النص المفهرس
صفحات 161-180
تفسير سُؤَكَةُ الأَجَرَابُ ١٦٣ مقدمة بِسْمِ اللهُ الرّحمَنِّ الرَّحِيم مقدمة ١ - سورة الأحزاب هى السورة الثالثة والثلاثون فى ترتيب المصحف وهى من السور المدنية ، وكان نزولها بعد سورة آل عمران ، أى : أنها من أوائل السور المدنية ، إذ لم يسبقها فى النزول بعد الهجرة سوى سور: البقرة والانفال وآل عمران . ويبدو : أن نزولها كان فى الفترة التى أعقبت غزوة بدر ، إلى ما قبل صلح الحديبية . وعدد آياتها ثلاث وسبعون آية . ٢ - وقد افتتحت سورة الأحزاب بنداء من الله - تعالى - لنبيه - وَ الله - ، نهته فيه عن طاعة المنافقين والكافرين ، وأمرته بالمداومة على طاعة الله - تعالى - وحده ، وباتباع أمره ، وبالتوكل عليه - سبحانه - . قال - تعالى -: ﴿يأيها النبى اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليها حكيما . واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا * وتوكل على الله وكفى ﴾ . بالله وكيلا ٣ - ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان حكم الله - تعالى - فى بعض التقاليد والأوضاع الاجتماعية التى كانت سائدة فى المجتمع فى ذلك الوقت ، فأبطلت التبنى ، كما أبطلت ما كان سائدا فى المجتمع من عادة الظهار ، وهو أن يقول الرجل لزوجته : أنت على كظهر أمى ، فتصير محرمة عليه حرمة مؤبدة . قال - تعالى -: ﴿ ما جعل اللّه لرجل من قلبين فى جوفه، وما جعل أزواجكم اللائى تظاهرون منهن أمهاتكم ، وما جعل أدعياءكم أبناءكم ، ذلكم قولكم بأفواهكم ، والله يقول الحق ، وهو يهدى السبيل . ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ﴾. ٤ - ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض الأحكام التشريعية الأخرى ، كوجوب طاعة الرسول - وَ - طاعة تفوق طاعتهم لأنفسهم، ولوجوب تعظيم المسلمين لزوجاته - * - كتعظميم أمهاتهم ، وكوجوب التوارث بين الأقارب بالطريقة التى بينها - ١٦٤ المجلد الحادى عشر سبحانه - فى آيات أخرى ، وإبطال التوارث عن طريق المؤاخاة التى تمت بعد الهجرة بين المهاجرين والانصار . قال - تعالى -: ﴿ النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وأزواجه أمهاتهم ، وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين ، إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ، كان ذلك فى الكتاب مسطورا ﴾ . ٥ - ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين ، ذكرهم فيه بجانب من نعمه عليهم ، حيث دفع عنهم جيوش الأحزاب ، وأرسل على تلك الجيوش جنودا من عنده لم يروها ، وكشف عن رذائل المنافقين التى ارتكبوها فى تلك الغزوة ، ومدح المؤمنين الصادقين على وفائهم بعهودهم ، وكافأهم على ذلك بأن أورثهم أرض أعدائهم وديارهم . قال - تعالى -: ﴿ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا ، وكفى الله المؤمنين القتال . وكان الله قويا عزيزاً . وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم . وقذف فى قلوبهم الرعب ، فريقا تقتلون وتأسرون فريقا . وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤوها وكان الله على كل شىء قديرا ﴾. وبعد هذا الحديث المفصل عن غزوة الأحزاب ، والذى استغرق ما يقرب من عشرين آية، انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن أزواج النبي - 18 - فأمرت النبى - وَالت : - أن يخيرهن بين التسريح بإحسان ، وبين الصبر على شظف العيش ، ليظفرن برضا الله - تعالى - كما وجهت نداء إليهن أمرتهن فيه ، بالتزام الآداب الدينية التى تليق بهن . لأنهن فى مكان القدوة لسائر النساء . كما أمرتهن بالبقاء فى بيوتهن ، فلا يخرجن لغير حاجة مشروعة . ومثلهن فى ذلك مثل سائر نساء المسلمين . حتى يتفرغن لرعاية شئون بيوتهن التى هى من خصائصهن وليست من خصائص الرجال . ثم ختم - سبحانه - تلك التوجيهات الحكيمة ببيان الثواب الجزيل الذى أعده للمؤمنين والمؤمنات ، فقال - تعالى -: ﴿إن المسلمين والمسلمات . والمؤمنين والمؤمنات . والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات ، والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات . والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات . والذاكرين الله كثيرا والذاكرات . أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ﴾. ٧ - ثم أشارت السورة بعد ذلك إلى قصة زواج النبى - 18 - بالسيدة زينب بنت جحش . وإلى الحكمة من ذلك . وإلى تطليق زيد بن حارثة لها . وإلى أن ما فعله ١٦٥ مقدمة رسول - * - بالنسبة لهذه الحادثة . كان بأمر الله - تعالى - وإذنه . قال - تعالى -: ﴿ ما كان على النبى من حرج فيما فرض الله له، سنة الله فى الذين خلوا من قبل . وكان أمر الله قدرا مقدورا * الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا. ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ، ولكن رسول الله وخاتم النبيين ، وكان اللّه بكل شىء عليها ﴾ ثم وجهت السورة الكريمة نداء إلى المؤمنين أمرتهم فيه بالإكثار من ذكر الله - تعالى - ومن تسبيحه وتنزيهه. كما وجهت نداء إلى النبى - 14 - بينت له فيه وظيفته، قال - تعالى - : يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا. وسبحوه بكرة وأصيلا . هو الذى يصلى عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما . تحيتهم يوم يلقونه سلام ، وأعد لهم أجرا كريما ، يأيها النبى إنّا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا. وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا . وبشر المؤمنين بأن لهم من اللّه فضلا كبيرا ﴾. ٩ - ثم تحدثت السورة بعد ذلك بشىء من التفصيل عن بعض الأحكام التى تتعلق بأزواج النبى - ﴿ - وبعلاقته - ◌َ - بهن من حيث القسم وغيره ، ومن حيث الزواج بغيرهن . كما تحدثت عن الآداب التى يجب على المؤمنين أن يلتزموها عند دخولهم بيوت النبى - وَالله - بدعوة منه. لأجل تناول طعام، أو لأجل أمر من الأمور الأخرى التى تتعلق بدينهم أو دنياهم . ثم ختمت هذه الآيات بقوله - تعالى - ﴿ يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيما). ١٠ - وبعد هذا البيان المفصل لكثير من الأحكام والآداب ، أخذت السورة الكريمة فى أواخرها ، فى تهديد المنافقين الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا ، وفى بيان أن سنن الله فى خلقه لا تتخلف ، وأن علم وقت قيام الساعة إلى الله - تعالى - وحده ، وأن الإصرار على الكفر يؤدى إلى سوء العاقبة ، وأن السير على طريق الحق . يؤدى إلى مغفرة الذنوب . وأن الإِنسان قد ارتضى حمل الأمانة . التى عجزت عن حملها السموات والأرض والجبال . قال - تعالى -: ﴿ إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا . ليعذب اللّه المنافقين والمنافقات ، والمشركين والمشركات ، ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات ، وكان الله غفورا رحيما). ١٦٦ المجلد الحادى عشر ١١ - ومن هذا العرض المجمل لآيات سورة الأحزاب ، نرى أنها قد اهتمت بموضوعات من أبرزها ما يلى : (أ) كثرة التوجيهات والإرشادات، من الله - تعالى - لنبيه - 18 - إلى أفضل الأحكام ، وأقوم الآداب ، وأهدى السبل . وهذه التوجيهات والإِرشادات . نراها فى كثير من آيات سورة الأحزاب لاسيما التى نادت الرسول - صل - بوصف النبوة . ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿ يأيها النبى اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين وقوله - سبحانه - ﴿ يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ﴾. وقوله - عز وجل - : ﴿ يأيها النبى إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ﴾. وقوله - تعالى - : ﴿يأيها النبى إنا أحللنا لك أزواجك اللاتى آتيت أجورهن﴾. وقوله - سبحانه - : ﴿ يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلا بيبهن . (ب) أمر المؤمنين بطاعة الله - تعالى -، وبطاعة رسوله - 18 - ، ونهيهم عن کل مامن شأنه أن يتعارض مع تشريعات الإِسلام ومع آدابه . وهذه الأوامر والنواهى ، نراها فى كثير من آيات هذه السورة الكريمة . ومن ذلك قوله - تعالى - : ﴿يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم، إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها﴾ . وقوله - سبحانه -: ﴿ يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا، وسبحوه بكرة وأصيلا﴾ . وقوله - عز وجل -: ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ، فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ... ﴾ . وقوله - تعالى -: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى ، فبرأه الله مما قالوا﴾ . وقوله - سبحانه -: ﴿ يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا﴾. ( جـ ) هذه السورة الكريمة تعتبر على رأس السور القرآنية التى اهتمت ببيان فضل نساء النبى - وَل - وحقوقهن، وواجباتهن وخصائصهن. ١٦٧ مقدمة ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - : ﴿ يا نساء النبى من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ... . وقوله - سبحانه -: ﴿ يا نساء النبى لستن كأحد من النساء إن اتقيتن ، فلا تخضعن بالقول ... ﴾ . وقوله - عز وجل -: ﴿ وقرن فى بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ، وأقمن الصلاة ، وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله ... ﴾. وقوله - سبحانه -: ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ، ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك ... ؟ وقوله - تعالى -: ﴿ ... وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا ... ﴾ وقوله - عز وجل -: ﴿ النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم .. ﴾. ( د ) هذه السورة تعتبر من أجمع السور القرآنية التى تعرضت لكثير من الأحكام الشرعية ، والآداب الاجتماعية ، التى لا تتغير بتغير الزمان أو المكان . ومن ذلك حديثها عن الظهار ، وعن التبنى . وعن التوارث بين الأقارب دون غيرهم ، وعن وجوب تقديم طاعة الرسول - ﴿ - على طاعة الإِنسان لنفسه ، وعن وجوب التأسی به ، وعن وجوب الابتعاد عن كل ما يؤذيه أو يجرح شعوره ، وعن وجوب الخضوع لحكم الله - تعالى - ولحكم رسوله - ◌َا*1 - . قال - تعالى -: ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا﴾. ( هـ ) السورة الكريمة فصلت الحديث عن غزوة الأحزاب ، التى وقعت فى السنة الخامسة من الهجرة بين المسلمين وأعدائهم . فبدأت حديثها عن تلك الغزوة بتذكير المؤمنين بفضل الله - تعالى - عليهم فى هذه الغزوة ، ثم صورت أحوالهم عند إحاطة جيوش الأحزاب بالمدينة المنورة . قال - تعالى - : ﴿يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم، إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها ، وكان الله بما تعملون بصيرا . إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم ، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ، وتظنون بالله الظنونا ﴾. ١٦٨ المجلد الحادى عشر ثم حكت أقوال المنافقين القبيحة ، وأفعالهم الذميمة ، وردت عليهم بما يفضحهم ، وبما يكشف عن سوء أخلاقهم . قال - تعالى - : ﴿ أشحة علیکم فإذا جاء الخوف رأیتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذى يغشى عليه من الموت ، فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط اللّه أعمالهم، وكان ذلك على اللّه يسيرا﴾. ثم مدحت المؤمنين الصادقين لوفائهم بعهودهم ، ولشجاعتهم فى مواجهة أعدائهم . قال - سبحانه -: ﴿ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا : هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيمانا وتسليما . من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ، ومنهم من ينتظر ، وما بدلوا تبديلا﴾ . وكما بدأت السورة حديثها عن غزوة الأحزاب بتذكير المؤمنين بنعم الله عليهم - ختمته - أيضا - بهذا التذكير ، لكى يزدادوا شكرا له - عز وجل - . قال - تعالى - : ﴿ ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين القتال ، وكان الله قويا عزيزا . وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم ، وقذف فى قلوبهم الرعب ، فريقا تقتلون وتأسرون فريقا . وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤوها ، وكان الله على كل شىء قديرا (و) والخلاصة أن المتأمل فى سورة الأحزاب ، يراها زاخرة بالأحكام الشرعية ، وبالآداب الاجتماعية ، وبالتوجيهات الربانية، تارة من الله - تعالى - لرسوله - را *1 - وتارة لأزواجه - خ - ، وتارة للمؤمنين . كما يراها تهتم اهتماما واضحا بتنظيم المجتمع الإسلامى تنظيما حكيما ، من شأنه أن يأخذ بيد المتبعين له إلى السعادة الدنيوية والأخروية . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. كتبه الراجي عفو ربه القاهرة - مدينة نصر ٨ من شعبان سنة ١٤٠٥ هـ د . محمد سيد طنطاوى ٢٨ من إبريل ١٩٨٥ م ١٦٩ سورة الأحزاب التفسير قال الله تعالى : ٠١ ◌ِاللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ أَقَّقِ اللَّهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينُّإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا فَنُ، وَأَتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ٣ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ! افتتحت سورة الأحزاب بهذا النداء لسيد الخلق - ولو - وبهذا الوصف الكريم ، وهو الوصف بالنبوة ، على سبيل التشريف والتعظيم . قال صاحب الكشاف : جعل - سبحانه - نداءه بالنبى والرسول فى قوله : ﴿ يأيها النبى﴾. ﴿ يأيها الرسول﴾ وترك نداءه باسمه، كما قال: يا آدم ، يا موسى، يا عيسى، ياداود : كرامة له وتشريفا ، وتنويها بفضله . فإن قلت: إن لم يوقع اسمه فى النداء . فقد أوقعه فى الإِخبار ، فى قوله: ﴿ محمد رسول الله ﴾ ؟ قلت : ذلك لتعليم الناس بأنه رسول ، وتلقين لهم أن يسموه بذلك ويدعوه به (١). والمراد بأمره بتقوى الله: المداومة على ذلك ، والازدياد من هذه التقوى . أى : واظب - أيها النبى الكريم - على تقوى الله، وعلى مراقبته، وعلى الخوف منه ، وأكثر من ذلك ، فإن تقوى الله ، على رأس الفضائل التى يحبها - سبحانه - . (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٥١٨ . ١٧٠ المجلد الحادى عشر قال ابن كثير : هذا تنبيه بالأعلى على الأدنى ، فإنه - تعالى - إذا كان يأمر عبده ورسوله بهذا ، فلأن يأتمر من دونه بذلك بطريق الأولى والأحرى . وقد قال خلف بن حبيب : التقوى أن تعمل بطاعة الله ، على نور من الله، ترجو ثواب الله (١). وبعد الأمر بالتقوى ، جاء النهى عن طاعة غير المؤمنين ، فقال - تعالى -: ﴿ولا تطع الكافرين والمنافقين﴾. أى: واظب - أيها النبى الكريم - على تقوى الله، واجتنب طاعة الكافرين الذين جحدوا نعم الله عليهم، وعبدوا معه آلهة أخرى ، واجتنب كذلك طاعة المنافقين الذين يظهرون الإِسلام ويخفون الكفر . وفى إيراد هذا النهى بعد الأمر بتقوى الله، إشارة وإيحاء إلى ما كان يبذله هؤلاء الكافرون والمنافقون من جهود عنيفة، لزحزحة النبى - 19 - عما هو عليه من حق ، ولصرفه عن دعوتهم إلى الإِسلام . , وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : أن جماعة من أهل مكة ، طلبوا من النبى - وَل﴿ - أن يرجع عن قوله، وأن يعطوه شطر أموالهم، وأن المنافقين واليهود بالمدينة هددوه بالقتل إن لم يرجع عن دعوتهم إلى الإِسلام، فنزلت(٢) . وقوله - تعالى - ﴿إن الله كان عليها حكيما): تعليل الأمر والنهى، أى: اتبع ما أمرناك به ، وما نهيناك عنه، لأن الله - تعالى - عليم بكل شىء ، وحكيم فى كل أقواله وأفعاله . ثم أمره - سبحانه - باتباع ما يوحيه إليه فقال: ﴿ واتبع ما يوحى إليك من ربك .. ﴾ أى : واظب على تقوى الله، وابتعد عن طاعة أعدائك ، واتبع فى كل ما تأتى وتذر ، كل ما نوحيه إليك من عندنا اتباعا تاما . فالجملة الكريمة معطوفة على ما قبلها . من قبيل عطف العام على الخاص . وفى النص على أن الوحى إليه - 15 - وأن هذا الوحى من ربه الذى تولاه بالتربية والرعاية ، إشعار بوجوب الاتباع التام الذى لا يشوبه انحراف أو تردد . ثم أكد - سبحانه - هذا الأمر تأكيدا قويا فقال : ﴿ إن اللّه كان بما تعملون خبيرا ﴾ أى : إنه - تعالى - خبير ومحيط بحركات النفوس وبخفايا القلوب ، وكل من يخالف - (١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٣٧٦ . ( ٢) تفسير الآلوسى جـ ٢١ ص ١٤٠ . ١٧١ سورة الأحزاب ما أمرناه به ، أو نهيناه عنه ، فلا يخفى علينا أمره ، وسنجازيه يوم القيامة بما يستحقه . وقوله - سبحانه -: ﴿ وتوكل على الله﴾ أى: وفوض أمرك إليه - عز وجل - . وحده . وكفى بالله وكيلا﴾ أى : وكفى بربك حافظا لك ، وكفيلا بتدبير أمرك . فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد تضمنت ثلاثة أوامر : تقوى الله، واتباع وحیه ، والتوكل عليه - تعالى - وحده. كما تضمنت نهيه - * - عن طاعة الكافرين والمنافقين. وباتباع هذه الأوامر والنواهى ، يسعد الأفراد ، وتسعد الأمم . ثم أبطل - سبحانه - بعض العادات التى كان متفشية فى المجتمع ، وكانت لا تتناسب مع شريعة الإِسلام وآدابه ، فقال - تعالى - : مَّاجَعَلَ اَللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَیْنِ فِى جَوْفِهِ، وَمَا جَعَلَ أَزْوَحَكُمُ الَّتِى تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَ كُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَهِكُمْ وَاللّهُ يَقُولُ الْحَقِّ وَهُوَ بَهْدِى السَّبِيلَ ، أَدْعُوهُمْ لَّبَآيِهِمْ هُوَأَقْسَطُ عِندَ اللّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَنُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَلِيكُمْ وَيْسَ عَلَيْكِكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ ، وَلَكِن مَّاتَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًارَّحِيمَاَ قال القرطبى ما ملخصه : قوله - تعالى - ﴿ ما جعل اللّه لرجل من قلبين فى جوفه ﴾ نزلت فى رجل من قريش اسمه جميل بن معمر الفهرى ، كان حفاظا لما يسمع ، وكان يقول : لى قلبان أعقل بهما أفضل من عقل محمد . فلما هزم المشركون يوم بدر ، ومعهم هذا الرجل ، رآه أبو سفيان وهو معلق إحدى نعليه فى يده والأخرى فى رجله - من شدة الهلع - ، فقال له أبو سفيان : ما حال الناس ؟ قال : انهزموا . فقال له : فما بال إحدى نعليك فى يدك والأخرى فى رجلك ؟ قال : ما شعرت إلا أنهما فى رجلى . فعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسی نعله فى يده . ١٧٢ المجلد الحادى عشر وقيل سبب نزولها أن بعض المنافقين قال: إن محمدا - وَ الفر - له قلبان ، لأنه ربما كان فى شىء فنزع فى غيره نزعة ثم عاد إلى شأنه الأول ، فأكذبهم اللّه بقوله: ﴿ ما جعل اللّه الرجل من قلبين فى جوفه ﴾(١). ويرى بعضهم : أن هذه الجملة الكريمة ، مثل ضربه الله - تعالى - للمظاهر من امرأته ، والمتبنى ولد غيره ، تمهيدا لما بعده . أى : كما أن الله - تعالى - لم يخلق للإِنسان قلبين فى جوفه ، كذلك لم يجعل المرأة الواحدة زوجا للرجل وأما له فى وقت واحد ، وكذلك لم يجعل المرء دعيا لرجل وابنا له فى زمن واحد . وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: أى: ما جمع اللّه قلبين فى جوف ، ولا زوجية وأمومة فى امرأة ، ولا بنوة ودعوة فى رجل .. لأن الأم مخدومة مخفوض لها الجناح ، والزوجة ليست كذلك . ولأن البنؤة أصالة فى النسب وعراقة فيه ، والدعوة : إلصاق عارض بالتسمية لا غير . فإن قلت : أى فائدة فى ذكر الجوف ؟ قلت : الفائدة فيه كالفائدة فى قوله - تعالى - : ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور ﴾ وذلك ما يحصل للسامع من زيادة التصور والتجلى للمدلول عليه ، لأنه إذا سمع به ، صور لنفسه جوفا يشتمل على قلبين فكان أسرع إلى الإِنكار(٢). وقوله - سبحانه -: ﴿ وما جعل أزواجكم اللائى تظاهرون منهن أمهاتكم ﴾ إبطال لما كان سائدا من أن الرجل كان إذا قال لزوجته أنت على كظهر أمى حرمت عليه . يقال . ظاهر فلان من امرأته وتظهر وظهر منها ، إذا قال لها : أنت على كظهر أمى ، يريد أنها محرمة عليه كحرمة أمه . وقد جاء الكلام عن الظهار ، وعن حكمه ، وعن كفارته ، فى سورة المجادلة ، فى قوله - تعالى -: ﴿ قد سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها، وتشتكى إلى الله، والله يسمع تحاوركما ، إن الله سميع بصير . الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم ، إن أمهاتهم إلا اللائى ولدنهم ، وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ، وإن الله لعفو غفور﴾. وقوله - سبحانه -: ﴿ وما جعل أدعياءكم أبناءكم﴾ إبطال لعادة أخرى كانت موجودة ، وهى عادة التبنى . (١) تفسير القرطبى جـ ١٤ ص ١١٦. (٢) تفسير الكشاف - بتصرف وتلخيص - جـ٣ ص ٥٢١ . ١٧٣ سورة الأحزاب والأدعياء : جمع دعى . وهو الولد الذى يدعى ابنا لغير أبيه وكان الرجل يتبنى ولد غيره ، ويجرى عليه أحكام البنوة النسبية ، ومنها حرمة زواج الأب بزوجة ابنه بالتبنى بعد طلاقها ، ومنها التوارث فيما بينهما . قال ابن كثير : وقوله: ﴿ وما جعل أدعياءكم أبناءكم ﴾ هذا هو المقصود بالنفى ، فإنها نزلت فى شأن زيد بن حارثة، مولى النبى - بصل - ، فقد كان - وَ - قد تبناه قبل النبوة ، وكان يقال له زيد بن محمد. فأراد الله - تعالى - أن يقطع هذا الإِلحاق ، وهذه النسبة بقوله: ﴿وما جعل أدعياء كم أبناءكم ﴾، كما قال فى أثناء السورة: ﴿ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ﴾(١). واسم الإشارة فى قوله: ﴿ ذلكم قولكم بأفواهكم ﴾ يعود إلى ما سبق ذكره من التلفظ بالظهار ، ومن إجراء التبنى على ولد الغير ، وهو مبتدأ ، وما بعده خبر . أى : ذلكم الذى تزعمونه من تشبيه الزوجة بالأم فى التحريم ، ومن نسبة الأبناء إلى غير آبائهم الشرعيين ، هو مجرد قول باللسان لا يؤيده الواقع ، ولا يسانده الحق . قال ابن جرير: وقوله : ﴿ ذلكم قولكم بأفواهكم ﴾ يقول - تعالى ذكره - هذا القول ، وهو قول الرجل لأمرأته : أنت على كظهر أمى ، ودعاؤه من ليس بابنه أنه ابنه ، إنما هو قولكم بأفواهكم ، لا حقيقة له ، ولا يثبت بهذه الدعوى نسب الذى ادعيت بنوته ، ولا تصير الزوجة أما بقول الرجل لها : أنت على كظهر أمى(٢). ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ﴿ والله يقول الحق وهو يهدى السبيل﴾ أى: والله - تعالى - يقول الحق الثابت الذى لا يحوم حوله باطل ، وهو - سبحانه - دون غيره يهدى ويرشد إلى السبيل القويم الذى يوصل إلى الخير والصلاح . وما دام الأمر كذلك فاتركوا عاداتكم وتقاليدكم التى ألفتموها . والتى أبطلها الله - تعالى - بحكمته ، واتبعوا ما يأمركم به - سبحانه - . ثم أرشدهم إلى الطريقة السليمة فى معاملة الابن المتبنى فقال: ﴿ ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ﴾ أيانسبوا هؤلاء الأعياء إلى آبائهم ، فإن هذا النسب هو أقسط وأعدل عند الله - تعالى - . قال الآلوسى : أخرج الشيخان عن ابن عمر - رضى الله عنهما - أن زيد بن حارثة مولى (١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٣٧٧ . ( ٢) تفسير ابن جرير جـ ٢١ ص ٧٥ . ١٧٤ المجلد الحادى عشر رسول الله - * - ماكنا ندعوه إلا زيد بن محمد. حتى نزل القرآن: ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ فقال - * -: ((أنت زيد بن حارثة بن شراحيل))(١). وكان زيد قد أسر فى بعض الحروب ، ثم بيع فى مكة ، واشتراه حكيم بن حزام ، ثم أهداه إلى عمته السيدة خديجة، ثم أهدته خديجة - رضى اللّه عنها - إلى النبى - صل * - وصار الناس يقولون : زيد بن محمد حتى نزلت الآية . وقوله - سبحانه -: ﴿ فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم فى الدين ومواليكم ﴾ إرشاد إلى معاملة هؤلاء الأدعياء فى حالة عدم معرفة آبائهم . أى: انسبوا هؤلاء الأدعياء إلى آبائهم الحقيقيين، فإن ذلك أعدل عند الله - تعالى - ، وأشرف للآباء والأبناء ، فإن لم تعلموا آباءهم الحقيقيين لكى تنسبوهم إليهم ، فهؤلاء الأدعياء هم إخوانكم فى الدين والعقيدة ، وهم مواليكم ، فقولوا لهم ، يا أخى أو يامولاى ، واتركوا نسبتهم إلى غير آبائهم الشرعيين : وفى هذه الجملة الكريمة إشارة إلى ما كان عليه المجتمع الجاهلى من تخلخل فى العلاقات الجنسية ، ومن اضطراب فى الأنساب ، وقد عالج الإِسلام كل ذلك بإقامة الأسرة الفاضلة ، المبنية على الطهر والعفاف ، ووضع الأمور فى مواضعها السليمة . ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر اليسر ورفع الحرج فى تشريعاته فقال : ﴿ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ، ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما ﴾. أى . انسبوا - أيها المسلمون - الأبناء إلى آبائهم الشرعيين ، فإن لم تعرفوا آباءهم فخاطبوهم ونادوهم بلفظ: يا أخى أو يا مولاى . ومع كل ذلك فمن رحمتنا بكم أننا لم نجعل عليكم جناحا أو إثما ، فيما وقمتم فيه من خطأ غير مقصود بنسبتكم بعض الأبناء الأدعياء إلى غير آبائهم ، ولكننا نؤاخذكم ونعاقبكم فيما تعمدته قلوبكم من نسبة الأبناء إلى غير آبائهم . و﴿ كان الله غفورا رحيما) - وما زال واسع المغفرة والرحمة لمن يشاء من عباده. هذا ، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هاتين الآيتين : حرص شريعة الإِسلام على إعطاء كل ذى حق حقه ، ومن مظاهر ذلك إبطال الظهار الذى كان يجعل المرأة محرمة على الرجل ، ثم تبقى بعد ذلك معلقة ، لا هى مطلقة فتتزوج غير زوجها ، ولا هى زوجة فتحل له فشرع الإسلام كفارة الظهار إنصافا للمرأة ، وحرصا على كرامتها . (١) تفسير الآلوسى جـ ٢١ ص ١٤٧ . ٠٠٠٠ ١٧٥ سورة الأحزاب ومن مظاهر ذلك - أيضا - : إبطال عادة التبنى ، حتى ينتسب الأبناء إلى آبائهم الشرعيين ، وحتى تصير العلاقات بين الآباء والأبناء قائمة على الأسس الحقيقية والواقعية . ولقد حذر الإِسلام من دعوى الإِبن إلى غير أبيه تحذيرا شديدا . ونفر من ذلك . قال القرطبى : جاء فى الحديث الصحيح عن سعد بن أبى وقاص وأبى بكرة ، كلاهما قال : سَمِعته أذناى ووعاه قلبى، محمدا - وَ ل جر - يقول: ((من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام)) وفى حديث أبى ذر أنه سمع النبى - وَل - يقول: ((ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر)) (١) . ثم بين - سبحانه - ما يجب على المؤمنين نحو نبيهم - وَل18 - ونحو أزواجه ، وما يجب للأقارب فيما بينهم ، فقال - تعالى - : النَِّىُّأَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَجُ:َ أُمَّهَُهُمْ وَأُوْلُواْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَآَبِكُمْ مَّعْرُوفًاْ كَانَ ذَلِكَ فِى الْكِتَبِ مَسْطُورًا ه ٦ أى: النبى - ﴾ - أحق بالمؤمنين بهم من أنفسهم وأولى فى المحبة والطاعة ، فإذا ما دعاهم إلى أمر ، ودعتهم أنفسهم إلى خلافه ، وجب أن يؤثروا ما دعاهم إليه ، على ما تدعوهم إليه أنفسهم، لأنه - رَجر - لا يدعوهم إلا إلى ما ينفعهم، أما أنفسهم فقد تدعوهم إلى ما يضرهم . وفى الحديث الصحيح الذى رواه الإمام مسلم عن أبى هريرة، أن رسول الله - الخمر - قال: ﴿ إنما مثلى ومثل أمتى ، كمثل رجل استوقد نارا ، فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه - أى فى الشىء المستوقد - وأنا آخذ بِحُجزَكم - أى: وأنا آخذ بما يمنعكم من السقوط كملابسكم ومعاقد الإِزار - وأنتم تقحمون فيه)) أى: وأنتم تحاولون الوقوع فيما يحرقكم - . (١) تفسير القرطبى جـ ١٤ ص ١٢١ . ١٧٦ المجلد الحادى عشر قال القرطبى : قال العلماء : الحجزة : السراويل ، والمعقد للإِزار ، فإذا أراد الرجل إمساك من يخاف سقوطه أخذ بذلك الموضع منه ، وهذا مثل لاجتهاد نبينا - صل - فى نجاتنا ، وحرصه على تخليصنا من الهلكات التى بين أيدينا ، فهو أولى بنا من أنفسنا(١) . وقال الإِمام ابن كثير. قد علم الله - تعالى - شفقة رسوله - ﴿ه - على أمته ، ونصحه لهم : فجعله أولى بهم من أنفسهم ، وحكمه فيهم مقدما على اختيارهم لأنفسهم . وفى الصحيح ((والذى نفسى بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين )). وروى البخارى عن أبى هريرة عن النبى - ﴿ ٣ - قال: (( ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به فى الدنيا والآخرة . اقرءوا إن شئتم: ﴿ النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا ، فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتنى فأنا مولاه )). وروى الإمام أحمد عن جابر عن النبى - وَل# - أنه كان يقول: ﴿ أنا أولى بكل مؤمن من نفسه﴾ فأيما رجل مات وترك دينا فإلى، ومن ترك مالا فلورثته﴾(٢). وقال الألوسى: وإذا كان - * - بهذه المثابة فى حق المؤمنين ، يجب عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم ، وحكمه - عليه الصلاة والسلام - عليهم أنفذ من حكمها ، وحقه آثر لديهم من حقوقها ، وشفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها . وسبب نزول الآية - على ما قيل - ما روى من أنه - بَير - أراد غزوة تبوك ، فأمر الناس بالخروج : فقال أناس منهم : نستأذن آباءنا وأمهاتنا فنزلت . ووجه دلاتها على السبب أنه - وَّه - إذا كان أولى من أنفسهم، فهو أولى من الأبوين بالطريق الأولى(٣). ثم بين - سبحانه - منزلة أزواجه - والله - بالنسبة للمؤمنين فقال: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ أى: وأزواجه - وَالله - بمنزلة أمهاتكم - أيها المؤمنون - فى الاحترام والإِكرام ، وفى حرمة الزواج بهن . قالوا : وأما ما عدا ذلك كالنظر اليهن ، والخلوة بهن ، وإرثهن . فهن كالأجنبيات . ثم بين - سبحانه - أن التوارث إنما يكون بين الأقارب فقال - تعالى - ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ، كان ذلك فى الكتاب مسطورا (١) تفسير القرطبى جـ ١٤ ص ١٢٢ . ( ٢) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٢٨١ . ( ٣) تفسير الآلوسى جـ ٢١ ص ١٦١ . ١٧٧ سورة الأحزاب والمراد بأولى الأرحام : الأقارب الذين تربط بينهم رابطة الرحم كالآباء والأبناء ، والإِخوة ، والأخوات . وقوله : ﴿ فى كتاب اللّه ﴾ متعلق بقوله ﴿ أولى ﴾ أو بمحذوف على أنه حال من الضمير فى ﴿ أولى ﴾. والمراد بالمؤمنين والمهاجرين . من لا تربط بينهم وبين غيرهم رابطة قرابة . قال ابن كثير : وقد أورد ابن أبى حاتم عن الزبير بن العوام قال : أنزل الله - عز وجل - فينا خاصة معشر قريش والأنصار: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ﴾ وذلك أنا معشر قريش ، لما قدمنا المدينة قدمنا ولا أموال لنا ، فوجدنا الأنصار نعم الإِخوان ، فواخيناهم ووارثناهم .. حتى أنزل الله هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار خاصة ، فرجعنا إلى مواريثنا (١) . وشبيه بهذه الآية فى وجوب أن يكون التوارث بحسب قرابة الدم ، قوله - تعالى - فى آخر آية من سورة الأنفال: ﴿ والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم ، وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله، إن الله بكل شىء عليم﴾. والاستثناء فى قوله - سبحانه - : ﴿ إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا﴾ رجح بعضهم أنه استثناء منقطع . وقوله ﴿ أن تفعلوا ﴾ مبتدأ ، وخبره محذوف . والمراد بالكتاب فى قوله ﴿ كان ذلك فى الكتاب مسطورا ﴾ القرآن الكريم، أو اللوح المحفوظ . والمعنى : وأولو الأرحام وهم الأقارب ، بعضهم أولى ببعض فى التوارث فيما بينهم ، وفى تبادل المنافع بعضهم مع بعض ، وهذه الأولوية والأحقية ثابتة فى كتاب الله - تعالى - حيث بين لكم فى آيات المواريث التى بسورة النساء ، كيفية تقسيم التركة بين الأقارب ، وهم بهذا البيان أولى فى ميراث الميت من المؤمنين والمهاجرين الذين لا تربطهم بالميت صلة القرابة . هذا هو حكم الشرع فيما يتعلق بالتوارث ، لكن إذا أردتم - أيها المؤمنون - أن تقدموا إلى غير أقاربكم من المؤمنين معروفا ، كأن توصوا له ببعض المال فلا بأس ، ولا حرج عليكم فى ذلك . وهذا الحكم الذى بيناه لكم فيما يتعلق بالتوارث بين الأقارب ، كان مسطورا ومكتوبا فى (١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٣٨٣. ١٧٨ المجلد الحادى عشر اللوح المحفوظ ، وفى آيات القرآن التى سبق نزولها ، فاعملوا بما شرعناه لكم ، واتركوا ما نهيناكم عنه . قال الشوكانى ما ملخصه : قوله : ﴿ إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ﴾ هذا الاستثناء إما متصل من أعم العام ، والتقدير: وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كل شىء من الإِرث وغيره ، إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ، من صدقة أو وصية ، فإن ذلك جائز . وإما منقطع . والمعنى : لكن فعل المعروف للأولياء لا بأس به . والإِشارة بقوله: ﴿ كان ذلك﴾ تعود إلى ما تقدم ذكره. أى: كان نسخ الميراث بالهجرة والمحالفة والمعاقدة ، ورده إلى ذوى الأرحام من القرايات ﴿ فى الكتاب مسطورا﴾ أى: فى اللوح المحفوظ ، أو فى القرآن مكتوبا(١) . وبذلك نرى الآية الكريمة قد وضحت ما يجب على المؤمنين نحو نبيهم ، وما يجب عليهم نحو أزواجه ، وما يجب عليهم نحو أقاربهم فيما يتعلق بالتوارث . ثم ذكر الله - تعالى - رسوله - ﴿ - بالعهد الذى أخذه عليه وعلى الأنبياء من قبله ، فقال - تعالى - : وَإِذْأَخَذْنَا مِنَ النَّبْنَ مِشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَ مِنْ نُورِ وَإِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَنْيَمَ وَأَخَذْ نَامِنْهُمْ مِثَقًا غَلِيِظًا ٧ لِيَسْئَلَ الصَّدِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَذَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابَ أَلِيمًاً والميثاق : العهد الموثق المؤكد ، مأخوذ من لفظ وثق ، المتضمن معنى الشد والربط على الشىء بقوة وإحكام . أى : واذكر - أيها الرسول الكريم - وقت أن أخذنا من جميع النبيين العهد الوثيق ، على أن يبلغوا ما أوحيناه إليهم من هدايات للناس ، وعلى أن يأمروهم بإخلاص العبادة لنا ، وعلى أن يصدق بعضهم بعضا فى أصول الشرائع ومكارم الأخلاق .. كما أخذنا هذا العهد الوثيق منك ، ومن أنبيائنا نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم . (١) تفسير فتح القدير جـ ٦ ص ٢٦٢. و ١٧٩ سورة الأحزاب وخص هؤلاء الأنبياء بالذكر ، للتنويه بفضلهم ، فهم أولو العزم من الرسل ، وهم الذين تحملوا فى سبيل إعلاء كلمة الله - تعالى - أكثر مما تحمل غيرهم . وقدم - وَالرَ - عليهم فى قوله ﴿ومنك ومن نوح) لمزيد فضله - والقر - على جميع الأنبياء . قال الآلوسى : ولا يضر تقديم نوح - عليه السلام - فى سورة الشورى ، أعنى قوله - تعالى -: ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ، والذى أوحينا إليك ﴾ إذ لكل مقام مقال . والمقام فى سورة الشورى وصف دين الإِسلام بالأصالة . والمناسب فيه تقديم نوح ، فكأنه قيل : شرع لكم الدين الأصيل الذى بعث عليه نوح فى العهد القديم ، وبعث عليه محمد - وَل﴿ - فى العهد الحديث، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء(١). وقوله - سبحانه -: ﴿ وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ﴾ معطوف على ما قبله وهو ﴿ أخذنا من النبيين ميثاقهم ﴾ ، لإفادة تفخيم شأن هذا الميثاق المأخوذ على الأنبياء ، وبيان أنه عهد فى أقصى درجات الأهمية والشدة . أى : وأخذنا من هؤلاء الأنبياء عهدا عظيم الشأن ، بالغ الخطورة ، رفيع المقدار . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فإذا أراد بالميثاق الغليظ ؟ قلت : أراد به ذلك الميثاق بعينه . إذ المعنى : وأخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقا غليظا . والغلظ استعارة فى وصف الأجرام . والمراد : عظم الميثاق وجلالة شأنه فى بابه . وقيل : المراد بالميثاق الغليظ: اليمين باللّه على الوفاء بما حملوا (٢). وقوله - سبحانه -: ﴿ ليسأل الصادقين عن صدقهم﴾ متعلق بقوله: ﴿أخذنا﴾، أو بمحذوف . والمراد بالصادقين : الأنبياء الذين أخذ اللّه عليهم الميثاق . أى : فعل - سبحانه - ذلك ليسأل يوم القيامة أنبياءه عن كلامهم الصادق الذى قالوه لأقوامهم ، وعن موقف هؤلاء الأقوام منهم . والحكمة من هذا السؤال تشريف هؤلاء الرسل وتكريمهم ، وتوبيخ المكذبين لهم فيما جاءوهم به من كلام صادق ومن إرشاد حكيم . وقوله - سبحانه -: ﴿وأعد للكافرين عذابا أليما﴾ معطوف على مادل عليه قوله ، ليسأل الصادقين . (١) تفسير الالوسى جـ ٢١ ص ١٥٤ . (٢) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٥٢٥ . ١٨٠ المجلد الحادى عشر أى : أثاب - عز وجل - الأنبياء الكرام بسبب صدقهم فى تبليغ رسالته وأعد للكافرين - الذين أعرضوا عن دعوة أنبيائهم عذابا أليما ، بسبب هذا الإِعراض . وهكذا جمعت الآية الكريمة بين ما أعده - سبحانه - من ثواب عظيم للصادقين . ومن عذاب أليم للكافرين . وبعد هذا البيان الحكيم لبعض الأحكام الشرعية . انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن غزوة الأحزاب ، وعن فضل الله - تعالى - على المؤمنين فيها ، فقال - سبحانه - : ◌َّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَّكُرُ وَأْنِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتَّكُمْ جُنُدٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَ حُنُودًّا لَّمْتَرَوَّهَأْ وَكَانَ اللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ( ٨) إِذْجَاءُ وَكُمْ مِن فَوْقَكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْزَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَنَظُونَ بِاللَّهِالظُّنُوْنَاْن ◌َ هُنَالِكَ أَبْتُلِى الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالََّ شَدِيدًا ، وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلََّّغُرُورًا (٣)، وَإِذْ قَالَت ◌َّابِفَةٌ مِنْهُمْ وَأَهْلَ يَغْرِبَ لَأَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُواْ وَيَسْتَعْذِنٌ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِ يَقُولُونَ إِنَّ ◌ُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَاهِىَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُ ونَإِلَّا فِرَارًا وَلَوْدُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْالْفِتْنَةَ لَ تَوْهَا وَمَا تَكَبِّئُواْ بِهَا إِلَّ يَسِيرًا ﴿ وَلَقَدْ كَانُواْعَهَدُواْ ١٥ اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُونَ الْأَدْبَرَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا وغزوة الأحزاب ، من الغزوات الشهيرة فى تاريخ الدعوة الإِسلامية ، وكانت - على الراجح - فى شهر شوال من السنة الخامسة بعد الهجرة .