النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ سورة يس وجوهكم ، وإذا لم ترحلوا عنا ، وتكفوا عن دعوتكم لنا إلى مالا نريده ، لنرجمنكم بالحجارة ، وليمسنكم منا عذاب شديد الألم قد ينتهى بقتلكم وهلاككم . قال صاحب الكشاف: قوله ﴿ تطيرنا بكم ﴾ أى: تشاءمنا بكم ، وذلك أنهم كرهوا دينهم ، ونفرت منه نفوسهم ، وعادة الجهال أن يتيمنوا بكل شىء مالوا إليه ، واشتهوه وآثروه وقبلته طباعهم ، ويتشاءموا مما نفروا عنه وكرهوه ، فإن أصابهم خير أو بلاء ، قالوا : ببركة هذا وبشؤم هذا .. (١) . ولكن الرسل قابلوا هذا التهديد - أيضا - بالثبات ، والمنطق الحكيم فقالوا لهم : طائركم معكم ، أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون أى : قال الرسل لأهل القرية: ليس الأمر كما ذكرتم من أننا سبب شؤمكم ، بل الحق أن شؤمكم معكم ، ومن عند أنفسكم ، بسبب إصراركم على كفركم ، وإعراضكم عن الحق الذى جئناكم به من عند خالقكم . وجواب الشرط لقوله: ﴿ أئن ذكرتم ) محذوف، والتقدير: أئن وعظتم وذكرتم بالحق ، وخوفتم من عقاب الله .. تطيرتم وتشاءمتم . وقوله: ﴿ بل أنتم قوم مسرفون﴾ إضراب عما يقتضيه الاستفهام والشرط من كون التذكير سببا للشؤم . أى : ليس الأمر كما ذكرتم من أن وجودنا بينكم هو سبب شؤمكم ، بل الحق أنكم قوم عادتكم الإسراف فى المعاصى ، وفى إيثار الباطل على الحق ، والغى على الرشد ، والتشاؤم على التيامن . ثم بين - سبحانه - بعد تلك المحاورة التى دارت بين أهل القرية وبين الرسل ، والتى تدل على أن أهل القرية كانوا مثلا فى السفاهة والكراهة للخير والحق . بين - سبحانه - بعد ذلك ما دار بين أهل القرية ، وبين رجل صالح منهم ساءه أن يرى من قومه تنكرهم لرسل الله - تعالى - وتطاولهم عليهم ، وتهديدهم لهم بالرجم : فقال - تعالى - : (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٩. ٢٢ المجلد الثانى عشر وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌّ يَسْعَى قَالَ يَدَقَوْمِ أَتَّبِعُواْالْمُرْسَلِينَ ، أَتَّبِعُواْ مَنْ لَا يَسََّلُكُمْ أَجْرَوَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴿ وَمَالِىَ لَا أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَنِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ، أَخِذُ مِن دُونِهِ=ءَالِهَةَ إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرْ لَا تُغْنِ عَنِى شَفَعَتُهُمْ شَيْئاًوَلَا يُنْقِذُونِ ﴿ إِنّ إِذَا لَّفِىِ ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿ إِنَّى ءَامَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ) قِيلَ أَدْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ ٦ بِمَا غَفَرَ لِ رَبٍ وَ حَعَلَنِى مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ، مِنْ بَعْدِهِهِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّمَآءِوَمَا كُتَّامُتِلِينَ ﴿ إِن كَانَتِلَّا صَيْحَةٌ وَحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ خَلِمِدُونَ أ ◌َصْرَةَ عَلَى الْعِبَادِمَا يَأْتِهِمِ مِن رَّسُولٍ إِلََّ كَانُواْبِهِ. يَسْتَهْزِءُونَ ﴿ أَلَمْيَرَوَأْ كُمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ أَهُمْإِلَيْهِمْ لَا يَرَّبِعُونَ (٦) وَإِنْ كُلٌ لَّمَّا ◌َمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (١) وقوله - سبحانه -: ﴿وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى .. ﴾ معطوف على كلام محذوف. يفهم من سياق القصة ، والتقدير : وانتشر خبر الرسل بين أصحاب القرية ، وعلم الناس بتهديد بعضهم لهم ﴿وجاء من أقصا المدينة﴾ أى من أبعد مواضعها ﴿رجل يسعى﴾ أى: رجل ذو فطرة سليمة ، يسرع (٥) أول الجزء الثالث والعشرون. ٢٣ سورة يس الخطا لينصح قومه ، وينهاهم عن إيذاء الرسل ويأمرهم باتباعهم . قالوا : وهذا الرجل كان اسمه حبيب النجار، لأنه كان يشتغل بالنجارة . وقد أكثر بعض المفسرين هنا من ذكر صناعته وحاله قبل مجيئه ، ونحن نرى أنه لا حاجة إلى ذلك ، لأنه لم يرد نص صحيح يعتمد عليه فيما ذكروه عنه . ويكفيه فخرا هذا الثناء من الله - تعالى - عليه بصرف النظر عن اسمه أو صنعته أو حاله ، لأن المقصود من هذه القصة وأمثالها فى القرآن الكريم هو الاعتبار والاقتداء بأهل الخير . وعبر هنا بالمدينة بعد التعبير عنها فى أول القصة بالقرية للإشارة إلى سعتها ، وإلى أن خبر هؤلاء الرسل قد انتشر فيها من أولها إلى آخرها . والتعبير بقوله : ﴿يسعى): يدل على صفاء نفسه، وسلامة قلبه، وعلو همته، ومضاء عزيمته ، حيث أسرع بالحضور إلى الرسل وإلى قومه ، ليعلن أمام الجميع كلمة الحق ، ولم يرتض أن يقبع فى بيته - كما يفعل الكثيرون - بل هرول نحو قومه ، ليقوم بواجبه فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . وقوله - تعالى -: ﴿ قال ياقوم اتبعوا المرسلين﴾ بيان لما بدأ يتصح قومه به بعد وصوله إليهم . أى: ﴿قال﴾ لقومه على سبيل الإِرشاد والنصح ﴿ياقوم اتبعوا المرسلين) الذين جاءوا لهدايتكم إلى الصراط المستقيم ، ولإنقاذكم من الضلال المبين الذى انغمستم فيه . ثم أكد هذه الدعوة بقوله : ﴿ اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون ﴾ اتبعوا هؤلاء الرسل الذين جاءوا بأمر ربكم إليكم ، ليرشدوكم الى الطريق الحق ، والحال أنهم فى أنفسهم ثابتون على الهدى ، راسخون فى التمسك بالعقيدة السليمة . ثم أخذ بعد ذلك فى حض قومه على اتباع الحق ، عن طريق بيان الأسباب التى حملته على الإِيمان، حتى يستثير قلوبهم نحو الهدى ، فقال - كما حكى القرآن عنه -: ﴿ومالى لا أعبد الذى فطرنى وإليه ترجعون . أأتخذ من دونه آلهة ؟ إن يردن الرحمن بضر لا تغن عنى شفاعتهم شيئا ولا ينقذون. إنى إذا لفى ضلال مبين . إنى آمنت بربكم فاسمعون أى: قال الرجل الصالح لقومه: وأى مانع يمتعنى من أن أعبد الله - تعالى - وحده، لأنه هو الذى خلقنى ولم أكن قبل ذلك شيئا مذكورا ، وهو الذى إليه يكون مرجعكم بعد مماتكم ، فيحاسبكم على أعمالكم فى الدنيا ، ويجازيكم عليها بما تستحقون من ثواب أو عقاب . ٢٤ المجلد الثانى عشر والاستفهام فى قوله: ﴿ أأتخذ من دونه آلهة .. ﴾ للإنكار والنفى. أى: لا يصح ولا يجوز أن اتخذ معه فى العبادة آلهة أخرى، كائنة ما كانت هذه الآلهة ، لأنه ﴿إن يردن الرحمن بضر لا تغن عنى شفاعتهم شيئا﴾ من النفع، حتى ولو كان هذا النفع فى نهاية القلة والحقارة . ﴿ ولا ينقذون﴾: ولا تستطيع هذه الآلهة إنقاذى وتخليصى مما يصيبنى من ضر أراد الرحمن أن ينزله بى . ....... ﴿ إنى إذا﴾ لو اتخذت هذه الآلهة شريكا مع الله فى العبادة ﴿لفى ضلال مبين﴾ أى: لأكونن فى ضلال واضح لا يخفى على أحد من العقلاء . ثم ختم حديثه معهم بإعلان إيمانه بكل صراحة وقوة فقال: ﴿إنى آمنت بربكم﴾. الذى خلقكم ورزقكم ﴿ فاسمعون﴾ أى: فاسمعوا ما نطقت به، واشهدوا لى بأنى آمنت بربكم الذي خلقكم وخلقنى ، وكفرت بهؤلاء الشركاء ، ولن أشرك معه - سبحانه - فى العبادة أحدا . مهما كانت النتائج . وهكذا نرى الرجل الصالح الذى استقر الإيمان فى قلبه ومشاعره ووجدانه يدافع عن الحق الذى آمن به دفاعا قويا دون أن يخشى أحدا إلا الله ، ويدعو قومه بشتى الأساليب إلى اتباعه ويقيم لهم ألوانا من الأدلة على صحة ما يدعو إليه . ثم يصارحهم فى النهاية ، ويشهدهم على هذه المصارحة ، بأنه قد آمن بما جاء به الرسل إيمانا لا يقبل الشك أو التردد ، ولا يثنيه عنه وعد أو وعيد أو إيذاء أو قتل . ورحم الله صاحب الكشاف ، فقد أجاد فى تصوير هذه المعانى فقال ما ملخصه : قوله : اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون ﴾ كلمة جامعة فى الاستجابة لدعوة الرسل ، أى : لا تخسرون معهم شيئا من دنياكم ، وتربحون صحة دينكم ، فينتظم لكم خير الدنيا وخير الآخرة . ثم أبرز الكلام فى معرض المناصحة لنفسه ، وهو يريد مناصحتهم ، وليتلطف بهم وبداربهم .. فقال: ﴿ومالى لا أعبد الذى فطرنى وإليه ترجعون ﴾. ثم قال: ﴿ إنى آمنت بربكم فاسمعون﴾ يريد فاسمعوا قولى وأطيعونى، فقد نيهتكم على الصحيح الذى لا معدل عنه، أن العبادة لا تصح إلا لمن منه مبتلؤكم وإليه مرجعکم .. (١) . (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ١١. ٢٥ سورة يس ولكن هذه النصائح الغالية الحكيمة من الرجل الصالح لقومه ، لم تصادف أذنا واعية بل إن سياق القصة بعد ذلك ليوحى بأن قومه قتلوه ، فقد قال - تعالى - بعد أن حكى نصائح هذا الرجل لقومه ، ﴿ قيل ادخل الجنة ... ﴾. أى : قالت الملائكة لهذا الرجل الصالح عند موته على سبيل البشارة : ادخل الجنة بسبب إيمانك وعملك الطيب . قال الآلوسى: قوله: ﴿ قيل ادخل الجنة .. ﴾ استئناف لبيان ما وقع له بعد قوله ذلك .. والظاهر أن الأمر المقصود به الإذن له بدخول الجنة حقيقة ، وفى ذلك إشارة إلى أن الرجل قد فارق الحياة ، فعن ابن مسعود أنه بعد أن قال ما قال قتلوه .. وقيل : الأمر للتبشير لا الإذن بالدخول حقيقة ، أى : قالت ملائكة الموت وذلك على سبيل البشارة له بأنه من أهل الجنة - يدخلها إذا دخلها المؤمنون بعد البعث (١). وقوله - تعالى - : ﴿ قال ياليت قومى يعلمون . بما غفر لى ربى وجعلنى من المكرمين ﴾ استئناف بيانى لبيان ما قاله عند البشارة . أى : قيل له أدخل الجنة بسبب إيمانك وعملك الصالح ، فرد وقال : ياليت قومى الذين قتلونى ولم يسمعوا نصحى ، يعلمون بما نلته من ثواب من ربى ، فقد غفر لى - سبحانه - ، وجعلنى من المكرمين عنده ، بفضله وإحسانه .. قال ابن كثير : ومقصوده - من هذا القول - أنهم لو اطلعوا على ماحصل عليه من ثواب ونعيم مقيم ، لقادهم ذلك إلى اتباع الرسل ، فرحمه الله ورضى عنه ، فلقد كان حريصا على هداية قومه . روى ابن أبى حاتم أن عروة بن مسعود الثقفى، قال للنبى -# - : ابعثنى إلى قومى أدعوهم إلى الإسلام، فقال له-# - ((إنى أخاف أن يقتلوك»، فقال: يارسول الله، أو وجدونى نائما ما أيقظونى. فقال له رسول الله -# - ((انطلق إليهم)) فانطلق إليهم ، فمر على اللات والعزى فقال: لُأصْبِحَنْك غدا بما يسوؤك ، فغضبت ثقيف فقال لهم: يا معشر ثقيف : أسلموا تسلموا - ثلاث مرات - . فرماه رجل منهم فأصاب أكْحَلَه فقتله - والأكحل: عرق فى وسط الذراع - فبلغ ذلك رسول الله - جزر - فقال: ((هذا مثله كمثل صاحب يس ﴿ قال ياليت قومى يعلمون . بما غفر لى ربى وجعلنى من المكرمين﴾(٢). - (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٢ ص ٢٢٨ . (٢) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٥٥٨. ٢٦ المجلد الثانى عشر وقال صاحب الكشاف ما ملخصه: وقوله: ﴿ياليت قومى يعلمون .. ﴾ إنما تمنى علم قومه بحاله ، ليكون علمهم بها سببا لاكتساب مثلها لأنفسهم ، بالتوبة عن الكفر ، والدخول فى الإيمان .. وفى حديث مرفوع: ((نصح قومه حيا وميتا)). وفيه تنبيه عظيم على وجوب كظم الغيظ والحلم عن أهل الجهل والترؤف على من أدخل نفسه فى غمار الأشرار وأهل البغى، والتشمر فى تخليصه ، والتلطف فى افتدائه ، والاشتغال بذلك عن الشماتة به ، والدعاء عليه، ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته ، وللباغين له الغوائل وهم كفرة وعبدة أصنام .. (٦) . ثم بين - سبحانه - ما نزل بأصحاب القرية من عذاب أهلكهم فقال: ﴿وما أنزلنا على قومه من بعده ﴾: أى : من بعد موته . ﴿ من جند من السماء﴾ لأنهم كانوا أحقر وأهون من أن نفعل معهم ذلك. ﴿ وما كنا منزلين﴾ أى: وما صح وما استقام فى حكمتنا أن ننزل عليهم جندا من السماء ، لهوان شأنهم ، وهوان قدرهم . إن كانت إلا صيحة واحدة﴾ أى: ما كانت عقوبتنا لهم إلا صيحة واحدة صاحها بهم جبريل بأمرنا . فإذا هم خامدون ﴾ أى : هامدون ميتون ، شأنهم فى ذلك كشأن النار التى أصابها الخمود والانطفاء ، بعد أن كانت مشتعلة ملتهبة ، يقال . خمدت النار تخمد خمودا . إذا سكن لهيبها ، وانطفأ شررها ، وحمد الرجل - كقعد - إذا مات وانقطعت أنفاسه . وهكذا كانت نهاية الذين كذبوا المرسلين ، وقتلوا المصلحين ، فقد نزلت بهم عقوبة !قه - تعالى - فجعلتهم فى ديارهم جائمين . وبعد أن بين - سبحانه - سوء مصارع المكذبين ، أتبع ذلك بدعوة الناس إلى الاتعاظ بذلك من قبل فوات الأوان ، فقال - تعالى -: ﴿ياحسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون والحسرة : الغم والحزن على ما فات ، والندم عليه ندما لا نفع من ورائه ، كأن المتحسر قد انحسرت عنه قواه وذهبت ، وصار فى غير استطاعته إرجاعها . و((يا)) حرف نداء. و«حسرة)) منادى ونداؤها على المجاز بتنزيلها منزلة العقلاء. ( ١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ١١. ٢٧ سورة يس والمراد بالعباد : أولئك الذين كذبوا الرسل ، وآثروا العمى على الهدى ، ويدخل فيهم دخولا أوليا أصحاب تلك القرية المهلكة . والمقصود من الآية الكريمة ، التعجب من حال هؤلاء المهلكين ، وبيان أن حالهم تستحق التأثر والتأسف والاعتبار، لأنها حالة تدل على بؤسهم وظلمهم لأنفسهم وجهلهم . والمعنى : ياحسرة على العباد الذين أهلكوا بسبب إصرارهم على كفرهم احضرى فهذا أوان حضورك ، فإن هؤلاء المهلكين كانوا فى دنياهم ما يأتيهم من رسول من الرسل، إلا كانوا به يستهزئون ، ويتغامزون ، و يستخفون به وبدعوته ، مع أنهم - لو كانوا يعقلون . لقابلوا دعوة رسلهم بالطاعة والانقياد . قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿ياحسرة على العباد ... ﴾ نداء للحسرة عليهم، كأنما قيل لها : تعالى ياحسرة فهذه من أحوالك التى حقك أن تحضرى فيها ، وهى حال استهزائهم بالرسل . والمعنى : أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون ، ويتلهف عليهم المتلهفون . أو هم متحسر عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين من الثقلين . وقرىء : ياحسرة العباد، على الإضافة إليهم لاختصاصها بهم ، من حيث إنها موجهة إليهم (١) . أى: ياحسرة العباد منهم على أنفسهم ، بسبب تكذييهم لرسلهم ، واستهزائهم بهم . ثم وبخ - سبحانه - كفار مكة ، بسبب عدم اعتبارهم بمن سبقهم فقال: ﴿ألم يروا كم ﴾. أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون والقرون : جمع قرن . وهم القوم المقترنون فی زمن واحد . و ( كم ) خبرية معنی کثیر . أى: ألم يعلم كفار مكة أننا أهلكنا كثيرا من الأمم السابقة عليهم ، بسبب إصرارهم على كفرهم ، واستهزائهم برسلهم ، وأن هؤلاء المهلكين لا يرجعون إليهم ليخبروهم بما جرى لهم، لأنهم لن يستطيعوا ذلك فى الدنيا، لحكمة أرادها الله - تعالى - . ولكن الجميع سيعودون إليه - سبحانه - وسيبعثهم يوم القيامة من قبورهم للحساب الجزاء، كما قال - تعالى -: ﴿وإن كل لما جميع لدينا محضرون﴾. و ((إن)) حرف نفى، و((كل)) مبتدأ، والتنوين فيه عوض عن المضاف إليه ( ١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ١٣. ٢٨ المجلد الثانى عشر و ((لما)) بمعنى إلا. و((جميع)) خبر المبتدأ. و((محضرون)) خبر ثان. أى : لقد علم أهل مكة وغيرهم أننا أهلكنا كثيرا من القرى الظالم أهلها . وأن هؤلاء المهلكين لن يرجعوا إلى أهل مكة فى الدنيا ، ولكن الحقيقة التى لاشك فيها أنه ما من أمة من الأمم ، أو جماعة من الجماعات المتقدمة أو المتأخرة إلا ومرجعها إلينا يوم القيامة ، لنحاسبها على أعمالها ، ولنجازها بالجزاء الذى تستحقه . كما قال - سبحانه - فى آية أخرى: ﴿وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير ﴾(١) . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ألوانا من الأدلة الدالة على وحدانيته وقدرته ، وهذه الأدلة منها ما هو أرضى ، ومنها ما هو سماوى ، ومنها ما هو بحرى ، وكلها تدل - أيضا - على فضله ورحمته ، قال - تعالى - : وَءَايَةٌ لَهُالْأَرْضُ اَلْفَيَّتَةُ أَحْبَيْنَهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ﴿ وَحَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّنْ تَّخِيلٍ وَأَعْنَبٍ وَفَجَّرْنَا فِيَهَا مِنَ الْعُيُونِ ، لِيَأْكُلُوا مِنْ تَمَرِهِ. وَمَا عَمِلَتْهُ أَبْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ، سُبْحَنَ الَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ اَلْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ﴿٦)، وَءَايَةٌ لَّهُمُ اَلَيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَاهُمْ مُظْلِمُونَ ﴿٦)، وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّلَهَاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِالْعَلِيمِ ـ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ﴿ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَ الَّلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلَّ فِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ ٤٠ (١) سورة هود آية ١١١ . ٢٩ سورة يس وَءَةٌ لَّمْ أَنَّا خَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِ الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ،وَخَلَقْنَا ◌َهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا تَرَكَبُونَ ﴿٥) وَإِن نَّشَأْتُغْرِفْهُمْ فَلَ صَرِيبَهُمْ وَلَاهُمْ يُقَذُونَ ﴿ إِلَّا رَحْمَةٌ مِنَّا وَمَنَعًا إِلَى حِينٍ قال الإمام الرازى ما ملخصه قوله: ﴿وآية لهم الأرض الميتة أحييناها ﴾ وجه تعلقه بما قبله ، أنه - سبحانه - لما قال: ﴿وإن كل لما جميع لدينا محضرون﴾ كان ذلك إشارة إلى الحشر ، فذكر ما يدل على إمكانه قطعا لإنكارهم واستبعادهم ، وعنادهم فقال: ﴿وآية لهم الأرض الميتة أحييناها .. ﴾ أى: وكذلك نحيى الموتى ... (١). والمراد بالآية هنا : العلامة والبرهان والدليل . والمراد بالأرض الميتة : الأرض الجدباء التى لا نيات فيها . والمراد بالحب : جنسه من حنطة وشعير وغيرهما . أى : ومن العلامات الواضحة لهؤلاء المشركين على قدرتنا على إحياء الموتى ، أننا ننزل الماء على الأرض الجدباء . فتهتز وتربو ، وتخرج ألوانا وأصنافا من الحبوب التى يعيشون عليها . ويأكلون منها . ونكر - سبحانه - لفظ ﴿ آية) للإشعار بأنها آية عظيمة ، كان ينبغى لهؤلاء المشركين أن يلتفتوا إليها ، لأنهم يشاهدون بأعينهم الأرض القاحلة السوداء ، كيف تتحول إلى أرض خضراء بعد نزول المطر عليها . والله - تعالى - الذى قدر على ذلك ، قادر - أيضا - على إحياء الموتى وإعادتهم إلى الحياة . وقوله : ﴿ أحببناها﴾ كلام مستأنف مبين لكيفية كون الأرض الميتة آية. وقدم - سبحانه - الجار والمجرور فى قوله ﴿فمنه يأكلون﴾ للدلالة على أن الحَبَّ هو الشىء الذى تكون منه معظم المأكولات التى يعيشون عليها ، وأن قِلَّتَه تؤدى الى القحط والجوع . (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٧٧ . ٣٠ المجلد الثانى عشر ثم بين - سبحانه - بعض النعم الأخرى التى تحملها الأرض لهم فقال: ﴿ وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعتاب ، وفجرنا فيها من العيون ﴾ . والآية الكريمة معطوفة على قوله ﴿أحببناها﴾، ونخيل: جمع نخل، كعبيد جمع عبد، وأعتاب : جمع عنب: والعيون ، جمع عين . والمراد بها الآبار التى تسقى بها الزروع . أى : أحببنا هذه الأرض الميتة بالماء .. وجعلنا فيها - بقدرتنا ورحمتنا - بساتين كثيرة من نخيل وأعناب ، وفجرنا وشققنا فيها كثيرا من الآبار والعيون التى تسقى بها تلك الزروع والثمار . وخص النخيل والأعتاب بالذكر ، لأنها أشهر الفواكه المعروفة لديهم ، وأنفعها عندهم . واللام فى قوله: ﴿ليأكلوا من ثمره﴾ متعلق بقوله: ( وجعلنا .... والضمير فى قوله: ﴿ من ثمره﴾ يعود إلى المذكور من الجنات والنخيل والأعتاب. أو إلى الله - تعالى - . أى : وجعلنا فى الأرض ما جعلنا من جنات ومن نخيل ومن أعناب ، ليأكلوا ثمار هذه الأشياء التى جعلتاها لهم، وليشكرونا على هذه النعم . و ((ما)» فى قوله: ﴿ وما عملته أيديهم أفلا يشكرون﴾ الظاهر أنها نافية والجملة حالية ، والاستفهام للحض على الشكر . أى : جعلنا لهم فى الأرض جنات من نخيل وأعناب ، ليأكلوا من ثمار ما جعلناه لهم ، وإن هذه الثمار لم تصنعها أيديهم ، وإنما الذى أوجدها وصنعها هو الله - تعالى - بقدرته ومشيئته . وما دام الأمر كذلك ، فهلا شكرونا على نعمنا ، وأخلصوا العبادة لنا . قال ابن كثير : وقوله: ﴿ وما عملته أيديهم﴾ أى: وماذاك كله إلا من رحمتنا بهم ، لا بسعيهم ولا كدهم، ولا بحولهم وقوتهم. قاله ابن عباس وقتادة. ولهذا قال: ﴿ أفلا يشكرون﴾ أى: فهلا يشكرونه على ما أنعم به عليهم من هذه النعم التى لا تعد ولا تحصی(١) . ويصح أن تكون ((ما)» هنا موصولة فيكون المعنى : ليأكلوا من ثمره ومن الذى عملته أيديهم من هذه الثمار كالعصير الناتج منها ، وكفرسهم لتلك الأشجار وتعهدها بالسقى وغيره ، إلى أن آتت أكلها . ( ١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٥٦١. ٣١ سورة يس قال الشوكانى: وقوله: ﴿وما عملته أيديهم) معطوف على ثمره، أى: ليأكلوا من تمره ، ويأكلوا مما عملته أيديهم كالعصير والدبس ونحوهما وكذلك ما غرسوه وحفروه على أن ((ما)) موصولة، وقيل: هى نافية، والمعنى: لم يعملوه بأيديهم، بل العامل له هو اته .. (١). ثم أثنى - سبحانه - على ذاته بما هو أهل له من ثناء فقال: ﴿ سبحان الذى خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ، ومن أنفسهم ، ومما لا يعلمون ﴾ . ولفظ: ﴿ سبحان﴾ اسم مصدر منصوب على أنه مفعول مطلق بفعل محذوف، والتقدير: سبحت اللّه سبحانا : أى: تسبيحا . بمعنى نزهته تنزيها عن كل سوء، وعظمته تعظيما . و ((من)) فى الآية الكريمة للبيان . أى : ننزه الله - تعالى - تنزيها عن كل سوء. ونعظمه تعظيما لا نهاية له ، فهو - عز وجل - ﴿ الذى خلق الأزواج كلها﴾ أى: الأنواع، والأصناف كلها ذكورا وإناثا. مما تنبت الأرض ﴾ أى خلق الأصناف كلها التى تنبت فى الأرض من حبوب وغيرها . ومن أنفسهم﴾ أى: وخلقها من أنفسهم إذ الذكر من الأنثى، والأنثى من الذكر. · ومما لا يعلمون ﴾ أى: وخلق هذه الأصناف كلها من أشياء لا علم لهم بها ، وإنما مرد علمها إليه وحده - تعالى - كما قال - سبحانه - ﴿ويخلق مالا تعلمون﴾. فالمقصود من الآية الكريمة بيان لمظهر من مظاهر قدرته - تعالى - وبديع خلقه ، حيث خلق الأصناف كلها ، نرى بعضها نابتا فى الأرض ، ونرى بعضها متمثلا فى الإِنسان المكون . من ذكر وأنثى، وهناك مخلوقات أخرى لا يعلمها إلا الله - تعالى - . وبعد أن بين - سبحانه - مظاهر قدرته عن طريق التأمل فى الأرض التى نعيش عليها ، عقب ذلك ببيان مظاهر قدرته عن طريق التأمل فى تقلب الليل والنهار ، وتعاقب الشمس والقمر ، فقال - تعالى -: ﴿وآية لهم الليل نسلخ منه النهار. فإذا هم مظلمون ﴾. وقوله : ﴿ نسلخ﴾ من السلخ بمعنى الكشط والإِزالة، يقال: سلخ فلان جلد الشاة، إذا أزاله عنها . والمراد هنا : إزالة ضوء النهار عن الليل ، ليبقى لليل ظلمته . قال صاحب الكشاف: سَلْغ جلد الشاة ، إذا كشطه عنها وأزاله . ومنه: سَلْحُ الحيةِ (١) تفسير فتح القدير جـ ٤ ص ٣٦٨. ٣٢ المجلد الثانى عشر لَخِرْشَائها - أى: لجلدها - فاستغير ذلك لإزالة الضوء وكشفه عن مكان الليل، وملقى ظله(١). أى : ومن البراهين والعلامات الواضحة ، الدالة على وحدانية الله ، وقدرته على إحياء الموتى ، وجود الليل والنهار بهذه الطريقة التى نشاهدها ، حيث ينزع - سبحانه - عن الليل النهار ، فيبقى لليل ظلامه ، ويصير الناس فى ليل مظلم ، بعد أن كانوا فى نهار مضىء . فمعنى : ﴿ فإذا هم مظلمون ﴾: فإذا هم داخلون فى الظلام ، بعد أن كانوا بعيدين عنه. يقال: أظلم القوم . إذا دخلوا فى الظلام. وأصبحوا ، إذا دخلوا فى وقت الصباح . وقوله - تعالى -: ﴿والشمس تجرى لمستقر لها﴾ بيان لدليل آخر على قدرته - تعالى - وهو معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك: ﴿وآية لهم الليل .. ﴾. قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله: ﴿لمستقر لها ﴾ أى لحد معين تنتهى إليه .. شبه بمستقر المسافر إذا انتهى من سيره ، والمستقر عليه اسم مكان ، واللام بمعنى إلى .. ويصح أن يكون اسم زمان ، على أنها تجرى إلى وقت لها لا تتعداه ، وعلى هذا فمستقرها : انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا .. (٢). والمعنى : وآية أخرى لهم على قدرتنا ، وهى أن الشمس تجرى إلى مكان معين لا تتعداه ، وإلى زمن محدد لا تتجاوزه ، وهذا المكان وذلك الزمان ، كلاهما لا يعلمه إلا الله - تعالى - . قال بعض العلماء: قوله - تعالى -: ﴿والشمس تجرى لمستقر لها ﴾ أى: والشمس تدور حول نفسها ، وكان المظنون أنها ثابتة فى موضعها الذى تدور فيه حول نفسها . ولكن عرف أخيرا أنها ليست مستقرة فى مكانها ، وإنما هى تجرى فعلا .. تجرى فى اتجاه واحد ، فى هذا الفضاء الكونى الهائل بسرعة حسبها الفلكيون باثنى عشر ميلا فى الثانية . والله ربها الخبير بجريانها وبمصيرها يقول : إنها تجرى لمستقر لها ، هذا المستقر الذى ستنتهى إليه لا يعلمه إلا هو - سبحانه - ولا يعلم موعده سواه . وحين نتصور أن حجم هذه الشمس يبلغ نحو مليون ضعف لحجم أرضنا هذه ، وأن هذه الكتلة الهائلة تتحرك أو تجرى فى الفضاء لا يسندها شىء ، حين نتصور ذلك ، ندرك طرفا من صفة القدرة التى تصرف هذا الوجود عن قوة وعن علم (٣). : (١ ) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ١٦. (٢) تفسير الآلوسي جـ ٢٣ ص ١٢ . (٣) تفسير فى ظلال القرآن جـ ٢٣ ص ٢٥. ٣٣ سورة يس وقد ساق القرطبى عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث فقال : وفى صحيح مسلم عن أبى ذر قال سألت رسول الله -* - عن قوله - تعالى -: ﴿ والشمس تجرى لمستقر لها ﴾ قال مستقرها تحت العرش . ولفظ البخارى عن أبى ذر قال: قال النبى -# - لى حين غربت الشمس. ((تدرى أين تذهب))؟ قلت: الله ورسوله أعلم . قال : فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش ، فتستأذن فيؤذن لها ، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها ، وتستأذن فلا يؤذن لها . فقال لها : ارجعى من حيث جئت . فتطلع من مغربها . فذلك قوله - تعالى -: ﴿ والشمس تجرى لمستقر لها ﴾(١). واسم الإشارة فى قوله ﴿ ذلك تقدير العزيز العليم﴾ يعود الى الجرى المفهوم من « تجرى)». أى : ذلك الجريان البديع العجيب المقدر الشمس ، تقدير الله - تعالى - العزيز الذى لا يغلبه غالب ، العليم بكل شىء فى هذا الكون علما لا يخفى معه قليل أو كثير من أحوال هذا : الكون . ثم ذكر - سبحانه - آية أخرى تتعلق بكمال قدرته فقال: ﴿ والقمر قدرناه منازل .. ﴾ . ولفظ القمر قرأه جمهور القراء بالنصب على أنه مفعول لفعل محذوف يفسره ما بعده . والمنازل جمع منزل . والمراد بها أماكن سيره فى كل ليلة ، وهى ثمان وعشرون منزلا ، تبدأ من أول ليلة فى الشهر ، إلى الليلة الثامنة والعشرين منه . ثم يستقر القمر ليلتين إن كان الشهر تاما . ويستقر ليلة واحدة إن كان الشهر تسعا وعشرين ليلة . أى : وقدرنا سير القمر فى منازل ، بأن ينزل فى كل ليلة فى منزل لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه ، إذ كل شىء عندنا بمقدار .. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ((والقمر)) بالرفع على الابتداء، وخبره جملة « قدرناه ». قال الآلوسى ما ملخصه . قوله : ﴿والقمر قدرناه﴾ - بالنصب - أى: وصيرنا سيره، أى: محله الذى يسير فيه ((منازل)) فقدَّر بمعنى صير الناصب لمفعولين . والكلام على (١) راجع تفسير القرطبى جـ ٢٥° ص ١٧ وابن كثير جـ ٦ ص ٥٦٢. ٣٤ المجلد الثانى عشر ،﴾ مفعوله الثانى . ومنازل حذف مضاف ، والمضاف المحذوف مفعوله الأول وقرأ الحرميان وأبو عمرو: ﴿والقمرُ﴾ بالرفع، على الابتداء، وجملة ﴿قدرناه ﴾ خبرة . والمنازل: جمع منزل، والمراد به المسافة التى يقطعها القمر فى يوم وليلة (١) . وقوله - سبحانه -: ﴿ حتى عاد كالعرجون القديم﴾ تصوير بديع لحالة القمر وهو فى آخر منازله . والعرجون : هو قنو النخلة ما بين الشماريخ إلى منبته منها ، وهو الذى يحمل ثمار النخلة سواء أكانت تلك الثمار مستوية أم غير مستوية . وسمى عرجونا من الانعراج ، وهو الانعطاف والتقوس ، شبه به القمر فى دقته وتقوسه واصفراره . أى : وصيرنا سير القمر فى منازل لايتعداها ولا يتقاصر عنها ، فإذا صار فى آخر منازله ، أصبح فى دقته وتقوسه كالعرجون القديم ، أى : العتيق اليابس . قال بعض العلماء : والذى يلاحظ القمر ليلة بعد ليلة . يدرك ظل التعبير القرآنى العجيب حتى عاد كالعرجون القديم﴾ وبخاصة ظل ذلك اللفظ ((القديم)). فالقمر فى لياليه الأولى هلال . وفى لياليه الأخيرة هلال. ولكنه فى لياليه الأولى يبدو وكأن فيه نضارة وقوة . وفى لياليه الأخيرة يطلع وكأنما يغشاه سهوم ووجوم ، ويكون فيه شحوب وذبول . ذبول العرجون القديم . فليست مصادفة أن يعبر القرآن عنه هذا التعبير الموحى العجيب(٢). وقوله - تعالى -: ﴿ لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ، ولا الليل سابق النهار ، وكل فى فلك يسبحون ﴾ بيان لدقة نظامه - سبحانه - فى كونه ، وأن هذا الكون الهائل يسير بترتيب فى أسمى درجات الدقة ، وحسن التنظيم . أى: لا يصح ولا يتأتى للشمس أن تدرك القمر فى مسيره فتجتمع معه بالليل . وكذلك لا يصح ولا يتأتى لليل أن يسبق النهار ، بأنه يزاحمه فى محله أو وقته ، وإنما كل واحد من الشمس والقمر ، والليل والنهار ، يسير ، فى هذا الكون بنظام بديع قدره الله - تعالى - له ، بحيث لا يسبق غيره ، أو يزاحمه فى سيره . قال الإِمام ابن كثير: قوله - تعالى - : ﴿لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ﴾ قال (١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢٣ ص ١٦. (٢) تفسير فى ظلال القرآن جـ ٢٣ ص ٢٥. ٣٥ .سورة يس مجاهد: لكل منها حد لا يعدوه ، ولا يَقصِّر دونه ، إذا جاء سلطان هذا ذهب هذا ، وإذا ذهب سلطان هذا جاء سلطان هذا .. وقال عكرمة : يعنى أن لكل منهما سلطانا فلا ينبغى للشمس أن تطلع بالليل . وقوله: ﴿ولا الليل سابق النهار﴾ يقول: لا ينبغى إذا كان الليل أن يكون ليل آخر ، حتی یکون النهار .. (١) . وقوله - تعالى -: ﴿وكل فى فلك يسبحون﴾ التنوين فى ((كل)) عوض عن المضاف إليه .. قال الآلوسي : والفلك : مجرى الكواكب ، سمى بذلك لاستدارته ، كفلكة المغزل ، وهى الخشبة المستديرة فى وسطه ، وفلكة الخيمة ، وهى الخشبة المستديرة التى توضع على رأس العمود لئلا تتمزق الخيمة(٢). أى : وكل من الشمس والقمر ، والليل والنهار ، فى أجزاء هذا الكون يسيرون بانبساط وسهولة ، لأن قدرة الله - تعالى - تمنعهم من التصادم أو التزاحم أو الاضطراب . ثم ذكر - سبحانه - نوعا آخر من النعم التى امتن بها على عباده فقال: ﴿وآية لهم أنا حملنا ذريتهم فى الفلك المشحون ﴾ . وللمفسرين فى تفسير هذه الآية أقوال منها: أن الضمير فى ((لهم )» يعود إلى أهل مكة ، والمراد بذريتهم : أولادهم صغارا أو كبارا ، والمراد بالفلك المشحون : جنس السفن . فيكون المعنى : ومن العلامات الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ، أننا حملنا - بفضلنا ورحمتنا - أولادهم صغارا وكبارا فى السفن المملوءة بما ينفعهم دون أن يصيبهم أذى ، وسخرنا لهم هذه السفن لينتقلوا فيها من مكان إلى آخر . ويرى بعضهم أن الضمير فى (( لهم)» يعود إلى الناس عامة ، والمراد بذريتهم آباؤهم الأقدمون ، والمراد بالفلك المشحون : سفينة نوح - عليه السلام - التى أنجاه الله - تعالى - فيها بمن معه من المؤمنين ، الذين لم يبق على وجه الأرض من ذرية آدم غيرهم . فيكون المعنى : وعلامة ودليل واضح للناس جميعا على قدرتنا ، أننا حملنا - بفضلنا ورحمتنا - آباءهم الأقدمين الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - فى السفينة التى أمرناه بصنعها ، والتى كانت مليئة ومشحونة ، بما ينتفعون به فى حياتهم . (١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٥٦٤. (٢) تفسير الآلوسى جـ ٢٣ ص ٢٣ . ٣٦ المجلد الثانى عشر قال الجمل : وإطلاق الذرية على الأصول صحيح ، فإن لفظ الذرية مشترك بين الضدين ، الأصول والفروع ؛ لأن الذرية من الذرء بمعنى الخلق . والفروع مخلوقون من الأصول ، والأصول خلقت منها الفروع. فاسم الذرية يقع على الآباء كما يقع على الأولاد (١). وهذا الرأى الثانى قد اختاره الإمام ابن كثير ولم یذکر سواه ، فقد قال رحمه اقه : يقول - تعالى - : ودلالة لهم - أيضا - على قدرته - تعالى - تسخيره البحر ليحمل السفن ، فمن ذلك - بل أوله - سفينة نوح التى أنجاه الله فيها بمن معه من المؤمنين، ولهذا قال: ﴿وآية لهم أنا حملنا ذريتهم ﴾ أى : آباءهم . ﴿ فى الفلك المشحون﴾ أى: فى السفينة المملوءة بالأمتعة والحيوانات، التى أمره الله أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين(٢). وقوله - تعالى -: ﴿وخلقنا لهم من مثله ما يركبون﴾ بيان لنعمة أخرى من نعمه - تعالى - على عباده . والضمير فى قوله - تعالى -: ﴿ من مثله ﴾ يعود على السفن المشبهة لسفينة نوح - عليه السلام - . قال القرطبى : ما ملخصه قوله - تعالى - : ﴿وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ﴾ والأصل مايركبونه ... والضمير فى ((من مثله» للإِبل. خلقها لهم للركوب فى البر ، مثل السفن المركوبة فى البحر ، والعرب تشبه الإِبل بالسفن . وقيل إنه للإِبل والدواب وكل ما يركب . والأصح أنه للسفن . أى : خلقنا لهم سفنا أمثالها ، أى : أمثال سفينة نوح يركبون فيها . قال الضحاك وغيره : هى السفن المتخذة بعد سفينة نوح - عليه السلام -(٣). ثم بين - سبحانه - مظهرا آخر من مظاهر فضله على الناس فقال: ﴿وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون . إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين ﴾ . الصريخ : المغيث . أى: فلا مغيث لهم . أو فلا إغاثة لهم ، على أنه مصدر كالصراخ ، لأن المستغيث الخائف ينادى من ينقذه ، فيصرخ المغيث له قائلا : جاءك الغوث والعون . والاستثناء هنا مفرغ من أعم العلل . أى : وإن نشأ أن نفرق هؤلاء المحمولين فى السفن أغرقناهم ، دون أن يجدوا من يغيثهم (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٥١٥. ( ٢) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٥٦٥. (٣) تفسير القرطبى جـ ١٥ ص ٣٤. ٣٧ سورة يس منا ، أو من ينقذهم من الغرق ، سوى رحمتنا بهم ، وفضلنا عليهم ، وتمتيعنا إياهم بالحياة إلى وقت معين تنقضى عنده حياتهم . فالآيتان الكريمتان تصوران مظاهر قدرة الله ورحمته بعباده أكمل تصوير ؛ وذلك لأن السفن التى تجرى فى البحر - مهما عظمت - تصير عندما تشتد أمواجه فى حالة شديدة من الاضطراب ، ويغشى الراكبين فيها من الهول والفزع ما يغشاهم ، وفى تلك الظروف العصيبة لا نجاة لهم مما هم فيه إلا عن طريق رعاية الله - تعالى - ورحمته بهم. ثم ذكر - سبحانه - جانبا من رد المشركين السيئٍّ على من يدعوهم إلى الخير ، ومن جهالاتهم حيث تعجلوا العذاب الذى لا محيص لهم عنه ، ومن أحوالهم عند قيام الساعة ، فقال - تعالى - : وَإِذَا قِيلَ لَمُمُ اتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيَكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْلَعَلَّكُمْتُرُونَ (@) وَمَاتَأْتِيهِمْ مِنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَتِ رَيْهِمْ إِلَّا كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُواْ مِمَّارَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوَ أْأَقْطْعِمُ مَنْ لَّوْنَشَاءُ اللَّهُ أَلْعَمَهُ: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّ فِى ضَلٍ مُّبِينٍ ﴿®)، وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنَ كُنْتُمْ صَدِقِينَ ) مَا يَنْظُرُونَ إِلَّصَيْحَةً وَحِدَةً تَأْخُذُ هُمْ وَهُمْ يَخِصِمُونَ ٤٨ ﴿ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةٌ وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ وَنُفِخَ فِ الصُورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاتِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ﴿﴿ قَالُو أيَوَيُلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْ قَدِنَّا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ﴿ إِن كَانَتْ إِلَّصَيْحَةً ٣٨ المجلد الثانى عشر وَحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ ◌َمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ) فَلْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئاً وَلَا تُجْزَوْنَ إِلََّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ وقوله - تعالى -: ﴿وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم .. ﴾ حكاية لموقف المشركين من الناصحين لهم ، وكيف أنهم صموا آذانهم عن سماع الآيات التنزيلية ، بعد صمعهم عن التفكر فى الآيات التكوينية . أى : وإذا قال قائل لهؤلاء المشركين على سبيل النصح والإرشاد: ﴿ اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم ﴾ أى : احذروا ما تقدم من ذنوبكم وما تأخر ، وصونوا أنفسكم عن ارتكاب المعاصى التى ارتكبها الظالمون من قبلكم ، فأهلكوا بسببها وأبيدوا ، وآمنوا باقه ورسوله واعملوا العمل الصالح، لعلكم بسبب ذلك تنالون الرحمة من الله - تعالى - . وجواب ((إذا)) محذوف دل عليه ما بعده ، والتقدير: إذا قيل لهم ذلك أعرضوا عن الناصح ، و استخفوا به ، وتطاولوا عليه . ويشهد لهذا الجواب المحذوف قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿ وما تأتيهم من آية من آيات ﴾. ربهم إلا كانوا عنها معرضين و ((من)» الأولى مزيدة لتأكيد إعراضهم وصممهم عن سماع الحق، والثانية للتبعيض. أى: ولقد بلغ الجحود والجهل والعناد عند هؤلاء المشركين ، أنهم ما تأتيهم آية من الآيات التى تدل على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، وعلى أن الرسول -# - صادق فى دعوته ، إلا كانوا عن كل ذلك معرضين إعراضا تاما ، شأنهم فى ذلك شأن الجاحدين من قبلهم . وأضاف - سبحانه - إليه الآيات التى أتتهم ، لتفخيم شأنها ، وبيان أنها آيات عظيمة ، كان من شأنهم - لو كانوا يعقلون - أن يتدبروها ، ويتبعوا من جاء بها . ثم حكى - سبحانه - موقفا آخر ، من مواقفهم القبيحة ممن نصحهم وأرشدهم إلى الصواب ، فقال - تعالى -: ﴿وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله ، قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ... ﴾. وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : أن أبا بكر الصديق - رضى الله عنه - كان يطعم مساكين المسلمين ، فلقيه أبو جهل فقال له : يا أبا بكر : أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء ؟ . ٣٩ سورة يس قال نعم. قال : فما باله لم يطعمهم ؟ قال أبو بكر : ابتلى - سبحانه - قوما بالفقر ، وقوما بالغنى ، وأمر الفقراء بالصبر ، وأمر الأغنياء بالإِعطاء . فقال أبو جهل : والله يا أبا بكر : إن أنت إلا فى ضلال ، أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء وهو لا يطعمهم ، ثم تطعمهم أنت .. فنزلت هذه الآية . وقيل : كان العاصى بن وائل السهمى ، إذا سأله المسكين قال له : اذهب إلى ربك فهو أولى منى بك. ثم يقول: قد منعه اللّه فأطعمه أنا .. (١). والمعنى . وإذا قال قائل من المؤمنين لهؤلاء الكافرين : أنفقوا على المحتاجين شيئا من الخير الكثير الذى رزقكم الله - تعالى - إياه . قال الكافرون - على سبيل الاستهزاء والسخرية - للمؤمنين : هؤلاء الفقراء الذين طلبتم منا أن ننفق عليهم ، لوشاء اللّه لأطعمهم ولأغناهم كما أغنانا .. ﴿إن أنتم﴾ أيها المؤمنون ﴿إلا فى ضلال مبين﴾ فى أمركم لنا بالإنفاق عليهم أو على غيرهم . قال الشوكانى ما ملخصه : وقوله : ﴿ أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ﴾ حكاية لتهكم الكافرين ، وقد كانوا سمعوا المؤمنين يقولون : إن الرزاق هو اللّه ، وإنه يغنى من يشاء ، ويفقر من يشاء ، فكأنهم حاولوا بهذا القول الإلزام للمؤمنين ، وقالوا : نحن نوافق مشيئة الله فلا نطعم من لم يطعمه الله. وهذا غلط منهم ومكابرة ومجادلة بالباطل ، فإن الله - سبحانه - أغنى بعض خلقه وأفقر بعضا ، وأمر الغنى أن يطعم الفقير ، وابتلاه به فيما فرض له من ماله من الصدقة ، وقولهم: ﴿ من لو يشاء الله أطعمه﴾ هو وإن كان كلاما صحيحا فى نفسه، ولكنهم لما قصدوا به الإِنكار لقدرة الله، وإنكار جواز الأمر بالإِنفاق مع قدرة اللّه ، كان احتجاجهم من هذه الحيثية باطلا . وقوله : ﴿ إن أنتم إلا فى ضلال مبين﴾ من تتمه كلام الكفار . وقيل: هو رد من الله عليهم .. (٢) . ثم يحكى القرآن إنكارهم للبعث، واستهزاءهم بمن يؤمن به فيقول: ﴿ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ﴾ . أى : ويقول الكافرون للمؤمنين - على سبيل الاسهتزاء والتكذيب بالبعث - ﴿ متى هذا (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٥١٧. ( ٢ ) تفسير فتح القدير جـ ٤ ص ٣٧٣ . ٤٠ المجلد الثانى عشر الذى تعدوننا به من أن هناك بعثا ، وحسابا وجزاء ... أحضروه لنا ﴿ إن كنتم الوعد صادقين ) فيما تعدوننا به . وهنا يجىء الرد الذى يزلزلهم ، عن طريق بيان بعض مشاهد يوم القيامة ، فيقول - سبحانه -: ﴿ ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون . فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ﴾ . المراد بالصيحة هنا : النفخة الأولى التى ينفخها إسرافيل بأمر الله - تعالى - فيموت جميع الخلائق . وقوله ﴿ يخصمون﴾ أى: يختصمون فى أمور دنياهم. وفى هذا اللفظ عدة قراءات سبعية . منها قراءة أبو عمرو وابن كثير: ﴿وهم يَخْصِّمُون﴾ - بفتح الياء والخاء وتشديد الصاد مع الفتح - ومنها قراءة عاصم والكسائى: ﴿وهم يُخِصٌّمُون﴾ بفتح الياء وكسر الخاء وتشديد الصاد مع الكسر . ومنها قراءة حمزة ﴿يَخْصِمُون﴾ بإسكان الخاء وكسر الصاد مع التخفيف. أى : أن هؤلاء الكافرين الذين يستنكرون قيام الساعة ، ويستبعدون حصولها ، جاهلون غافلون ، فإن الساعة آتية لا ريب فيها ، وستحل بهم بغتة فإنهم ما ينتظرون ﴿ إلا صيحة واحدة﴾ يصيحها إسرافيل بأمرنا، فتأخذهم هذه الصيحة وتصعقهم وتهلكهم ﴿وهم يخصمون ﴾ أى : وهم يتخاصمون ويتنازعون فى أمور دنياهم . وعندما تنزل بهم هذه الصيحة ، لا يستطيع بعضهم أن يوصى بعضا بما يريد أن يقول له ولا يستطيعون جميعا الرجوع إلى أهليهم ، لأنهم يصعقون فى أماكنهم التى يكونون فيها عند حدوث هذه الصيحة . فأنت ترى أن الآيتين الكريمتين قد اشتملتا على أبلغ تصوير لأهوال علامات يوم القيامة ، ولسرعة مجىء هذه الأهوال . أخرج الشيخان عن أبى هريرة قال: قال رسول الله - # -: ((لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما ، فلا يتبايعانه ، ولا يطويانه ، ولتقومن الساعة والرجل يليط حوضه - أى يسده بالطين - فلا يسقى منه ، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن ناقته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فمه فلا يطعمها))(١). (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٣ ص ٣١.