذا الكفل : هو ابن أيوب . بعثه الله - تعالى - بعد أبيه، وكان مقيما بالشام. والأكثرون
على أنه نبى لذكره معهم .
١٧٢
المجلد الثانى عشر
وقيل : هو رجل صالح من بنى اسرائيل . ولم يكن نبيا ، وسمى بذلك لأنه تكفل لأحد
أنبيائهم بالقيام بالطاعات فوفى بذلك .
والتنوين فى قوله - تعالى -: ﴿وكل من الأخيار) عوض عن المضاف إليه . أى:
وكل هؤلاء العباد الذين ذكرناهم ، من أهل الخير والفضل والصلاح والصبر على الأذى .
ثم عقبت السورة الكريمة على ذلك ، بعقد مقارنة بين عاقبة المؤمنين الصادقين ، وعاقبة
الكافرين الجاحدين ، وذكرت جانبا مما يدور بين أهل النار من مجادلات .. فقال - تعالى - :
هَذَاذِكْرٌ
ج
وَإِنَّلِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَثَابٍ ﴿٦ جَنَّتِ عَدْنٍ مُّفَنَّحَةٌ لَُّ الْأَتْوَبُ
مُتَّكِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ !
٥١
وَعِنْدَ هُمْ قَصِرَتُّ الطَّرْفِ أَنْرَابٌ ﴿٥، هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَّوْمِ
هَذَا وَإِنَّ
ج
اْحِسَابِ ﴿ إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ @
لِلَّفِينَ لَشَرَّمَتَانٍ ﴿١٥ جَهَّ يَصْلَوَنَهَا فَبِئْسَ اَلْهَادُ فَ هَذَا
فَلْيَذُ وقُوهُ حَمِيعٌ وَغَسَّاقٌ ﴿٦، وَءَآخَرٌ مِن شَكْلِهِ أَزْوَيُ
هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لَ مَرْحَبَأْيِهِمْ إِنَهُمْ صَالُوا النَّارِ
٦٠
قَالُواْبَلْ أَنْتُقْ لَا مَرْ حَبًّا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّ مْتُمُوهُ لَنَا فَتْسَ الْقَرَارُ
٦١
قَالُواْرَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِالنَّارِ
وَقَالُواْمَا لَنَا لَا فَرَىْ رِجَالًا كُنَافَعُلُّهُم مِّنَ الأَشْرَارِ () أَّخَذْتَهُمْ
سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَرُ ﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَقْ تَخَاصُ أَهْلِ
النَّارِ
٦٤
١٧٣
سورة ص
قال الآلوسى: ((هذا)) إشارة إلى ما تقدم من الآيات الناطقة بمحاسنهم ((ذكر)) أى :
شرف لهم ... والمراد أن فى ذكر قصصهم ... شرف عظيم لهم .
أو المعنى : هذا المذكور من الآيات نوع من الذكر الذى هو القرآن ، وذكر ذلك للانتقال
من نوع من الكلام إلى آخر ، كما يقول الجاحظ فى كتبه : فهذا باب ، ثم يشرع فى باب
آخر .
ويقول الكاتب إذا فرغ من فصل من كتابه وأراد الشروع فى آخر : هذا ، وكان كيت
وكيت ، ويحذف على ما قيل الخبر فى مثل ذلك كثيرا ، وعليه ﴿ هذا وإن للطاغين لشر
مآب .. ﴾(١) .
وقوله - تعالى -: ﴿وإن للمتقين لحسن مآب﴾ بيان لما أعده لهم - سبحانه - فى
الآخرة من عطاء جزيل ، وثواب عظيم .
والمآب : اسم مكان من آب فلان يؤوب إذا رجع ، والمراد بالمتقين : كل من تحققت فيه
صفة التقوى والخوف من الله - تعالى - وعلى رأسهم الأنبياء الذين اصطفاهم الله - تعالى -
واختارهم لتبليغ رسالته . أى : وإن للمتقين فى الآخرة لمنزل كريم يرجعون إليه فى الآخرة .
فيجدون فيه مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .
واسم الإشارة فى قوله- تعالى -: ﴿ هذا ذكر﴾ يعود إلى ما ذكره - سبحانه - فى
الآيات السابقة ، عن هؤلاء الأنبياء من ثناء وتكريم . والذكر : الشرف والفضل .
أى : هذا الذى ذكرناه عن هؤلاء الأنبياء شرف لهم ، وذكر جميل يذكرون به إلى أن يرث
اقه الأرض ومن عليها .
ثم فصل - سبحانه - ما أعده لهم فى الآخرة من تكريم فقال: ﴿جنات عدن مفتحة لهم
الأبواب
.
والعدن فى اللغة : الإقامة الدائمة فى المكان . يقال : عدن فلان بمكان كذا ، إذا أقام به
حسن ماب
إقامة دائمة . وجنات : بدل اشتمال من قوله :
أى: هؤلاء المتقون أكرمناهم فى الدنيا بالذكر الحسن . ونكرمهم فى الآخرة بأن ندخلهم
جنات عظيمة دخولا دائما مؤبدا ، وقد فتحت أبوابها على سبيل التكريم لهم . والحفاوة
بمقدمهم .
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٣ ص ٢١٢ .
١٧٤ .
المجلد الثانى عشر
﴿ متكتين فيها .. ﴾ أى: فى تلك الجنات. وانتصب لفظ ((متكتين)) على الحال من
ضمير ((لهم)» والعامل فيه قوله ﴿ مفتحة﴾.
وقوله: ﴿ يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب﴾ استئناف لبيان حالهم فى الجنات ، أو حال
- أيضا - من ضمير ((لهم)).
أى: أن المنتين لهم جنات عظيمة . فاتحة لهم أبوابها على سبيل التكريم ويجلسون فيها
جلسة الآمن المطمئن المنعم ، حيث يتكون ويستندون على الآراتك ، ويطلبون أنواعا كثيرة
من الفاكهة اللذيذة، ومن الشراب الطيب، فيلبى طلبهم فى الحال.
ثم يضاف إلى هذه الفاكهة والشراب، ما بينه - سبحانه - فى قوله: ﴿وعندهم
قاصرات الطرف أتراب ﴾. أى: وعندهم فضلا عن كل ما تقدم نساء ذوات حياء ، قد
قصرن أعينهن على أزواجهن فلا يتطلعن إلى غيرهم . لشدة محبتهن لهم . وهن متساويات فى
السن والجمال والأخلاق الكريمة .
فمعنى أتراب : أنهن متساويلت فى السن والجمال والشباب . مأخوذ من التراب . لأن
التراب يمسهن فى وقت واحد لاتحاد مولدهن: أو من الترائب وهى عظام الصدر المتماثلة .
ثم بين - سبحانه - أن هذا العطاء العظيم مقابل عملهم الصالح فى الدنيا فقال: ﴿ هذا
ما توعدون ليوم الحساب ﴾
واللام فى قوله ﴿ليوم﴾ للتعليل. أى: هذا الذى ذكرت لكم من نعيم الجنات. هو
جزاء إيمانكم وعملكم الصالح من أجل يوم الحساب .
ثم ختم - سبحانه - جزاءهم ببيان أنه جزاء خالد لا ينقطع ولا يتقص فقال: ﴿إن هذا
لرزقنا ماله من نفاد ﴾
أى: إن هذا الذى ذكرناه لكم - أيها المتقون - من الجنات وما اشتملت عليه من نعيم ،
هو رزقنا الدائم لكم . وليس له من نفاذ أو انقطاع أو انتقاص . يقال نفد الشىء نفادا ونقدا ،
إذا فنى وهلك وذهب .
ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا
الصالحات لهم أجر غير متون﴾(١) . أى غير مقطوع.
وبعد هذا الحديث الذى يشرح الصدور عن المؤمنين وحسن عاقبتهم . جاء الحديث عن
(١) سورة فصلت الآية ٨
١٧٥
سورة ص
الكافرين وسوء مصيرهم - كما هى عادة القرآن الكريم فى قرن الترغيب بالترهيب فقال
- تعالى -: ﴿ هذا وإن للطاغين لشر مآب﴾.
واسم الإشارة خبر لمبتدأ محذوف . أى الأمر هذا ، أو مبتدأ محذوف الخبر أى : هذا
للمؤمنين .
وجملة ((وإن للطاغين لشر مآب)) معطوفة على جملة ((هذا)» على التقديرين.
أى: الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - بالنسبة للمتقين ، أما الطاغون الذين
تجاوزوا الحدود فى الكفر والجحود والإعراض عن الحق ، فإن مرجعهم إلينا سيكون شر
مرجع ، بسبب إصرارهم على كفرهم .
﴿ جهنم يصلونها فبئس المهاد ﴾ أى: إذا كان المتقون يدخلون الجنات التى فتحت لهم
أبوابها ، فإن الطاغين تستقبلهم جهنم بسعيرها ولهيبها فيلقون فيها ويفترشون نارها ، وبئست
هى فراشًا ومهادا .
: هذا فليذوقوه حميم وغساق ﴾ واسم الإشارة هنا مرفوع على الابتداء ، وخبره قوله
﴿ حميم وغساق ﴾ ، وما بينهما اعتراض.
والحميم : الماء الذى بلغ النهاية فى الحرارة . والغساق : صديد يسيل من أجساد أهل النار .
مأخوذ من قولهم غسق الجرح - كضرب وسمع - غسقانا إذا سال منه الصديد وما يشبهه .
أنى : هذا هو عذابنا الذى أعددناه لهم ، يتمثل فى ماء بلغ الغاية فى الحرارة ، وفى قيح
وصديد يسيلان من أجسادهم ، فليذوقوا كل ذلك جزاء كفرهم وجحودهم .
وآخر من شكله أزواج ﴾ أى: ليس عذابهم مقصورًا على الحميم والغساق بل لهم
أنواع أخرى من العذاب ، تشبه فى شكلها وفى فظاعتها وفى شدتها ، الحميم والغساق .
فقوله ﴿وآخر﴾ مبتدأ، وقوله ﴿من شكله﴾ صفته، وقوله: ﴿أزواج﴾ خبره.
والآية الكريمة معطوفة على الآية التى قبلها .
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما يقوله أهل النار بعضهم لبعض على سبيل الندم
والتحسر والتقريع . فقال: ﴿ هذا فوج مقتحم معكم ، لا مرحبًا بهم إنهم صالو النار ﴾.
والفوج : الجمع الكثير من الناس ، والاقتحام : ركوب الشدة والدخول فيها . يقال :
قحم فلان نفسه فى الأمر ، إذا رمى نفسه فيه من غير روية .
أى: قال الكفار بعضهم لبعض بعد أن رأوا غيرهم يلقى فى النار معهم ، أو قالت الملائكة
لهم على سبيل التقريع والتأنيب : ﴿ هذا فوج﴾ أى جمع كثير من أتباعكم وإخوانكم فى
١٧٦
المجلد الثانى عشر
الضلال . ﴿ مقتحم معكم ﴾ أى داخل معكم النار وعلى غير اختيار منه . وإنما يساق إليها
سوقا فى ذلة ومهانة .
وهنا يقول زعماء الكفر: ﴿لا مرحبًا بهم إنهم صالو النار﴾ أى: لا مرحبًا ولا أهلًا
بهؤلاء الداخلين فى النار معنا، لأنهم سيصلون سعيرها مثلنا ، ولن يستطيعوا أن يدفعوا شيئًا
من حرها عنا ...
فقوله ﴿مرحبًا﴾ مفعول به لفعل محذوف وجوبا، والتقدير : أتوا معنا لا مرحبًا بهم.
والجملة دعائية لا محل لها من الإعراب أى: لا أتوا مكانا رحبًا بل ضيقًا، وهنا يحكى القرآن
رد الفوج المقتحم للنار معهم فيقول: ﴿ قالوا بل أنتم لا مرحبًا بكم .. ﴾.
أى: قال الداخلون فى النار وهم الأتباع لرؤسائهم : بل أنتم الذين لا مرحبًا بكم ، وإنما
الضيق والهلاك لكم .
أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار﴾ أى: لا مرحبًا بكم لأنكم أنتم أيها الزعماء الذين
تسبيتم لنا دخول النار معكم ، إذ دعوتمونا فى الدنيا إلى الكفر فاتبعناكم ، فبئس القرار والمنزل
لنا ولكم جهنم .
فالجملة الكريمة تعليل لأحقية الرؤساء بدخول النار ، ويقولها الأتباع على سبيل التشفى
منهم . ثم يضيفون إلى ذلك قولهم: ﴿ ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابًا ضعفًا فى النار
أى: ياربنا من كان سببا فى نزول هذا العذاب بنا، فزده عذابا مضاعفًا فى النار، لأننا
لولا هؤلاء الرؤساء وإضلالهم لنا، لما صرنا إلى هذا المصير الأليم .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - حكاية عنهم: ﴿وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا
فأضلونا السبيلا . ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرًا﴾(٧).
ثم حكى - سبحانه - ما يقوله أئمة الكفر ، عندما يدورون بأعينهم فى النار ، فلا يرون
المؤمنين الذين كانوا يستهزئون بهم فى الدنيا فقال: ﴿وقالوا مالنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم
من الأشرار .. ﴾. أى: وقال رؤساء الكفر على سبيل التحسر والتعجب وهم ملقون فى النار
مالنا لا نرى معنا فى جهنم رجالاً من فقراء المؤمنين ، كنا نعدهم فى الدنيا من الأراذل
الأخساء ، لسوء حالهم ، وقلة ذات يدهم .
قال القرطبى : قال ابن عباس: يريدون أصحاب محمد -* - يقول أبو جهل : أين
(١) سورة الأحزاب الآيتان ٦٧، ٦٨
١٧٧
سورة ص
بلال ؟ أين صهيب ؟ أين عمار؟ أولئك فى الفردوس ، واعجبا لأبى جهل ! مسكين أسلم ابنه
عكرمة ، وابنته جويرية ، وأسلمت أمه ، وأسلم أخوه . وكفر هو . قال :
ونورا أضاء الأرض شرقا ومغربا وموضع رجلى منه أسود مظلم (١) .
ثم حكى القرآن ما سأله هؤلاء المشركون لأنفسهم عندما تلفتوا فى النار ، فلم يجدوا أحدًا
من المؤمنين الذين كانوا يصفونهم بأنهم من الأشرار فقال: ﴿أتخذناهم سخريا ، أم زاغت
عنهم الأبصار )
أى: إنهم بعد أن دخلوا النار أخذوا يدورون بأعينهم فيها فلم يروا المؤمنين الذين كانوا
يستهزئون بهم فى الدنيا ، فقالوا فيما بينهم : ما بالنا لا ترى الرجال الذين كنا نسخر منهم فى
الدنيا ، ألم يدخلوا معنا النار ؟ أم دخلوها ولكن أبصارنا لا نراهم وزاغت عنهم ؟.
فهم يتحسرون على أحوالهم البائسة بعد أن وجدوا أنفسهم فى النار ، وليس معهم من كانوا
يسخرون منهم فى الدنيا وهم فقراء المؤمنين .
قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿أتخذناهم سخريا﴾ قرى بلفظ الإخبار على أنه صفة
لقوله ﴿رجالا﴾ مثل قوله ﴿كنا نعدهم من الأشرار﴾. وقرىء بهمزة الاستفهام على أنه
إنكار على أنفسهم وتأنيب لها فى الاستسخار منهم .
وقوله: ﴿ أم زاغت عنهم الأبصار﴾ له وجهان من الاتصال: أحدهما : أن يتصل بقوله:
مالنا ﴾ . أى: مالنا لا نراهم فى النار ؟ كأنهم ليسوا فيها، بل أزاغت عنهم أبصارنا
فلا نراهم وهم فيها ؟ قسموا أمرهم بين أن يكونوا من أهل الجنة وبين أن يكونوا من أهل
النار إلا أنهم خفى عليهم مكانهم .
الوجه الثانى : أن يتصل بقوله: ﴿أتخذناهم سخريا .. ﴾ على معنى أى الفعلين فعلنا
بهم : الاستسخار منهم ، أم الازدراء بهم والتحقير ، وأن أبصارنا كانت تعلو عنهم وتقتحمهم ،
على معنى إنكار الأمرين جميعًا على أنفسهم ... ))(٢).
واسم الإشارة فى قوله - تعالى -: ﴿إن ذلك لحق تخاصم أهل النار ﴾ يعود إلى التخاصم
الذى حكى عنهم .
وقوله: ﴿لحق) خبر إن. وقوله: ﴿تخاصم) خبر لمبتدأ محذوف، والجملة بيان
لاسم الإشارة ، وفى الإبهام أولاً والتبيين ثانيًا مزيد تقرير له .
. (١) تفسير القرطبى جـ ١٥ ص ٢٢٤.
( ٢ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ١٠٢ .
:
١٧٨
المجلد الثانى عشر
أى : إن ذلك الذى قصصناه عليك - أيها الرسول الكريم - من تخاصم أهل النار فيما بينهم
وتلاعنهم .. حق لا شك فيه ، وثابت ثبوتًا لا يختلف عليه عاقلان .
وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ساقت بأبلغ بيان ما أعده الله - تعالى - للمتقين من
ثواب ، وما أعده للطاغين من عقاب .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ، بتلقين رسوله -# - الرد الذى يرد به على
المشركين المعترضين على دعوته ، وببيان موقف إبليس من أمر الله - تعالى - له بالسجود
لآدم، وبيان ما أعده - سبحانه - لإبليس وجنده من عذاب . فقال - تعالى - :
قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهِ إِلَّ اللَّهُ الْوَحِدُ الْقَهَّارُـ
(٦٥
رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا يَنْهُمَا الْعَزِيزُالْغَقَُّ الْ قُلْ هُوَنَبُواْ
عَظِيمٌ (٦) أَنْتُ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴿٦) مَاكَانَ لِيَ مِنْ عِ بِالْعَلِ الْأَعْلَى
إِذْيَخْصِمُونَ ﴿ إِن يُوحَىَّ إِلَّإِلَّا أَنَّمَا أَنَاْنَذِيْرٌ مُّبِينٌ ﴿ إِذْقَالَ رَبُّكَ
﴾فَإِذَا سَوَيْتُهُ,وَنَفَخْتُفِيهِ
٧١
لِلْمَلَكَةِ إِنِى خَلِقِ بَشَرَامِنَ طِينٍ (
مِنْ رُوحِى فَقَعُواْلَهُ سَجِدِينَ ﴿٣) فَسَجَدَ الْمَلَتِكَةُ كُلُهُمْ
قَالَ
أَجْعُونَ ﴿ إِلَّ إِبْلِيسَ أَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ
وَإِلِسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىٌّ أَسْتَكْبَتَ أَمْ كُتَ
مِنَ الْعَالِينَ {٥، قَالَ أَنْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْثَنِ مِن نَّارٍ وَخَلَقْتُهُ مِنطِينٍ
٢) قَالَ فَأُخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ (٨) وَإِنَّ عَلَيَكَ لَغْنَتِى إِلَى يَوْمِ
٧٦
الدِّينِ ﴿) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْ نِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿، قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ
قَالَ فَبِعِزَِّكَ
الْمُنَظَرِينَ ﴿ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ®
لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
٨٣
١٧٩
سورة ص
قَالَ فَاَلْحَقُّ وَاَ لْحَقَ أَقُولُ ) لَأَ مْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّن تَّبِعَكَ
مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿) قُلْ مَآ أَسْلُكُمْ عَلَيَّهِ مِنْ أَجْرِوَمَا أَنْ مِن ◌ُْكَلِّفِينَ
٨٨
﴿ إِنْ هُوَ إِلَّ ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ ﴿ وَلَمْعَلَمُنَّ نَبَأَمُ بَعْدَحِينٍ
٨٦
والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين: إنما وظيفتى الإنذار والتخويف
لكم من عذاب شديد، إذا بقيتم على كفركم، وأعرضتم عن دعوتى .
واقتصر على الإنذار مع أنه مبشر - أيضا - لأنه المناسب لردهم عن شركهم ، وعن
وصفهم له تارة بأنه ساحر ، وأخرى بأنه كاهن .. إلخ .
وقوله - سبحانه -: ﴿وما من إله إلا اقه الواحد القهار. رب السموات والأرض
وما بينهما العزيز الغفار﴾ نفى لكل شريك مع الله - تعالى - فى ذاته، أو صفاته، أو فى
خلقه لهذا الكون . أى : ليس هناك من إله سوى الله - تعالى - فى هذا الكون ، وهو
- سبحانه - الواحد الأحد ، القاهر فوق عباده ، الموجد السموات والأرض وما بينهما ،
الغالب لكل شىء، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده .
فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف ذاته فى هاتين الآيتين بخمس صفات ؛ تليق بذاته
وبيان أن الشرك به - سبحانه - فى العبادة أو الطاعة ظلم عظيم وجهل فاضح .
ثم أمر - سبحانه - رسوله -# - أن يبين لهم أن ما جاءهم به من عند ربه أمر
عظيم ، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال: ﴿قل هو نبأ عظيم. أنتم عنه معرضون ﴾.
أى : قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين : إن ما جئتكم به من عند ربى من قرآن كريم ،
ومن هدايات بها تسعدون فى دنياكم وآخرتكم ، هو خبر عظيم ، يجب أن تلقوا إليه أسماعكم ،
وأن تهيئوا نفوسكم لقبوله .. ولكنكم قابلتموه بالإعراض والصدود ، لفرط غفلتكم ، وشدة
جهالتكم ، وتماديكم فى كفرکم.
فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكى يقلعوا عن شركهم ، والآية الثانية توبيخ لهم على عنادهم
حيث تركوا ما ينفعهم ، وعكفوا على ما يضرهم .
ثم نفى -# - عن نفسه أن يكون عنده علم بشىء من أخبار الملأ الأعلى ، إلا عن
طريق الوحى فقال - كما حكى القرآن عنه: ﴿ ما كان لى من علم بالملأ الأعلى إذ
١٨٠
المجلد الثانى عشر
يختصمون﴾. والمراد بالملأ الأعلى: عالم السموات وما فيه من ملائكة لا يعصون الله
ما أمرهم ، ويفعلون ما يؤمرون .
قال القرطبى : الملأ الأعلى هم الملائكة فى قول ابن عباس والسدى . اختصموا فى أمر آدم
حين خلق، فقالوا: ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء .. ﴾ وقال إبليس: ﴿ أنا.
خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين ﴾ .
وفى هذا بيان أن محمدًا - - أخبر عن قصة آدم وغيره وذلك لا يتصور إلا بتأييد
إلهى ... ))(١).
وقال ابن كثير: وقوله: ﴿ ما كان لى من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون﴾ أى: لولا
الوحى من أين كنت أدرى باختلاف الملأ الأعلى . يعنى فى شأن آدم ، وامتناع إبليس من
السجود له، ومحاجته ربه فى تفضيله عليه .. ؟))(٣). فالآية تنفى عن الرسول -# - علم
شىء من أخبار الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى .
وجملة ((إن يوحى إلى إلا أنما أنا نذير مبين)» معترضة بين إيراد اختصامهم على سبيل
الإجمال، ثم إيراده فى الآيات الآتية بعد ذلك على سبيل التفصيل .
و ((إن)) نافية. ونائب فاعل ((يوحى)) ضمير تقديره هو يعود على المفهوم مما سبق.
وهو شأن الملأ الأعلى، و((أنما)) بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل .
أى: ليس لى من علم بما يدور فى الملأ الأعلى إلا عن طريق الوحى ، وهذا الوحى
لا ينزل على إلا من أجل أنى رسول من عند الله - تعالى - أنذرکم بما یکلفنی به إنذارا
واضحا بينا .
ثم فصل - سبحانه - هذا التخاصم الذى أشار إليه - سبحانه - قبل ذلك فى قوله :
﴿ ما كان لى من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون﴾، فقال: ﴿إذ قال ربك للملائكة إنى
خالق بشرًا من طين . فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين
و ((إذا)» فى قوله ﴿ إذ قال ربك ... ﴾ بدل من قوله ﴿إذ يختصمون﴾، لاشتمال ما فى
حيزها على تفصيل تلك الخصومة . وقيل : هى منصوبة بتقدير اذكر .
قالوا: والمراد بالملائكة هنا ، ما يشمل إبليس، بدليل أن الأمر بالسجود لآدم ،كان
للجميع، وأنهم جميعًا امتثلوا لأمر الله - تعالى - ماعدا إبليس .
(١) تفسير القرطبى جـ ١٥ ص ٢٢٦ .
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٧٠