النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ سورة لقمان وقوله ﴿ معروفا) صفة لمصدر محذوف. أى: صحابا معروفا. أو منصوب بنزع الخافض . أى : بالمعروف . ثم أرشد - سبحانه - إلى وجوب اتباع أهل الحق فقال: ﴿واتبع سبيل من أناب إلى .. ﴾. أى: واتبع - أيها العاقل طريق الصالحين من عبادى، الذين رجعوا إلى بالتوبة والإِنابة والطاعة والإِخلاص . ثم إلى مرجعكم ﴾ جميعا يوم القيامة - أيها الناس - ﴿فأنبئكم بما كنتم تعملون ﴾ فى الدنيا ، وأجازى كل إنسان على حسب عمله: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره . ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ﴾ قال القرطبى ما ملخصه : وهاتان الآيتان نزلتا فى شأن سعد بن أبى وقاص لما أسلم ، وأن أمه حلفت أن لا تأكل طعاما حتى تموت .. وفيهما دليل على صلة الأبوين الكافرين ، بما أمكن من المال إن كانا فقيرين .. وقد قالت أسماء بنت أبو بكر الصديق، للنبى - 1983 - وقد قدمت عليها خالتها وقيل : أمها من الرضاعة : يارسول الله ، إن أمى قدمت على وهى راغبة أفأصلها؟ قال: (( نعم)) وراغبة قيل معناه: عن الإِسلام، أو راغبة فى الصلة(١). ثم ذكر - سبحانه - بقية الوصايا أوصى بها لقمان ابنه فقال: ﴿يابنى إنها إن تك مثقال حبة من خردل ، فتكن فى صخرة ، أو فى السموات ، أو فى الأرض ، يأت بها الله ﴾ .. والضمير فى قوله: ﴿ إنها﴾ يعود إلى الفعلة التى يفعلها من خير أو شر. و﴿تك﴾ مجزوم بسكون النون المحذوفة، وهو فعل الشرط. والجواب: ((يأت بها اللّه)) والمثقال: أقل ما يوزن به الشىء . والخردل : فى غاية الصغر والدقة . والمعنى : يابنى إن ما تفعله من حسنة أو سيئة ، سواء أكان فى نهاية القلة والصغر ، كمثال حبة من خردل ، وسواء أكان هذا الشى القليل مخبوءا فى صخرة من الصخور الملقاة فى فجاج الأرض ، أو كائنا فى السموات أم فى الأرض ، فإن الله - تعالى - يعلمه ويحضره ويجازى عليه ﴿ إن الله ﴾ - تعالى - لطيف خبير أى: محيط بجميع الأشياء جليلها وحقيرها، عظيمها وصغيرها . فالمقصود من الآية الكريمة ، غرس الهيبة والخشية والمراقبة لله - تعالى: لأنه - سبحانه - لا يخفى عليه شىء فى هذا الكون ، مهما دق وقل وتخفى فى أعماق الأرض أو السماء . (١) تفسير القرطبى جـ ١٤ ص ٦٥. ١٢٢ المجلد الحادى عشر وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا ، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها، وكفى بنا حاسبين﴾(١) . ثم أمره بالمحافظة على الصلاة وبالأمر بالمعروف ، وبالنهى عن المنكر وبالصبر على الأذى ، فقال: ﴿ يابنى أقم الصلاة﴾ أى: واظب على أدائها فى أوقاتها بخشوع وإخلاص لله رب العالمين . ﴿ وأمر بالمعروف﴾ أى بكل ما حض الشرع على قوله أو فعله ﴿وانه عن المنكر) أى : عن كل مانهى الشرع عن قوله أو فعله . ﴿ واصبر على ما أصابك ﴾ من الأذى، فإن الحياة مليئة بالشدائد والمحن والراحة إنما هى فى الجنة فقط . واسم الإشارة فى قوله : ﴿إن ذلك من عزم الأمور﴾ يعود إلى الطاعات المذكورة قبله . وعزم الأمور: أعاليها ومكارمها . أو المراد بها ما أوجبه الله - تعالى - على الإِنسان . قال صاحب الكشاف: ﴿إن ذلك) مما عزمه الله من الأمور، أى: قطعه قطع إيجاب وإلزام .. ومنه الحديث: ((إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يجب أن يؤخذ بعزائمه)) ومنه عزمات الملوك ، وذلك أن يقول الملك لبعض من تحت يده ، عزمت عليك إلا فعلت كذا . فإذا قال ذلك لم يكن للمعزوم عليه بد من فعله ، ولا مندوحة فى تركه . وناهيك بهذه الآية مؤذنة بقدم هذه الطاعات ، وأنها كانت مأمورا بها فى سائر الأمم ، وأن الصلاة لم تزل عظيمة الشأن ، سابقة القدم على ما سواها (٢) . ثم نهاه عن التكبر والغرور والتعالى على الناس فقال: ﴿ولا تصعر خدك للناس .. ﴾. والصعر فى الأصل : مرض يصيب البعير فيجعله معوج العنق ، والمراد به هنا ، التكبر واحتقار الناس ، ومنه قول الشاعر : وكنا إذا الجبّار صعر خده مشينا إليه بالسيوف نعاتبه أى: ولا تمل صفحة وجهك عن الناس ، ولا تتعالى عليهم كما يفعل المتكبرون والمغرورون ، بل كن هينا لينا متواضعا ، كما هو شأن العقلاء .. ولا تمش فى الأرض مرحا ﴾ أى: ولا تمش فى الأرض مشية المختالين المعجبين (١) سورة الأنبياء . الآية ٤٧ . (٢) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٤٩٦. ١٢٣ سورة لقمان بأنفسهم. و﴿ مرحا﴾ مصدر وقع موقع الحال على سبيل المبالغة ، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف . أى : تمرح مرحا . والجملة فى موضع الحال . أو مفعول لأجله . أى : من أجل المرح . وقوله: ﴿ إن الله لا يحب كل مختال فخور﴾ تعليل للنهى. والمختال: المتكبر الذى يختال فى مشيته ، ومنه قولهم : فلان يمشى الخيلاء . أى يمشى مشية المغرور المعجب بنفسه . والفخور : المتباهى على الناس بماله أو جاهه أو منصبه .. يقال فخر فلان - كمنع - فهو فاخر وفخور، إذا تفاخر بما عنده على الناس ، على سبيل التطاول عليهم ، والتنقيص من شأنهم . أى : إن الله - تعالى - لا يحب من كان متكبرا على الناس ، متفاخرا بماله أو جاهه . ثم أمر بالقصد والاعتدال فى كل أموره فقال: ﴿واقصد فى مشيك﴾ أى وكن معتدلا فى مشيك ، بحيث لا تبطىء ولا تسرع . من القصد وهو التوسط فى الأمور . واغضض من صوتك ﴾ واخفض من صوتك فلا ترفعه إلا إذا استدعى الأمر رفعه ، فإن غض الصوت عند المحادثة فيه أدب وثقة بالنفس ، واطمئنان إلى صدق الحديث . واستقامته . وكان أهل الجاهلية يتفاخرون بجهارة الصوت وارتفاعه ، فنهى المؤمنون عن ذلك ، ومدح - سبحانه - الذين يخفضون أصواتهم فى مجلس رسول الله - 18 - فقال: ﴿ إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ، أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ، لهم مغفرة وأجر عظيم ﴾ . وقوله - تعالى - ﴿ إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ﴾ تعليل للأمر بخفض الصوت ، وللنهى عن رفعه بدون موجب . أى : إن أقبح الأصوات وأبشعها لهو صوت الحمير ، فالجملة الكريمة حض على غض الصوت بأبلغ وجه وآكده ، حيث شبه - سبحانه - الرافعين لأصواتهم فى غير حاجة إلى ذلك ، بأصوات الحمير التى هى مثار السخرية مع النفور منها . وهكذا نجد أن لقمان قد أوصى ابنه بجملة من الوصايا السامية النافعة ، فقد أمره - أولا - بإخلاص العبادة لله - تعالى - ثم غرس فى قلبه الخوف من الله - عز وجل - ، ثم حضه على إقامة الصلاة ، وعلى الأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر ، وعلى الصبر على الأذى ، ثم نهاه عن الغرور والتكبر والافتخار ، وعن رفع الصوت بدون مقتض لذلك . وبتفيذ هذه الوصايا ، يسعد الأفراد ، وترقى المجتمعات . ١٢٤ المجلد الحادى عشر ثم ذكر - سبحانه - بعض النعم التى أنعم بها على الناس ، ودعا المنحرفين عن الحق إلى ترك المجادلة بالباطل ، وإلى مخالفة الشيطان ، فقال - تعالى - : أَوْتَرَوْ أَنَّاللَّهَ سَخَّرَلَكُمْ مَّا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُحَدِلُ فِى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدَّى وَلَا كِتَبٍ مُّنِيرٍ ﴿ وَإِذَا قِلَ لَهُ أَّبِعُواْ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْبَلْ نَتَِّعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِءَآبَاءَ نَا أَوَلَوْكَانَ ٢١ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ. والخطاب فى قوله - تعالى -: ﴿ ألم تروا أن الله سخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض .. ﴾ لأولئك المشركين الذين استحبوا العمى على الهدى ، واشتروا لهو الحديث ليضلوا غيرهم عن طريق الحق . وسخر : من التسخير ، بمعنى التذليل والتكليف ، يقال : سخر فلان فلانا تسخيرا ، إذا كلفه عملا بلا أجرة ، والمراد به هنا : الإِعداد والتهيئة لما يراد الانتفاع به . والاستفهام لتقرير الواقع وتأكيده . أى : لقد رأيتم - أيها الناس - وشاهدتم أن الله - تعالى - سخر لمنفعتكم ومصلحتكم ما فى السموات من شمس وقمر ونجوم .. وما فى الأرض من زرع وأشجار وحيوانات وجبال .. وما دام الأمر كذلك فاشكروا الله - تعالى - على هذا التسخير ، وأخلصوا له العبادة والطاعة . وقوله - تعالى -: ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾ معطوف على ما قبله . وقوله: ﴿وأسبغ) بمعنى أتم وأكمل عليكم نعمه: وهى ما ينتفع به الإنسان ويستلذه من الحلال . والنعمة الظاهرة : هى النعمة المشاهدة المحسوسة كنعمة السمع والبصر وحسن الهيئة والمال ، والجاه ، وما يشبه ذلك مما يراه الإِنسان ويشاهده . والنعمة الباطنة : هى النعمة الخفية التى يجد الإِنسان أثرها فى نفسه دون أن يراها . كنعمة الإِيمان بالله - تعالى - وإسلام الوجه له - عز وجل - ، والاتجاه إلى مكارم الأخلاق ، والبعد عن رذائلها وسفسافها . ١٢٥ سورة لقمان وفى تفسير النعم الظاهرة والباطنة أقوال أخرى ، نرى أن ما ذكرناه أوجهها وأجمعها(١). ثم بين - سبحانه - ما عليه بعض الناس من جدال بالباطل فقال : ﴿ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم، ولا هدى ، ولا كتاب منير﴾. وقوله : ﴿ يجادل ﴾ من الجدال بمعنى المفاوضة على سبيل المخاصمة والمنازعة والمغالبة. مأخوذ من جدلت الحبل ، إذا أحكمت فتله ، فكأن المتجادلين يحاول كل واحد منهما أن يقوى رأيه ، ويضعف رأى صاحبه . والمراد من المجادلة فى اللّه : المجادلة فى ذاته وصفاته وتشريعاته .. وقوله : ﴿ بغير علم﴾ حال من الفاعل فى ﴿ يجادل﴾، وهى حال موضحة لما تشعر به المجادلة هنا من الجهل والعناد . أى : ومن الناس قوم استولى عليهم الجهل والعناد ، لأنهم يجادلون وينازعون فى ذات الله، وفى صفاته ، وفى وحيه ، وفى تشريعاته .. بغير مستند من علم عقلى أو نقلى، وبغير ((هدى)) يهديه ويرشده إلى الحق ، وبغير ﴿ كتاب منير ﴾ أى : وبغير وحى ينير عقله وقلبه ، ويوضح له سبيل الرشاد . فأنت ترى أن الآية الكريمة قد جردت هذا المجادل ، من أى مستند يستند إليه فى جداله ، سواء أكان هذا المستند عقليا أم نقليا ، بل أثبتت له الجهالة من كل الجهات . ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المجادلين بالباطل ، لم يكتفوا بذلك ، بل أضافوا إلى رذائلهم السابقة رذائل أخرى منها العناد والتقليد الأعمى ، فقال ﴿ وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل اللّه .. ﴾. أى: وإذا قيل لهؤلاء المجادلين بالباطل اتبعوا ما أنزله الله - تعالى - على نبيه - * - من قرآن كريم ، ومن وحى حكيم . قالوا﴾ على سبيل العناد والتقليد الأعمى ﴿بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا﴾ من عبادة الأصنام والأوثان ، والسير على طريقتهم التى كانوا يسيرون عليها . وقوله - سبحانه -: ﴿ أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ﴾ رد عليهم ، وبيان لبطلان الاعتماد فى العقيدة على مجرد تقليد الآباء . والهمزة للاستفهام الإنكارى ، والواو للحال . أى : أيتبعون ما كان عليه آباؤهم، والحال أن هذا الاتباع هو من وحى الشيطان الذى يقودهم إلى ما يؤدى إلى عذاب السعير . قال الآلوسى : وفى الآية دليل على المنع من التقليد لمن قدر على النظر . وأما اتباع الغير (١) راجع تفسير الآلوسى جـ ٢١ ص ٩٣ . ١٢٦ المجلد الحادى عشر فى الدين بعد العلم بدليل ما أنه محق ، فاتباع فى الحقيقة لما أنزل الله - تعالى - وليس من التقليد المذموم فى شىء، وقد قال - سبحانه -: ﴿ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ﴾(١) . ثم فصل سبحانه بعد ذلك حسن عاقبة الأخيار ، وسوء عاقبة الأشرار الذين لا يحسنون التدبر فى أنفسهم ، أو فيما حولهم ، فقال تعالى - : وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ: إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىّ وَمَن كفر فلا يحزنك كفره. ٢٢ وَإِلَى اللَّهِ عَقِبَة الأمُورِ هـ ج ـودرو إِلَيْنَا مَرْجِعُ هُمْ فَنُقِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوْإِنَّاللَّهَ عَلِيٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢) تُعِعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَ نَضْطَرُهُمْ إِلَى عَذَادٍ غَلِظٍ ﴿ ٢٤ وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّاللَّهُ قُلِ اْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْتُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ اللَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّالْحِيدُ ٢٦ وقوله - تعالى -: ﴿ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن﴾ أى: ومن يتجه إلى الله - تعالى - ويذعن لأمره ، و يخلص له العبادة ، وهو محسن فى أقواله وأفعاله . من يفعل ذلك ﴿ فقد استمسك بالعروة الوثقى ﴾ والعروة فى أصل معناها: تطلق على ما يتعلق بالشىء من عراه ، أى من الجهة التى يجب تعليقه منها . وتجمع على عرا . والعروة من الدلو مقبضه ، ومن الثوب : مدخل زره . والوثقى : تأنيث الأوثق ، وهو الشىء المحكم الموثق . يقال : وثق - بالضم - وثاقه ، أى : قوى وثبت فهو وثيق ، أى : ثابت محكم . والمعنى : ومن يستسلم لأمر الله - تعالى - ويأتى بالأقوال والأفعال على وجه حسن ، فقد (١) تفسير الآلوسى جـ ٢١ ص ٤١ . ١٢٧ سورة لقمان ثبت أمره ، واستقام على الطريقة المثلى ، وأمسك من الدين بأقوى سبب ، وأحكم رباط . فقد شبه - سبحانه - المتوكل عليه فى جميع أموره ، المحسن فى أفعاله ، بمن ترقى فى حبل شاهق ، وتدلى منه ، فاستمسك بأوثق عروة ، من حبل متين مأمون انقطاعه . وخص - سبحانه - الوجه بالذكر ، لأنه أكرم الأعضاء وأعظمها حرمة ، فإذا خضع الوجه الذى هو أكرم الأعضاء ، فغيره أكثر خضوعا . وقوله: ﴿وإلى اللّه عاقبة الأمور﴾ أى: وإلى الله - تعالى - وحده تصير الأمور، وترجع إليه ، و تخضع لحكمه وإرادته . وقوله - تعالى -: ﴿ومن كفر فلا يحزنك كفره ... ﴾ تسلية للرسول - والخ - ، عما أصابه من حزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم . أى : ومن استمر - أيها الرسول - على كفره بعد أن بلغته رسالتنا ودعوتنا ، فلا يحزنك بعد ذلك بقاؤه على كفره وضلاله ، فأنت عليك البلاغ ، ونحن علينا الحساب ، وإنك لا تهدى من أحببت ، ولكن الله يهدى من يشاء . وقوله - سبحانه -: ﴿ إلينا مرجعهم ، فننبئهم بما عملوا ... ﴾ بيان لسوء مصيرهم. أى : إلينا وحدنا مرجع هؤلاء الكافرين ، فنخبرهم بما عملوه فى الدنيا من أعمال سيئة ، ونجازهم عليها بما يستحقونه من عقاب . ﴿ إن اللّه) - تعالى - ﴿عليم) علما تاما ﴿بذات الصدور) أى: بمكنونات الصدور وخفاياها .. تمتعهم قليلا ﴾ فى هذه الحياة الدنيا . أى تمتعهم تمتيعا قليلا فى دنياهم ، بأن نعطيهم الأموال والأولاد على سبيل الاستدراج . ثم نضطرهم الى عذاب غليظ ﴾ أى نعطيهم فى حياتهم القصيرة ما يتمتعون به من مال وصحة ... ثم نلجئهم وندفعهم دفعا يوم القيامة الى عذاب مروع فظيع ، لضخامة ثقله ، وشدة وقعه . والمراد بالاضطرار : الإلجاء والقسر والإلزام ، أى : أنهم لا يستطيعون التفلت أو الانفكاك عن هذا العذاب الذى أعد لهم . ووصف - سبحانه - العذاب بالغلظ ، لزيادة تهويله وشدته . فهو ثقيل عليهم ثقل الأجرام الضخمة التى تهوى على رأس الإِنسان ، فتشل حركته وتهلكه . ثم بين - سبحانه - ما كان عليه هؤلاء الكافرون من تناقض بين أقوالهم وأفعالهم فقال : ١٢٨ المجلد الحادى عشر ولئن سألتهم ﴾ أيها الرسول الكريم - ﴿ من خلق السموات والأرض) وأوجدهما على هذا النظام البديع .. ﴿ليقولن﴾ فى الجواب ﴿اللّه ) أى: الله - تعالى - هو الذى خلقهما ، وهو الذى أوجدهما . قل الحمد للّه﴾ قل - أيها الرسول الكريم - الحمد لله - تعالى - وحده ، حيث اعترفتم بأن خالقها هو الله ، وما دام الأمر كذلك ، فكيف أشركتم معه فى العبادة غيره ؟ إن قولكم هذا الذى تؤيده الفطرة ، ليتنافى مع ما أنتم عليه من كفر وضلال . وقوله - سبحانه - ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ إضراب عن أقوالهم إلى بيان واقعهم ، أى : بل أكثرهم لا يعلمون الحقائق علما سليما ، وإنما هم يقولون بألسنتهم ، وما يتباين تباينا تاما مع أفعالهم ، وهذا شأن الجاهلين ، الذين انطمست بصائرهم .. ثم بين - سبحانه - ما يدل على عظيم قدرته ، وشمول ملكه فقال: ﴿لله ما فى السموات والأرض). أى: لله - تعالى - وحده، ما فى السموات وما فى الأرض ، خلقا، وملكا ، وتصرفا .. إن الله هو الغنى﴾ عن كل ما سواه ﴿ الحميد﴾ أى: المحمود من أهل الأرض والسماء ، لأنه هو الخالق لكل شىء، والرازق لكل شىء . ثم ساق - تعالى - بعد ذلك ما يدل على شمول علمه ، ونفاذ قدرته ، فقال - سبحانه - : وَلَوْ أَنَّمَا فِى الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهُ وَالْبَحْرُ يَمُذُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَنْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُّ اللَّه ◌ِنَّ اللَّهَ عَزٌِ حَكِيمٌ﴿ مَا خَلْقُكُمْ وَلَبَعْتُكُمْإِلَّا كَنَفْسٍ وَحِدَةٍ إِنَّاللَّهَ سَمِعُ بَصِبُ ٢٨ قال ابن كثير : قال قتادة : قال المشركون : إنما هذا كلام يوشك أن ينفد ، فقال - تعالى - ﴿ولو أن ما فى الأرض من شجرة أقلام .. ﴾. وعن ابن عباس أن أحبار يهود قالوا للنبى - ﴿ - أرأيت قولك: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ﴾؟ إيانا تريد أم قومك؟ فقال - ﴿ -: ((كلا عنيت)) فقالوا: ألست ١٢٩ سورة لقمان تتلو فيها جاءك أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان لكل شىء؟ فقال - 14 -: ((إنها فى علم الله قليل ، وعندكم من ذلك ما يكفيكم )) وأنزل الله فيما سألوه عنه من ذلك: ﴿ولو أن ما فى الأرض من شجرة أقلام ﴾(١). و(( لو)) شرطية، وجوابها ((ما نفدت كلمات الله .. )) و((من)) فى قوله ﴿ من شجرة﴾ للبيان ، وفى الآية الكريمة كلام محذوف يدل عليه السياق . والمعنى : ولو أن ما فى الأرض من أشجار تحولت بغصونها وفروعها إلى أقلام ، ولو أن البحر - أيضا - تحول إلى مداد لتلك الأقلام ، وأمد هذا البحر بسبعة أبحر أخرى . وكتبت بتلك الأقلام ، وبذلك المداد كلمات اللّه التى يحيط بها علمه - تعالى - .. لتفدت الأقلام ، ولتفد ماء البحر، لتناهى كل ذلك، وما نفدت كلمات الله - تعال - ولا معلوماته ، لعدم تناهيها . إن الله عزيز) لا يعجزه شىء، ولا يغلبه غالب ﴿حكيم﴾ فى كل أقواله وأفعاله. فالآية الكريمة المقصود منها بيان أن علم الله - تعالى - لا نهاية له ، وأن مشيئته لا يقف أمامها شىء، وكلماته لا أول لها ولا آخر . وقال - سبحانه - ﴿من شجرة﴾ بالإِفراد ، لأن المراد تفصيل الشجر واستقصاؤه شجرة فشجرة ، حتى لا تبقى واحدة من أنواع الأشجار إلا وتحولت إلى أقلام . وجمع - سبحانه - الأقلام ، للتكثير ، أى : أقلام كثيرة يصعب عدها . والمراد بالبحر : البحر المحيط بالأرض ، لأنه المتبادر من التعريف ، إذ هو الفرد الكامل . وإنما ذكرت السبعة بعد ذلك على وجه المبالغة دون إرادة الحصر ، وإلا فلو اجتمعت عشرات البحار ما نفدت كلمات الله . قال صاحب الكشاف فإن قلت : مقتضى الكلام أن يقال : ولو أن الشجر أقلام ، والبحر مداد ؟ قلت : أغنى عن ذكر المداد قوله ﴿ يمده﴾ لأنه من قولك: مد الدواة وأمدها. جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة ، وجعل الأبحر السبعة مملوءة مدادا ، فهى تصب فيه مدادها أبدا صبا لا ينقطع . فإن قلت: الكلمات جمع قلة ، والموضع موضع التكثير لا التقليل، فهلا قيل : كلم الله ؟. قلت : معناه أن كلماته لا تفى بكتابتها البحار فكيف بكلمه؟(٢). (١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٣٥٢. ( ٢ ) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٥٠١ . ١٣٠ المجلد الحادى عشر وقال الآلوسي : والمراد بكلماته - تعالى - كلمات علمه - سبحانه - وحكمته . وقيل : المراد بها : مقدوراته وعجائب فى خلقه ، والتى إذا أراد - سبحانه - شيئا منها قال له : ﴿ كن فيكون ﴾(١) . ثم أتبع - سبحانه - ذلك بيان نفاذ قدرته فقال: ﴿ ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ... ﴾. أى: ما خلقكم - أيها الناس - جميعا، ولا بعثكم يوم القيامة ، إلا كخلق نفس واحدة أو بعثها ، لأن قدرته - عز وجل - يتساوى معها القليل والكثير ، والصغير والكبير ، قال - تعالى - ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ﴾. وقال - سبحانه -: ﴿ وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ﴾. إن الله﴾ - تعالى -: ﴿سميع﴾ لكل شىء ﴿ بصير﴾ بأحوال خلقه لا يخفى عليه شىء منهم . ثم ذكر - سبحانه - الناس بجانب من مظاهر قدرته ونعمه عليهم ، لكى يخلصوا له. العبادة والطاعة ، فقال - تعالى - : أَمْ تَرَأَنَّالَّهُ يُولِيعُ الَّلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِيُ النَّهَارَ فِ الَّيْلِ وَسَخَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَّكُلُّ يَجْرِئٍ إِلَى أَجَلِ مُسَمَّى وَأَبَّ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيْرٌ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّاللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَطِلُ وَأَنَّاللّهَ هُوَ الْعَلىِ الْكَبِيرُ ﴾َ أَلَزَّرَأَنَ الْفُلْكَ تَجْرِى فِ الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِلِيُرِيَكُ مِنْءَايَتِهِةٍ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِكُلِ صَبَّارٍ شَكُورٍ ، وَإِذَا غَشِيَهُم ◌َّوْجٌ كَلِتُُّلَلِ دَعَوُا ◌َللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الّذِينَ فَلَمَّا تَحَّتُهُمْ إِلَى الْبَّرِّ فَمِنْهُم مُّقْنَصِدٌ وَمَايَجْحَدُ بِعَايَكِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ . (٢) تفسير الآلوسى جـ ٢١ ص ١٠٠. (٣٢ ١٣١ سورة لقمان والاستفهام فى قوله - سبحانه -: ﴿ ألم تر أن الله يولج الليل فى النهار ... ﴾ للتقرير. والخطاب لكل من يصلح له ليعتبر ويتعظ ، ويخلص العبادة لله - تعالى - . وقوله ﴿ يولج﴾ من الإِيلاج بمعنى الإِدخال. يقال: ولج فلان منزله ، إذا دخله ... ثم استعير لزيادة زمان النهار فى الليل وعكسه ، بحسب المطالع . أى : لقد رأيت وشاهدت - أيها العاقل - أن الله - تعالى - ، يدخل الليل فى النهار، ويدخل النهار فى الليل ، ويزيد فى أحدهما وينقص من الآخر ، على حسب مشيئته وحكمته .. وأنه - سبحانه - ﴿سخر الشمس والقمر .. ﴾ أى : ذللهما وجعلهما لمنفعة الناس ومصلحتهم ، كما جعلهما يسيران هما والليل والنهار، بنظام بديع لا يتخلف . وقوله: ﴿ كل يجرى إلى أجل مسمى ﴾ كل من الشمس والقمر يجريان فى مدارهما بنظام ثابت محكم ، إلى الوقت الذى حدده - سبحانه - لنهاية سيرهما ، وهو يوم القيامة. قال ابن كثير: قوله: ﴿ إلى أجل مسمى) قيل: إلى غاية محدودة . وقيل : إلى يوم القيامة ، وكلا المعنيين صحيح . ويستشهد للقول الأول بحديث أبى ذر الذى فى الصحيحين، أن رسول الله -* - قال: ((يا أباذر ، أتدرى أين تذهب هذه الشمس ؟ قلت : الله ورسوله أعلم . قال : فإنها تذهب فتسجد تحت العرش ، ثم تستأذن ربها، فيوشك أن يقال لها: ارجعى من حيث جئت))(١) . وقال الجمل : قوله: ﴿ إلى أجل مسمى) قاله هنا بلفظ ( إلى)، وفى سورتى فاطر والزمر، بلفظ ((لأجل))، لأن ما هنا وقع بين آيتين دالتين على غاية ما ينتهى إليه الخلق ، وهما قوله: ﴿ماخلقكم ولا بعثكم ... ) الآية. وقوله ﴿ اتقوا ربكم واخشوا يوما ... ﴾ الآية، فناسب هنا ذكر ﴿ إلى﴾ الدالة على الانتهاء، وما فى فاطر والزمر خال عن ذلك. إذ ما فى فاطر لم يذكر مع ابتداء خلق ولا انتهائه ، وما فى الزمر ذكر مع ابتدائه ، فناسب ذكر اللام، والمعنى يجرى كل كما ذكر لبلوغ أجل مسمى(٢) . وجملة ﴿وأن اللّه بما تعملون خبير﴾ معطوفة على قوله: ﴿ أن اللّه يولج .. ﴾ أى: لقد علمت أن الله - تعالى - قد فعل ذلك، وأنه - سبحانه - خبير ومطلع على كل عمل تعملونه - أيها الناس - دون أن يخفى عليه شيء منها . (١) تفسر ابن كثير جـ ٦ ص ٣٥٢ . (٢) حاشية الجمل جـ ٣ ص ٤٠٩. ١٣٢ المجلد الحادى عشر واسم الإشارة فى قوله : ﴿ ذلك بأن الله هو الحق ... ﴾ يعود إلى ما تقدم ذكره من إيلاج الليل فى النهار ، وتسخير الشمس والقمر. وهو مبتدأ . وقوله ﴿ بأن الله هو الحق﴾ خبره. والباء للسببية . أى : ذلك الذى فعلناه سببه ، أن الله - تعالى - هو الإِله الحق ، الذى لا إله سواه ، وأن ما يدعون من دونه من آلهة أخرى هو ﴿ الباطل) الذى لا يصح أن يسمى بهذا الاسم ، لأنه مخلوق زائل متغير ، لا يضر ولا ينفع . ثم ذكر - سبحانه - الناس بنعمة أخرى من نعمه التى لا تحصى فقال : ﴿ ألم تر أن الفلك تجرى فى البحر بنعمة الله ليريكم من آياته .. ﴾. أى : ولقد علمت - أيضا - وشاهدت - أيها العاقل - حال السفن ، وهى تجرى فى البحر ، بمشيئة الله وقدرته ، وبلطفه ورحمته وإحسانه . ليطلعكم على بعض آياته الدالة على باهر قدرته ، وسمو حكمته وسابغ نعمته . ﴿ إن فى ذلك﴾ الذى شاهدتموه وانتفعتم به من السفن وغيرها ﴿لآيات﴾ واضحات على قدرة الله - تعالى - ورحمته لعباده ﴿ لكل صبار﴾ أى: لكل إنسان كثير الصبر شكور﴾. أى: كثير الشكر لله - تعالى - على نعمه ورحمته . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أحوال الناس عندما تحيط بهم المصائب وهم فى وسط البحر فقال: ﴿ وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين ﴾. وقوله ﴿ غشيهم﴾ من الغشاء بمعنى: الغطاء. فيقال: غشى الظلام المكان، إذا حل به وأصل ((الموج)) الحركة والازدحام. ومنه قولهم: ماج البحر إذا اضطرب وارتفع ماؤه . والظلل : جمع ظلة - كغرفة وغرف - ، وهى ما أظل غيره من سحاب أو جبل أو غيرهما . أى: وإذا ما ركب الناس فى السفن، وأحاطت بهم الأمواج من كل جانب ، وأوشكت أن تعلوهم وتغطيهم ... فى تلك الحالة لجأوا إلى الله - تعالى - وحده ، يدعونه بإخلاص وطاعة وتضرع ، أن ينجيهم مما هم فيه من بلاء .. فلما نجاهم﴾ - سبحانه - بفضله وإحسانه، وأوصلهم ﴿إلى البر﴾ انقسموا إلى قسمين ، أما القسم الأول ، فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله : ﴿ فمنهم مقتصد ﴾ أى : فمنهم من هو مقتصد ، أى : متوسط فى عبادته وطاعته ، يعيش حياته بين الخوف والرجاء . قال ابن كثير : قال ابن زيد: هو المتوسط فى العمل ، ثم قال ابن كثير : وهذا الذى قاله ابن زيد هو المراد فى قوله - تعالى -: ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ، فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ، ومنهم سابق بالخيرات ﴾ فالمقتصد هاهنا هو المتوسط فى العمل . ويحتمل أن يكون مرادا هنا - أيضا - ويكون من باب الإِنكار على من شاهد تلك ١٣٣ سورة لقمان الأهوال ، والأمور العظام ، والآيات الباهرات فى البحر ، ثم بعد ما أنعم الله عليه من الخلاص ، كان ينبغى أن يقابل ذلك بالعمل التام ، والمبادرة إلى الخيرات ، فمن اقتصد بعد ذلك كان مقصرا ، والحالة هذه(١). وأما القسم الثانى فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله: ﴿وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور ﴾ . والختار: من الختر ، وهو أبشع وأقبح الغدر والخديعة . يقال : فلان خاتر وختار وختير ، إذا كان شديد الغدر والنقض لعهوده ، ومنه قول الشاعر : وإنك لو رأيت أبا عمير ملأت يديك من غدر وختر والكفور : هو الشديد الكفران والجحود لنعم الله - تعالى - . أى: وما يجحد بآياتنا الدالة على قدرتنا ورحمتنا ، إلا من كان كثير النقض العهودنا ، شديد النكران لنعمنا . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بدعوة الناس إلا الاستعداد ليوم الحساب وإلى مراقبة الله - تعالى - فى كل أحوالهم ، لأنه - سبحانه - لا يخفى عليه شيء منها . فقال : يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَأَخْشَوْاْ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِهَ عَنِ وَلَدِهِ، وَلَمَوْلُودُ هُوَ جَازٍ عَنِ وَالِدِهِ شَيْئًاْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَّ فَلَا تَغُرَّنَِّكُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ اٌلْغَرُورُ ﴿ إِنَّاللَّهَ عِندَهُ عِلَّمُ السَّاعَةِ وَيُغَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِ الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًّا وَمَاتَدْرِى نَفْسٌ بِأَتِ أَرْضٍ تَمُوتُّ إِنَّاللَّهُ عَلِيُخَبِيرٌ ٣٤ والمعنى : ﴿ يأيها الناس اتقوا ربكم﴾ بأن تطيعوه ولا تعصوه، وبأن تشكروه ولا ٠٠ تكفروه ، واخشوا يوما ، أى : وخافوا أهوال يوم عظيم . (١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٣٥٣. ١٣٤ المجلد الحادى عشر لا يجزى والد عن ولده ﴾ أى: لا يستطيع والد أن ينفع ولده بشىء من النفع فى هذا اليوم . أو أن يقضى عنه شيئا من الأشياء . ﴿ ولا مولود هو جاز عن والده شيئا﴾ أى: ولا يستطيع المولود - أيضا - أن يدفع عن والده شيئا مما يحتاجه منه . وخص - سبحانه - الوالد والمولود بالذكر ، لأن رابطة المحبة والمودة بينهما هى أقوى الروابط وأوثقها ، فإذا انتفى النفع بينهما فى هذا اليوم ، كان انتفاؤه بالنسبة لغيرهما من باب أولى . وقوله : ﴿ إن وعد الله حق﴾ أى: إن ما وعد الله - تعالى - به عباده من البعث والحساب والثواب والعقاب ، حق وثابت ثبوتا لا يقبل الشك أو التخلف . وما دام الأمر كذلك ﴿ فلا تغرنكم الحياة الدنيا﴾ أى: فلا تخدعنكم الحياة الدنيا بزخارفها وشهواتها ومتعها ، ولا تشغلنكم عن طاعة الله - تعالى - وعن حسن الاستعداد لهذا اليوم الهائل الشديد . فإن الكيسُّ الفطن هو الذى يتزود لهذا اليوم بالإِيمان الحق ، والعمل الصالح النافع . ﴿ ولا يغرنكم بالله الغرور﴾ أى: ولا يصرفنكم الشيطان عن طاعة الله، وعن امتثال أمره . فالمراد بالغرور: الشيطان . أو كل ما يصرفك عن طاعة الله - تعالى. قال الآلوسي: ﴿ولا يغرنكم باقه الغرور﴾ أى: الشيطان ، كما روى عن ابن عباس. وغيره . بأن يحملكم على المعاصى بتزيينها لكم ... وعن أبى عبيدة : كل شىء غرك حتى تعصى الله - تعالى - فهو غرور سواء أكان شيطانا أم غيره وعلى ذلك ذهب الراغب فقال : الغرور كل ما يغر الإنسان من مال أو جاه أو شهوة أو شيطان .. وأصل الغرور : من غر فلان فلانا ، إذا أصاب غرته ، أى : غفلته ، ونال منه ما يريد . والمراد به الخداع .. والظاهر أن ((بالله)) صلة ((يغرنكم)) أى: لا يخدعنكم بذكر شىء من شئونه - تعالى - ، يجركم بها على معاصيه - سبحانه -(١). ثم بين - سبحانه - جانبا من الأمور التى استأثر - عز وجل - بعلمها فقال: ﴿إن الله عنده علم الساعة ﴾ أى: عنده وحده علم وقتها، وعلم قيامها ، كما قال - تعالى - : (١) تفسير الآلوسى جـ ٢١ ص ١٠٨. ١٣٥ سورة لقمان يسألونك عن الساعة أيان مرساها ، قل إنما علمها عند ربى ، لا يجليها لوقتها إلا ﴾(١). هـ وينزل الغيث ﴾ أى: وينزل بقدرته المطر، ويعلم وحده وقت نزوله. ﴿ويعلم ما فى الأرحام ﴾ أى : ويعلم ما فى أرحام الأمهات من ذكر أو أنثى . ﴿ وما تدرى نفس﴾ من النفوس كائنة من كانت ﴿ماذا تكسب غدا﴾ من خير أو شر، ومن رزق قليل أو كثير ، لأنها لا تملك عمرها إلى الغد . وما تدرى نفس ﴾ من النفوس - أيضا - كائنة من كانت ﴿بأى أرض تموت ﴾ أى : بأى مكان ينتهى أجلها . إن الله﴾ - تعالى - ﴿عليم) بكل شىء ﴿ خبير) بما يجرى فى نفوس عباده. وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ، جملة من الأحاديث والآثار ، منها ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر - رضى الله عنهما - قال: قال رسول الله - 18 -: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم قرأ هذه الآية)) .. وعن مجاهد قال: جاء رجل من أهل البادية فقال للنبى - # -: ((إن أمرأتى حبلى فأخبرنى ما تلد ؟ وبلادنا جدبة فأخبرنى متى ينزل الغيث ؟ وقد علمت متى ولدت فأخبرنى متى أموت ؟ فأنزل الله الآية))(٢). وهذه الأمور الخمسة من الأمور التى استأثر الله - تعالى - بها على سبيل العلم اليقينى الشامل المطابق للواقع .. ولا مانع من أن يطلع الله - تعالى - بفضله وكرمه ، بعض أصفيائه على شىء منها . وليست المغيبات محصورة فى هذه الخمسة ، بل كل غيب لا يعلمه إلا الله - تعالى - داخل فيما استأثر الله - تعالى - بعلمه ، وإنما خصت هذه الخمسة بالذكر لأنها من أهم المغيبات ، أو لأن السؤال كان عنها . وما يخبر به المنجم والطبيب وعلماء الأرصاد الجوية من الأمور التى لم تتكشف بعد ، فمبناه على الظن لا على اليقين ، وعلى احتمال الخطأ والصواب . أما علم الله - تعالى - بهذه الأمور وغيرها ، فهو علم يقينى قطعى شامل . لا يحتمل الظن أو الشك أو الخطأ . (١) سورة الأعراف الآية ١٨٧ . (٢) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٣٥٧. ١٣٦ المجلد الحادى عشر وصدق الله إذ يقول: ﴿وإن من شيء إلا عندنا خزائنه، وما ننزله إلا بقدر معلوم﴾. وبعد: فهذا تفسير محرر لسورة ((لقمان)) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. القاهرة - مدينة نصر الخميس : ٥ من شعبان سنة ١٤٠٥ هـ ٢٥ من إبريل سنة ١٩٨٥ م كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى تفسير سُورَةُ السَّعْدَة . ١٣٩ مقدمة بِسْم اللهُ الرّحمَنِّ الرَّحِيمِ مقدّمة ١ - سورة ((السجدة)» هى السورة الثانية والثلاثون فى ترتيب المصحف ، وكان نزولها بعد سورة ((المؤمنون )) ، أى : أنها من أواخر السور المكية . قال الآلوسى ما ملخصه: وتسمى - أيضًا - بسورة (( المضاجع)). وهى مكية ، كما روى عن ابن عباس . وروى عنه أنها مكية سوى ثلاث آيات ، تبدأ بقوله - تعالى - : ﴿ أفمن كان مؤمنًا كمن كان فاسقًا ... ) وهى تسع وعشرون آية فى البصرى . وثلاثون آية فى المصاحف الباقية ... )) (١) . ومن فضائل هذه السورة ما رواه الشيخان عن أبى هريرة قال: كان النبى - وَله - يقرأ فى الفجر يوم الجمعة ﴿الم. تنزيل ... ﴾ السجدة. و﴿ هل أتى على الإنسان ... ﴾. وروى الإمام أحمد عن جابر قال: ((كان النبى - وَ لجر - لا ينام حتى يقرأ هذه السورة، وسورة تبارك))(٢) . ٢ - وتبدأ هذه السورة الكريمة ، بالثناء على القرآن الكريم ، وببيان أنه من عند الله - تعالى -، وبالرد على الذين زعموا أن الرسول - 3 198 - قد افتراه من عند نفسه ... ثم تسوق ألوانًا من نعم الله - تعالى - على عباده ، ومن مظاهر قدرته ، وبديع خلقه ، وشمول إرادته ، وإحسانه لكل شىء خلقه ﴿ ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم . الذى أحسن. كل شىء خلقه ، وبدأ خلق الإنسان من طين ٣ - ثم تذكر السورة الكريمة بعد ذلك جانبًا من شبهات المشركين حول البعث والحساب ، وترد عليها بما يبطلها ، وتصور أحوالهم عندما يقفون أمام خالقهم للحساب تصويرًا مؤثرًا مرعبًا قال - تعالى -: ﴿ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم، ربنا أبصرنا وسمعنا ، فارجعنا نعمل صالحًا إنا موقنون ﴾ . (١) تفسير الآلوسى جـ ٢١ ص ١١٥. (٢) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٢٦٣. ٠٠ ١٤٠ المجلد الحادى عشر ٤ - وبعد أن تذكر السورة الكريمة ما أعده الله - تعالى - للمؤمنين من ثواب لا تعلمه نفس من الأنفس ، وما أعده للكافرين من عقاب .. بعد كل ذلك تبين أن عدالته - تعالى - قد اقتضت عدم المساواة بين الأخيار والأشرار وإنما يجازى كل إنسان على حسب عمله . قال - تعالى -: ﴿ أفمن كان مؤمنًا كمن كان فاسقًا، لا يستوون ﴾ ٥ - ثم تشير السورة الكريمة بعد ذلك إلى ما أعطاه الله - تعالى - لنبيه موسى - عليه السلام - من نعم ، وما منحه للصالحين من قومه من منن ، لكى يتأسى بهم المؤمنون ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن فى مرية من لقائه ، وجعلناه هدى لبنى إسرائيل . وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ، وكانوا بآياتنا يوقنون ٦ - ثم حضت السورة الكريمة المشركين على التدبر والتفكر فى آيات الله - تعالى - ، ونهتهم عن الجحود والعناد، وحكت جانبًا من سفاهاتهم، وأمرت النبى - ® - بأن يرد عليهم ، وأن يمضى فى طريقه دون أن يعير سفاهاتهم اهتمامًا . قال - تعالى -: ﴿ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين . قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون . فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون ﴾ . ٧ - وبعد فهذا عرض إجمالى لسورة ((السجدة)) ومنه نرى أنها زاخرة بالأدلة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، وعلى أن القرآن حق ، والبعث حق ، والحساب حق ، والجزاء حق .. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . کتبه الراجی عفو ربه ٣ من شعبان ١٤٠٥ هـ - ٢٣ / ٤ / ١٩٨٥ م د . محمد سيد طنطاوى