النص المفهرس

صفحات 161-180

تفسير
سُؤَكَةُ الأَجَرَابُ

١٦٣
مقدمة
بِسْمِ اللهُ الرّحمَنِّ الرَّحِيم
مقدمة
١ - سورة الأحزاب هى السورة الثالثة والثلاثون فى ترتيب المصحف وهى من السور
المدنية ، وكان نزولها بعد سورة آل عمران ، أى : أنها من أوائل السور المدنية ، إذ لم يسبقها
فى النزول بعد الهجرة سوى سور: البقرة والانفال وآل عمران .
ويبدو : أن نزولها كان فى الفترة التى أعقبت غزوة بدر ، إلى ما قبل صلح الحديبية . وعدد
آياتها ثلاث وسبعون آية .
٢ - وقد افتتحت سورة الأحزاب بنداء من الله - تعالى - لنبيه - وَ الله - ، نهته فيه عن
طاعة المنافقين والكافرين ، وأمرته بالمداومة على طاعة الله - تعالى - وحده ، وباتباع أمره ،
وبالتوكل عليه - سبحانه - .
قال - تعالى -: ﴿يأيها النبى اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليها
حكيما . واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا * وتوكل على الله وكفى
﴾ .
بالله وكيلا
٣ - ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان حكم الله - تعالى - فى بعض التقاليد والأوضاع
الاجتماعية التى كانت سائدة فى المجتمع فى ذلك الوقت ، فأبطلت التبنى ، كما أبطلت ما كان
سائدا فى المجتمع من عادة الظهار ، وهو أن يقول الرجل لزوجته : أنت على كظهر أمى ،
فتصير محرمة عليه حرمة مؤبدة .
قال - تعالى -: ﴿ ما جعل اللّه لرجل من قلبين فى جوفه، وما جعل أزواجكم اللائى
تظاهرون منهن أمهاتكم ، وما جعل أدعياءكم أبناءكم ، ذلكم قولكم بأفواهكم ، والله يقول
الحق ، وهو يهدى السبيل . ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ﴾.
٤ - ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض الأحكام التشريعية الأخرى ، كوجوب طاعة
الرسول - وَ - طاعة تفوق طاعتهم لأنفسهم، ولوجوب تعظيم المسلمين
لزوجاته - * - كتعظميم أمهاتهم ، وكوجوب التوارث بين الأقارب بالطريقة التى بينها -

١٦٤
المجلد الحادى عشر
سبحانه - فى آيات أخرى ، وإبطال التوارث عن طريق المؤاخاة التى تمت بعد الهجرة بين
المهاجرين والانصار .
قال - تعالى -: ﴿ النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وأزواجه أمهاتهم ، وأولو الأرحام
بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين ، إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ،
كان ذلك فى الكتاب مسطورا ﴾ .
٥ - ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين ، ذكرهم فيه بجانب من نعمه عليهم ، حيث
دفع عنهم جيوش الأحزاب ، وأرسل على تلك الجيوش جنودا من عنده لم يروها ، وكشف عن
رذائل المنافقين التى ارتكبوها فى تلك الغزوة ، ومدح المؤمنين الصادقين على وفائهم بعهودهم ،
وكافأهم على ذلك بأن أورثهم أرض أعدائهم وديارهم .
قال - تعالى -: ﴿ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا ، وكفى الله المؤمنين
القتال . وكان الله قويا عزيزاً . وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم . وقذف
فى قلوبهم الرعب ، فريقا تقتلون وتأسرون فريقا . وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم
تطؤوها وكان الله على كل شىء قديرا ﴾.
وبعد هذا الحديث المفصل عن غزوة الأحزاب ، والذى استغرق ما يقرب من عشرين
آية، انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن أزواج النبي - 18 - فأمرت النبى - وَالت : -
أن يخيرهن بين التسريح بإحسان ، وبين الصبر على شظف العيش ، ليظفرن برضا الله -
تعالى - كما وجهت نداء إليهن أمرتهن فيه ، بالتزام الآداب الدينية التى تليق بهن . لأنهن فى
مكان القدوة لسائر النساء .
كما أمرتهن بالبقاء فى بيوتهن ، فلا يخرجن لغير حاجة مشروعة . ومثلهن فى ذلك مثل سائر
نساء المسلمين . حتى يتفرغن لرعاية شئون بيوتهن التى هى من خصائصهن وليست من
خصائص الرجال .
ثم ختم - سبحانه - تلك التوجيهات الحكيمة ببيان الثواب الجزيل الذى أعده للمؤمنين
والمؤمنات ، فقال - تعالى -: ﴿إن المسلمين والمسلمات . والمؤمنين والمؤمنات . والقانتين
والقانتات والصادقين والصادقات ، والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات . والمتصدقين
والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات . والذاكرين الله كثيرا
والذاكرات . أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ﴾.
٧ - ثم أشارت السورة بعد ذلك إلى قصة زواج النبى - 18 - بالسيدة زينب بنت
جحش . وإلى الحكمة من ذلك . وإلى تطليق زيد بن حارثة لها . وإلى أن ما فعله

١٦٥
مقدمة
رسول - * - بالنسبة لهذه الحادثة . كان بأمر الله - تعالى - وإذنه .
قال - تعالى -: ﴿ ما كان على النبى من حرج فيما فرض الله له، سنة الله فى الذين
خلوا من قبل . وكان أمر الله قدرا مقدورا * الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون
أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا. ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ، ولكن رسول الله وخاتم
النبيين ، وكان اللّه بكل شىء عليها ﴾
ثم وجهت السورة الكريمة نداء إلى المؤمنين أمرتهم فيه بالإكثار من ذكر الله - تعالى - ومن
تسبيحه وتنزيهه. كما وجهت نداء إلى النبى - 14 - بينت له فيه وظيفته، قال - تعالى - :
يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا. وسبحوه بكرة وأصيلا . هو الذى يصلى عليكم
وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما . تحيتهم يوم يلقونه سلام ،
وأعد لهم أجرا كريما ، يأيها النبى إنّا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا. وداعيا إلى الله بإذنه
وسراجا منيرا . وبشر المؤمنين بأن لهم من اللّه فضلا كبيرا ﴾.
٩ - ثم تحدثت السورة بعد ذلك بشىء من التفصيل عن بعض الأحكام التى تتعلق بأزواج
النبى - ﴿ - وبعلاقته - ◌َ - بهن من حيث القسم وغيره ، ومن حيث الزواج
بغيرهن .
كما تحدثت عن الآداب التى يجب على المؤمنين أن يلتزموها عند دخولهم بيوت
النبى - وَالله - بدعوة منه. لأجل تناول طعام، أو لأجل أمر من الأمور الأخرى التى تتعلق
بدينهم أو دنياهم .
ثم ختمت هذه الآيات بقوله - تعالى - ﴿ يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين
يدنين عليهن من جلابيبهن ، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيما).
١٠ - وبعد هذا البيان المفصل لكثير من الأحكام والآداب ، أخذت السورة الكريمة فى
أواخرها ، فى تهديد المنافقين الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا ، وفى بيان أن سنن
الله فى خلقه لا تتخلف ، وأن علم وقت قيام الساعة إلى الله - تعالى - وحده ، وأن الإصرار
على الكفر يؤدى إلى سوء العاقبة ، وأن السير على طريق الحق . يؤدى إلى مغفرة الذنوب .
وأن الإِنسان قد ارتضى حمل الأمانة . التى عجزت عن حملها السموات والأرض والجبال .
قال - تعالى -: ﴿ إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها
وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا . ليعذب اللّه المنافقين والمنافقات ،
والمشركين والمشركات ، ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات ، وكان الله غفورا رحيما).

١٦٦
المجلد الحادى عشر
١١ - ومن هذا العرض المجمل لآيات سورة الأحزاب ، نرى أنها قد اهتمت بموضوعات
من أبرزها ما يلى :
(أ) كثرة التوجيهات والإرشادات، من الله - تعالى - لنبيه - 18 - إلى أفضل
الأحكام ، وأقوم الآداب ، وأهدى السبل .
وهذه التوجيهات والإِرشادات . نراها فى كثير من آيات سورة الأحزاب لاسيما التى نادت
الرسول - صل - بوصف النبوة .
ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿ يأيها النبى اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين
وقوله - سبحانه - ﴿ يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ﴾.
وقوله - عز وجل - : ﴿ يأيها النبى إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ﴾.
وقوله - تعالى - : ﴿يأيها النبى إنا أحللنا لك أزواجك اللاتى آتيت أجورهن﴾.
وقوله - سبحانه - : ﴿ يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من
جلا بيبهن .
(ب) أمر المؤمنين بطاعة الله - تعالى -، وبطاعة رسوله - 18 - ، ونهيهم عن کل
مامن شأنه أن يتعارض مع تشريعات الإِسلام ومع آدابه .
وهذه الأوامر والنواهى ، نراها فى كثير من آيات هذه السورة الكريمة .
ومن ذلك قوله - تعالى - : ﴿يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم، إذ جاءتكم جنود
فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها﴾ .
وقوله - سبحانه -: ﴿ يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا، وسبحوه بكرة
وأصيلا﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن
تمسوهن ، فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ... ﴾ .
وقوله - تعالى -: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى ، فبرأه الله مما
قالوا﴾ .
وقوله - سبحانه -: ﴿ يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا﴾.
( جـ ) هذه السورة الكريمة تعتبر على رأس السور القرآنية التى اهتمت ببيان فضل نساء
النبى - وَل - وحقوقهن، وواجباتهن وخصائصهن.

١٦٧
مقدمة
ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - : ﴿ يا نساء النبى من يأت منكن
بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ...
.
وقوله - سبحانه -: ﴿ يا نساء النبى لستن كأحد من النساء إن اتقيتن ، فلا تخضعن
بالقول ... ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وقرن فى بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ، وأقمن
الصلاة ، وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله ... ﴾.
وقوله - سبحانه -: ﴿ لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ، ولو
أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك ... ؟
وقوله - تعالى -: ﴿ ... وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من
بعده أبدا ... ﴾
وقوله - عز وجل -: ﴿ النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم .. ﴾.
( د ) هذه السورة تعتبر من أجمع السور القرآنية التى تعرضت لكثير من الأحكام
الشرعية ، والآداب الاجتماعية ، التى لا تتغير بتغير الزمان أو المكان .
ومن ذلك حديثها عن الظهار ، وعن التبنى . وعن التوارث بين الأقارب دون غيرهم ،
وعن وجوب تقديم طاعة الرسول - ﴿ - على طاعة الإِنسان لنفسه ، وعن وجوب التأسی
به ، وعن وجوب الابتعاد عن كل ما يؤذيه أو يجرح شعوره ، وعن وجوب الخضوع لحكم
الله - تعالى - ولحكم رسوله - ◌َا*1 - .
قال - تعالى -: ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم
الخيرة من أمرهم ، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا﴾.
( هـ ) السورة الكريمة فصلت الحديث عن غزوة الأحزاب ، التى وقعت فى السنة الخامسة
من الهجرة بين المسلمين وأعدائهم .
فبدأت حديثها عن تلك الغزوة بتذكير المؤمنين بفضل الله - تعالى - عليهم فى هذه
الغزوة ، ثم صورت أحوالهم عند إحاطة جيوش الأحزاب بالمدينة المنورة .
قال - تعالى - : ﴿يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم، إذ جاءتكم جنود فأرسلنا
عليهم ريحا وجنودا لم تروها ، وكان الله بما تعملون بصيرا . إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل
منكم ، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ، وتظنون بالله الظنونا ﴾.

١٦٨
المجلد الحادى عشر
ثم حكت أقوال المنافقين القبيحة ، وأفعالهم الذميمة ، وردت عليهم بما يفضحهم ، وبما
يكشف عن سوء أخلاقهم .
قال - تعالى - : ﴿ أشحة علیکم فإذا جاء الخوف رأیتهم ينظرون إليك تدور أعينهم
كالذى يغشى عليه من الموت ، فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك
لم يؤمنوا فأحبط اللّه أعمالهم، وكان ذلك على اللّه يسيرا﴾.
ثم مدحت المؤمنين الصادقين لوفائهم بعهودهم ، ولشجاعتهم فى مواجهة أعدائهم .
قال - سبحانه -: ﴿ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا : هذا ما وعدنا الله ورسوله،
وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيمانا وتسليما . من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله
عليه فمنهم من قضى نحبه ، ومنهم من ينتظر ، وما بدلوا تبديلا﴾ .
وكما بدأت السورة حديثها عن غزوة الأحزاب بتذكير المؤمنين بنعم الله عليهم - ختمته -
أيضا - بهذا التذكير ، لكى يزدادوا شكرا له - عز وجل - .
قال - تعالى - : ﴿ ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين
القتال ، وكان الله قويا عزيزا . وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم ، وقذف
فى قلوبهم الرعب ، فريقا تقتلون وتأسرون فريقا . وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم
تطؤوها ، وكان الله على كل شىء قديرا
(و) والخلاصة أن المتأمل فى سورة الأحزاب ، يراها زاخرة بالأحكام الشرعية ،
وبالآداب الاجتماعية ، وبالتوجيهات الربانية، تارة من الله - تعالى - لرسوله - را *1 -
وتارة لأزواجه - خ - ، وتارة للمؤمنين .
كما يراها تهتم اهتماما واضحا بتنظيم المجتمع الإسلامى تنظيما حكيما ، من شأنه أن يأخذ بيد
المتبعين له إلى السعادة الدنيوية والأخروية .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه الراجي عفو ربه
القاهرة - مدينة نصر
٨ من شعبان سنة ١٤٠٥ هـ
د . محمد سيد طنطاوى
٢٨ من إبريل ١٩٨٥ م

١٦٩
سورة الأحزاب
التفسير
قال الله تعالى :
٠١
◌ِاللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ
يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ أَقَّقِ اللَّهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينُّإِنَّ اللَّهَ
كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا فَنُ، وَأَتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن
رَّبِكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
٣
وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا !
افتتحت سورة الأحزاب بهذا النداء لسيد الخلق - ولو - وبهذا الوصف الكريم ، وهو
الوصف بالنبوة ، على سبيل التشريف والتعظيم .
قال صاحب الكشاف : جعل - سبحانه - نداءه بالنبى والرسول فى قوله : ﴿ يأيها
النبى﴾. ﴿ يأيها الرسول﴾ وترك نداءه باسمه، كما قال: يا آدم ، يا موسى، يا عيسى،
ياداود : كرامة له وتشريفا ، وتنويها بفضله .
فإن قلت: إن لم يوقع اسمه فى النداء . فقد أوقعه فى الإِخبار ، فى قوله: ﴿ محمد رسول
الله ﴾ ؟
قلت : ذلك لتعليم الناس بأنه رسول ، وتلقين لهم أن يسموه بذلك ويدعوه به (١).
والمراد بأمره بتقوى الله: المداومة على ذلك ، والازدياد من هذه التقوى .
أى : واظب - أيها النبى الكريم - على تقوى الله، وعلى مراقبته، وعلى الخوف منه ،
وأكثر من ذلك ، فإن تقوى الله ، على رأس الفضائل التى يحبها - سبحانه - .
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٥١٨ .

١٧٠
المجلد الحادى عشر
قال ابن كثير : هذا تنبيه بالأعلى على الأدنى ، فإنه - تعالى - إذا كان يأمر عبده ورسوله
بهذا ، فلأن يأتمر من دونه بذلك بطريق الأولى والأحرى .
وقد قال خلف بن حبيب : التقوى أن تعمل بطاعة الله ، على نور من الله، ترجو ثواب
الله (١).
وبعد الأمر بالتقوى ، جاء النهى عن طاعة غير المؤمنين ، فقال - تعالى -: ﴿ولا تطع
الكافرين والمنافقين﴾. أى: واظب - أيها النبى الكريم - على تقوى الله، واجتنب طاعة
الكافرين الذين جحدوا نعم الله عليهم، وعبدوا معه آلهة أخرى ، واجتنب كذلك طاعة
المنافقين الذين يظهرون الإِسلام ويخفون الكفر .
وفى إيراد هذا النهى بعد الأمر بتقوى الله، إشارة وإيحاء إلى ما كان يبذله هؤلاء الكافرون
والمنافقون من جهود عنيفة، لزحزحة النبى - 19 - عما هو عليه من حق ، ولصرفه عن
دعوتهم إلى الإِسلام .
,
وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : أن جماعة من أهل مكة ، طلبوا من
النبى - وَل﴿ - أن يرجع عن قوله، وأن يعطوه شطر أموالهم، وأن المنافقين واليهود بالمدينة
هددوه بالقتل إن لم يرجع عن دعوتهم إلى الإِسلام، فنزلت(٢) .
وقوله - تعالى - ﴿إن الله كان عليها حكيما): تعليل الأمر والنهى، أى: اتبع
ما أمرناك به ، وما نهيناك عنه، لأن الله - تعالى - عليم بكل شىء ، وحكيم فى كل أقواله
وأفعاله .
ثم أمره - سبحانه - باتباع ما يوحيه إليه فقال: ﴿ واتبع ما يوحى إليك من ربك .. ﴾
أى : واظب على تقوى الله، وابتعد عن طاعة أعدائك ، واتبع فى كل ما تأتى وتذر ، كل
ما نوحيه إليك من عندنا اتباعا تاما .
فالجملة الكريمة معطوفة على ما قبلها . من قبيل عطف العام على الخاص .
وفى النص على أن الوحى إليه - 15 - وأن هذا الوحى من ربه الذى تولاه بالتربية
والرعاية ، إشعار بوجوب الاتباع التام الذى لا يشوبه انحراف أو تردد .
ثم أكد - سبحانه - هذا الأمر تأكيدا قويا فقال : ﴿ إن اللّه كان بما تعملون خبيرا ﴾
أى : إنه - تعالى - خبير ومحيط بحركات النفوس وبخفايا القلوب ، وكل من يخالف
-
(١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٣٧٦ .
( ٢) تفسير الآلوسى جـ ٢١ ص ١٤٠ .

١٧١
سورة الأحزاب
ما أمرناه به ، أو نهيناه عنه ، فلا يخفى علينا أمره ، وسنجازيه يوم القيامة بما يستحقه .
وقوله - سبحانه -: ﴿ وتوكل على الله﴾ أى: وفوض أمرك إليه - عز وجل - .
وحده .
وكفى بالله وكيلا﴾ أى : وكفى بربك حافظا لك ، وكفيلا بتدبير أمرك .
فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد تضمنت ثلاثة أوامر : تقوى الله، واتباع وحیه ،
والتوكل عليه - تعالى - وحده. كما تضمنت نهيه - * - عن طاعة الكافرين والمنافقين.
وباتباع هذه الأوامر والنواهى ، يسعد الأفراد ، وتسعد الأمم .
ثم أبطل - سبحانه - بعض العادات التى كان متفشية فى المجتمع ، وكانت لا تتناسب مع
شريعة الإِسلام وآدابه ، فقال - تعالى - :
مَّاجَعَلَ اَللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَیْنِ فِى
جَوْفِهِ، وَمَا جَعَلَ أَزْوَحَكُمُ الَّتِى تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَتِكُمْ
وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَ كُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَهِكُمْ وَاللّهُ
يَقُولُ الْحَقِّ وَهُوَ بَهْدِى السَّبِيلَ ، أَدْعُوهُمْ لَّبَآيِهِمْ
هُوَأَقْسَطُ عِندَ اللّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَنُكُمْ
فِي الدِّينِ وَمَوَلِيكُمْ وَيْسَ عَلَيْكِكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم
بِهِ ، وَلَكِن مَّاتَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًارَّحِيمَاَ
قال القرطبى ما ملخصه : قوله - تعالى - ﴿ ما جعل اللّه لرجل من قلبين فى جوفه ﴾
نزلت فى رجل من قريش اسمه جميل بن معمر الفهرى ، كان حفاظا لما يسمع ، وكان يقول :
لى قلبان أعقل بهما أفضل من عقل محمد . فلما هزم المشركون يوم بدر ، ومعهم هذا الرجل ،
رآه أبو سفيان وهو معلق إحدى نعليه فى يده والأخرى فى رجله - من شدة الهلع - ، فقال له
أبو سفيان : ما حال الناس ؟ قال : انهزموا . فقال له : فما بال إحدى نعليك فى يدك
والأخرى فى رجلك ؟ قال : ما شعرت إلا أنهما فى رجلى . فعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما
نسی نعله فى يده .

١٧٢
المجلد الحادى عشر
وقيل سبب نزولها أن بعض المنافقين قال: إن محمدا - وَ الفر - له قلبان ، لأنه ربما كان فى
شىء فنزع فى غيره نزعة ثم عاد إلى شأنه الأول ، فأكذبهم اللّه بقوله: ﴿ ما جعل اللّه الرجل
من قلبين فى جوفه ﴾(١).
ويرى بعضهم : أن هذه الجملة الكريمة ، مثل ضربه الله - تعالى - للمظاهر من امرأته ،
والمتبنى ولد غيره ، تمهيدا لما بعده .
أى : كما أن الله - تعالى - لم يخلق للإِنسان قلبين فى جوفه ، كذلك لم يجعل المرأة الواحدة
زوجا للرجل وأما له فى وقت واحد ، وكذلك لم يجعل المرء دعيا لرجل وابنا له فى زمن واحد .
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: أى: ما جمع اللّه قلبين فى جوف ،
ولا زوجية وأمومة فى امرأة ، ولا بنوة ودعوة فى رجل .. لأن الأم مخدومة مخفوض لها الجناح ،
والزوجة ليست كذلك .
ولأن البنؤة أصالة فى النسب وعراقة فيه ، والدعوة : إلصاق عارض بالتسمية لا غير .
فإن قلت : أى فائدة فى ذكر الجوف ؟ قلت : الفائدة فيه كالفائدة فى قوله - تعالى - :
ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور ﴾ وذلك ما يحصل للسامع من زيادة التصور والتجلى
للمدلول عليه ، لأنه إذا سمع به ، صور لنفسه جوفا يشتمل على قلبين فكان أسرع إلى
الإِنكار(٢).
وقوله - سبحانه -: ﴿ وما جعل أزواجكم اللائى تظاهرون منهن أمهاتكم ﴾ إبطال لما
كان سائدا من أن الرجل كان إذا قال لزوجته أنت على كظهر أمى حرمت عليه .
يقال . ظاهر فلان من امرأته وتظهر وظهر منها ، إذا قال لها : أنت على كظهر أمى ، يريد
أنها محرمة عليه كحرمة أمه .
وقد جاء الكلام عن الظهار ، وعن حكمه ، وعن كفارته ، فى سورة المجادلة ، فى قوله -
تعالى -: ﴿ قد سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها، وتشتكى إلى الله، والله يسمع
تحاوركما ، إن الله سميع بصير . الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم ، إن أمهاتهم
إلا اللائى ولدنهم ، وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ، وإن الله لعفو غفور﴾.
وقوله - سبحانه -: ﴿ وما جعل أدعياءكم أبناءكم﴾ إبطال لعادة أخرى كانت
موجودة ، وهى عادة التبنى .
(١) تفسير القرطبى جـ ١٤ ص ١١٦.
(٢) تفسير الكشاف - بتصرف وتلخيص - جـ٣ ص ٥٢١ .

١٧٣
سورة الأحزاب
والأدعياء : جمع دعى . وهو الولد الذى يدعى ابنا لغير أبيه وكان الرجل يتبنى ولد غيره ،
ويجرى عليه أحكام البنوة النسبية ، ومنها حرمة زواج الأب بزوجة ابنه بالتبنى بعد طلاقها ،
ومنها التوارث فيما بينهما .
قال ابن كثير : وقوله: ﴿ وما جعل أدعياءكم أبناءكم ﴾ هذا هو المقصود بالنفى ، فإنها
نزلت فى شأن زيد بن حارثة، مولى النبى - بصل - ، فقد كان - وَ - قد تبناه قبل
النبوة ، وكان يقال له زيد بن محمد. فأراد الله - تعالى - أن يقطع هذا الإِلحاق ، وهذه
النسبة بقوله: ﴿وما جعل أدعياء كم أبناءكم ﴾، كما قال فى أثناء السورة: ﴿ ما كان محمد
أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ﴾(١).
واسم الإشارة فى قوله: ﴿ ذلكم قولكم بأفواهكم ﴾ يعود إلى ما سبق ذكره من التلفظ
بالظهار ، ومن إجراء التبنى على ولد الغير ، وهو مبتدأ ، وما بعده خبر .
أى : ذلكم الذى تزعمونه من تشبيه الزوجة بالأم فى التحريم ، ومن نسبة الأبناء إلى غير
آبائهم الشرعيين ، هو مجرد قول باللسان لا يؤيده الواقع ، ولا يسانده الحق .
قال ابن جرير: وقوله : ﴿ ذلكم قولكم بأفواهكم ﴾ يقول - تعالى ذكره - هذا
القول ، وهو قول الرجل لأمرأته : أنت على كظهر أمى ، ودعاؤه من ليس بابنه أنه ابنه ، إنما
هو قولكم بأفواهكم ، لا حقيقة له ، ولا يثبت بهذه الدعوى نسب الذى ادعيت بنوته ،
ولا تصير الزوجة أما بقول الرجل لها : أنت على كظهر أمى(٢).
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ﴿ والله يقول الحق وهو يهدى السبيل﴾ أى:
والله - تعالى - يقول الحق الثابت الذى لا يحوم حوله باطل ، وهو - سبحانه - دون غيره
يهدى ويرشد إلى السبيل القويم الذى يوصل إلى الخير والصلاح . وما دام الأمر كذلك
فاتركوا عاداتكم وتقاليدكم التى ألفتموها . والتى أبطلها الله - تعالى - بحكمته ، واتبعوا
ما يأمركم به - سبحانه - .
ثم أرشدهم إلى الطريقة السليمة فى معاملة الابن المتبنى فقال: ﴿ ادعوهم لآبائهم هو
أقسط عند الله ﴾ أيانسبوا هؤلاء الأعياء إلى آبائهم ، فإن هذا النسب هو أقسط وأعدل عند
الله - تعالى - .
قال الآلوسى : أخرج الشيخان عن ابن عمر - رضى الله عنهما - أن زيد بن حارثة مولى
(١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٣٧٧ .
( ٢) تفسير ابن جرير جـ ٢١ ص ٧٥ .

١٧٤
المجلد الحادى عشر
رسول الله - * - ماكنا ندعوه إلا زيد بن محمد. حتى نزل القرآن: ﴿ادعوهم
لآبائهم﴾ فقال - * -: ((أنت زيد بن حارثة بن شراحيل))(١).
وكان زيد قد أسر فى بعض الحروب ، ثم بيع فى مكة ، واشتراه حكيم بن حزام ، ثم أهداه
إلى عمته السيدة خديجة، ثم أهدته خديجة - رضى اللّه عنها - إلى النبى - صل * - وصار
الناس يقولون : زيد بن محمد حتى نزلت الآية .
وقوله - سبحانه -: ﴿ فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم فى الدين ومواليكم ﴾ إرشاد إلى
معاملة هؤلاء الأدعياء فى حالة عدم معرفة آبائهم .
أى: انسبوا هؤلاء الأدعياء إلى آبائهم الحقيقيين، فإن ذلك أعدل عند الله - تعالى - ،
وأشرف للآباء والأبناء ، فإن لم تعلموا آباءهم الحقيقيين لكى تنسبوهم إليهم ، فهؤلاء الأدعياء
هم إخوانكم فى الدين والعقيدة ، وهم مواليكم ، فقولوا لهم ، يا أخى أو يامولاى ، واتركوا
نسبتهم إلى غير آبائهم الشرعيين :
وفى هذه الجملة الكريمة إشارة إلى ما كان عليه المجتمع الجاهلى من تخلخل فى العلاقات
الجنسية ، ومن اضطراب فى الأنساب ، وقد عالج الإِسلام كل ذلك بإقامة الأسرة الفاضلة ،
المبنية على الطهر والعفاف ، ووضع الأمور فى مواضعها السليمة .
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر اليسر ورفع الحرج فى تشريعاته فقال : ﴿ وليس
عليكم جناح فيما أخطأتم به ، ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما ﴾.
أى . انسبوا - أيها المسلمون - الأبناء إلى آبائهم الشرعيين ، فإن لم تعرفوا آباءهم
فخاطبوهم ونادوهم بلفظ: يا أخى أو يا مولاى . ومع كل ذلك فمن رحمتنا بكم أننا لم نجعل
عليكم جناحا أو إثما ، فيما وقمتم فيه من خطأ غير مقصود بنسبتكم بعض الأبناء الأدعياء إلى
غير آبائهم ، ولكننا نؤاخذكم ونعاقبكم فيما تعمدته قلوبكم من نسبة الأبناء إلى غير آبائهم .
و﴿ كان الله غفورا رحيما) - وما زال واسع المغفرة والرحمة لمن يشاء من عباده.
هذا ، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هاتين الآيتين : حرص شريعة الإِسلام على
إعطاء كل ذى حق حقه ، ومن مظاهر ذلك إبطال الظهار الذى كان يجعل المرأة محرمة على
الرجل ، ثم تبقى بعد ذلك معلقة ، لا هى مطلقة فتتزوج غير زوجها ، ولا هى زوجة فتحل له
فشرع الإسلام كفارة الظهار إنصافا للمرأة ، وحرصا على كرامتها .
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢١ ص ١٤٧ .
٠٠٠٠

١٧٥
سورة الأحزاب
ومن مظاهر ذلك - أيضا - : إبطال عادة التبنى ، حتى ينتسب الأبناء إلى آبائهم
الشرعيين ، وحتى تصير العلاقات بين الآباء والأبناء قائمة على الأسس الحقيقية والواقعية .
ولقد حذر الإِسلام من دعوى الإِبن إلى غير أبيه تحذيرا شديدا . ونفر من ذلك .
قال القرطبى : جاء فى الحديث الصحيح عن سعد بن أبى وقاص وأبى بكرة ، كلاهما قال :
سَمِعته أذناى ووعاه قلبى، محمدا - وَ ل جر - يقول: ((من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه
غير أبيه فالجنة عليه حرام)) وفى حديث أبى ذر أنه سمع النبى - وَل - يقول: ((ليس من
رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر)) (١) .
ثم بين - سبحانه - ما يجب على المؤمنين نحو نبيهم - وَل18 - ونحو أزواجه ، وما يجب
للأقارب فيما بينهم ، فقال - تعالى - :
النَِّىُّأَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَجُ:َ أُمَّهَُهُمْ
وَأُوْلُواْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللّهِ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَآَبِكُمْ
مَّعْرُوفًاْ كَانَ ذَلِكَ فِى الْكِتَبِ مَسْطُورًا ه
٦
أى: النبى - ﴾ - أحق بالمؤمنين بهم من أنفسهم وأولى فى المحبة والطاعة ، فإذا
ما دعاهم إلى أمر ، ودعتهم أنفسهم إلى خلافه ، وجب أن يؤثروا ما دعاهم إليه ، على
ما تدعوهم إليه أنفسهم، لأنه - رَجر - لا يدعوهم إلا إلى ما ينفعهم، أما أنفسهم فقد
تدعوهم إلى ما يضرهم .
وفى الحديث الصحيح الذى رواه الإمام مسلم عن أبى هريرة، أن رسول الله - الخمر -
قال: ﴿ إنما مثلى ومثل أمتى ، كمثل رجل استوقد نارا ، فجعلت الدواب والفراش يقعن
فيه - أى فى الشىء المستوقد - وأنا آخذ بِحُجزَكم - أى: وأنا آخذ بما يمنعكم من السقوط
كملابسكم ومعاقد الإِزار - وأنتم تقحمون فيه)) أى: وأنتم تحاولون الوقوع فيما يحرقكم - .
(١) تفسير القرطبى جـ ١٤ ص ١٢١ .

١٧٦
المجلد الحادى عشر
قال القرطبى : قال العلماء : الحجزة : السراويل ، والمعقد للإِزار ، فإذا أراد الرجل إمساك
من يخاف سقوطه أخذ بذلك الموضع منه ، وهذا مثل لاجتهاد نبينا - صل - فى نجاتنا ،
وحرصه على تخليصنا من الهلكات التى بين أيدينا ، فهو أولى بنا من أنفسنا(١) .
وقال الإِمام ابن كثير. قد علم الله - تعالى - شفقة رسوله - ﴿ه - على أمته ، ونصحه
لهم : فجعله أولى بهم من أنفسهم ، وحكمه فيهم مقدما على اختيارهم لأنفسهم .
وفى الصحيح ((والذى نفسى بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله
وولده والناس أجمعين )).
وروى البخارى عن أبى هريرة عن النبى - ﴿ ٣ - قال: (( ما من مؤمن إلا وأنا أولى
الناس به فى الدنيا والآخرة . اقرءوا إن شئتم: ﴿ النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم ﴾ فأيما
مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا ، فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتنى فأنا مولاه )).
وروى الإمام أحمد عن جابر عن النبى - وَل# - أنه كان يقول: ﴿ أنا أولى بكل مؤمن
من نفسه﴾ فأيما رجل مات وترك دينا فإلى، ومن ترك مالا فلورثته﴾(٢).
وقال الألوسى: وإذا كان - * - بهذه المثابة فى حق المؤمنين ، يجب عليهم أن يكون
أحب إليهم من أنفسهم ، وحكمه - عليه الصلاة والسلام - عليهم أنفذ من حكمها ، وحقه
آثر لديهم من حقوقها ، وشفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها .
وسبب نزول الآية - على ما قيل - ما روى من أنه - بَير - أراد غزوة تبوك ، فأمر
الناس بالخروج : فقال أناس منهم : نستأذن آباءنا وأمهاتنا فنزلت . ووجه دلاتها على السبب
أنه - وَّه - إذا كان أولى من أنفسهم، فهو أولى من الأبوين بالطريق الأولى(٣).
ثم بين - سبحانه - منزلة أزواجه - والله - بالنسبة للمؤمنين فقال: ﴿وأزواجه
أمهاتهم﴾ أى: وأزواجه - وَالله - بمنزلة أمهاتكم - أيها المؤمنون - فى الاحترام والإِكرام ،
وفى حرمة الزواج بهن .
قالوا : وأما ما عدا ذلك كالنظر اليهن ، والخلوة بهن ، وإرثهن . فهن كالأجنبيات .
ثم بين - سبحانه - أن التوارث إنما يكون بين الأقارب فقال - تعالى - ﴿وأولو الأرحام
بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ،
كان ذلك فى الكتاب مسطورا
(١) تفسير القرطبى جـ ١٤ ص ١٢٢ .
( ٢) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٢٨١ .
( ٣) تفسير الآلوسى جـ ٢١ ص ١٦١ .

١٧٧
سورة الأحزاب
والمراد بأولى الأرحام : الأقارب الذين تربط بينهم رابطة الرحم كالآباء والأبناء ،
والإِخوة ، والأخوات .
وقوله : ﴿ فى كتاب اللّه ﴾ متعلق بقوله ﴿ أولى ﴾ أو بمحذوف على أنه حال من الضمير
فى ﴿ أولى ﴾.
والمراد بالمؤمنين والمهاجرين . من لا تربط بينهم وبين غيرهم رابطة قرابة .
قال ابن كثير : وقد أورد ابن أبى حاتم عن الزبير بن العوام قال : أنزل الله - عز
وجل - فينا خاصة معشر قريش والأنصار: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ﴾ وذلك
أنا معشر قريش ، لما قدمنا المدينة قدمنا ولا أموال لنا ، فوجدنا الأنصار نعم الإِخوان ،
فواخيناهم ووارثناهم .. حتى أنزل الله هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار خاصة ، فرجعنا
إلى مواريثنا (١) .
وشبيه بهذه الآية فى وجوب أن يكون التوارث بحسب قرابة الدم ، قوله - تعالى - فى
آخر آية من سورة الأنفال: ﴿ والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم ،
وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله، إن الله بكل شىء عليم﴾.
والاستثناء فى قوله - سبحانه - : ﴿ إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا﴾ رجح بعضهم
أنه استثناء منقطع . وقوله ﴿ أن تفعلوا ﴾ مبتدأ ، وخبره محذوف .
والمراد بالكتاب فى قوله ﴿ كان ذلك فى الكتاب مسطورا ﴾ القرآن الكريم، أو اللوح
المحفوظ .
والمعنى : وأولو الأرحام وهم الأقارب ، بعضهم أولى ببعض فى التوارث فيما بينهم ، وفى
تبادل المنافع بعضهم مع بعض ، وهذه الأولوية والأحقية ثابتة فى كتاب الله - تعالى - حيث
بين لكم فى آيات المواريث التى بسورة النساء ، كيفية تقسيم التركة بين الأقارب ، وهم بهذا
البيان أولى فى ميراث الميت من المؤمنين والمهاجرين الذين لا تربطهم بالميت صلة القرابة .
هذا هو حكم الشرع فيما يتعلق بالتوارث ، لكن إذا أردتم - أيها المؤمنون - أن تقدموا
إلى غير أقاربكم من المؤمنين معروفا ، كأن توصوا له ببعض المال فلا بأس ، ولا حرج عليكم
فى ذلك .
وهذا الحكم الذى بيناه لكم فيما يتعلق بالتوارث بين الأقارب ، كان مسطورا ومكتوبا فى
(١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٣٨٣.

١٧٨
المجلد الحادى عشر
اللوح المحفوظ ، وفى آيات القرآن التى سبق نزولها ، فاعملوا بما شرعناه لكم ، واتركوا
ما نهيناكم عنه .
قال الشوكانى ما ملخصه : قوله : ﴿ إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ﴾ هذا الاستثناء
إما متصل من أعم العام ، والتقدير: وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كل شىء من
الإِرث وغيره ، إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ، من صدقة أو وصية ، فإن ذلك جائز .
وإما منقطع . والمعنى : لكن فعل المعروف للأولياء لا بأس به .
والإِشارة بقوله: ﴿ كان ذلك﴾ تعود إلى ما تقدم ذكره. أى: كان نسخ الميراث بالهجرة
والمحالفة والمعاقدة ، ورده إلى ذوى الأرحام من القرايات ﴿ فى الكتاب مسطورا﴾ أى: فى
اللوح المحفوظ ، أو فى القرآن مكتوبا(١) .
وبذلك نرى الآية الكريمة قد وضحت ما يجب على المؤمنين نحو نبيهم ، وما يجب عليهم
نحو أزواجه ، وما يجب عليهم نحو أقاربهم فيما يتعلق بالتوارث .
ثم ذكر الله - تعالى - رسوله - ﴿ - بالعهد الذى أخذه عليه وعلى الأنبياء من قبله ،
فقال - تعالى - :
وَإِذْأَخَذْنَا مِنَ النَّبْنَ مِشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَ مِنْ نُورِ وَإِبْرَهِيمَ
وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَنْيَمَ وَأَخَذْ نَامِنْهُمْ مِثَقًا غَلِيِظًا
٧
لِيَسْئَلَ الصَّدِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَذَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابَ أَلِيمًاً
والميثاق : العهد الموثق المؤكد ، مأخوذ من لفظ وثق ، المتضمن معنى الشد والربط على
الشىء بقوة وإحكام .
أى : واذكر - أيها الرسول الكريم - وقت أن أخذنا من جميع النبيين العهد الوثيق ، على
أن يبلغوا ما أوحيناه إليهم من هدايات للناس ، وعلى أن يأمروهم بإخلاص العبادة لنا ، وعلى
أن يصدق بعضهم بعضا فى أصول الشرائع ومكارم الأخلاق .. كما أخذنا هذا العهد الوثيق
منك ، ومن أنبيائنا نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم .
(١) تفسير فتح القدير جـ ٦ ص ٢٦٢.
و

١٧٩
سورة الأحزاب
وخص هؤلاء الأنبياء بالذكر ، للتنويه بفضلهم ، فهم أولو العزم من الرسل ، وهم الذين
تحملوا فى سبيل إعلاء كلمة الله - تعالى - أكثر مما تحمل غيرهم .
وقدم - وَالرَ - عليهم فى قوله ﴿ومنك ومن نوح) لمزيد فضله - والقر - على جميع
الأنبياء .
قال الآلوسى : ولا يضر تقديم نوح - عليه السلام - فى سورة الشورى ، أعنى قوله -
تعالى -: ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ، والذى أوحينا إليك ﴾ إذ لكل مقام
مقال . والمقام فى سورة الشورى وصف دين الإِسلام بالأصالة . والمناسب فيه تقديم نوح ،
فكأنه قيل : شرع لكم الدين الأصيل الذى بعث عليه نوح فى العهد القديم ، وبعث عليه
محمد - وَل﴿ - فى العهد الحديث، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء(١).
وقوله - سبحانه -: ﴿ وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ﴾ معطوف على ما قبله وهو ﴿ أخذنا
من النبيين ميثاقهم ﴾ ، لإفادة تفخيم شأن هذا الميثاق المأخوذ على الأنبياء ، وبيان أنه عهد فى
أقصى درجات الأهمية والشدة .
أى : وأخذنا من هؤلاء الأنبياء عهدا عظيم الشأن ، بالغ الخطورة ، رفيع المقدار .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فإذا أراد بالميثاق الغليظ ؟
قلت : أراد به ذلك الميثاق بعينه . إذ المعنى : وأخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقا غليظا .
والغلظ استعارة فى وصف الأجرام . والمراد : عظم الميثاق وجلالة شأنه فى بابه .
وقيل : المراد بالميثاق الغليظ: اليمين باللّه على الوفاء بما حملوا (٢).
وقوله - سبحانه -: ﴿ ليسأل الصادقين عن صدقهم﴾ متعلق بقوله: ﴿أخذنا﴾، أو
بمحذوف . والمراد بالصادقين : الأنبياء الذين أخذ اللّه عليهم الميثاق .
أى : فعل - سبحانه - ذلك ليسأل يوم القيامة أنبياءه عن كلامهم الصادق الذى قالوه
لأقوامهم ، وعن موقف هؤلاء الأقوام منهم .
والحكمة من هذا السؤال تشريف هؤلاء الرسل وتكريمهم ، وتوبيخ المكذبين لهم فيما جاءوهم
به من كلام صادق ومن إرشاد حكيم .
وقوله - سبحانه -: ﴿وأعد للكافرين عذابا أليما﴾ معطوف على مادل عليه قوله ،
ليسأل الصادقين .
(١) تفسير الالوسى جـ ٢١ ص ١٥٤ .
(٢) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٥٢٥ .

١٨٠
المجلد الحادى عشر
أى : أثاب - عز وجل - الأنبياء الكرام بسبب صدقهم فى تبليغ رسالته وأعد للكافرين
- الذين أعرضوا عن دعوة أنبيائهم عذابا أليما ، بسبب هذا الإِعراض .
وهكذا جمعت الآية الكريمة بين ما أعده - سبحانه - من ثواب عظيم للصادقين . ومن
عذاب أليم للكافرين .
وبعد هذا البيان الحكيم لبعض الأحكام الشرعية . انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن
غزوة الأحزاب ، وعن فضل الله - تعالى - على المؤمنين فيها ، فقال - سبحانه - :
◌َّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَّكُرُ وَأْنِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتَّكُمْ
جُنُدٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَ حُنُودًّا لَّمْتَرَوَّهَأْ وَكَانَ اللّهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ( ٨) إِذْجَاءُ وَكُمْ مِن فَوْقَكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ
مِنْكُمْ وَإِذْزَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ
وَنَظُونَ بِاللَّهِالظُّنُوْنَاْن ◌َ هُنَالِكَ أَبْتُلِى الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ
زِلْزَالََّ شَدِيدًا ، وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم
مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلََّّغُرُورًا (٣)، وَإِذْ قَالَت ◌َّابِفَةٌ
مِنْهُمْ وَأَهْلَ يَغْرِبَ لَأَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُواْ وَيَسْتَعْذِنٌ فَرِيقٌ
مِنْهُمُ النَّبِ يَقُولُونَ إِنَّ ◌ُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَاهِىَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُ ونَإِلَّا
فِرَارًا وَلَوْدُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْالْفِتْنَةَ
لَ تَوْهَا وَمَا تَكَبِّئُواْ بِهَا إِلَّ يَسِيرًا ﴿ وَلَقَدْ كَانُواْعَهَدُواْ
١٥
اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُونَ الْأَدْبَرَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا
وغزوة الأحزاب ، من الغزوات الشهيرة فى تاريخ الدعوة الإِسلامية ، وكانت - على
الراجح - فى شهر شوال من السنة الخامسة بعد الهجرة .