النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ سورة الروم آخر ، تعقبه مرحلة أخرى أشد منه فى الضعف ، وهى مرحلة الشيب والهرم والشيخوخة التى هى أرذل العمر ، وفيها يصير الإِنسان أشبه ما يكون بالطفل الصغير فى كثير من أحواله .. ﴿ يخلق﴾ - سبحانه - ﴿ما يشاء﴾ خلقه ﴿وهو العليم﴾ بكل شىء ﴿القدير ﴾ على كل شىء . فأنت ترى أن هذه الآية قد جمعت مراحل حياة الإنسان بصورها المختلفة . ثم بين - سبحانه - ما يقوله المجرمون عندما يبعثون من قبورهم للحساب فقال : ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة ﴾ . والمراد بالساعة : يوم القيامة ، وسميت بذلك لأنها تقوم فى آخر ساعة من عمر الدنيا ، أو لأنها تقع بغتة ، والمراد بقيامها : حصولها ووجودها ، وقيام الخلائق فى ذلك الوقت للحساب أى : وحين تقوم الساعة ؛ ويرى المجرمون أنفسهم وقد خرجوا من قبورهم للحساب بسرعة ودهشة ، يقسمون بأنهم ما لبثوا فى قبورهم أو فى دنياهم ، غير وقت قليل من الزمان . قال ابن كثير : يخبر اللّه - تعالى - عن جهل الكفار فى الدنيا والآخرة ، ففى الدنيا فعلوا ما فعلوا من عبادة الأصنام ، وفى الآخرة يكون منهم جهل عظيم - أيضًا - فمنه إقسامهم بالله أنهم ما لبثوا فى الدنيا إلا ساعة واحدة . ومقصودهم بذلك عدم قيام الحجة عليهم ، وأنهم لم ينظروا حتى يعذر إليهم(١). وقوله : ﴿ كذلك كانوا يؤفكون ﴾ تذييل قصد به بيان ما جبلوا عليه من كذب. ويؤفكون من الافك بمعنى الكذب . يقال : أفك الرجل ، إذا صرف عن الخير والصدق أى : مثل هذا الكذب الذى تفوهوا به فى الآخرة كانوا يفعلون فى الدنيا ، فهم فى الدارين لا ينفكون عن الكذب وعن اختلاق الباطل . ثم حكى - سبحانه - ما قاله أهل العلم والإِيمان فى الرد عليهم ، فقال: ﴿ وقال الذين أوتوا العلم والإِيمان لقد لبثتم فى كتاب الله إلى يوم البعث ﴾. أى : وقال الذين أوتوا العلم والإيمان من الملائكة والمؤمنين الصادقين فى الرد على هؤلاء المجرمين : لقد لبثتم فى علم الله وقضائه بعد مفارقتكم الدنيا إلى يوم البعث ، أى: إلى الوقت الذى حدده - سبحانه - لبعثكم ، والفاء فى قوله - تعالى - : ﴿ فهذا يوم البعث ﴾ هى (١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٣٣١ . ١٠٢ المجلد الحادى عشر الفصيحة . أى : إن كنتم منكرين للبعث ، فهذا يومه تشاهدونه بأعينكم . ولا تستطيعون إنكاره الآن كما كنتم تنكرونه فى الدنيا . فالجملة الكريمة ، المقصود بها توبيخهم وتأنيبهم على إنكارهم ليوم الحساب . وقوله ﴿ ولكنكم كنتم لا تعلمون ﴾ زيادة فى تقريعهم. أى: فهذا يوم البعث ماثل أمامكم . ولكنكم كنتم فى الدنيا لا تعلمون أنه حق وصدق . بل كنتم بسبب كفركم وعنادكم تستخفون به وبمن يحدثكم عنه ، فاليوم تذوقون سوء عاقبة إنكاركم له ، واستهزائكم به . ولذا قال - سبحانه - بعد ذلك: ﴿ فيومئذ ﴾ أى: فيوم أن تقوم الساعة ويقف الناس للحساب . ﴿ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم﴾ أى لا ينفعهم الاعتذار، ولا يفيدهم علمهم بأن الساعة حق . ﴿ولا هم يستعتبون﴾ أى: ولاهم يقبل منهم الرجوع إلى الله - تعالى - بالتوبة والعمل الصالح . قال الآلوسى : والاستعتاب : طلب العتبى ، وهى الاسم من الإِعتاب ، بمعنى إزالة العتب . أى : لا يطلب منهم إزالة عتب الله - تعالى - وغضبه عليهم ، لأنهم قد حق عليهم العذاب .. »(١) . ثم بين - سبحانه - موقفهم من القرآن الكريم ، وأنهم لو اتبعوا توجيهاته لنجوا من العذاب المهين ، فقال - تعالى -: ﴿ولقد ضربنا للناس فى هذا القرآن من كل مثل .. ﴾. أى : وبالله لقد ضربنا للناس فى هذا القرآن العظيم ، كل مثل حكيم ، من شأنه أن يهدى القلوب إلى الحق ، ويرشد النفوس إلى ما يسعدها ... ولئن جئتهم بآية ﴾ أى ولئن جئت - أيها الرسول - هؤلاء المشركين بآية بينة تدل على صدقك فيما تبلغه عن ربك . ليقولن﴾ على سبيل التطاول والتبجح ﴿إن أنتم إلا مبطلون﴾ أى: ما أنتم إلا متبعون للباطل أيها المؤمنون بما يدعوكم إليه الرسول - 19 - . ثم يعقب - سبحانه - على هذا التطاول والغرور بقوله: ﴿ كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون﴾. والطبع: الختم على الشىء حتى لا يخرج منه ما هو بداخله ، ولا يدخل فيه ما هو خارج عنه . أى: مثل هذا الطبع العجيب، يطبع الله - تعالى - على قلوب هؤلاء الذين لا يعلمون ، (١) تفسير الآلوسى جـ ٢١ ص ٦١ . ١٠٣ سورة الروم ولا يعملون على إزالة جهلهم ، لتوهمهم أنهم ليسوا بجهلاء ، وهذا أسوأ أنواع الجهل ، لأنه جهل مركب ، إذ صاحبه يجهل أنه جاهل . فهو كما قال الشاعر : قال حمار الحكيم توما لو أنصفونى لكنت أركب وصاحبى جاهل مركب لأننى جاهل بسيط ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بأمر النبى - بصل - بالصبر على هؤلاء الجاهلين، فقال: ﴿ فاصبر إن وعد الله حق، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ﴾. أى : إذا كان الأمر كما وصفنا لك من أحوال هؤلاء المشركين ، فاصبر على أذاهم ، وعلى جهالاتهم ، فإن وعد الله - تعالى - بنصرك عليهم حق لا شك فى ذلك . ﴿ولا يستخفنك﴾ أى: ولا يزعجنك ويحملنك على عدم الصبر، الذين لا يوقنون بصحة ما تتلو عليهم من آيات ، ولا بما تدعوهم إليه من رشد وخير . وهكذا ختمت السورة الكريمة بالوعد بالنصر ، كما افتتحت بالوعد به ، للمؤمنين الصادقين وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾. وبعد : فهذه هى سورة الروم ، وهذا تفسير محرر لها ، نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصًا لوجهه ونافعًا لعباده . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . القاهرة - مدينة نصر كتبه الراجي عفو ربه د . محمد سيد طنطاوى السبت : ٢٣ من رجب سنة ١٤٠٥ هـ ١٣ من مارس سنة ١٩٨٥ م تفسير سُورَةُ أَقْمات . ١٠٧ مقدمة بِسْمِ اللهُ الرّحمَنِّ الرَّحِيم مقدمة ١ - سورة لقمان هى السورة الحادية والثلاثون فى ترتيب المصحف ، أما ترتيبها فى النزول فهى السورة السادسة والخمسون من بين السور المكية ، وكان نزولها بعد سورة الصافات(١). وعدد آياتها : أربع وثلاثون آية . وقد ذكر الإِمام ابن كثير وغيره أنها مكية ، دون أن يستثنى شيئا منها . وقال الآلوسى ما ملخصه : أخرج ابن الضريس ، وابن مردويه ، عن ابن عباس أنه قال : أنزلت سورة لقمان بمكة ... وفى رواية عنه: أنها مكية إلا ثلاث آيات تبدأ بقوله - تعالى -: ﴿ولو أن ما فى الأرض من شجرة أقلام ﴾(٢). ٢ - وتبدأ السورة الكريمة ، بالثناء على القرآن الكريم ، وعلى المؤمنين الذين يقيمون الصلاة ، ويؤتون الزكاة ، وهم بالآخرة هم يوقنون . ثم تنتقل إلى الحديث عن جانب من صفات المشركين ، الذين يستهزئون بآيات الله - تعالى - ، ويعرضون عنها ، ﴿وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها ، كأن فى أذنيه وقرا ، فبشره بعذاب أليم ﴾ . ثم ساقت أدلة متعددة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، قال - تعالى - : ﴿ خلق السموات بغير عمد ترونها ، وألقى فى الأرض رواسى أن تميد بكم ، وبث فيها من كل دابة ، وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم . هذا خلق الله فأرونى ماذا خلق الذين من دونه ، بل الظالمون فى ضلال مبين ﴾ . ٣ - ثم قص علينا - سبحانه - تلك الوصايا الحكيمة ، التى أوصى بها لقمان ابنه ، والتى اشتملت على ما يهدى إلى العقيدة السليمة ، وإلى الأخلاق الكريمة ، وإلى مراقبة الخالق - عز وجل - وإلى أداء العبادات التى كلفنا - سبحانه - بها . ومن هذه الوصايا قوله - سبحانه -: ﴿ يابنى أقم الصلاة ، وأمر بالمعروف وانه عن (١) راجع الإتقان فى علوم القرآن جـ ١ ص ٢٧ مبحث المكى والمدنى . (٢) تفسير الآلوسى جـ ٢١ ص ٦٤ . ١٠٨ المجلد الحادى عشر المنكر ، واصبر على ما أصابك ، إن ذلك من عزم الأمور . ولا تصعر خدك للناس ولاتمش فى الأرض مرحا ، إن الله لا يحب كل مختال فخور . واقصد فى مشيك، واغضض من صوتك ، إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ﴾. ٤ - ثم بين - سبحانه - ألوانا من نعمه على عباده ، منها ما يتعلق بخلق السموات ، ومنها ما يتعلق بخلق الأرض ، كما بين - عز وجل - أن علمه محيط بكل شىء ، وأنه لا نهاية له .. قال - تعالى -: ﴿ولو أن ما فى الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ، ما نفدت كلمات اللّه، إن الله عزيز حكيم . ما خلقكم ولا بعثكم الا كنفس واحدة ، إن الله سميع بصير ٥ - ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ، بدعوة الناس جميعا إلى تقواه - عز وجل - وإلى بيان الأمور الخمسة التى لا يعلمها إلا هو - سبحانه - فقال: ﴿ يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده ، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ، إن وعد الله حق ، فلا تغرنكم الحياة الدنيا ، ولا يغرنكم بالله الغرور. إن الله عنده علم الساعة ، وينزل الغيث ، ويعلم ما فى الأرحام ، وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا ، وما تدرى نفس بأى أرض تموت ، إن الله عليم خبير ﴾. ٦ - هذا ، والمتأمل فى هذه السورة الكريمة ، يراها قد خاطبت النفس البشرية ، بما من شأنه أن يسعدها ويحييها حياة طيبة . إنها قد بينت أوصاف المؤمنين الصادقين ، وأوصاف أعدائهم : وبينت عاقبة الأخيار وعاقبة الأشرار ، ووضحت تلك الوصايا الحكيمة التى أوصى بها لقمان ابنه وأحب الناس إليه ، وساقت أنواعا من النعم التى أنعم بها - سبحانه - على عباده ، وبينت أن هناك أمورا لا يعلمها إلا الله - تعالى - وحده . وقد ساقت السورة ما ساقت من هدايات ، بأسلوب بليغ مؤثر ، يرضى العواطف ، ويقنع العقول .. نسأل الله - تعالى - أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ، وأنس نفوسنا . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . د . محمد سيد طنطاوى ٣٠ من رجب ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥/٤/٢٠ م كتبه الراجي عفو ربه ١٠٩ سورة لقمان التفسير قال الله - تعالى - : ◌ِاللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 3.1 ٤٠٠٠٠/١ هُدِّى وَرَحْمَةَ الَمَّ ا تِلْكَءَأَيْتُ الْكِتَبِ الْحَكِيمِ لِلْمُحْسِنِينَ ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم بِْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿ أُوْلَكَ عَلَى هُدَّى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: ٥ سورة لقمان من السور التى بدئت ببعض حروف التهجى ... وقد فصلنا القول فى معانيها ، عند تفسيرنا لسور : البقرة ، وآل عمران وغيرهما . وقلنا فى نهاية سردنا لأقوال العلماء فى ذلك : ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب أن يقال : إن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت فى افتتاح بعض السور ، للإِشعار بأن هذا القرآن الذى تحدى الله به المشركين ، هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التى يعرفونها . فإذا عجزوا عن الإِتيان بسورة من مثله ، فذلك لبلوغه فى الفصاحة والحكمة ، مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة .. واسم الإشارة فى قوله - سبحانه -: ﴿ تلك آيات الكتاب الحكيم ﴾ يعود إلى آيات القرآن الكريم ، ويندرج فيها آيات السورة التى معنا . والمراد بالكتاب : القرآن الكريم على الصحيح . لأنه هو المتحدث عنه . قال الألوسى : وأما حمله على الكتب التى خلت قبل القرآن .. فهو فى غاية البعد(١)، والحكيم - بزنة فعيل - مأخوذ من الفعل حكم بمعنى منع ، تقول : حكمت الفرس ، إذا وضعت الحكمة فى فمها لمنعها من الجموح والشرود . (١) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ٥٨ . ١١٠ المجلد الحادى عشر والمقصود ، أن هذا القرآن ممتنع أن يتطرق إليه الفساد ، ومبرأ من الخلل والتناقض والاختلاف . قال الإِمام الرازى ما ملخصه : وفى وصف الكتاب بكونه حكيما وجوه ، منها : أن الحكيم هو ذو الحكمة ، بمعنى اشتماله على الحكمة ، فيكون الوصف للنسبة كلابن وتامر . ومنها أن الحكيم بمعنى الحاكم، بدليل قوله - تعالى -: ﴿وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾. ومنها أن الحكيم بمعنى المحكم .. (( أى المبرأ من الكذب والتناقض )»(١) . والمعنى : تلك الآيات السامية ، المنزلة عليك يا محمد ، هى آيات الكتاب ، المشتمل على الحكمة والصواب ، المحفوظ من كل تحريف أو تبديل الناطق بكل ما يوصل إلى السعادة الدنيوية والأخروية . وصحت الإشارة إلى آيات الكتاب مع أنها لم تكن قد نزلت كلها لأن الإشارة إلى بعضها كالإِشارة إلى جميعها ، حيث كانت بصدد الإنزال ، ولأن الله - تعالى - قد وعد رسوله - * - بنزول القرآن عليه، كما فى قوله - تعالى -: ﴿إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا﴾ ووعد الله - تعالى - لا يتخلف . وقوله ﴿ هدى ورحمة﴾ منصوبان على الحالية من ﴿ آيات أى : هذا الكتاب أنزلنا عليك يا محمد آياته ، لتكون هداية ورحمة للمحسنين فى أقوالهم وفى أفعالهم ، وفى كل أحوالهم . ثم وصف - سبحانه - هؤلاء المحسنين ، بصفات كريمة فقال: ﴿الذين يقيمون الصلاة ﴾ أى: يؤدونها فى أوقاتها المحددة لها ، مستوفية لواجباتها ، وسننها، وآدابها وخشوعها ، فإن الصلاة التامة هى تلك التى يصحبها الإِخلاص ، والخشوع ، والأداء الصحيح المطابق لما ورد عن النبى - 3 19 - . ويؤتون الزكاة ﴾ أى: ويعطون الزكاة التى أوجبها الله - تعالى - فى أموالهم لمستحقيها ﴿وهم بالآخرة هم يوقنون﴾ والمراد بالآخرة: الدار الآخرة، وسميت بذلك لأنها تأتى بعد الدنيا التى هى الدار الدنيا . وقوله ﴿يوقنون﴾ من الإِيقان، وهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، بحيث لا يطرأ عليه شك ، ولا تحوم حوله شبهة .. ( ١ ) تفسير الفخر الرازى جـ ١٧ ص ٥. ١١١ سورة لقمان أى : أن من صفات هؤلاء المحسنين ، أنهم يؤدون الصلاة بخشوع وإخلاص ، ويقدمون زكاة أموالهم لمستحقيها ، وهم بالآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب ، يوقنون إيقانا قطعيا ، لا أثر فيه للادعاءات الكاذبة ، والأوهام الباطلة . وفى إيراد ((هم)) قبل لفظ الآخرة . وقبل لفظ يوقنون : تعريض بغيرهم ممن كان اعتقادهم فى أمر الآخرة غير مطابق للحقيقة ، أو غير بالغ مرتبة اليقين . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الثمار الطيبة التى ترتبت على تلك الصفات الكريمة ، فقال - تعالى -: ﴿أولئك على هدى من ربهم وألئك هم المفلحون } والمفلحون : من الفلاح وهو الظفر والفوز بدرك البغية . وأصله من الفلح - بسكون اللام - وهو الشق والقطع، ومنه فلاحة الأرض وهو شقها للحرث ، واستعمل منه الفلاح فى الفوز، كأن الفائز شق طريقه وفلحه ، للوصول إلى مبتغاه ، أو انفتحت له طريق الظفر وانشقت . والمعنى : أولئك المتصفون بما تقدم من صفات كريمة ، على هداية عظيمة من ربهم توصلهم إلى المطلوب ، وأولئك هم الفائزون بكل مرغوب . والتنكير فى قوله ﴿على هدى) للتعظيم، وأتى بلفظ ((على)) للاشارة إلى التمكن والرسوخ ، ووصفه بأنه ﴿ من ربهم﴾ لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم إليه، ويسر لهم أسبابه . ثم بين - سبحانه - حال طائفة أخرى من الناس ، كانوا على النقيض من سابقيهم ، فقال : وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اَلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الَّهِبِغَيْرِ عِلٍْ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ٌ وَ إِذَا نُتْلَى عَلَيْهِءَايَنُنَا وَلَى مُسْتَكْبِرًا كَنْ لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِى أُذُنَّهِ وَقْرًا فَبَشِّرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ، ٧ وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هاتين الآيتين روايات اشهرها ، أنهما نزلتا فى النضر بن الحارث . أشترى قينة - أى مغنية - ، وكان لا يسمع بأحد يريد الإِسلام إلا انطلق به إلى ١١٢ المجلد الحادى عشر قينته، فيقول لها: أطعميه واسقيه وغنيه، فهذا خير مما يدعوك إليه محمد - وَله - من الصلاة والصيام ، و أن تقاتل بين يديه .(١) . و﴿ لهو الحديث﴾: باطله، ويطلق على كل كلام يلهى القلب ، ويشغله عن طاعة الله - تعالى - ، كالغناء ، والملاهى ، وما يشبه ذلك مما يصد عن ذكر الله - تعالى - : وقد فسره كثير من العلماء بالغناء ، والأفضل تفسيره بكل حديث لا يثمر خيرا . و﴿ من﴾ فى قوله ﴿ومن الناس﴾ للتبعيض، أى: ومن الناس من يترك القول الذى ينفعه ، ويشترى الأحاديث الباطلة ، والخرافات الفاسدة . قال القرطبى ما ملخصه :هذه إحدى الآيات التى استدل بها العلماء على كراهة الغناء والمنع منه . ولا يختلف فى تحريم الغناء الذى يحرك النفوس ، ويبعثها على الغزل والمجون .. فأما ما سلم من ذلك ، فيجوز القليل منه فى أوقات الفرح ، كالعرس والعيد وعند التنشيط على الأعمال الشاقة ، كما كان فى حفر الخندق .. (٢). وقوله : ﴿ ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا .. ﴾ تعليل لاشتراء لهو الحديث . والمراد بسبيل الله - تعالى - : دينه وطريقه الذى اختاره لعباده . وقد قرأ الجمهور: ﴿ ليضل) بضم الياء - أى: يشترى لهو الحديث ليضل غيره عن صراط الله المستقيم ، حالة كونه غير عالم بسوء عاقبة ما يفعله ، ولكى يتخد آيات الله - تعالى - مادة لسخريته واستهزائه . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ ليضل﴾ - بفتح الياء - فيكون المعنى : يشترى لهو الحديث ليزداد رسوخا فى ضلاله . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : القراءة بالضم بينة ، لأن النضر كان غرضه باشتراء اللهو ، أن يصد الناس عن الدخول فى الإسلام واستماع القرآن ، ويضلهم عنه ، فما معنى القراءة بالفتح ؟ . قلت : فيه معنيان ، أحدهما : ليثبت على ضلاله الذى كان عليه ، ولا يصدف عنه ، ويزيد فيه ويمده ، فإن المخذول كان شديد الشكيمة فى عداوة الدين وصد الناس عنه . والثانى : أن (١) لباب النقول فى أسباب النزول للسيوطى ص ١٧٢ . (٢) تفسير القرطبى جـ ١٤ ص ٥٤ وراجع تفسير الآلوسى جـ ٢١ ص ٦٧ وما بعدها . : ١١٣ سورة لقمان يوضع ليضَل موضع ليضُل ، من قبل أن من أضل كان ضالا لا محالة ، فدل بالرديف على المردوف .. (١) . وقوله : ﴿ أولئك لهم عذاب مهين ﴾ بيان لسوء عاقبة من يؤثر الضلالة على الهداية . أى : أولئك الذين يشترون لهو الحديث ، ليصرفوا الناس عن دين الله - تعالى - ، وليستهزئوا بآياته ، لهم عذاب يهينهم ويذلهم ، ويجعلهم محل الاحتقار والهوان . ثم فصل - سبحانه - حال هذا الفريق الشقى فقال: ﴿ وإذا تتلى عليه﴾ أى: على النضر وأمثاله ﴿ آياتنا﴾ الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا، وعلى صدق نبينا - الهرم - . ﴿ ولى مستكبرا﴾ أى: أعرض عنها بغرور واستعلاء. ﴿ كأن لم يسمعها﴾ أى: كأن حاله فى استكباره عن سماع الآيات ، كحال الذى لم يسمعها إطلاقا . كأن فى أذنيه وقرا﴾ أى : كأن فى أذنيه صمما وثقلا ومرضا يحول بينه وبين السماع . والجملتان الكريمتان حال من قوله ﴿ مستكبرا﴾ والمقصود بهما توبيخ هذا الشقى وأمثاله، وذمهم ذما موجعا لإِعراضهم عن الحق . وقوله - تعالى -: ﴿ فبشره بعذاب أليم ) تهكم به ، واستخفاف بتصرفاته . أى : فبشر هذا الشقى الذى اشترى لهو الحديث ، وأعرض عن آياتنا بالعذاب الأليم ، الذى يناسب غروره واستكباره . ثم أكدت السورة الجزاء الحسن الذى أعده الله - تعالى - للمؤمنين ، وذكرت جانبا من مظاهر قدرته - سبحانه - ، ورحمته بعباده ، فقال - تعالى - : إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَِّحَتِ لَمُمْ جَنَّْتُ النَّعِيمِ أَ خَلِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ نْ خَلَقَ السَّمَوَتِ بِغَيْرٍ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السََّمَاءِ مَآءَ فَأَنْنَا فِيهَا (١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٤٩١ . ١١٤ المجلد الحادى عشر هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِ مَاذَا مِن كُلِّ زَوْجٌ كَرِيمٍ ﴾ خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ، بَلِ الظَّالِمُونَ فِ ضَلَالٍ مُبِينٍ أى: إن الذين آمنوا بالله - تعالى - إيمانا حقا، وعملوا الأعمال الصالحات ﴿لهم﴾ فى مقابلة ذلك ﴿ جنات النعيم) أى: لهم جنات عالية يتنعمون فيها بما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . خالدين فيها﴾ خلودا أبديا ﴿وعد الله حقا﴾ أى: هم خالدون في تلك الجنات خلودا أبدا ، فقد وعدهم - سبحانه - بذلك ، ووعده حق وصدق ، ولن يخلفه - سبحانه - تفضلا منه وكرما . قال الجمل . وقوله ﴿ وعد﴾ مصدر مؤكد لنفسه، لأن قوله: ﴿لهم جنات النعيم ) فى معنى وعدهم الله ذلك. وقوله ﴿ حقا﴾ مصدر مؤكد لغيره. أى: لمضمون تلك الجملة الأولى وعاملهما مختلف ، فتقدير الأولى: وعد الله ذلك وعدا. وتقدير الثانية، وحقه حقا.(١). وقوله - تعالى -: ﴿وهو العزيز الحكيم﴾ أى: وهو - سبحانه - العزيز الذى لا يغلبه غالب . الحكيم فى كل أفعاله وتصرفاته . ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر قدرته وعزته وحكمته فقال : ﴿ خلق السموات بغير عمد ترونها .. ﴾ . والعمد: جمع عماد. وهو ما تقام عليه القبة أو البيت. وجملة ((ترونها)» فى محل نصب حال من السموات . أى هو : - سبحانه - وحده ، الذى رفع هذه السموات الهائلة فى صنعها وفى ضخامتها ، بغير مستند يسندها . وبغير أعمدة تعتمد عليها . وأنتم ترون ذلك بأعينكم بدون لبس أو خفاء . ولاشك أن خلقها على هذه الصورة من أكبر الأدلة على أن لهذا الكون خالقا مدبرا قادرا حكيما ، هو المستحق للعبادة والطاعة . وقوله - تعالى -: ﴿وألقى فى الأرض رواسى أن تميد بكم﴾ بيان لنعمة ثانية مما أنعم به - سبحانه - على عباده . والرواسى : جمع راسية . والمراد بها الجبال الشوامخ الثابتة . (١) حاشية الجمل جـ ٣ ص ٤٠١ . ١١٥ سورة لقمان أى: ومن رحمته بكم ، وفضله عليكم ، أن ألقى - سبحانه - فى الأرض جبالا ثوابت كراهة أن تميد وتضطرب بكم ، وأنتم عليها . ﴿ وبث فيها من كل دابة ﴾ أى: وأوجد ونشر فى الأرض التى تعيشون فوقها ، من كل دابة من الدواب التى لا غنى لكم عنها والتى فيها منفعتكم ومصلحتكم . والبث : معناه : النشر والتفريق . يقال : بث القائد خيله إذا نشرها وفرقها . ثم بين - سبحانه - نعمة ثالثة فقال: ﴿وأنزلنا﴾ أى: بقدرتنا ﴿ من السماء ماء﴾ أى : ماء كثيرا هو المطر، ﴿فأنبتنا فيها﴾ أى: فأنبتنا فى الأرض بسبب نزول المطر عليها. ﴿من كل زوج﴾ أى: صنف ( كريم) أى حسن جميل كثير المنافع. والإشارة فى قوله : ﴿ هذا خلق الله ... ) تعود إلى ما ذكره - سبحانه - من مخلوقات قبل ذلك . والخلق بمعنى المخلوق . هذا الذى ذكرناه لكم من خلق السموات والأرض والجبال ... هو من مخلوقنا وحدنا ، دون أن يشاركنا فيما خلقناه مشارك . والفاء فى قوله - تعالى - : ﴿ فأروني ماذا خلق الذين من دونه ﴾ واقعة فى جواب شرط مقدر ، أى : إذا علمتم ذلك فأرونى وأخبرونى ، ماذا خلق الذين اتخذتموهم آلهة من دونه - سبحانه - إنهم لم يخلقوا شيئا ما، بل هم مخلوقون الله - تعالى - . فالمقصود بهذه الجملة الكريمة تحدى المشركين ، وإثبات أنهم فى عبادتهم لغير الله ، قد تجاوزوا كل حد فى الجهالة والضلالة . وقوله - سبحانه -: ﴿ بل الظالمون فى ضلال مبين ﴾ إضراب عن تبكيتهم وتوبيخهم ، إلى تسجيل الضلال الواضح عليهم . أى : بل الظالمون فى ضلال بين واضح ، لأنهم يعبدون آلهة لا تضر ولا تنفع ، ويتركون عبادة الله - تعالى - الخلاق العليم . ثم ساق - سبحانه - على لسان عبد صالح من عباده ، جملة من الوصايا الحكيمة ، لتكون عظة وعبرة للناس ، فقال - تعالى - : وَلَقَدْءَانَيْنَا لَقْمَنَ اْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْلِلَّهِ وَ مَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِةِ، وَمَن كَفَرَ فَإِنَّاللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ ﴿ وَإِذْقَالَ ١١٦ المجلد الحادى عشر لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ بَعِظُهُ يَبْنَىَ لَأَ تُشْرِكْ بِاللّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴿ وَوَصَيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ. وَهْنَّا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُهُ فِ عَمَيْنِ أَنِ اشْكُرْلِ وَلَوْ لِدَيْكَ إِلَى الْمَصِيرُ ﴿﴿ وَإِنِ حَهَدَ الَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِ مَالَيْسَ لَكَ بِهِ عِلِمٌ فَلَاتُطِمْ هُمَّا وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفَآ وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَبَ إِلَىّ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنَبِئُكُم بِمَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿ يَبُنَّ ◌َِهَ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِ صَخْرَةِ أَوْ فِ السَّمَوَتِ أَوْ فِ الْأَرْضِ يَأْتِ ◌ِهَا اللَّهُ إِنَّاللَّهَ لَطِيفُ خَبِيرٌ ﴿ يَبُنَ أَقِمِ القَلَوْةَ وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَّ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) وَلَا تُصَعِرْ خَذََّ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِى الْأَرْضِ مَرَجً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴿ وَأَقْصِدْ فِ مَشْبِكَ وَأَغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَّ إِنَّأَنْكَرَ الْأَصْوَتِ لَصَوْتُ الْحَسِيرِ ١٩ قال ابن كثير - رحمه الله - : اختلف السلف فى لقمان ، هل كان نبيا أو عبدا صالحا من غير نبوة ؟ والأكثرون على أنه لم يكن نبيا . وعن ابن عباس وغيره : كان لقمان عبدا حبشيا نجارا .. قال له مولاه : اذبح لنا شاة وجئنى بأخبث ما فيها ؟ فذبحها وجاءه بلسانها وقلبها . ثم قال له مرة ثانية : اذبح لنا شاة وجئنى بأحسن ما فيها ؟ فذبحها وجاءه - أيضا - بقلبها ولسانها ، فقال له مولاه ما هذا ؟ فقال لقمان : إنه ليس من شىء أطيب منهما إذا طابا ، وليس من شىء أخبث منهما إذا خبثا . ١١٧ سورة لقمان وقال له رجل : ألست عبد فلان ؟ فما الذى بلغ بك ما أرى من الحكمة ؟ فقال لقمان : قدر الله وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وتركى مالا يعنينى(١). ومن أقواله لابنه: يابنى اتخذ تقوى الله لك تجارة ، يأتك الربح من غير بضاعة . يابنى ، لا تكن أعجز من هذا الديك الذى يصوت بالأسحار ، وأنت نائم على فراشك . يابنى ، اعتزل الشر كيما يعتزلك، فإن الشر للشر خلق . يابنى ، عليك بمجالس العلماء ، وبسماع كلام الحكماء ، فإن الله - تعالى - يحيى القلب الميت بنور الحكمة . يابنى ، إنك منذ نزلت الدنيا استدبرتها ، واستقبلت الآخرة ، ودار أنت إليها تسير ، أقرب من دار أنت عنها ترتحل .. (٢). وقال الآلوسى ما ملخصه : ولقمان : اسم أعجمى لاعربى وهو ابن باعوراء . قيل : كان فى زمان داود - عليه السلام - وقيل : كان زمانه بين عيسى وبين محمد - عليهما الصلاة والسلام - . ثم قال الآلوسى : وإنى أختار أنه كان رجلا صالحا حكيما ، ولم يكن نبيا(٣). وقوله - سبحانه -: ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة ... ﴾ كلام مستأنف مسوق لإبطال الإشراك بالله - تعالى - عن طريق النقل ، بعد بيان إبطاله عن طريق العقل ، فى قوله - سبحانه - قبل ذلك : ﴿ هذا خلق اللّه فأروني ماذا خلق الذين من دونه ... ﴾. والحكمة : اكتساب العلم النافع والعمل به . أو هى: العقل والفهم . أو هى الإِصابة فى القول والعمل . والمعنى : والله لقد أعطينا - بفضلنا وإحساننا - عبدنا لقمان العلم النافع والعمل به . وقوله - سبحانه - ﴿ أن اشكر الله ﴾ بيان لما يقتضيه إعطاء الحكمة . أى : آتيناه الحكمة وقلنا له أن اشكر الله على ما أعطاك من نعم لكى يزيدك منها . قال الشوكانى : قوله : ﴿ أن اشكر الله ﴾ أن هى المفسرة: لأن فى إيتاء الحكمة معنى القول . وقيل التقدير : قلنا له أن اشكر لى .. وقيل : بأن اشكر لى فشكر ، فكان حكيما بشكره . (١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٢٣٦ . (٢) راجع حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٤٠٣ . (٣) تفسير الآلوسى جـ ٢١ ص ٨٢ . ١١٨ المجلد الحادى عشر والشكر لله: الثناء عليه فى مقابلة النعمة - واستعمالها فيما خلقت له - ، وطاعته فيما أمر ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة الشكر وسوء عاقبة الجحود فقال : ﴿ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ، ومن كفر فإن الله غنى حميد﴾. أى: ومن يشكر الله - تعالى - على نعمه ، فإن نفع شكره إنما يعود إليه ، ومن جحد نعم الله - تعالى - واستحب الكفر على الإِيمان، فالله - تعالى - غنى عنه وعن غيره ، حقيق بالحمد من سائر خلقه لإِنعامه عليهم بالنعم التى لا تعد ولا تحصى : فحميد بمعنى محمود . فالجملة الكريمة المقصود بها ، بيان غنى الله - تعالى - عن خلقه ، وعدم انتفاعه بطاعتهم ، لأن منفعتها راجعة إليهم ، وعدم تضرره بمعصيتهم . وإنما ضرر ذلك يعود عليهم . وعبر - سبحانه - فى جانب الشكر بالفعل المضارع ، للاشارة إلى أن من شأن الشاكرين أنهم دائها على تذكر لنعم الله - تعالى - ، وإذا ما غفلوا عن ذلك لفترة من الوقت ، عادوا إلى طاعته - سبحانه - وشكره . وعبر فى جانب الكفر بالفعل الماضى ، للإِشعار بأنه لا يصح ولا ينبغى من أى عاقل ، بل كل عاقل عليه أن يهجر ذلك هجرا تاما ، وأن يجعله فى خبر كان . وجواب الشرط محذوف ، وقد قام مقامه قوله - تعالى -: ﴿فإن اللّه غنى حميد﴾ والتقدير : ومن كفر فضرر كفره راجع إليه . لأن الله - تعالى - غنى حميد . ثم حكى - سبحانه - ما قاله لقمان لابنه على سبيل النصيحة والإرشاد فقال - تعالى - : وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه ، يابنى لا تشرك بالله، إن الشرك لظلم عظيم ﴾ . وقوله ﴿ يعظه﴾ من الوعظ، وهو الزجر المقترن بالتخويف. وقيل: هو التذكير بوجوه الخير بأسلوب يرق له القلب . قالوا: واسم ابنه (ثاران)) أو ((ماثان)) أى: واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتنتفع، وقت أن قال لقمان لابنه وهو يعظه ، ويرشده إلى وجوه الخير بألطف عبارة : يابنى ﴿ لا تشرك بالله) - تعالى - لا فى عبادتك، ولا فى قولك ، ولا فى عملك ، بل أخلص كل ذلك لخالقك - عز وجل - . (١) تفسير فتح القدير جـ ٤ ص ٢٣٧. ١١٩ سورة لقمان وفى ندائه بلفظ ﴿يابنى﴾ إشفاق عليه . ومحبة له ، فالمراد بالتصغير إظهار الحنو عليه، والحرص على منفعته . قيل : وكان ابنه كافرا فمازال يعظه حتى أسلم . وقيل : بل كان مسلما ، والنهى عن الشرك المقصود به ، المداومة على ما هو عليه من إيمان وطاعة لله رب العالمين . وجملة ﴿ إن الشرك لظلم عظيم﴾ تعليل للنهى. أى: يابنى حذار أن تشرك بالله فى قولك أو فعلك ، إن الشرك بالله - تعالى - لظلم عظيم ، لأنه وضع للأمور فى غير موضعها الصحيح ، وتسوية فى العبادة بين الخالق والمخلوق . وقوله - تعالى -: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه .. ﴾ كلام مستأنف ، جىء به على سبيل الاعتراض فى أثناء وصية لقمان لابنه ، لبيان سمو منزلة الوالدين ، ولأن القرآن كثيرا ما يقرن بين الأمر بوحدانية الله - تعالى - ، والأمر بالإِحسان إلى الوالدين . ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿ وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا .. ﴾(١) . وقوله - عز وجل -: ﴿ قل تعالوا أقل ما حرم ربكم عليكم ، أن لا تشركوا به شيئا ، وبالوالدين إحسانا .. (٢) . أى: أمرنا كل إنسان أن يكون بارا بأبويه، وأن يحسن إليهما ، وأن يطيع أمرهما فى المعروف . ثم بين - سبحانه - ما بذلته الأم من جهد يوجب الإِحسان إليها فقال: ﴿ حملته أمه وهنا على وهن ﴾ أى: حملته أمه فى بطنها وهى تزداد فى كل يوم ضعفا على ضعف ، بسب زيادة وزنه ، وكبر حجمه ، وتعرضها لألوان من التعب خلال حمله ووضعه . والوهن: الضعف. يقال: وهن فلان يهن وهنا. إذا ضعف. ولفظ ((وهنا)) حال من أمه بتقدير مضاف . أى : حملته أمه ذات وهن ، أو مصدر مؤكد لفعل هو الحال . أى : تهن وهنا . وقوله: ﴿ على وهن﴾ متعلق بمحذوف صفة للمصدر. أى: وهنا كائنا على وهن. وقوله : ﴿ وفصاله فى عامين) بيان لمدة إرضاعه. والفصال: الفطام عن الرضاع. أى: وفطام المولود عن الرضاعة يتم بانقضاء عامين من ولادته ، كما قال - تعالى - : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ... ﴾(٣). (١) سورة الإسراء الآية ٢٣ . (٢) سورة الأنعام الآية ١٥١ . (٣) سورة البقرة الآية ٢٣٣ . ١٢٠ المجلد الحادى عشر وهاتان الجملتان ﴿ حملته أمه وهنا على وهن وفصاله فى عامين ﴾ جاءتا بعد الوصية بالوالدين عموما ، تأكيدا لحق الأم ، وبيانا لما تبذله من جهد شاق فى سبيل أولادها ، تستحق من أجله كل رعاية وتكريم وإحسان . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فقوله : ﴿ حملته أمه وهنا على وهن وفصاله فى عامين ﴾ كيف اعترض به بين المفسر والمفسر ؟ قلت : لما وصى بالوالدين : ذكر ما تكابده الأم وتعانيه من المشاق والمتاعب فى حمله وفصاله هذه المدة المتطاولة ، إيجابا للتوصية بالوالدة خصوصا وتذكيرا بحقها العظيم مفردا ، ومن ثم قال رسول الله - * - لمن قال له: من أبر؟ قال: ((أمك ثم أمك ثم أمك، ثم قال بعد ذلك: (( ثم أباك)(١) . وقوله - سبحانه - : ﴿ أن اشكر لى ولوالديك إلى المصير ﴾ بيان لما تستلزمه الوصية بالوالدين أى : وصينا الإنسان بوالديه حسنا ، وقلنا له : اشكر لخالقك فضله عليك ، بأن تخلص له العبادة والطاعة ، واشكر لوالديك ما تحملاه من أجلك من تعب ، بأن تحسن إليهما ، واعلم أن مصيرك إلى خالقك - عز وجل - وسيحاسبك على أعمالك ، وسيجازيك عليها بما تستحقه من ثواب أو عقاب . ثم بين - سبحانه - حدود الطاعة للوالدين فقال : ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ﴾ .. والجملة الكريمة معطوفة على قوله ﴿ووصينا ... ﴾ بإضمار القول. أى: ووصينا الإنسان بوالديه . وقلنا له: ﴿وإن جاهداك﴾ أى: وإن حملاك ﴿ على أن تشرك بي﴾ فى العبادة أو الطاعة ، ﴿ ما ليس لك به علم فلا تطعهما ﴾ فى ذلك، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . وجملة ﴿ ما ليس لك به علم﴾ لبيان الواقع، فلا مفهوم لها ، إذ ليس هناك من إله يعلم سوى الله - عز وجل - . ثم أمر - سبحانه - بمصاحبتهما بالمعروف حتى مع كفرهما فقال : ﴿ وصاحبهما فى الدنيا معروفا ﴾ . أى : إن حملاك على الشرك . فلا تطعهما ، ومع ذلك فصاحبهما فى الأمور الدنيوية التى لا تتعلق بالدين مصاحبة كريمة حسنة ، يرتضيها الشرع ، وتقتضيها مكارم الأخلاق . (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٤٩٤.