النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١
سورة القصص
قَالَ سَنَشُدُ عَضُدَكَ بِأَخِيَكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَنَّا فَلَاَ
٣٥
يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِثَايَِنَا أَنتُمَا وَ مَنِ اتََّعَكُمَا الْغَلِبُونَ
والمراد بالأجل فى قوله - تعالى -: ﴿ فلما قضى موسى الأجل .. ﴾ المدة التى قضاها
موسى أجيرا عند الشيخ الكبير ، بجهة مدين .
والمعنى : ومكث موسى عشر سنين فى مدين ، فلما قضاها وتزوج بإحدى ابنتى الشيخ
الكبير ، استأذن منه ﴿وسار بأهله﴾ أى وسار بزوجته متجها إلى مصر ليرى أقاربه وذوى
رحمه ، أو إلى مكان آخر قيل : هو بيت المقدس .
آنس من جانب الطور نارا﴾ ولفظ ﴿ آنس﴾ من الإيناس، وهو إبصار الشىء
ورؤيته بوضوح لا التياس معه ، حتى لكأنه يحسه بجانب رؤيته له .
أى: وخلال سيره بأهله إلى مصر، رأى بوضوح وجلاء ﴿من جانب الطور نارا﴾.
أى : رأى من الجهة التى تلى جبل الطور نارا عظيمة .
قال الآلوسى: ((استظهر بعضهم أن المبصر كان نورا حقيقة ، إلا أنه عبر عنه بالنار ،
اعتبارا لاعتقاد موسى - عليه السلام - ، وقال بعضهم : كان المبصر فى صور النار الحقيقية ،
وأما حقيقته ، فوراء طور العقل، إلا أن موسى - عليه السلام - ظنه النار المعروفة))(١).
وقوله - سبحانه - ﴿ قال لأهله امكثوا إنى آنست نارا .. ﴾ حكاية لما قاله موسى -
عليه السلام - لزوجته ومن معها عندما أبصر النار .
أى: عندما أبصر موسى النار بوضوح وجلاء ﴿قال لأهله امكثوا﴾ فى مكانكم ﴿ إنى
آنست نارا ﴾ على مقربة منى وسأذهب إليها .
لعلى آتيكم منها بخبر﴾ ينفعنا فى مسيرتنا، (أو ) أقتطع لكم منها ﴿جذوة من
النار لعلكم تصطلون
قال الجمل : قرأ حمزة: ﴿ أو جذوة) بضم الجيم. وقرأ عاصم بالفتح، وقرأ الباقون
· بالكسر ، وهى لغات فى العود الذى فى رأسه نار ، هذا هو المشهور. وقيده بعضهم فقال: فى
رأسه نار من غير لهب ، وقد ورد ما يقتضى وجود اللهب فيه ، وقيل : الجذوة العود الغليظ
سواء أكان فى رأسه نار أم لم يكن . وليس المراد هنا إلا ما فى رأسه نار .(٢) .
(١) تفسير الآلوسى ج ٢٠ ص ٧٢ .
(٢) حاشية الجمل على الجلالين ج ٣ ص ٣٤٦ .
٤٠٢
المجلد العاشر
وقوله : ﴿تصطلون﴾ من الاصطلاء بمعنى الاقتراب من النار للاستدفاء بها من البرد.
والطاء فيه مبدلة من تاء الافتعال .
أى : قال موسى لأهله امكثوا فى مكانكم حتى أرجع إليكم ، فإنى أبصرت نارا سأذهب
إليها ، لعلى أتيكم من جهتها بخبر يفيدنا فى رحلتنا ، أو أقتطع لكم منها قطعة من الجمر ، کی
تستدفئوا بها من البرد .
قال ابن كثير ما ملخصه : وكان ذلك بعدما قضى موسى الأجل الذى كان بينه وبين صهره
فى رعاية الغنم ، وسار بأهله . قيل : قاصدا بلاد مصر بعد أن طالت الغيبة عنها أكثر من عشر
سنين ، ومعه زوجته ، فأضل الطريق ، وكانت ليلة شاتية . ونزل منزلا بين شعاب وجبال ، فى
برد وشتاء ، وسحاب وظلام وضباب وجعل يقدح بزند معه ليورى ناراً - أى : ليخرج نارا -
كما جرت العادة به ، فجعل لا يقدح شيئا ، ولا يخرج منه شرر ولا شىء ، فبينما هو كذلك إذ
آنس من جانب الطور ناراً .. (١).
ثم بين - سبحانه - : ما حدث لموسى بعد أن وصل إلى الجهة التى فيها النار فقال -
تعالى -: ﴿ فلما أتاها نودى من شاطىء الواد الأيمن فى البقعة المباركة من الشجرة ، أن
يا موسى إنى أنا الله رب العالمين ﴾.
والضمير فى ((أتاها))، يعود إلى النار التى رآها. وشاطىء الوادى: جانبه، والأيمن :
صفته .
أى : فحين أتى موسى - عليه السلام - إلى النار التى أبصرها، ﴿نودى من شاطىء
الواد الأيمن ﴾ أى سمع نداء من الجانب الأيمن بالنسبة له ، أى: لموسى وهو يسير إلى النار
التى رآها ، فمن لابتداء الغاية .
ويرى بعضهم أن المراد بالأيمن . أى : المبارك ، مأخوذ من اليمن بمعنى البركة .
وقوله : ﴿ فى البقعة المباركة﴾ متعلق بقوله ﴿نودى﴾ أو بمحذوف حال من الشاطىء.
وقوله : ﴿ من الشجرة) بدل اشتمال من شاطىء الوادى، فإنه كان مشتملا عليها .
والبقعة : اسم للقطعة من الأرض التى تكون غير هيئة القطعة المجاورة لها وجمعها بقع -
بضم الباء وفتح القاف - وبقاع .
ووصفت بالبركة : لما وقع فيها من التكليم والرسالة لموسى ، وإظهار المعجزات والآيات
على يديه .
(١) تفسير ابن كثير ج ٥ ص ٢٧٠.
٤٠٣
سورة القصص
أى : فلما اقترب موسى من النار ، نودى من ذلك المكان الطيب ، الكائن على يمينه وهو
يسير إليها . والمشتمل على البقعة المباركة من ناحية الشجرة .
ولعل التنصيص على الشجرة ، للإشارة إلى أنها كانت الوحيدة فى ذلك المكان .
و ﴿ أن﴾ فى قوله - تعالى -: ﴿ أن يا موسى إنى أنا الله رب العالمين) تفسيرية،
لأن النداء قول .
أى : نودى أن يا موسى تنبه وتذكر إنى أنا الله رب العالمين .
قال الإمام ابن كثير: وقوله - تعالى -: ﴿ أن يا موسى إنى أنا الله رب العالمين ﴾ أى:
الذى يخاطبك ويكلمك هو رب العالمين ، الفعال لما يشاء لا إله غيره . ولا رب سواه ، تعالى
وتقدس وتنزه عن مماثلة المخلوقات فى ذاته وصفاته وأقواله - سبحانه - :(١).
قوله - سبحانه -: ﴿وأن ألق عصاك﴾ معطوف على قوله ﴿ أن يا موسى ) فكلاهما
مفسر للنداء ، والفاء فى قوله ﴿ فلما رآها تهتز﴾ فصيحة.
والمعنى : نودى أن يا موسى إنى أنا لقه رب العالمين ، ونودى أن ألق عصاك ، فألقاها .
فلما رآها تهتز﴾ أى تضطرب بسرعة ﴿كأنها جان﴾ أى: كأنها فى سرعة حركتها وشدة
اضطرابها ﴿جان﴾ أى: ثعبان يدب بسرعة ويمرق فى خفة ولى مدبرا ولم يعقب. أى: ولى
هاربا خوفا منها ، دون أن يفكر فى العودة إليها . ليتبين ماذا بها ، وليتأمل ما حدث لها .
يقال : عقب المقاتل إذا كر راجعا إلى خصمه ، بعد أن فر من أمامه .
وهنا جاءه النداء مرة أخرى، فى قوله - تعالى - : ﴿ يا موسى أقبل ولا تخف إنك من
الآمنين ﴾
أى: يا موسى أقبل نحو المكان الذى كنت فيه ، ولا تخف مما رأيته ، إنك من عبادنا
الآمنين عندنا ، المختارين لحمل رسالتنا .
ثم أمره - سبحانه - بأمر آخر فقال: ﴿ اسلك يدك فى جيبك تخرج بيضاء من غير
سوء .. ﴾ .
ولفظ ﴿ اسلك ﴾ من السلك - بتشديد السين مع الفتح - بمعنى إدخال الشىء فى
الشىء .
أى : أدخل يدك يا موسى فى فتحة ثوبك ، تخرج بيضاء من غير سوء مرض أو عيب
واضمم إليك جناحك من الرهب ﴾ والجناح: اليد، والرهب: الخوف والفزع.
( ١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٢٤٤ .
٤٠٤
المجلد العاشر
والمقصود بالجملة الكريمة ﴿واضمم إليك جناحك من الرهب﴾ إرشاد موسى إلى
ما يدخل الطمأنينة على قلبه ، ويزيل خوفه .
والمعنى : افعل يا موسى ما أمرناك به ، فإذا أفزعك أمر يدك وما تراه من بياضها
وشعاعها ، فأدخلها فى فتحة ثوبك ، تعد إلى حالتها الأولى .
وإذا انتابك خوف عند معاينة الحية ، فاضمم يدك إلى صدرك ، يذهب عنك الخوف .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت ما معنى قوله: ﴿واضمم إليك جناحك من الرهب﴾؟
قلت : فيه معنيان ، أحدهما : أن موسى - عليه السلام - لما قلب اللّه العصا حية فزع
وإضطرب ، فاتقاها بيده ، كما يفعل الخائف من الشىء ، فقيل له : إن اتقاءك بيدك فيه
غضاضة - أى منقصة - عند الأعداء فإذا ألقيتها فعندما تنقلب حية ، فأدخل يدك تحت
عضدك مكان اتقائك بها ، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران : اجتناب ماهو غضاضة عليك ،
وإظهار معجزة أخرى .
والثانى: أن يراد يضم جناحه إليه ، تجلده وضبط نفسه ، وتشدده عند انقلاب العصا حية ،
حتى لا يضطرب ولا يرهب ... (١)
واسم الإشارة فى قوله ، فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه .. يعود إلى العصا
واليد . والتذكير لمراعاة الخبر وهو ﴿برهانان﴾ والبرهان: الحجة الواضحة النيرة التى تلجم
الخصم ، وتجعله لا يستطيع معارضتها . أى : فهاتان المعجزتان اللتان أعطيناك إياهما
يا موسى، وهما العصا واليد، حجتان واضحتان كائنتان ﴿ من ربك﴾ فاذهب بها إلى
﴿ فرعون وملئه﴾ لكى تبلغهم رسالتنا، وتأمرهم بإخلاص العبادة لنا.
إنهم ﴾ أى: فرعون وملئه ﴿ كانوا قوما فاسقين﴾ أى: خارجين من الطاعة إلى
المعصية . ومن الحق إلى الباطل .
وهنا تذكر موسى ما كان بينه وبين فرعون وقومه من عداوة ، فقال: ﴿ رب إنى قتلت
منهم نفسا فأخاف أن يقتلون ﴾ إذا ذهبت إليهم بهذه الآيات . وهو عليه السلام - لا يقول
ذلك ، هروبا من تبليغ رسالة الله - تعالى - وإنما ليستعين برعايته - عز وجل - وبحفظه .
عندما يذهب إلى هؤلاء الأقوام الفاسقين .
ثم أضاف إلى ذلك قوله : ﴿وأخى هارون هو أفصح منى لسانا﴾ أى هو أقدر منى على
المدافعة عن الدعوة وعلى تبيان الحق وتوضيحه .
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٤٠٨ .
٤٠٥
سورة القصص
فأرسله معى ردءا يصدقنى ، إنى أخاف أن يكذبون ﴾ والردء : العون والنصير .
يقال : ردأته على عدوه وأرداته ، إذا أعنته عليه . وردأت الجدار إذا قويته بما يمنعه من أن
ينقض .
أى : فأرسل أخى هارون معى إلى هؤلاء القوم، لكى يساعدنى ويعينى على تبليغ
رسالتك . ويصدقنى فيما سأدعوهم إليه، ويخلفنى إذا ما اعتدى على. ﴿إنى أخاف أن
يكذبون ﴾ إذا لم يكن معى أخى هارون يعيننى ويصدقنى.
والمتأمل فى هذا الكلام الذى ساقه الله - تعالى - على لسان موسى - عليه السلام -
يرى فيه إخلاصه فى تبليغ رسالة ربه ، وحرصه على أن يؤتى هذا التبليغ ثماره الطيبة على أكمل
صورة ، وأحسن وجه .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت تصديق أخيه ما الفائدة فيه ؟
قلت : ليس الغرض بتصديقه أن يقول له صدقت ، أو يقول للناس صدق أخى ، وإنما هو
أن يلخص بلسانه الحق ، ويبسط القول فيه ، ويجادل به الكفار كما يصدق القول بالبرهان .
وفضل الفصاحة إنما يحتاج إليه لذلك ، لا لقوله : صدقت ، فإن سحبان وباقلا يستويان فيه (١)
ثم حكى القرآن بعد ذلك ، أن الله - تعالى - قد أجاب لموسى رجاءه فقال: ﴿ قال
سنشد عضدك بأخيك ﴾ .
شد العضد : كناية عن التقوية له ، لأن اليد تشتد وتقوى ، بشدة العضد وقوته . وهو من
المرفق إلى الكتف .
أى قال - سبحانه - لقد استجبنا لرجائك يا موسى ، وسنقويك ونعينك بأخيك
ونجعل لكما﴾ بقدرتنا ومشيئتنا ﴿سلطانا﴾ أى: حجة وبرهانا وقوة تمنع الظالمين ﴿ فلا
يصلون إليكما ﴾ بأذى ولا يتغلبان عليكما بحجة.
وقوله ﴿بآياتنا﴾ متعلق بمحذوف. أى: فوضا أمركما إلى، واذهبا إلى فرعون وقومه
بآياتنا الدالة على صدقكما .
وقوله - تعالى -: ﴿ أنتما ومن اتبعكما الغالبون﴾ مؤكد لمضمون ما قبله . من تقوية
قلب موسى ، وتبشيره بالغلبة والنصر على أعدائه .
أى : أجبنا طلبك يا موسى ، وسنقويك بأخيك ، فسيرا إلى فرعون وقومه ، فسنجعل لكما
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٤١٠.
٤٠٦
المجلد العاشر
الحجة عليهم . وستكونان أنتما ومن اتبعكما من المؤمنين أصحاب الغلبة والسلطان على فرعون
وجنده .
ونفذ موسى وهارون - عليهما السلام - أمر ربهما - عز وجل - فذهبا إلى فرعون ليبلغاه
دعوة الحق ، وليأمراه بإخلاص العبادة لله - تعالى - .
وتحكى الآيات الكريمة بعد ذلك ما دار بين موسى وبين فرعون وقومه من محاورات
ومجادلات ، انتهت بانتصار الحق، وهلاك الباطل .. تحكى الآيات كل ذلك فتقول :
فَلَمَّا جَآءَ هُم ◌ُوسَى بِثَايَِنَا بَفِنَتِ قَالُواْمَا هَذَا إِلََّ سِحْرٌ
مُفْتَرَى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىّ ◌َابَآَبِنَا الْأَوَّلِينَ (*) وَقَالَ
مُوسَى رَبِّ أَعْلَمُ بِمَن جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ، وَمَن تَكُونُ
لَهُ عَقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ وَقَالَ فِرْعَوْنُ
يَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ
لِي يَهَمَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل ◌ِ صَرْحًا لَّعَلِّ أَطَّلِعُ إِلَ
إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّ لَأَظْتُّهُ مِنَ الْكَذِبِينَ () وَأَسْتَكْبَرَ
هُوَ وَجُنُودُهُ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوَاْأَنَّهُمْ إِلَيْنَا
لَا يُرْجَعُونَ ﴿﴿ فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ، فَنَبَذْنَهُمْ فِى
اَلْيَوِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الظَّلِينَ))
وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيمَةِ
لَايُصَرُونَ ﴿ وَأَتْبَعْنَهُمْ فِ هَذِهِ الدُّنْا لَمْنَةٌ
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ ، وَلَقَدْءَانِيْنَا
٠
٤٠٧
سورة القصص
مُؤَسَى الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُوْلَى
٤٣
بَصَابِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
والمراد بالآيات فى قوله - تعالى - ﴿ فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات﴾: العصا واليد.
وجمعهما تعظيم لشأنهما ، ولاشتمال كل واحدة منها على دلائل متعددة على صدق موسى - عليه
السلام - فيما جاء به من عند ربه - تعالى - .
والمعنى : ووصل موسى إلى فرعون وقومه ، ليأمرهم بعبادة الله وحده ، فلما جاءهم
بالمعجزات التى أيدناه بها ، والتى تدل على صدقه دلالة واضحة .
قالوا﴾ له على سبيل التبجح والعناد ﴿ ما هذا إلا سحر مفترى﴾ أى: قالوا له:
ما هذا الذى جئت به يا موسى إلا سحر أتيت به من عند نفسك .
ثم أكدوا قولهم الباطل هذا بآخر أشد منه بطلانا ، فقالوا - كما حكى القرآن عنهم - :
وما سمعنا بهذا فى آبائنا الأولين ﴾ .
أى: وما سمعنا بهذا الذى جئتنا به يا موسى، من الدعوة إلى عبادة الله وحده ومن
إخبارك لنا بأنك نبى .. ما سمعنا بشىء من هذا كائنا أو واقعا فى عهد آبائنا الأولين وقولهم
هذا يدل على إعراضهم عن الحق ، وعكوفهم على ما ألقوه بدون تفكر أو تدبر وقد رد عليهم
موسى ردا منطقيا حكيما ، حكاه القرآن فى قوله: ﴿وقال موسى ربى أعلم بمن جاء بالهدى
من عنده .. ﴾ .
أى : وقال موسى فى رده على، فرعون وملئه : ربى الذى خلقنى وخلقكم ، أعلم منى
ومنكم بمن جاء بالهدى والحق من عنده ، وسيحكم بينى وبينكم بحكمه العادل .
ولم يصرح موسى - عليه السلام - بأنه يريد نفسه ، بالإتيان بالهداية لهم من عند الله -
تعالى - ليكفكف من عنادهم وغرورهم ، وليرخى لهم حبل المناقشة ، حتى يخرس ألسنتهم عن
طريق المعجزات التى أ يده الله - تعالى - بها .
وقوله: ﴿ومن تكون له عاقبة الدار﴾ معطوف على ما قبله .
أى: وربى - أيضا - أعلم منى ومنكم بمن تكون له النهاية الحسنة ، والعاقبة الحميدة .
قال الألوسى : وقوله: ﴿ومن تكون له عاقبة الدار ) وهى الدنيا، وعاقبتها أن يختم
للإنسان بها، بما يقضى به إلى الجنة بفضل الله - تعالى - وكرمه.(١)
(١) تفسير الآلوسى ج ٢٠ ص ٧٩ .
٤٠٨
المجلد العاشر
تذييل قصديه بيان ستة من سننه
وقوله - سبحانه - ﴿ إنه لا يفلح الظالمون
- تعالى - التى لا تتخلف أى إنه - سبحانه - قد اقتضت سنته أن لا يفوز الظالمون بمطلوب
بل الذين يفوزون بالعاقبة الحميدة هم الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا .
ولكن هذا الرد المهذب الحكيم من موسى - عليه السلام - ، لم يعجب فرعون المتطاول
المغرور فأخذ فى إلقاء الدعاوى الكاذبة ، التى حكاها القرآن عنه فى قوله : ﴿وقال فرعون
يأيها الملأ ما علمت لكم من إله غيرى ﴾ .
أى: وقال فرعون لقومه - على سبيل الكذب والفجور - يأيها الأشراف من أتباعى .
إنى ما علمت لكم من إله سواى .
وقوله هذا يدل على ما بلغه من طغيان وغرور ، فكأنه يقول لهم : إنى لم أعلم بأن هناك
إلها لكم سواى ، ومالا أعلمه فلا وجود له .
وقد قابل قومه هذا الهراء والهذيان ، بالسكوت والتسليم ، شأن الجهلاء الجبناء وصدق الله
(١)
إذ يقول : ﴿ فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين
ثم تظاهر بعد ذلك بأنه جاد فى دعواه أمام قومه بأنه لا إله لهم سواه ، وأنه حريص على
معرفة الحقيقة ، فقال لوزيره هامان: ﴿فأوقد لى يا هامان على الطين فاجعل لى صرحا لعلى
أطلع إلى إلَه موسى ﴾
والصرح : البناء الشاهق المرتفع . أى : فاصنع لى يا هامان من الطين آجرا قويا ، ثم
هيىء لى منه بناء عاليا مكشوفا . أصعد عليه ، لعلى أرى إله موسى من فوقه . والمراد بالظن
فى قوله: ﴿وإنى لأظنه من الكاذبين ) اليقين. أى: وإنى لمتيقن أن موسى من الكاذبين فى
دعواه أن هناك إلها غيرى .. فى هذا الكون .
وهكذا . استخف فرعون بعقول قومه الجاهلين الجبناء ، فأفهمهم أنه لا إله لهم سواه ، وأن
موسى كاذب فيما ادعاه .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - ﴿وقال فرعون يا هامان ابن لى صرحا لعلى أبلغ
الأسباب . أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى . وإنى لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون
سوء عمله، وصد عن السبيل . وماكيد فرعون إلا فى تباب ﴾.(٢)
قال ابن كثير : وذلك لأن فرعون ، بنى هذا الصرح ، الذى لم ير فى الدنيا بناء أعلى منه ،
(١) سورة الزخرف الآية ٥٤ .
(٢) سورة غافر الآيتان ٣٧،٣٦.
٤٠٩
سورة القصص
وإنما أراد بهذا أن يظهر لرعيته ، تكذيب موسى فيما قاله من أن هناك إلها غير فرعون . ولهذا
قال: ﴿وإنى لأظنه من الكاذبين) أى: فى قوله إن ثم ربا غيرى.(١)
ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت فرعون على هذا القول الساقط الكاذب ،
فقال: ﴿واستكبر هو وجنوده فى الأرض بغير الحق ، وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون﴾.
والاستكبار : التعالى والتطاول على الغير بحمق وجهل . أى : وتعالى فرعون وجنوده فى
الأرض التى خلقناها لهم ، دون أن يكون لهم أى حق فى هذا التطاول والتعالى ، وظنوا
واعتقدوا أنهم إلينا لا يرجعون ، لمحاسبتهم ومعاقبتهم يوم القيامة .
فماذا كانت نتيجة ذلك التطاول والغرور ، والتكذيب بالبعث والحساب ؟ لقد كانت نتيجته
كما قال - تعالى - بعد ذلك: ﴿ فأخذناه وجنوده فنبذناهم فى اليم ﴾.
والنبذ : الطرح والإهمال للشىء لحقارته وتفاهته .
أى : فأخذنا فرعون وجنوده بالعقاب الأليم أخذا سريعا حاسما فألقينا بهم فى البحر ، كما
يلقى بالنواة أو الحصاة التى لا قيمة لها ، ولا اعتداد بها .
فانظر﴾ أيها العاقل نظر تدبر واعتبار ﴿ كيف كان عاقبة الظالمين﴾؟ لقد كانت
عاقبتهم الإِغراق الذى أزهق أرواحهم واستأصل باطلهم .
وجعلناهم ﴾ أى: فرعون وجنوده، ﴿أئمة ﴾ فى الكفر والفسوق والعصيان بسبب
أنهم ﴿ يدعون﴾، غيرهم إلى ما يوصل ﴿ إلى النار﴾ وسعيرها والاحتراق بها .
ويوم القيامة لا ينصرون﴾ أى: ويوم القيامة لا يجدون من ينصرهم، بأن يدفع
العذاب عنهم بأية صورة من الصور .
وأتبعناهم فى هذه الدنيا﴾ التى قضوا حياتهم فيها فى الكفر والضلال ، أتبعناهم فيها
لعنة ﴾ أى: طردا وإبعادا عن رحمتنا .
﴿ ويوم القيامة هم من المقبوحين﴾ والشىء المقبوح: هو المطرود المبعد عن كل خير .
أى : وهم يوم القيامة - أيضا - من المبعدين عن رحمتنا ، بسبب كفرهم وفسوقهم .
والتعبير بقوله - سبحانه -: ﴿ويوم القيامة هم من المقبوحين ﴾ يتناسب كل التناسب
مع ما كانوا عليه فى الدنيا من تطاول وغرور واستعلاء .
(١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٢٤٨ .
٤١٠
المجلد العاشر
فهؤلاء الذين كانوا فى الدنيا كذلك ، صاروا فى الآخرة محل الازدراء وقبح الهيئة والاشمئزاز
من كل عباد اله المخلصين .
ثم ختم - سبحانه - قصة موسى ببيان جانب مما منحه - عز وجل - له من نعم فقال :
ولقد آتينا موسى الكتاب ﴾ أى آتيناه التوراة لتكون هداية ونورا ﴿ من بعدما أهلكنا
القرون الأولى ﴾ أى: أنزلنا التوراة على موسى، من بعد إهلاكنا للقرون الأولى من الأقوام
المكذبين ، كقوم نوح وهود وصالح وغيرهم .
قال الآلوسى: (( والتعرض لبيان كون إيتائها بعد إهلاكهم للإشعار بأنها نزلت بعد مساس
الحاجة إليها ، تمهيدا لما يعقبه من بيان الحاجة الداعية إلى إنزال القرآن الكريم على رسول
انه -* - فإن إهلاك القرون الأولى. من موجبات اندراس معالم الشرائع ، وانطاس
آثارها ، المؤديين إلى اختلال نظام العالم وفساد أحوال الأمم وكل ذلك يستدعى تشريعا
جديدا .(١)
وقوله - تعالى - ﴿ بصائر للناس وهدى ورحمة﴾ منصوب على أنه مفعول لأجله أو حال
أى : آتيناه التوراة من أجل أن تكون أنوارا لقلوبهم يبصرون بها الحقائق ، كما يبصرون
بأعينهم المرئيات ، ومن أجل أن تكون هداية لهم إلى الصراط المستقيم ، ورحمة لهم من
العذاب .
وقوله - سبحانه - ﴿ لعلهم يتذكرون﴾ تعليل لهذا الإِيتاء ، وحض لهم على الشكر.
أى آتيناهم الكتاب الذى عن طريقه يعرفون الحق من الباطل .. كى يكونوا دائما
متذكرين لنعمنا ، وشاكرين لنا على هدايتنا لهم ورحمتنا بهم .
وإلى هنا نرى السورة الكريمة ، قد حدثتنا عن جوانب متعددة من حياة موسى - عليه
السلام - .
حدثتنا عن رعاية الله - تعالى - له حيث أراد له أن يعيش فى بيت فرعون وأن يحظى
برعاية امرأته ، وأن يعود بعد ذلك إلى أمه كى تقر عينها به ، دون أن يصيبه أذى من فرعون
الذى كان يذبح الذكور من بنى إسرائيل ويستحبى نساءهم .
ثم حدثتنا عن رعاية الله - تعالى - له ، بعد أن بلغ أشده واستوى ، حيث نجاه من القوم
الظالمين ، بعد أن قتل واحدا منهم .
ثم حدثتنا عن رعاية الله - تعالى - له ، بعد أن خرج من مصر خائفا يترقب متجها إلى
(١) تفسير الآلوسى ج ٢٠ ص ٨٤ .
٤١١
سورة القصص
قرية مدين ، التى قضى فيها عشر سنين أجيرا عند شيخ كبير من أهلها .
ثم حدثتنا عن رعاية الله - تعالى - له ، بعد أن قضى تلك المدة ، وسار بأهله متجها إلى
مصر ، وكيف أن الله - تعالى - أمره بتبليغ رسالته إلى فرعون وقومه ، وأنه - عليه السلام؛-
قد لبى أمر ربه - سبحانه - وبلغ رسالته على أتم وجه وأكمله ، فكانت العاقبة الطيبة له ولمن
آمن به ، وكانت النهاية الأليمة لفرعون وجنوده .
وهكذا طوفت بنا السورة الكريمة مع قصة موسى - عليه السلام - ذلك التطواف الذى
نرى فيه رعاية الله - تعالى - لموسى ، وإعداده لحمل رسالته ، كما نرى فيه نماذج متنوعة
لأخلاقه الكريمة ، ولهمته العالية ، ولصبره على تكاليف الدعوة ، ولسنن الله - تعالى - فى
خلقه ، تلك السنن التى لا تتخلف فى بيان أن العاقبة الحسنة للمتقين ، والعاقبة القبيحة
للكافرين والفاسقين .
ثم بدأت السورة بعد ذلك فى تسلية الرسول -* - ، وفى بيان أن هذا القرآن من عند
اللّه، وفى بيان جانب من شبهات المشركين، ثم تلقين الرسول -# - الرد المزهق لها ..
لنستمع إلى الآيات الكريمة التى تحكى لنا بأسلوبها البليغ ، هذه المعانى وغيرها فتقول :
وَمَا كُنْتَ بِجَانِ الْغَرْبِيِّ إِذْقَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَاكُنْتَ
مِنَ الشَّهِدِينَ ﴿ وَلَكِنَّا أَنشَأْنَاقُرُونَا فَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ
اَلْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَوِيًّا فِى أَهْلِ مَدْيَنَ تَنْلُواْ عَلَيْهِمْ
ءَايَتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِنَ ﴿ وَمَاكُنْتَ بِحَانٍِ
اُلْطُورِ إِذْنَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةٌ مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا
مَّ أَتَّهُمْ مِن تَّذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾
٤٦
وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَاقَدَّمَتْ أَيْدِيِهِمْ فَيَقُولُواْ
رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَتَتَّبِعَ ءَايَئِكَ وَتَكُونَ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَلَمَّا جَآءَ هُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ
٤١٢
المجلد العاشر
لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوِى مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُواْبِمَا أُوِيَ
مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوَ إِنَّا بِكُلِ كَفِرُونَ
قُلْ فَأَتُواْ بِكِتَبٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَأَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّعْهُ
٤٨
إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿٨) فَإِ لَّمْ يَسْتَجِيبُواْلَكَ فَاعْلَمْ
أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَ هُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ آَتَّبَعَ هَوَئُهُ بِغَيْرِ
هُدَّى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
٥٠
وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ أَلْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَنَذَّكُرُونَ
والخطاب فى قوله - تعالى - : ﴿ وما كنت بجانب الغربى .. ﴾ للرسول - ﴾ -
والمراد بجانب الغربى : الجانب الغربى لجبل الطور الذى وقع فيه الميقات ، وفيه تلقى موسى
التوراة من ربه - تعالى - .
أى : وما كنت - أيها الرسول الكريم - حاضرا فى هذا المكان ، ﴿إذ قضينا إلى موسى
الأمر ﴾ أى، وقت أن كلفناه بحمل رسالتنا، وأنزلنا إليه التوراة ، لتكون هداية ونورا له
ولقومه .
{ وما كنت﴾ أيضا - أيها الرسول الكريم - ﴿من الشاهدين) لذلك ، حتى تعرف
حقيقة ما كلفنا به أخاك موسى ، فتبلغه للناس عن طريق المشاهدة .
فالمقصود بالآية بيان أن ما بلغه الرسول - * - للناس عن أخبار الأولين ، إنما بلغه عن
طريق الوحى الذى أوحاه الله - تعالى - إليه ، وليس عن طريق آخر .
قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : يقول - تعالى - منبها على برهان نبوة
محمد -* - حيث أخبر بالغيوب الماضية خبرا كأن سامعه شاهد وراء لما تقدم ، وهو رجل
أمى لا يقرأ شيئا من الكتب ، نشأ بين قوم لا يعرفون شيئا من ذلك ، كما أنه لما أخبره عن
مريم وما كان من أمرها ، قال - تعالى -: ﴿ وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل
(١)
مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون
٠
(١) سورة آل عمران الآية ٤٤.
:
٤١٣
.
سورة القصص
ثم قال - تعالى -: ﴿ تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ، ما كنت تعلمها أنت
ولا قومك من قبل هذا فاصبر ﴾.(١)
وقوله - سبحانه -: ﴿ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر ﴾ بيان الأسباب التى
من أجلها قص الله - تعالى - على نبيه -* - أخبار الأمم السابقة .
أى : أنت أيها الرسول الكريم - لم تكن معاصرا لتلك الأحداث ولكن أخبرناك بها عن
طريق الوحى ، والسبب فى ذلك أن بينك وبين موسى وغيره من الأنبياء أزمانا طويلة ، تغيرت
فيه الشرائع والأحكام ، وعميت على الناس الأنباء ، فكان من الخير والحكمة أن نقص عليك
أخبار السابقين بالحق الذى لا يحوم حوله باطل ، حتى يعرف الناس الأمور على وجهها
الصحيح .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف يتصل قوله: ﴿ ولكنا أنشأنا قرونا ﴾ بهذا
الكلام ؟
قلت : اتصاله به وكونه استدراكا له ، من حيث إن معناه : ولكنا أنشأنا بعد عهد الوحى
إلى عهدك قرونا طويلة ﴿ فتطاول﴾ على آخرهم: وهو القرن الذى أنت فيهم
العمر ﴾ .
أى : أمد انقطاع الوحى، واندرست العلوم، فوجب إرسالك إليهم ، فأرسلناك
وأكسبناك - أى : وأعطيناك - العلم بقصص الأنبياء .. فذكر سبب الوحى الذى هو إطالة
الفترة ودل به على المسبب ، على عادة الله - تعالى - فى اختصاراته(٢)
وقوله - سبحانه - : ﴿ وما كنت ثاويا فى أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ﴾ مؤكدة لمضمون
ما قبله. من عدم معرفة الرسول - ﴿﴿ - لأخبار السابقين إلا عن طريق الوحى .
وقوله : ﴿ثاويا﴾ من الثواء بمعنى الإقامة . يقال: ثوى فلان بالمكان يثوى ثواء فهو
ثاو ، إذا أقام فيه . والمثوى : المنزل ، ومنه الأثر القائل : أصلحوا مثاويكم ، أى : منازلكم .
أى : وما كنت - أيها الرسول الكريم - مقيما فى أهل مدين ، وقت تلاوتك على أهل مكة
المكرمة ، قصة موسى والشيخ الكبير وما جرى بينهما ، حتى تنقلها إليهم بطريق المشاهدة وإنما
أنت أخبرتهم بها عن طريق وحينا الصادق المتمثل فيما أنزلناه عليك من آيات القرآن
البينات .
(١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٢٤٩ .
( ٢) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٤١٧ .
٤١٤
المجلد العاشر
فالضمير فى قوله ﴿تتلو عليهم﴾ يعود على أهل مكة. والجملة حالية.
ويرى أكثر المفسرين أن الضمير لأهل مدين ، أى وما كنت مقيما فى أهل مدين ، تقرأ
عليهم آياتنا ، وتتعلم منهم ، والجملة حالية - أيضا - أو خبر ثان .
وعلى كلا التفسيرين فالمقصود بالجملة الكريمة إثبات أن ما أخبر به الرسول - # - عن
الأولين ، إنما هو عن طريق الوحى ليس غير .
وقوله - سبحانه -: ﴿ولكنا كنا مرسلين ﴾ أى: ولكنا كنا مرسلين لك ، وموحين إليك
بتلك الآيات وفيها ما فيها عن أخبار الأولين . لإحقاق الحق وإبطال الباطل .
ثم ساق - سبحانه - ما يؤكد هذه المعانى تأكيدا قويا ، حتى يخرس ألسنة الكافرين ،
فقال - تعالى -: ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ﴾.
أى وما كنت - أيضا أيها الرسول الكريم - بجانب الجبل المسمى بالطور وقت أن نادينا
موسى ، وكلفناه بحمل رسالتنا ، وأعطيناه التوراة ، وأوحينا إليه بما أوحينا من أحكام
وتشريعات .
وقوله - تعالى -: ﴿ولكن رحمة من ربك ﴾ أى : ولكن فعلنا ما فعلنا ، بأن أرسلناك
إلى الناس ، وقصصنا عليك ما نريده من أخبار الأولين ، من أجل رحمتنا بك وبالناس ، حتى
يعتبروا ويتعظوا بأحوال السابقين ، فالعاقل من اتعظ بغيره .
فقوله - تعالى -: ﴿رحمة) منصوب على أنه مفعول لأجله، أو على المصدرية .
وقوله - سبحانه -: ﴿لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك ﴾ متعلق بالفعل المعلل
بالرحمة ، والمراد بالقوم: أهل مكة وغيرهم ممن بعث الرسول - # - إليهم .
وجملة ﴿ما أتاهم من نذير من قبلك﴾ صفة لقوله ﴿قوما﴾ و﴿ ما﴾ موصولة مفعول
ثان لتنذر، وقوله: ﴿ من نذير﴾ متعلق.
أى : أرسلناك رحمة ، لتنذر قوما العقاب الذى أتاهم من نذير من قبلك ، وكما قال -
تعالى -: ﴿ وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ﴾.
ويصح أن تكون ﴿ ما) نافية و﴿ من﴾ فى قوله ﴿من نذير ﴾ للتأكيد، فيكون
المعنى : أرسلناك رحمة لتنذر هؤلاء المشركين من أهل مكة الذين لم يأتهم نذير من قبلك منذ
أزمان متطاولة . إذ الفترة التى بينك وبين أبيهم إسماعيل تزيد على ألفى سنة .
ورسالة إسماعيل إليهم قد اندرست معالمها ، فكانت الحكمة والرحمة تقتضيان إرسالك إليهم
لتنذرهم سوء عاقبة الشرك .
٤١٥
سورة القصص
أما معظم الرسل من قبلك - کموسى وعيسى وزكريا ويحيى وداود وسليمان فكانت مع
تباعد زمانها عنك - أيضا - إلى غيرهم من بنى إسرائيل ، ومن الأمم الأخرى . المتناثرة فى
أطراف الجزيرة العربية .
فالمراد بالقوم على هذا الرأى : العرب المعاصرون له - # - كما قال - تعالى - :
لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون
ولعل هذا الرأى أقرب إلى سياق الآيات ، وإلى إقامة الحجة على مشركى قريش ، الذين
وقفوا من الرسول -# - موقف المكذب لرسالته ، المعادى لدعوته .
وقوله - سبحانه -: ﴿ لعلهم يتذكرون﴾ تذييل قصد به حضهم على التذكر والاعتبار .
أى : أرسلناك إليهم كى يتذكروا ما ترشدهم إليه ، ويعتبروا بما جئتهم به ، ويخشوا سوء
عاقبة مخالفة إنذارك لهم .
ثم أبطل - سبحانه - ما يتعللون به من معاذير فقال: ﴿ولولا أن تصيبهم مصيبة بما .
قدمت أيديهم ، فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين ﴾ .
و﴿ لولا ﴾ الأولى: امتناعية، تدل على امتناع الجواب لوجود الشرط، وجوابها
محذوف لدلالة الكلام عليه، و((أن)) وما فى حيزها فى محل رفع بالابتداء .
و﴿لولا﴾ الثانية: تحضيضية، وجوابا قوله ﴿فنتبع آياتك .. ﴾ وجملة ﴿فيقولوا﴾
عطف على ﴿ أن تصيبهم﴾ ومن جملة مافى حيز ﴿لولاً﴾ الأولى.
والمعنى: ولولا أن تصيب هؤلاء المشركين ﴿مصيبة﴾ أى عقوبة شديدة . بسبب اقترافهم
الكفر والمعاصى ﴿ فيقولوا﴾ على سبيل التعلل عند نزول العقوبة بهم ﴿ربنا﴾ أى:
ياربنا هلا أرسلت إلينا رسولا من عندك ﴿فنتبع آياتك ﴾ الدالة على صدقه ﴿ ونكون من
المؤمنين ) به وبما جاء به من آيات من عندك .
أى: ولولا قولهم هذا، وتعللهم بأنهم ما حملهم على الكفر ، إلا عدم مجىء رسول إليهم
يبشرهم وينذرهم .. لولا ذلك لما أرسلناك إليهم ، ولكنا أرسلناك إليهم لنقطع حجتهم ، ونزيل
تعللهم ، ونثبت لهم أن استمرارهم على كفرهم - بعد إرسالك إليهم ، كان بسبب عنادهم
وجحودهم ، واستحواذ الشيطان عليهم .
قال الإمام ابن كثير : قوله - تعالى -: ﴿ولولا أن تصيبهم مصيبة﴾ أى: وأرسلناك
إليهم - يا محمد لتقيم عليهم الحجة ، ولتقطع عذرهم إذا جاءهم عذاب من اللّه بسبب
كفرهم ، فيحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول ولا نذير ، كما قال - تعالى - بعد ذكره إنزال كتابه
٤١٦
المجلد العاشر
المبارك وهو القرآن: ﴿ أن تقولوا: إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا، وإن كنا عن
دراستهم لغافلين . أو تقولوا : لو أنا أنزل إلينا الكتاب لكنا أهدى منهم ، فقد جاءكم بينة من
ربکم وهدی ورحمة ﴾ .. (١)
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك موقفهم بعد مجىء الرسول -# - إليهم فقال: ﴿ فلما
جاءهم الحق من عندنا قالوا : لولا أوتى مثل ما أوتى موسى ﴾ .
أى : ظل مشركو قريش أزمانا متطاولة دون أن يأتيهم رسول ينذرهم ويبشرهم ﴿ فلما
جاءهم الحق من عندنا﴾ متمثلا فى رسولنا محمد - * - وفيما أيدناه به من معجزات دالة
على صدقه ، وعلى رأسها القرآن الكريم .
لما جاءهم هذا الرسول الكريم ﴿ قالوا﴾ على سبيل التعنت والجحود: هلا أوتى هذا
الرسول مثل ما أوتى موسى ، من توراة أنزلت عليه جملة واحدة ومن معجزات حسية منها
العصا واليد والطوفان ، والجراد ... إلخ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أو لم يكفروا بما أوتى موسى من قبل .. ﴾ رد عليهم لبيان أن
ما قالوه هو من باب العناد والتعنت ، والاستفهام لتقرير كفرهم وتأكيده .
أى : قالوا ما قالوا على سبيل الجحود ، والحال أن هؤلاء المشركين كفروا كفرا صريحا بما
أعطاه الله - تعالى - لموسى من قبلك - يا محمد - من معجزات ، كما كفروا بالمعجزات التى
جئت بها من عند ربك ، فهم ديدنهم الكفر بكل حق .
ثم حكى - سبحانه - بعض أقوالهم الباطلة فقال: ﴿ قالوا سحران تظاهرا ، وقالوا إنا
بكل كافرون
وقوله : ﴿سحران) خبر لمبتدأ محذوف. أى: قالوا ما يقوله كل مجادل بغير علم:
هما - أى ما جاء به موسى وما جاء به محمد - عليهما الصلاة والسلام، ﴿سحران
تظاهرا﴾ أى: تعاونا على إضلالنا، وإخراجنا عن ديننا، وقالوا - أيضا - ﴿إنا بكل﴾
أى بكل واحد مما جاءوا به ﴿كافرون﴾ كفرا لا رجوع معه إلى ما جاء به هذان النبيان -
عليهما الصلاة والسلام - .
قال الآلوسي: وقوله: ﴿ قالوا﴾ استئناف مسوق لتقرير كفرهم المستفاد من الإنكار
السابق ، وبيان كيفيته ، و﴿ سحران ﴾، يعنون بهما ما أوتى نبينا وما أوتى موسى ..
( ١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٢٥١ .
٤١٧
سورة القصص
تظاهرا﴾ أى: تعاونا بتصديق كل واحد منهما الآخر ، وتأييده إياه ، وذلك أن أهل مكة
بعثوا رهطا منهم إلى رؤساء اليهود فى عيد لهم، فسألوهم عن شأنه - * - فقالوا : إنا
نجده فى التوراة بنعته وصفته ، فلما رجع الرهط وأخبروهم بما قالت اليهود . قالوا ذلك .
وقرأ الأكثرون ﴿ قالوا ساحران تظاهرا﴾ وأرادوا بهما محمد وموسى - عليهما الصلاة
والسلام -(١) .
ثم أمر الله - تعالى - رسوله - - أن يتحداهم ، وأن يفحمهم بما يخرس ألسنتهم
فقال: ﴿ قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين ﴾.
أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين: لقد أنزل الله - تعالى - على
موسى التوراة . وأنزل القرآن على ، وأنا مؤمن بهما كل الإِيمان ، فإن كنتم أنتم مصرون على
·كفركم ﴿ فأتوا بكتاب من عند الله، هو أهدى منها ﴾ أى هو أوضح منها وأبين فى الإِرشاد
إلى الطريق المستقيم .
وقوله ﴿ أتبعه ) مجزوم فى جواب الأمر المحذوف، أى: إن تأتوا به أتبعه .. ﴿إن كنتم
صادقين ) فى زعمكم أن القرآن والتوراة نوع من السحر .
فالآية الكريمة تتهكم بهم ، وتسخر منهم ، بأسلوب بديع معجز ، لأنه من المعروف لكل
عاقل أنهم ليس فى استطاعتهم - ولا فى استطاعة غيرهم - أن يأتوا بكتاب . أهدى من
الكتابين اللذين أنزلها - سبحانه - على نبيين كريمين من أنبيائه ، هما موسى ومحمد - عليهما
الصلاة والسلام - .
ولذا قال صاحب الكشاف ما ملخصه : وهذا الشرط يأتى به المدل بالأمر المتحقق لصحته ،
لأن امتناع الإتيان بكتاب أهدى من الكتابين . أمر معلوم متحقق . لا مجال فيه للشك ، ويجوز
أن يقصد بحرف الشك التهكم بهم (٢) .
وقوله - سبحانه -: ﴿ فإن لم يستجيبوا لك ﴾ زيادة فى تثبيت قلب النبى - * -
وتسليته عما أصابه منهم من أذى .
أى : فإن لم يفعلوا ما تحديتهم به ، من الإِتيان بكتاب هو أهدى من الكتابين .
فاعلم ﴾ - أيها الرسول الكريم - ﴿ أنما يتبعون أهواءهم ) الباطلة، وشهواتهم
الزائفة ، عندما يجادلونك فى شئون دعوتك .
(١) تفسير الآلوسى ح ٢٠ ص ٩١ .
( ٢) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٤٢٠ .
٤١٨
المجلد العاشر
والاستفهام فى قوله: ﴿ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله .. ﴾ للنفى
والإِنكار .
أى : ولا أحد أضل ممن اتبع هواه وشيطانه ، دون أن تكون معه هداية من الله - تعالى -
تهديه إلى طريق الحق ، لأن هذا الضال قد استحب العمى على الهدى . وآثر الغواية على
الرشد .
وقوله - سبحانه -: ﴿ إن الله لا يهدى القوم الظالمين) تذييل مبين لسنة الله -
تعالى - فى خلقه .
أى : إنه - سبحانه - جرت سنته أن لا يهدى القوم الظالمين إلى طريق الحق بسبب
إصرارهم على الباطل ، وتجاوزهم لكل حدود الحق والخير .
ثم أكد - سبحانه - قطع أعذارهم وحججهم بقوله : ﴿ولقد وصلنا لهم القول ، لعلهم
يتذكرون ﴾.
وقوله. ﴿وصلنا﴾ من الوصل الذى هو ضد القطع، والتضعيف فيه للتكثير .
أى : ولقد أنزلنا هذا القرآن عليك - أيها الرسول الكريم - متتابعا، وأنت أوصلته إليهم
كذلك ، ليتصل تذكيرك لهم ، عن طريق ما اشتمل عليه من عقائد وآداب وأحكام وقصص .
لعلهم يتذكرون﴾ أى: ليكون ذلك أقرب إلى تذكرهم وتعقلهم وتدبرهم، لأن
استماعهم فى كل يوم . أو بين الحين والحين إلى جديد منه ، أدعى إلى تذكرهم واعتبارهم .
فالمقصود بالآية الكريمة . قطع كل حجة لهم، وبيان أن القرآن الكريم قد أنزله -
سبحانه - متتابعا ولم ينزله جملة واحدة ، لحكم من أعظمها اتصال التذكير بهداياته بين حين
وآخر ، على حسب ما يجد فى المجتمع من أحداث .
وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد أقامت ألوانا من الحجج والبراهين ، على صدق
النبى -# - فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن هذا القرآن من عند الله ، كما حكت جانبا من
شبهات المشركين ، وردت عليها بما يبطلها .
ثم تمدح السورة الكريمة بعد ذلك ، طائفة من أهل الكتاب ، استقامت قلوبهم ، وخلصت
نفوسهم من العناد ، فاستقبلوا آيات الله - تعالى - ومن جاء بها استقبالا يدل على صدق
إيمانهم ، فقال - تعالى - :
٤١٩
سورة القصص
الَّذِينَ
ءَانْتَهُمُ الْكِتَبَ مِنْ قَبْلِهِ، هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴿٥) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ
قَالُوَاْءَامَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّاكُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ
٥٣
أُوْلَئِكَ يُؤْتَونَ أَجْرَهُمْ مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبِرُواْ وَيَدْرَهُونَ بِالْحَسَنَةِ
السَّبِئَةَ وَمِمَّارَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ ﴿٨) وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ
أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُوْلَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُّ عَلَيْكُمْ
[ ٥٥
لَا نَبْتَغِىِ الْجَاهِلِينَ
ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها : أنها نزلت فى سبعين من القسيسين
بعثهم النجاشى إلى النبى - وَ﴿ - فلما قدموا عليه ، قرأ عليهم سورة يس ، فجعلوا يبكون
وأسلموا .
وقيل : نزلت فى عبد الله بن سلام وأصحابه الذين أسلموا من اليهود .
وقيل : نزلت فى نصارى نجران .
وعلى أية حال فالآيات الكريمة تمدح قوما من أهل الكتاب أسلموا ، وتعرض بالمشركين
الذين أعرضوا عن دعوة الإِسلام ، مع أن فى اتباعها سعادتهم ورشدهم .
والضمير فى قوله ﴿ من قبله﴾ يعود إلى القرآن الكريم، أو إلى النبى - احصل * - ،
والمراد بالموصول من آمن من أهل الكتاب ، والمراد بالكتاب التوراة والإنجيل .
أى : الذين آتيناهم الكتاب من اليهود والنصارى من قبل نزول القرآن عليك - أيها
الرسول الكريم - هم به يؤمنون ، لأنهم يرون فيه الحق الذى لا باطل معه ، والهداية التى
لا تشوبها ضلالة .
وإذا يتلى﴾ عليهم هذا القرآن ﴿قالوا﴾ بفرح وسرور ﴿آمنا به﴾ بأنه كلام
الله - تعالى - ﴿ إنه الحق من ربنا﴾ أى: إنه الكتاب المشتمل على الحق الكائن من عند
ربنا وخالقنا ﴿ إنا كنا من قبله﴾ أى: من قبل نزوله ﴿مسلمين) وجوهنا لله -
تعالى - ، ومخلصين له العبادة .
٤٢٠
المجلد العاشر
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أى فرق بين الاستئنافين ﴿ إنه ﴾ و﴿ إنا ﴾
؟
قلت : الأول تعليل للإِيمان به ، لأن كونه حقا من الله حقيق بأن يؤمن به . والثانى : بيان
لقوله : ﴿ آمنا به ﴾ لأنه يحتمل أن يكون إيمانا قريب العهد وبعيده، فأخبروا أن إيمانهم به
متقادم ، لأن آباءهم القدماء قرءوا فى الكتب الأول ذكره ؛ وأبناءهم من بعدهم ، (١) .
ثم بين - سبحانه - ما أعده لهؤلاء الأخيار من ثواب فقال : ﴿ أولئك يؤتون أجرهم
مرتين بما صبروا ﴾ .
أى : أولئك الموصوفون بتلك الصفات الكريمة يؤتون أجرهم مضاعفا بسبب صبرهم على
مغالبة شهواتهم ، وبسبب صبرهم على ما يستلزمه اتباع الحق من تكاليف .
قال القرطبى: قوله - تعالى - ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا﴾ ثبت فى
صحيح مسلم عن أبى موسى أن رسول الله - وير - قال: ((ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين :
رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، وأدرك النبى - صل﴿ - فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران ،
وعبد مملوك أدى حق الله - عز وجل - وحق سيده فله أجران ، ورجل كانت له أمة فغذاها
فأحسن تغذيتها ، ثم أدبها فأحسن تأديبها ، ثم أعتقها وتزوجها ، فله أجران )).
قال علماؤنا : لما كان كل واحد من هؤلاء مخاطبا بأمرين من جهتين استحق كل واحد منهم
أجرين ، فالكتابى كان مخاطبا من جهة نبيه ، ثم إنه خوطب من جهة نبينا ، فأجابه واتبعه فله
أجر الملتين)»(٢).
وقوله - تعالى - ﴿ ويدرءون بالحسنة السيئة﴾ بيان لصفة أخرى من صفاتهم الحسنة .
و﴿ يدرءون﴾ من الدرء بمعنى الدفع ومنه الحديث الشريف: ((ادرءوا الحدود
بالشبهات)) .
أى : لا يقابلون السيئة بمثلها ، وإنما يعفون ويصفحون ،ويقابلون الكلمة الخبيثة بالكلمة
الحسنة .
ومما رزقناهم ينفقون﴾ أى: ومما أعطيناهم من مال يتصدقون ، بدون إسراف أو
تقتير .
وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه﴾ أى: وإذا سمعوا الكلام الساقط الذى لا خير فيه .
انصرفوا عنه تكرما وتنزها .
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٤٢٠.
(٢) تفسير القرطبى ج ١٣ ص ٢٩٧ .