النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ سورة العنكبوت وكان قوم نوح يعبدون الأصنام ، فأرسل الله - تعالى - إليهم نبيهم نوحا ، ليدلهم على طريق الحق والرشاد . والمعنى : ولقد أرسلنا نبينا نوحا - عليه السلام - إلى قومه ، لكى يأمرهم بإخلاص العبادة لنا ، وينهاهم عن عبادة غيرنا ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ﴾ يدعوهم إلى الدين الحق ، ليلا ونهارا ، وسرا وعلانية . قالوا : بعث اللّه نوحا وهو فى سن الأربعين من عمره ، ولبث يدعو قومه إلى عبادة الله - تعالى - وحده ، ألف سنة إلا خمسين عاما ، وعاش بعد الطوفان ستين سنة ، فيكون عمره كله ألف سنة وخمسين سنة . قال صاحب الكشاف : فإن قلت: فلم جاء المميز أولا بالسنة ، وثانيا بالعام ؟ قلت: لأن تكرير اللفظ الواحد ، حقيق بالاجتناب فى البلاغة، إلا إذا وقع ذلك لأجل غرض يبتغيه المتكلم من تفخيم أو تهويل أو تنويه أو نحو ذلك))(١) . والمقصود بذكر هذه المدة الطويلة التى قضاها نوح - عليه السلام - مع قومه ، تسلية الرسول - * - وتثبيته، فكأن الله - تعالى - يقول له: يا محمد لقد لبث أخوك نوح تلك المدة الطويلة ، ومع ذلك لم يؤمن معه إلا قليل ، فعليك أن تقتدى به فى صبره ، وفى مطاولته لقومه . وقوله - سبحانه - ﴿ فأخذهم الطوفان وهم ظالمون ) بيان لسوء عاقبة المكذبين لنوح - عليه السلام - بعد أن مكث فيهم تلك المدة الطويلة . والطوفان : قد يطلق على كل ما يطوف بالشىء على كثرة وشدة من السيل والريح والظلام ، وقد غلب إطلاقه على طوفان الماء ، وهو المراد هنا . أى مكث نوح فى قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - ولكنهم كذبوه ، فأخذهم الطوفان ، والحال أنهم كانوا مستمرين على الظلم والكفر ، دون أن تؤثر فيهم مواعظ نبيهم ونذره . ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة نوح ومن آمن معه فقال : ﴿ فأنجيناه وأصحاب السفينة﴾ : أى: فأنجينا نوحا ومن آمن معه ، وهم الذين ركبوا معه فى السفينة . قيل : كان عدد هؤلاء الذين آمنوا به ثمانين ما بين ذكر وأنثى ، وقيل كانوا أقل من ذلك . (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٤٤٦ . ٢٢ المجلد الحادى عشر للسفينة ، أو للحادثة والقصة . والضمير فى قوله - سبحانه -: ﴿وجعلناها آية للعالمين أى : فأنجينا نوحا ومن ركب معه فى السفينة ، وجعلناها أى هذه الحادثة عبرة وعظة للعالمين ، حيث شاهدوا سوء عاقبة الكفر والظلم على ممر الأيام والأعوام . قالوا : ومن مظاهر وجوه العبرة فى قصة نجاة نوح ومن معه : أن السفينة التى حملتهم وأقلتهم بقيت مدة طويلة ، وهى مستقرة على جبل الجودى ، الذى يرى كثير من المؤرخين ان مكانه بشمال العراق ، بالقرب من مدينة الموصل . ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من قصة إبراهيم - عليه السلام - مع قومه ، فقال - تعالى - : ﴿وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ... ﴾. ولفظ ( إبراهيم) منصوب بفعل مضمر. أى: واذكر - أيها المخاطب - إبراهيم - عليه السلام - وقت أن قال لقومه : اعبدوا الله - تعالى - وحده ، وصونوا أنفسكم عن كل ما يغضبه ﴿ ذلكم﴾ الذى أمرتكم به من العبادة والتقوى ﴿خير لكم﴾ من الشرك، ومن كل شىء فى هذه الحياة ﴿ إن كنتم تعلمون﴾ أى: إن كنتم من ذوى العلم والفهم بما هو خير وبما هو شر . فأنت ترى أن إبراهيم - عليه السلام - قد بدأ دعوته لقومه يأمرهم بإخلاص العبادة لله - تعالى - ، وبالخوف من عقابه ، ثم ثنى بتحبيب هذه الحقيقة إلى قلوبهم ، ببيان أن إيمانهم خير لهم ، ثم ثلث بتهييج عواطفهم نحو العلم النافع ، الذى يتنافى مع الجهل .. ثم بعد ذلك نفرهم من فساد ما هم عليه من باطل ، فقال كما حكى القرآن عنه : ﴿ إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا ... ﴾ . والأوثان : جمع وثن . وتطلق الأوثان على التماثيل والأصنام التى كانوا يصنعونها بأيديهم من الحجارة أو ما يشبهها ، ثم يعبدونها من دون الله - تعالى - . وقوله: ﴿وتخلقون إفكا﴾ أى: وتكذبون كذبا واضحا، حيث سميتم هذه الأوثان آلهة ، مع أنها لا تضر ولا تنفع ، ولا تغنى عنكم ولا عن نفسها شيئا . أو يكون قوله ﴿ وتخلقون﴾ بمعنى وتصنعون وتنحتون . أى: وتصنعون بأيديكم هذه الأوثان صنعا ، من أجل الإِفك والكذب والانصراف عن كل ما هو حق إلى كل ما هو باطل . ثم بين لهم تفاهة هذه الأوثان فقال: ﴿إن الذين تعبدون من دون الله ﴾ من أوثان وأصنام ﴿ لا يملكون لكم رزقا﴾ أى: لا يملكون لكم شيئا من الرزق حتى ولو كان غاية فى القلة. وما دام الأمر كذلك: ﴿ فابتغوا عند الله ﴾ - تعالى - وحده ﴿الرزق ) الذى يكفيكم ٢٣ سورة العنكبوت ويغنيكم ﴿ واعبدوه﴾ وحده - سبحانه - ﴿واشكروا له﴾ نعماءه ومننه وعطاياه. فأنتم وجميع الخلق ﴿ إليه﴾ وحده ﴿ترجعون) لا إلى غيره، فيجازيكم على أعمالكم وهكذا نرى إبراهيم - عليه السلام - قد سلك فى دعوته قومه إلى الحق أبلغ الأساليب وأحكمها ، حيث أمرهم بعبادة الله وتقواه ، وبين لهم منافع ذلك ، وحرضهم على سلوك طريق العلم لا طريق الجهل ، ونفرهم من عبادة الأوثان ، حيث بين لهم تفاهتها وحقارتها وعجزها ، وحضهم على طلب الرزق ممن يملكه وهو الله - عز وجل - الذى إليه المرجع والمآب . ثم أخذ سيدنا إبراهيم - عليه السلام - يحذر قومه من الاستمرار فى تكذيبه ويلفت أنظارهم إلى أن هناك حسابا وثوابا وعقابا وبعئا ، وأن عليهم أن يتعظوا بمن قبلهم ، فقال - تعالى - : وَإِنْتُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمٌَّ مِن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلََّ الْبَلَغُ الْمُبِينُ ﴿) أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِىُّ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُوَّ يُعِيدُهُ، إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي الْأَرْضِ فَأَنْظُرُ واْكَيْفَ بَدَأَالْخَلْقَّ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿ يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ﴿﴿ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِرِينَ فِى اُلْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ وَمَالَكُمْ مِن دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَ نَصِيرِ ) وَالَّذِينَ كَفَرُ واْ بِثَايَتِ اللَّهِ وَلِقَابِهِ: أُوْلََّ يَبِسُواْ مِن رَّحْمَتِ وَأُوْلَبِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٢٣ قال صاحب الكشاف: وهذه الآية - وهى قوله - تعالى -: ﴿وإن تكذبوا﴾ والآيات التى بعدها إلى قوله : ﴿ فما كان جواب قومه .. ﴾ محتملة أن تكون من جملة قول إبراهيم ٢٤ المجلد الحادى عشر - صلوات الله عليه - لقومه، وأن تكون آيات وقعت معترضة فى شأن رسول اللّه وَ له وشأن قريش ، بين أول قصة إبراهيم وآخرها . فإن قلت : إذا كانت من قول إبراهيم ، فما المراد بالأمم من قبله ؟ قلت : المراد بهم قوم شيت وإدريس ونوح وغيرهم، وكفى بقوم نوح أمة فى معنى أمم جمة مكذبة ... ))(١) . وقال الإِمام ابن كثير : والظاهر من السياق أن كل هذه الآيات ، من كلام إبراهيم الخليل - عليه السلام - ، يحتج عليهم لإثبات المعاد ، لقوله بعد هذا كله : ﴿ فما كان جواب قومه ﴾ (٢) . وقوله - سبحانه -: ﴿وإن تكذبوا ... ﴾ معطوف على محذوف، والتقدير: إن تطيعونى - أيها الناس - فقد فزتم ونجوتم ، وإن تكذبونى فيما أخبرتكم به ، فلستم بدعا فى ذلك ، فقد كذب أمم من قبلكم رسلهم ، فكانت عاقبة المكذبين خسرا . ثم بين لهم إبراهيم - عليه السلام - وظيفته فقال: ﴿ وما على الرسول إلا البلاغ المبين ﴾ أى: لقد بلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم ، وتلك هى وظيفتى التى كلفنى بها ربى، وليس على سواها ، أما الحساب والجزاء فمرده إلى الله تعالى وحده . ثم ساق - سبحانه - ما يدل على أن البعث حق ، وأنه - تعالى - لا يعجزه شىء ، فقال: ﴿ أو لم يروا كيف يُبدىء الله الخلق ثم يعيده ﴾. والاستفهام لتوبيخهم على إنكارهم هذه الحقيقة ، وعدم تعقلهم لما يدل عليها دلالة واضحة ، والواو العطف على مقدر . والمعنى: ألم ينظر هؤلاء المشركون المنكرون للبعث ، ويعلموا كيف خلق الله - تعالى - الخلق ابتداء ، ليستدلوا بذلك على قدرته على الإِعادة ، وهى أهون عليه . إنهم ليرون كيف يبدىء الله الخلق في النبتة النامية ، وفى الشجرة الباسقة ، وفى كل ما لم يكن ، ثم بعد ذلك يكون ، فكيف أنكروا إعادة هذا المخلوق إلى الحياة مرة أخرى ، مع أنه من المسلم عند كل ذى عقل ، أن الإِعادة أيسر من الخلق ابتداء ؟ فالآية الكريمة تقرعهم على إنكارهم البعث ، وتسوق لهم الأدلة الواضحة على إمكانيته . واسم الإشارة فى قوله: ﴿إن ذلك على الله يسير﴾ يعود إلى ما ذكر من الأمرين وهما: بدء الخلق ، وإعادته إلى الحياة مرة أخرى . (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٤٤٧ . (٢) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٢٨٠ . ٢٥ سورة العنكبوت أى : إن ذلك الذى ذكرناه لكم من خلقكم ابتداء ، ثم إعادتكم إلى الحياة بعد موتكم ، يسير وهين على الله ، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شىء. ثم أمر - سبحانه - رسوله - وَل# - أن يلفت أنظار قومه إلى التأمل والتدبر فى أحوال هذا الكون ، لعل هذا التأمل يهديهم إلى الحق فقال : ﴿قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ، ثم اللّه ينشئ النشأة الآخرة ... ﴾. أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين للبعث: سيحوا فى الأرض ، وتتبعوا أحوال الخلق ، وتأملوا كيف خلقهم الله - تعالى - ابتداء على أطوار مختلفة ، وطبائع متمايزة . وأحوال شتى ... ثم قل لهم بعد كل ذلك ، الله الذى خلق الخلق ابتداء على تلك الصور المتنوعة والمتكاثرة ، هو وحده الذى ﴿ينشئ النشأة الآخرة ﴾ أى: هو وحده الذى ينشئهم ويخلقهم ويعيدهم إلى الحياة مرة أخرى ، بعد أن أوجدهم فى المرة الأولى . فجملة ﴿ ثم اللّه ينشئ النشأة الآخرة) معطوفة على قوله: ﴿سيروا ... ) وداخلة معها فى حيز القول .. والكيفية فى هذه الآية باعتبار بدء الخلق على أطوار شتى ، وصور متعددة ... وفى الآية السابقة وهى قوله: ﴿ أو لم يروا كيف يبدى الله الخلق ثم يعيده) باعتبار بدء الخلق من مادة وغيرها . والمقصود بالأمر بالسير : التدبر والتأمل والاعتبار ، لأن من شأن التنقل فى جنبات الأرض ، أنه يوقظ الحس ، ويبعث على التفكير ، ويفتح العين والقلب على المشاهد الجديدة التى لم تألفها العين ، ولم يتأملها القلب قبل ذلك . وجاء الأمر بالسير عاما ، لأن كل إنسان - فى كل زمان ومكان - يأخذ من وجوه العبرة والعظة - عن طريق هذا السير ما يتناسب مع عقله ، وثقافته ، وبيئته ، وفكره ، ومستواه المادى ، والاجتماعى ، والحضارى ... وقوله - سبحانه -: ﴿إن اللّه على كل شىء قدير﴾ تعليل لما قبله. أى: هو - سبحانه - قادر على النشأة الأولى ، وعلى النشأة الآخرة ، لأن قدرته لا يعجزها شىء ولا يحول دون نفاذها حائل . وهو - سبحانه - ﴿ يعذب من يشاء﴾ ويرحم من يشاء برحمته، ﴿وإليه﴾ وحده لا إلى غيره ﴿تقلبون﴾ أى: ترجعون جميعا فيحاسبكم على أعمالكم. ٢٦ المجلد الحادى عشر وما أنتم بمعجزين فى الأرض ولا فى السماء ﴾ أى: وما أنتم - أيها الناس - بقادرين على أن تفلتوا أو تهربوا من لقاء الله - تعالى - ومن حسابه ، سواء أكنتم فى الأرض ، أم كنتم فى السماء ، إذ ليست هناك قوة فى هذا الوجود تحول بينكم وبين الانقلاب إليه - سبحانه - والوقوف بين يديه للحساب والجزاء . قال الشوكانى: ﴿ وما أنتم بمعجزين فى الأرض ولا في السماء﴾ قال الفراء: ولا من فى السماء بمعجزين اللّه فيها ... والمعنى: أنه لا يعجزه - سبحانه - أهل الأرض ولا أهل السماء فى السماء لو كنتم فيها ، كما تقول : لا يفوتنى فلان هاهنا ولا بالبصرة . يعنى: ولا بالبصرة لو صار إليها ... ))(١) . وقوله - سبحانه -: ﴿وما لكم من دون الله من ولى ولا نصير﴾ مؤكد لما قبله. أى: لستم بقادرين على الهرب من لقاء الله - تعالى - . فى الآخرة . وليس سواه من ناصر ينصركم ، أو من قريب يدفع عنكم حكمه وقضاءه - سبحانه - . ثم بين - سبحانه - مصير الكافرين فقال: ﴿والذين كفروا بآيات الله ﴾ الدالة على وحدانيته وقدرته ، وعلى ذاته وصفاته .. وكفروا - أيضا - بالأدلة الدالة على ﴿لقائه ﴾ بأن أنكروا البعث والحساب والجزاء ﴿أولئك﴾ الذين كفروا بكل ذلك ﴿ يئسوا من رحمتى﴾ أى : انقطع أملهم فى رحمتی إياهم انقطاعا تاما وعبر - سبحانه - بالماضى لدلالة علمه التام على تحقق وقوع هذا اليأس ، وفقدان الأمل عند هؤلاء الكافرين وقت أن يقفوا بين يديه للحساب ، بسبب كفرهم وسوء أعمالهم . وأضاف - عز وجل - الرحمة إليه ، للإشارة إلى سبقها لغضبه ، وأنها تشمل عبادة المؤمنين . ﴿ وأولئك﴾ أى: الذين كفروا بآيات الله وبلقائه ﴿لهم عذاب أليم) لا يعلم مقدار شدته وفظاعته إلا هو - سبحانه - . ثم قص - سبحانه - بعد ذلك ما قاله قوم إبراهيم له ، وما رد به عليهم . فقال : - تعالى - : (١) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٤ ص ١٩٨. و ٢٧ سورة العنكبوت فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّ أَن قَالُوا أَقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنَجَنُهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتِ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ٢٤ وَقَالَ إِنَّمَا أَتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ الَّهِ أَوْثَنَا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَوْةِ الدُّنْيَاثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَرُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْ وَنَكُمُ النَّارُ فَامَنَ لَهُوَلُوطٌ وَقَالَ ٢٥ وَمَالَكُمْ مِّن نَّصِرِين ◌َ إِنِّ مُهَاجِرٍّ إِلَى رَبِيِّ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِنَبَ وَءَاتَيْنَهُ أَجْرَهُ فِ الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِ الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ٢٧ فقوله - تعالى -: ﴿ فما كان جواب قومه ... ﴾ بيان لما رد به الظالمون على نبيهم إبراهيم - عليه السلام - بعد أن وعظهم ونصحهم وأقام لهم أوضح الأدلة على صدقه فيما يبلغه عن ربه . ولفظ ((جواب)) بالنصب، خبر كان ، واسمها قوله: ﴿ إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه ﴾ .. والمراد بقتله : إزهاق روحه بسيف ونحوه ، لتظهر المقابلة بين الإِحراق والقتل . وجاء هنا الترديد بين الأمرين ، للاشعار بأن من قومه من أشار بقتله ، ومنهم من أشار بإحراقه ، ثم اتفقوا جميعا على الإِحراق ، كما جاء فى قوله - تعالى - : ﴿ قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين ﴾ . والمعنى : فما كان جواب قوم إبراهيم له ، بعد أن نصحهم وظهرت حجته عليهم ، إلا أن قالوا فيما بينهم ، اقتلوه بالسيف ، أو أحرقوه بالنار ، لتستريحوا منه ، وتريحوا آلهتكم من عدوانه عليها ، وتحطيمه لها ... ٢٨ المجلد الحادى عشر وقولهم هذا الذى حكاه القرآن عنهم ، يدل على إسرافهم فى الظلم والطغيان والجهالة ... والفاء فى قوله - تعالى - ﴿ فأنجاه الله من النار ﴾ فصيحة. أى: فاتفقوا على إحراقه بالنار ، وألقوه فيها بعد اشتعالها ، فأنجاه الله - تعالى - منها ، بأن جعلها بردا وسلاما عليه ... "إن فى ذلك لآيات لقوم يؤمنون﴾ .. أى: إن فى ذلك الذى فعلناه بقدرتنا مع إبراهيم - عليه السلام - حيث أخرجناه سليما من النار ﴿ لآيات ﴾ بينات على وحدانيتنا وقدرتنا ، لقوم يؤمنون ، بأن الله - تعالى - هو رب العالمين ، وأنه له الخلق والأمر . وجمع - سبحانه - الآيات لأن فى نجاة إبراهيم ، دلالات متعددة على قدرة الله - تعالى - لا دلالة واحدة ، فنجاته من النار وتحويلها عليه إلى برد وسلام آية ، وعجز المشركين جميعا عن أن يلحقوا به ضررا آية ثانية ، وإصرارهم على كفرهم مع ما شاهدوه ، آية ثالثة على أن القلوب الجاحدة تبقى على جحودها حتى مع وجود المعجزات الدالة على صدق من جاء بها من عند الله - تعالى - . ولذا خص - سبحانه - هذه الآيات ، لأنهم هم وحدهم المنتفعون بها . ثم حكى - سبحانه - ما قاله إبراهيم - عليه السلام - لقومه بعد أن نجاه الله من شرورهم فقال: ﴿وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا ، مودة بينكم فى الحياة الدنيا ، ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ، ويلعن بعضكم بعضا ﴾ . ولفظ (( مودة)) وردت فيه قراءات : فقد قرأه بعض القُراء السبعة بالنصب ، على أنه مفعول به لقوله: ﴿ اتخذتم) أو على أنه مفعول لأجله ، فيكون المعنى : وقال إبراهيم لقومه : يا قوم إنكم لم تتخذوا هذه الأوثان معبودات لكم عن عقيدة واقتناع بأحقية عبادتها . وإنما اتخذتموها معبودات من أجل المودة فيما بينكم ، ومن أجل أن يجامل بعضكم بعضا فى عبادتها ، على حساب الحق والهدى . وهذا شأنكم فى الدنيا ، أما فى يوم القيامة ، فهذه المودة ستزول لأنها مودة باطلة ، وسيكفر بعضكم ببعض ، ويلعن بعضكم بعضا ، حيث يتبرأ القادة من الأتباع ، والأتباع من القادة . ومأواكم النار﴾ أى: ومنزلكم الذى تأوون إليه أنتم وأصنامكم يوم القيامة النار ﴿ومالكم من ناصرين ﴾ يخلصونكم من هذه النار، أو يخففوا سعيرها عنكم . وبعض القراء السبعة قرأ لفظ ﴿ مودة﴾ بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف: أى: أن ـ اتخدتموه من عبادة الأوثان، هو مودة بينكم فى الحياة الدنيا، أما فى الآخرة فسيكفر بعضكم ٢٩ سورة العنكبوت ببعض ، ويلعن بعضكم بعضا . والمقصود من الآية الكريمة ، بيان أن هؤلاء المشركين لم يتخذوا الأصنام آلهة ، وهم يعتقدون صحة ذلك اعتقادا جازما ، وإنما اتخذوها فى الدنيا آلهة تارة على سبيل التواد فيما بينهم ، وتارة على سبيل التقليد والمسايرة لغيرهم .. أما فى الآخرة فستتحول تلك المودات والمسايرات والتقاليد إلى عداوات ومقاطعات وملاعنات ... وقوله - تعالى -: ﴿ فآمن له لوط ... ) بيان للثمرة الطيبة التى ترتبت على دعوة إبراهيم لقومه، إلى عبادة الله - تعالى - وحده ، بعد أن مكث فيهم مدة لا يعلمها إلا الله، وبعد أن أقام لهم ألوانا من الأدلة على أن ما جاءهم به هو الحق ، وما هم عليه هو الباطل . والتعبير بقوله - سبحانه -: ﴿ فآمن له لوط ﴾ يشعر بأن لوطا - عليه السلام - وحده ، هو الذى لبى دعوة إبراهيم ، وصدقه فى كل ما أخبر به . ولوط - عليه السلام - يرى كثير من العلماء أنه ابن أخى إبراهيم - عليه السلام - فهو لوط بن هاران بن آزر . والضمير فى قوله - سبحانه - : ﴿وقال إنى مهاجر إلى ربى ... ) يرى بعضهم أنه يعود إلى لوط ، لأنه أقرب مذكور. أى : فآمن لوط لإبراهيم وصدقه فى كل ما جاء به ، وقال : إنى مهاجر إلى الجهة التى أمرنى ربى بالهجرة إليها ، لأبلغ دعوته ، فهو لم يهاجر من أجل منفعة دنيوية ، وإنما هاجر من أجل تبليغ أمر ربه ، وإعلاء كلمته . ويرى آخرون أن الضمير يعود إلى إبراهيم - عليه السلام - ، لأن الحديث عنه . قال الألوسى ما ملخصه: ﴿وقال إنى مهاجر إلى ربى﴾ أى: وقال إبراهيم: إنى مهاجر ، أى: من قومى ، إلى ربى .. أى إلى الجهة التى أمرنى بأن أهاجر إليها ﴿إنه ﴾ - عز وجل - ﴿ هو العزيز ﴾ الغالب على أمره ... ﴿الحكيم) الذى لا يفعل فعلا إلا وفيه حكمة ومصلحة .. وقيل : الضمير فى ﴿ وقال﴾ للوط - عليه السلام - ، وليس بشىء لما يلزم عليه من التفكيك)) (١) . ثم بين - سبحانه - بعض النعم التى أنعم بها على نبيه إبراهيم ، بعد أن هاجر من العراق إلى بلاد الشام لتبليغ رسالة ربه إلى الناس فقال: ﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب ، وجعلنا فى ذريته النبوة والكتاب ... ﴾ . (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٠ ص ١٥٢. ٣٠ المجلد الحادى عشر أى: ووهبنا لإِبراهيم - بعد أن هاجر ومعه زوجه ((سارة)) وابن أخيه ((لوط)) - وهبنا له ابنه إسحاق ، ووهبنا لإِسحاق يعقوب ، وجعلنا بفضلنا ورحمتنا ، فى ذرية إبراهيم النبوة ، إذ من نسله جميع الأنبياء من بعده ، كما جعلنا فى ذريته - أيضا - الكتب التى أنزلناها على الأنبياء من بعده ، كالتوراة ، والإِنجيل ، والزبور، والقرآن . فالمراد بالكتاب هنا : الكتب السماوية التى أنزلها - سبحانه - على موسى وعيسى وداود ومحمد - صلوات اللّه عليه - ، وهم جميعا من نسل إبراهيم . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما بال إسماعيل لم يذكر ، وذكر إسحاق ويعقوب ؟ قلت : قد دل عليه فى قوله: ﴿وجعلنا فى ذريته النبوة والكتاب﴾ وكفى الدليل الشهرة أمره ، وعلو قدره . فإن قلت : ما المراد بالكتاب ؟ قلت : قصد به جنس الكتاب ، حتى دخل تحته ما نزل على ذريته من الكتب الأربعة ، التى هى: التوراة ، والزبور، والإِنجيل ، والقرآن))(١). وقوله - سبحانه -: ﴿وآتيناه أجره فى الدنيا ) بيان لنعمة أخرى أنعم بها - سبحانه - على نبيه إبراهيم - عليه السلام - . أى : وهبنا له الذرية الصالحة ، وجعلنا فى ذريته النبوة والكتب السماوية، وآتيناه أجره على أعماله الصالحة فى الدنيا ، بأن رزقناه الزوجة الصالحة ، والذكر الحسن بعد وفاته . وإنه فى الآخرة لمن الصالحين ﴾ الذين سنعطيهم أجزل العطاء وأوفاه . وهكذا جمع الله - تعالى - بفضله وإحسانه ، لنبيه إبراهيم ، خيرى الدنيا والآخرة ، جزاء إيمانه العميق ، وعمله الصالح ، ووفائه فى تبليغ رسالة ربه . وبمناسبة الحديث عن قصة إبراهيم مع قومه ، جاء بعد ذلك الحديث عن جانب من قصة لوط مع قومه . لوط - عليه السلام - الذى آمن بإبراهيم وهاجر معه إلى بلاد الشام .. قال - تعالى - : وَلُوطَا إِذْقَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَاسَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَلَمِينَ ٢٨ (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٤٥١ . ٣١ سورة العنكبوت أَبِتَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَّعُونَ السَّكِيلَ وَتَأْتُونَ فِ نَادِيَكُمُ الْمُنكَرْ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَثْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ ٣٠ قَالَ رَبِّ أَنصُرْنِ عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِين ٢٩ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَهِيمَ بِالْبُشْرَىْ قَالُواْإِنَّا مُهْلِكُواْ ٣١ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةٌ إِنَّأَهْلَهَا كَانُواْظَالِمِينَ. قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطَأَ قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيَهَا لَنُنَجِيَنَّهُ. وَأَهْلَهُ: إِلَّا أَمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَرِينَ ®) وَلَمَّآ أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطَّاسِىءَ بِهِمْ وَضَافَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُواْ لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنَّإِنَّا مُنَجُوكَ وَأَهْلَكَ إِلََّ أَمْرَأَنَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَرِينَ ﴿ إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَأَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴿ وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآءَايَةٌ بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ٣٥١ وقوله - سبحانه -: ﴿ولوطا إذ قال لقومه .. ) منصوب بالعطف على إبراهيم فى. قوله - تعالى -: ﴿ وإبراهيم إذ قال لقومه .. ﴾ أو بفعل مضمر. أى: واذكر - أيها العاقل لتعتبر وتتعظ - نبينا لوطا - عليه السلام - وقت أن قال لقومه على سبيل الزجر والتوبيخ والإنكار لما هم عليه من فعل قبيح : إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ﴾ أى: إنكم لتفعلون الفعلة ٣٢ المجلد الحادى عشر البالغة أقصى دركات القبح والفحش ، والتى ما فعلها أحد قبلكم ، بل أنتم أول من ابتدعها ، وهى إتيان الذكور دون الإناث . قال عمر بن دينار : ما نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط . وقال الوليد بن عبد الملك : لولا أن الله - تعالى - قد قص علينا خبر قوم لوط ، ما ظننت أن ذكرا يعلو ذكرا . وجاء قوله - عليه السلام - مؤكدا بجملة من المؤكدات ، لتسجيل هذه الفاحشة عليهم بأقوى أسلوب ، وبأنهم لم يسبقهم أحد إلى ارتكابها . وقوله - سبحانه -: ﴿ أئنكم لتأتون الرجال ، وتقطعون السبيل ، وتأتون فى ناديكم المنكر .. ﴾ بيان لتلك الفاحشة التى كانوا يقترفونها ، والاستفهام للتأنيب والتقريع. والسبيل : الطريق . والنادى : اسم جنس للمكان الذى يجتمع فيه الناس لأمر من الأمور ، أى : أننكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء ، وتقطعون الطريق على المارة ، بأن تنتهبوا أموالهم ، أو بأن تكرهوهم إكراها على ارتكاب الفاحشة معهم ، أو بأن تعتدوا عليهم بأى صورة من الصور ، وفضلا عن كل ذلك فإنكم ترتكبون المنكرات فى مجالسكم الخاصة ، وفى نواديكم التى تتلاقون فيها . فأنت ترى أن نبيهم - عليه السلام - قد وصفهم بأوصاف ، كل صفة أقبح من سابقتها ، والباعث لهم على ارتكاب تلك المنكرات ، هو انتكاس فطرتهم ، وفساد نفوسهم ، وشذوذ شهواتهم . فماذا كان جوابهم على نبيهم - عليه السلام - ؟ لقد كان جوابهم فى غاية التبجح والسفاهة ، وقد حكاه القرآن فى قوله: ﴿ فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين . أى : فما كان جواب قوم لوط عليه ، إلا أن قالوا له على سبيل الاستخفاف بوعظه وزجره : ائتنا يالوط بعذاب الله الذى تتوعدنا به، إن كنت صادقا فى دعواك أنك رسول ، وفى دعواك أن عذابا سينزل علينا ، بسبب أفعالنا هذه التى ألفناها وأحببناها . وهكذا نرى أن هؤلاء المجرمين ، قد قابلوا نصح نبيهم تارة بالاستخفاف والاستهزاء كما هنا ، وتارة بالتهديد والوعيد، كما فى قوله - تعالى -: ﴿أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم (١) أناس يتطهرون ٠ (١) سورة النمل. الآية ٥٦٠. ٣٣ سورة العنكبوت ولذا لجأ لوط - عليه السلام - إلى ربه ، يلتمس منه النصرة والعون فقال: ﴿رب انصرنى على القوم المفسدين )، أى : انصرنى بأن تنزل عذابك على هؤلاء القوم المفسدين ، الذين مردوا على ارتكاب فواحش ، لم يسبقهم بها من أحد من العالمين . وأجاب الله - تعالى - دعاء نبيه لوط - عليه السلام - ، وأرسل - سبحانه - ملائكته لنبيه إبراهيم ليبشروه بابنه إسحاق . قبل أن ينفذوا عذاب الله فى قوم لوط ، قال - تعالى - : : ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية ﴾ أى : وحين جاء الملائكة إلى إبراهيم ليبشروه بابنه إسحاق : قالوا له : يا إبراهيم ، إنا مرسلون من ربك لإهلاك أهل هذه القرية وهى قرية سدوم التى يسكنها قوم لوط ، والسبب فى ذلك ﴿ إن أهلها كانوا ظالمين ) ، حيث أتوا بفاحشة لم يسبقهم إليها أحد ، وقطعوا الطريق على الناس ، واقترفوا فى مجالسهم المنكرات . وهنا قال لهم إبراهيم - عليه السلام - بخشيته وشفقته: ﴿ إن فيها لوطا﴾ أى: إن فى هذه القرية التى جئتم لإِهلاكها لوطا ، وهو نبى من أنبياء الله الصالحين فكيف تهلكونها وهو معهم فيها ؟ وهنا رد عليه الملائكة بما يزيل خشيته فقالوا : ﴿ نحن أعلم بمن فيها ﴾ من الأخيار ومن الأشرار ، ومن المؤمنين ومن الكافرين . لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ﴾ أى: اطمئن يا إبراهيم فإن الله - تعالى - قد أمرنا أن ننجى لوطا وأن ننجى معه من الهلاك أهله المؤمنين ، إلا امرأته فستبقى مع المهلكين ، لأنها منهم ، بسبب خيانتها للوط - عليه السلام - حيث كانت تقر جرائم قومها ، ولا تعمل على إزالتها وإنكارها ، كما هو شأن الزوجات الصالحات . والغابر : الباقى . يقال: غبر الشىء يغبر غبورا ، أى: بقى ، وقد يستعمل فيما مضى - أيضا - فيكون من الأضداد . ومنه قولهم : هذا الشىء حدث فى الزمن الغابر . أى : الماضى . ثم بين - سبحانه - حال لوط - عليه السلام - بعد أن وصل إليه الملائكة لينفذوا قضاء الله - تعالى - فى قومه ، فقال - عز وجل - : ﴿ولما أن جاءت رسلنا لوطا سىء بهم. وضاق بهم نرعا ﴾ . و ((أن)) هنا مزيدة لتأكيد المجىء. و((سىء بهم)) أى: اعترته المساءة والأحزان بسبب مجيئهم ، لخوفه من اعتداء قومه عليهم . ٣٤ المجلد الحادى عشر قال القرطبى : والذرع مصدر ذرع . وأصله أن يذرع البعير بيديه فى سيره ذرعا ، على قدر سعة خطوه ، فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق عن ذلك ، وضعف ومد عنقه . فضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع ... وإنما ضاق ذرعه بهم ، لما رأى من جمالهم ، وما يعلمه من فسوق قومه .. ))(١) . أى: وحين جاءت الملائكة إلى لوط - عليه السلام - ورآهم، ساءه وأحزنه مجيئهم ، لأنه كان لا يعرفهم ، ويعرف أن قومه قوم سوء ، فخشى أن يعتدى قومه عليهم . وهو لا يستطيع الدفاع عن هؤلاء الضيوف . والتعبير بقوله - سبحانه - ﴿وضاق بهم ذرعا﴾: تعبير بليغ، وتصوير بديع لنفاد حيلته، واغتمام نفسه، وعجزه عن وجود مخرج للمكروه الذى حل به. و((ذرعا)) تمييز محول عن الفاعل ، أى : ضاق بأمرهم ذرعه . ولاحظ الملائكة - عليهم السلام - على لوط قلقه وخوفه ، فقالوا له على سبيل التبشير وإدخال الطمأنينة على نفسه ، يالوط: ﴿ لا تخف ولا تحزن﴾ أى: لا تخف علينا من قومك ، ولا تحزن لمجيئنا إليك بتلك الصورة المفاجئة . ثم أفصحوا له عن مهمتهم فقالوا : ﴿ إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين ﴾ . أى : إنا منجوك وأهلك المؤمنين من العذاب الذى سننزله بقومك ، إلا امرأتك فسيدركها العذاب مع قومك ، وستهلك مع الهالكين بسبب تواطئها معهم ، ورضاها بأفعالهم القبيحة . ثم أخبروه بالكيفية التى سينزل بها العذاب على قومه فقالوا: ﴿ إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ﴾ . والرجز : العذاب الذى يزعج المعذب به ويجعله فى حالة اضطراب وهلع . يقال : ارتجز فلان ، إذا اضطرب وانزعج . أى : إنا منزلون بأمر الله - تعالى - وإرادته ، على أهل هذه القرية - وهى قرية سدوم التى كان يسكنها قوم لوط - ﴿ رجزا من السماء﴾ أى : عذابا شديدا كائنا من السماء، بحيث لا يملكون دفعه أو النجاة منه ، بسبب فسوقهم عن أمر ربهم ، وخروجهم عن طاعته . ثم بين - سبحانه - أن حكمته قد اقتضت . أن يجعل آثار هؤلاء الظالمين باقية بعدهم ، لتكون عبرة وعظة لغيرهم فقال: ﴿ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون (١) تفسير القرطبى جـ ٩ ص ٧٤ . ﴾ ٣٥ سورة العنكبوت أى: ولقد تركنا من هذه القرية بعد تدميرها ، علامة بينة ، وآية واضحة . تدل على هلاك أهلها ، حتى تكون عبرة لقوم يستعملون عقولهم فى التدبر والتفكر . قال ابن كثير : وذلك أن جبريل - عليه السلام - اقتلع قراهم من قرار الأرض ، ثم رفعها إلى عنان السماء ، ثم قلبها عليهم ، وأرسل اللّه عليهم حجارة من سجيل منضود ، مسومة عند ربك وما هى من الظالمين ببعيد ، وجعل مكانها . بحيرة خبيثة منتنة ، وجعلهم عبرة إلى يوم التناد ، وهم من أشد الناس عذابا يوم المعاد ، ولهذا قال: ﴿ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون﴾ كما قال: ﴿وإنكم لتمرون عليهم مصبحين. وبالليل أفلا تعقلون﴾(١). * ثم ساق - سبحانه - جانبا من قصة شعيب وهود وصالح - عليهم السلام - مع أقوامهم ، وكيف أن هؤلاء الأقوام قد كانت عاقبتهم خسرا ، بسبب تكذيبهم لأنبيائهم ، فقال - تعالى - : وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُوا اللَّهَ وَأَرْجُواْ اُلْيَوْمَ الْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّحْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي جٌ، وَعَادًا وَثَمُودَأْ وَقَد تَبَيَّنَ دَارِهِمْ جَثِمِين لَكُمْ مِن مَّسَكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقَرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَمَنٌَ وَلَقَدْ جَآءَ هُم ◌ُوسَى بِالْبَيِّنَتِ فَاسْتَكْبَرُواْ فِ الْأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَِقِينَ ﴾ فَكُلَّا أَخَذْ نَابِذَنْيِةٍ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا ٣٩ (١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٢٨٧ . ٣٦ المجلد الحادى عشر وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَابِهِ اُلْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوَأْأَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ٤٠ وقوله - سبحانه -: ﴿ وإلى مدين أخاهم شعيبا .. ﴾ معطوف على مقدر محذوف، لدلالة ما قبله عليه . ومدين : اسم للقبيلة التى تنسب إلى مدين بن إبراهيم - عليه السلام - . وكانوا يسكنون فى المنطقة التى تسمى معان بين حدود الحجاز والشام . وقد أرسل الله - تعالى - إليهم شعيبا - عليه السلام - ليأمرهم بعبادة الله - تعالى - وحده ، ولينهاهم عن الرذائل التى كانت منتشرة فيهم ، والتى من أبرزها التطفيف فى المكيال والميزان . والمعنى : وكما أرسلنا نوحا إلى قومه ، وإبراهيم إلى قومه ، أرسلنا إلى أهل مدين ، رسولنا شعيبا - عليه السلام - . فقال يا قوم اعبدوا الله ﴾ أى: فقال لهم ناصحا ومرشدا، الكلمة التى قالها كل نبى لأمته : ياقوم اعبدوا الله - تعالى - وحده ، واتركوا ما أنتم عليه من شرك . وقال لهم - أيضا : وارجوا النجاة من أهوال يوم القيامة ، بأن تستعدوا له بالإِيمان والعمل الصالح ، ولا تعثوا فى الأرض مفسدين ، فإن الإِفساد فى الأرض ليس من شأن العقلاء ، وإنما هو من شأن الجهلاء الجاحدين لنعم الله - تعالى -. يقال: عَنِى فلان فى الأرض يعثو ويعثَى - كقال وتعب - ، إذا ارتكب أشد أنواع الفساد فيها . فأنت ترى أن شعيبا - عليه السلام - وهو خطيب الأنبياء - كما جاء فى الحديث الشريف ، قد أمر قومه بإخلاص العبادة لله ، وبالعمل الصالح الذى ينفعهم فى أخراهم ، ونهاهم عن الإِفساد فى الأرض ، فماذا كان موقفهم منه ؟ كان موقفهم منه: التكذيب والإعراض ، كما قال - سبحانه -: ﴿فكذبوه ﴾ أى: فيما أمرهم به ، وفيما نهاهم عنه . فأخذتهم الرجفة ﴾ أى : فأهلكهم الله - تعالى - بسبب تكذيبهم لنبيهم بالرجفة، وهى الزلزلة الشديدة . يقال : رجفت الأرض ، إذا اضطربت اضطرابا شديدا . ٣٧ سورة العنكبوت ولا تعارض هنا بين قوله - تعالى - : ﴿ فأخذتهم الرجفة ﴾ وبين قوله - سبحانه - فى سورة هود: ﴿ فأخذتهم الصيحة ﴾ لأنه يجوز أن الله - تعالى - جعل لإِهلاكهم سببين: الأول : أن جبريل - عليه السلام - صاح بهم صيحة شديدة أذهلتهم ، ثم رجفت بهم الأرض فأهلكتهم . وبعضهم قال : إن الرجفة والصيحة بمعنى واحد . وقوله - تعالى - : ﴿ فأصبحوا فى دارهم جائمين ﴾ بيان لما آل إليه أمرهم بعد هلاكهم . والمراد بدارهم : مساكنهم التى يسكنونها ، أو قريتهم التى يعيشون بها وقوله : جائمين﴾ من الجثوم ، وهو للناس والطيور بمنزلة البروك للإِبل . يقال: جثم الطائر يجثم جثما وجئوما فهو جائم - من باب ضرب - ، إذا وقع على صدره ولزم مكانه فلم يبرحه . أى : فأصبحوا فى مساكنهم هامدين ميتين لا تحس لهم حركة ، ولا تسمع لهم ركزا . ثم أشار - سبحانه - بعد ذلك إلى مصارع عاد وثمود فقال : ﴿ وعاد وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم ، وزين لهم الشيطان أعمالهم ، فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين ﴾. وعاد : هم قوم هود - عليه السلام - وكانوا يسكنون بالأحقاف فى جنوب الجزيرة العربية ، بالقرب من حضرموت . وثمود : هم قوم صالح - عليه السلام - وكانت مساكنهم بشمال الجزيرة العربية ، وما زالت مساكنهم تعرف حتى الآن بقرى صالح . أى: وأهلكنا عادا وثمود بسبب كفرهم وعنادهم ، كما أهلكنا غيرهم ، والحال أنه قد تبين لكم - يا أهل مكة - وظهر لكم بعض مساكنهم ، وأنتم تمرون عليهم فى رحلتى الشتاء والصيف . فقوله - سبحانه -: ﴿ وقد تبين لكم من مساكنهم ﴾ المقصود منه غرس العبرة والعظة فى نفوس مشركى مكة ، عن طريق المشاهدة لآثار المهلكين ، فإن مما يحمل العقلاء على الاعتبار ، مشاهدة آثار التمزيق والتدمير ، بعد القوة والتمكين . وزين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ السيئة . بسبب وسوسته وتسويله، ﴿ فصدهم عن السبيل ﴾ الحق ، وعن الطريق المستقيم . وكانوا﴾ أى: عاد وثمود ﴿ مستبصرين﴾ أى: وكانت لهم عقول يستطيعون التمييز بها بين الحق والباطل ، وبين الخير والشر، ولكنهم لم يستعملوها فيما خلقت له ، وإنما استحبوا العمى على الهدى ، وآثروا الغى على الرشد ، فأخذهم الله - تعالى - أخذ عزيز مقتدر . ٣٨ المجلد الحادى عشر وقوله - تعالى -: ﴿ مستبصرين ﴾ من الاستبصار ، بمعنى التمكن من تعقل الأمور ، وإدراك خيرها من شرها ، وحقها من باطها . ثم أشار - سبحانه - إلى ماحل بقارون وفرعون وهامان فقال : ﴿ وقارون وفرعون وهامان ﴾ أى: وأهلكنا - أيضا - قارون ، وهو الذى كان من قوم موسى فبغى عليهم ، كما أهلكنا فرعون الذى قال لقومه : ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ وهامان الذى كان وزيرا لفرعون وعونا له فى الكفر والظلم والطغيان . قال الآلوسى: وتقديم قارون، لأن المقصود تسلية النبى - 1 - فيما لقى من قومه لحسدهم له ، وقارون كان من قوم موسى - عليه السلام - وقد لقى منه مالقى. أو لأن حال قارون أوفق بحال عاد وثمود ، فإنه كان من أبصر الناس وأعلمهم بالتوراة ، ولكنه لم يفده الاستبصار شيئا ، كما لم يفدهم كونهم مستبصرين شيئا .. (١). ثم بين - سبحانه - ما جاءهم به موسى - عليه السلام - وموقفهم منه فقال: ﴿ولقد جاءهم موسى بالبينات ﴾ أى: جاءهم جميعا بالمعجزات الواضحات الدالة على صدقه . فاستكبروا فى الأرض ﴾ أى: فاستكبر قارون وفرعون وهامان فى الأرض . وأبوا أن يؤمنوا بموسى ، بل وصفوه بالسحر وبما هو برىء منه . ﴿ وما كانوا سابقين ﴾ أى: وما كانوا بسبب استكبارهم وغرورهم هذا، هاربين أو ناجين من قضائنا فيهم ، ومن إهلاكنا لهم . فقوله: ﴿ سابقين﴾ من السبق، بمعنى التقدم على الغير . يقال فلان سبق طالبه ، إذا تقدم عليه دون أن يستطيع هذا الطالب إدراكه . والمراد أن قارون وفرعون وهامان ، لم يستطيعوا - رغم قوتهم وغنائهم - أن يفلتوا من عقابنا ، بل أدركهم عذابنا إدراكا تاما فأبادهم وقضى عليهم . ثم ختم - سبحانه - الحديث عن هؤلاء المكذبين ، ببيان سنة من سننه التى لا تتخلف ، فقال: ﴿ فكلا أخذنا بذنبه ﴾. أى: فكلا من هؤلاء المذكورين كقوم نوح وإبراهيم ولوط وشعيب وهود وصالح ، وكقارون وفرعون وهامان وأمثالهم : كلا من هؤلاء الظالمين أخذناه وأهلكناه بسبب ذنوبه التى أصر عليها دون أن يرجع عنها . (١) تفسير الآلوسى جـ ٢٠ ص ١٥٨. ٣٩ سورة العنكبوت فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ﴾ أى : فمن هؤلاء الكافرين من أهلكناه ، بأن أرسلنا عليه ريحا شديدة رمته بالحصباء فأهلكته . قال القرطبى : قوله: ﴿ فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ﴾ يعنى قوم لوط. والحاصب ريح يأتى بالحصباء ، وهى الحصى الصغار. وتستعمل فى كل عذاب(١) . ومنهم من أخذته الصيحة ﴾ كما حدث لقوم صالح وقوم شعيب - عليهما السلام - . ومنهم من خسفنا به الأرض ﴾ وهو قارون . ومنهم من أغرقنا ﴾ كما فعلنا مع قوم نوح ومع فرعون وقومه . ﴿ وما كان الله ليظلمهم ﴾ أى: وما كان الله - تعالى - مريدا لظلمهم ، لأنه - سبحانه - اقتضت رحمته وحكمته ، أن لا يعذب أحدا بدون ذنب ارتكبه . ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ أى: ما ظلم الله - تعالى - هؤلاء المهلكين، ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم ، وعرضوها للدمار ، بسبب إصرارهم على كفرهم ، واتباعهم للهوى والشيطان . وبذلك نرى الآيات قد قصت على الناس مصارع الغابرين ، الذين كذبوا الرسل ، وحاربوا دعوة الحق ، ليكون فى هذا القصص عبرة للمعتبرين ، وذكرى للمتذكرين . ثم ضرب الله مثلا ، لمن يتخذ آلهة من دونه : وتوعد من يفعل ذلك باشد أنواع العذاب ، فقال - تعالى - : مَثَلُ الَّذِينَ اَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ اَلْعَنْكَبُوتِ أَتَّخَذَتْ بَيْئًا وَ إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنَكَبُونِ لَوْكَانُواْيَعْلَمُونَ ﴿٨) إِنَّاللَّهَ يَعْلَمُ مَايَدْعُونَ مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّ الْعَلِمُونَ (١) تفسير القرطبى جـ ١٣ ص ٣٤٤ . (٤٣ ٤٠ المجلد الحادى عشر والمثَل والمِثْل : النظير والشبيه ، ثم أطلق المثل على القول السائر المعروف ، لمماثلة مضربه - وهو الذى يضرب فيه - لمورده - وهو الذى ورد فيه أولا - ولا يكون إلا فيما فيه غرابة - ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة ، إذا كان لها شأن عجيب ، وفيها غرابة . وعلى هذا المعنى يحمل المثل هنا . وإنما تضرب الأمثال لإيضاح المعنى الخفى ، وتقريب الشىء المعقول من الشىء المحسوس ، وعرض الغائب فى صورة: الحاضر ، فيكون المعنى الذى ضرب له المثل ، أوقع فى القلوب ، وأثبت فى النفوس . والعنكبوت : دويبة معروفة ، تنسج لنفسها فى الهواء بيتا رقيقا ضعيفا ، لا يغنى عنها شيئا ، وتطلق هذه الكلمة على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث والغالب فى استعمالها التأنيث . والواو والتاء زائدتان ، كما فى لفظ طاغوت . والمعنى : حال هؤلاء المشركين الذين اتخذوا من دون الله - تعالى - أصنامًا يعبدونها ، ويرجون نفعها وشفاعتها ... كحال العنكبوت فى اتخاذها بيتًا ضعيفًا مهلهلاً ، لا ينفعها لا فى الحر ولا فى القر، ولا يدفع عنها شيئًا من الأذى . فالمقصود من المثل تجهيل المشركين وتقريعهم ، حيث عبدوا من دون الله - تعالى - آلهة ، هى فى ضعفها ووهنها تشبه بيت العنكبوت ، وأنهم لو كانوا من ذوى العلم لما عبدوا تلك الآلهة . قال صاحب الكشاف : الغرض تشبيه ما اتخذوه متکلا ومعتمدًا فی دینهم ، وتولوه من دون الله، بما هو مثل عند الناس فى الوهن وضعف القوة. وهو نسج العنكبوت . ألا ترى إلى مقطع التشبيه ، وهو قوله : ﴿وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ﴾. فإن قلت : ما معنى قوله: ﴿لو كانوا يعلمون﴾ وكل أحد يعلم وهن بيت العنكبوت؟ قلت : معناه ، لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم، وأن أمر دينهم بالغ هذه الغاية من الوهن ... )) (١) . وقال الآلوسي: قوله: ﴿ لو كانوا يعلمون﴾ أى: لو كانوا يعلمون شيئًا من الأشياء، لعلموا أن هذا مثلهم، أو أن أمر دينهم بالغ هذه الغاية من الوهن. و(( لو)) شرطية ، وجوابها محذوف ، وجوز بعضهم كونها للتمنى فلا جواب لها ، وهو غير ظاهر))(٢). (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٤٥٤. (٢) تفسير الآلوسى جـ ٢٠ ص ١٦٢ .