النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
سورة القصص
والحزن - ، ولاشك أن ظاهر اللفظ يقتضى ما قالوا . ولكن إذا نظرنا إلى معنى السياق ، فإنه
تبقى اللام للتعليل ، لأن معناه: أن الله - تعالى - قيضهم لالتقاطه ليجعله لهم عدوا وحزنا ،
فيكون أبلغ فى إبطال حذرهم منه(١) .
ومع وجاهة الرأيين ، إلا أننا نميل إلى الرأى الثانى ، لأنه - كما قال الإِمام ابن كثير - أبلغ
فى إبطال حذرهم منه، ولأن قوله - تعالى - : ﴿إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا
خاطئين ) يشير إلى أن اللام للتعليل ..
والمعنى : ونفذت أم موسى ما أوحيناه إليها ، فأرضعت ابنها موسى . وألقته فى اليم حين
خافت عليه القتل ، فالتقطه آل فرعون من اليم ، ليكون لهم عدوا وحزنا ، وليعلموا أن
ما أردناه لابد أن يتم مهما احترسوا واحتاطوا وحذروا ، فما شاء اللّه كان ، وما لم يشأ لم يكن .
وقوله - تعالى -: ﴿إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين) تعليل لما قبله ،
و﴿ خاطئين ﴾ أى: مرتكبين للخطيئة التى هى الذنب العظيم ، كقوله - تعالى - فى قوم نوح
- عليه السلام -: ﴿ مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا .... ﴾.
وكقوله - سبحانه - فى شأن الكافرين ﴿ بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته .
فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾(٢) .
أى : فعلنا ما فعلنا من جعل موسى عدوا وحزنا لفرعون وآله ، لأن فرعون ووزيره
هامان ، وجنودهما الذين يناصرونها ، كانوا مرتكبين للذنوب العظيمة فى كل ما يأتون
ويذرون ، ومن مظاهر ذلك قتلهم لذكور بنى إسرائيل، وإبقاؤهم لإِناثهم .
وقوله - سبحانه -: ﴿وقالت امرأة فرعون قرة عين لى ولك ، لا تقتلوه عسى أن ينفعنا
أو نتخذه ولدا ... ﴾ بيان لما أنطق الله به امرأة فرعون للدفاع عن موسى - عليه
السلام - .
قال الجمل : وامرأة فرعون هى: آسيا بنت مزاحم ، وكانت من خيار النساء ، ومن بنات
الأنبياء ، وكانت أما للمساكين ترحمهم وتتصدق عليهم(٣).
ويكفى فى مدحها قوله - تعالى -: ﴿وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ
قالت : رب ابن لى عندك بيتا فى الجنة ونجنى من فرعون وعمله ، ونجنى من القوم
(٤)
الظالمين
(١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٢٣٧ .
(٢) سورة البقرة الآية ٨١ .
(٣) حاشية الجمل فى الجلالين ج ٣ ص ٣٣٧ .
(٤) سورة التحريم آية ١١ .

٣٨٢
المجلد العاشر
أى : وقالت امرأة فرعون بعد أن أخرج موسى من التابوت ، ورأته بين أيدى فرعون
وآله: ﴿قرة عين لى ولك﴾ أى: هذا الطفل هو قرة عين لى ولك، أى: هو محل السرور
والفرح لعينى ولعينك يا فرعون .
فالجملة الكريمة كناية عن السرور به ، إذ لفظ ﴿قرة ﴾ مأخوذ من القرار بمعنى
الاستقرار ، وذلك لأن العين إذا رأت ما تحبه ، استقر نظرها عليه ، وانشغلت به عن غيره .
ثم أضافت إلى ذلك قولها ﴿ لا تقتلوه ﴾ والخطاب لفرعون وجنده.
ثم عللت النهى عن قتله بقولها: ﴿ عسى أن ينفعنا﴾ فى مستقبل حياتنا ، فنجنى من
ورائه خيرا .
﴿ أو نتخذه ولدا﴾ لنا، فإن هيئته وصورته تدل على النجابة والجمال واليمن وهكذا
شاءت إرادة الله - تعالى - ، أن تجعل امرأة فرعون ، سببا فى إنقاذ موسى من القتل ، وفى
أن يعيش فى بيت فرعون ، ليكون له فى المستقبل عدوا وحزنا .
وقوله - تعالى -: ﴿وهم لا يشعرون) جملة حالية، أى: فعلوا ما فعلوا والحال أنهم
لا يشعرون أن هلاكهم سيكون على يديه .
والظاهر أن هذه الجملة من كلام الله - تعالى - ، وليست حكاية لما قالته امرأة فرعون .
ثم صورت السورة الكريمة تصويرا بديعا مؤثرا ، ما كانت عليه أم موسى من لهفة وقلق ،
بعد أن فارقها ابنها ، فقال - تعالى -: ﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغا ... ﴾ أى: وبعد أن
ألقت أم موسى به فى اليم ، والتقطه آل فرعون ، وعلمت بذلك أصبح قلبها وفؤادها خاليا من
التفكير في أى شىء فى هذه الحياة ، إلا فى شىء واحد وهو مصير ابنها موسى - عليه
السلام - .
وفى هذا التعبير ما فيه من الدقة فى تصوير حالتها النفسية ، حتى لكأنها صارت فاقدة لكل
شىء فى قلبها سوى أمر ابنها وفلذة كبدها .
قال ابن كثير : قوله - تعالى -: ﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغا ﴾ من كل شىء من
أمور الدنيا إلا من موسى . قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، والحسن
البصرى ، وقتادة ..... وغيرهم (١) .
و﴿ إن﴾ فى قوله - تعالى -: ﴿إن كادت لتبدى به﴾ هى المخففة من الثقيلة واسمها
(١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٢٣٣ .

٣٨٣
سورة القصص
ضمير الشأن ، وتبدى بمعنى تظهر ، من بدا الشىء يبدو بدوا وبداء إذا ظهر ظهورا واضحا .
﴿ به ﴾ يعود إلى موسى - عليه السلام -.
والضمير فى
أى : وصار فؤاد أم موسى فارغا من كل شىء سوى التفكير فى مصيره ، وإنها كادت
لتصرح للناس بأن الذى التقطه آل فرعون ، هو ابنها ، وذلك لشدة دهشتها وخوفها عليه من
فرعون وجنده .
وجواب الشرط فى قوله - تعالى -: ﴿لولا أن ربطنا على قلبها﴾ محذوف دل عليه
ما قبله .
أى : لولا أن ربطنا على قلبها بقدرتنا وإرادتنا . بأن ثبتناه وقويناه ، لأظهرت للناس ان
الذى التقطه آل فرعون هو ابنها .
وأصل الربط : الشد والتقوية للشىء . ومنه قولهم فلان رابط الجأش ، أى : قوى
القلب .
وقوله - تعالى -: ﴿لتكون من المؤمنين) علة لتثبيت قلبها وتقويته ، فهو متعلق بقوله :
ربطنا ﴾ .
أى : ربطنا على قلبها لتكون من المصدقين بوعد الله - تعالى - ، وأنه سيرد إليها ابنها ،
كى تقر عينها ولا تحزن .
ثم بين - سبحانه - ما فعلته أم موسى بعد ذلك فقال: ﴿ وقالت لأخته قصيه .. ﴾ أى لم
تسكت أم موسى بعد أن علمت بالتقاط آل فرعون له ، بل قالت لأخت موسى ﴿ قصيه ﴾
أى تتبعى أثره وخبره وما آل إليه أمره . يقال: قص فلان أثر فلان فهو يقصه ، إذا تتبعه ،
ومنه القصص للأخبار المتتبعة .
والفاء فى قوله - سبحانه - : ﴿ فبصرت به عن جنب﴾ هى الفصيحة. والجنب:
الجانب .
أى : فقصت أخت موسى أثره ، فأبصرته عن جانب منها ، وكأنها لا تريد أن تطلع أحدا
على أنها تبحث عن أخيها . وتتبع أثره والجار والمجرور حال من الفاعل ، أى : بصرت به
مستخفية كائنة عن جنب .
قال الآلوسي: ﴿عن جنب﴾ أى عن بعد، وقيل عن شوق إليه .. وقال الكرمانى
جنب﴾ صفه لموصوف محذوف ، أى عن مكان جنب بعيد وكأنه من الأضداد ، فإنه يكون
بمعنى القريب - أيضا - كالجار الجنب . وقيل على جانب .. وقيل : النظر عن جنب ، أن

٣٨٤
المجلد العاشر
تنظر الشىء كأنك لا تريده (١) .
والتعبير بقوله - تعالى - ﴿ فبصرت به عن جنب﴾ يشعر بأن أخت موسى أبصرت
أخاها إبصارا فيه مخادعة لآل فرعون ، حتى لا تجعلهم يشعرون بأنها تبحث عنه .
ويشهد لذلك قوله - تعالى -: ﴿وهم لا يشعرون﴾ أى: وهم - أى آل فرعون - لا
يشعرون أنها أخته تبحث عنه وتتبع أخباره .
ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر حكمته وقدرته وتدبيره لأمر موسى كى يعود إلى
أمه ، فقال - تعالى -. ﴿وحرمنا عليه المراضع من قبل .... ﴾.
والمراد بالتحريم هنا: المنع ، والمراضع : جمع مرضع - بضم الميم وكسر الضاد - وهى
المرأة التى ترضع .
أى : ومنعنا موسى بقدرتنا وحكمتنا من أن يرضع من المرضعات وكان ذلك من قبل أن تعلم
بخبره أمه وأخته .
قال ابن كثير: قوله - تعالى -: ﴿وحرمنا عليه المراضع من قبل﴾ أى: تحريما قدريا ،
وذلك لكرامة الله له ، صانه عن أن يرتضع غير ثدى أمه ، لأنه - سبحانه - جعل ذلك سببا
إلى رجوعه إلى أمه، لترضعه وهى آمنة بعد أن كانت خائفة .. (٢).
وقوله - سبحانه -: ﴿ فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له
ناصحون ﴾ حكاية لما قالته أخت موسى لفرعون وحاشيته ، والاستفهام للتحضيص .
أى : وبعد أن بصرت أخت موسى به عن جنب ، ورأت رفضه للمراضع ، وبحثهم عمن
يرضعه ، قالت: ﴿ ألا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم ﴾ أى: يقومون بتربيته وإرضاعه
من أجل راحتكم وراحته ، ﴿وهم له ناصحون﴾ أى: وهم لا يمنعونه ما ينفعه فى تربيته
وغذائه ، ولا يقصرون فيما يعود عليه بالخير والعافية .
وقوله - سبحانه -: ﴿ فرددناه إلى أمه كى تقر عينها ولا تحزن ﴾ معطوف على كلام
محذوف ، والتقدير : فسمعوا منها ما قالت ، ودلتهم على أمه ، فرددناه إليها ، كى يطمئن قلبها
وتقر عينها برجوع ولدها إليها ، ولا تحزن لفراقه .
ولتعلم أن وعد الله - تعالى - حق ، أى : أن وعده - سبحانه - لا خلف فيه ، بل هو
كائن لا محالة .
( ١) تفسير الآلوسى ج ٢٠ ص ٥٠ .
(٢) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٢٣٣ .

٣٨٥
سورة القصص
ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أى : ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذه الحقيقة حق
العلم ، ولذا يستعجلون الأمور ، دون أن يفطنوا إلى حكمته - سبحانه - فى تدبير أمر خلقه .
وبذلك نرى هذه الآيات قد صاغت لنا بأبلغ أسلوب ، جانبا من حياة موسى - عليه
السلام - ، ومن رعاية الله - تعالى - له ، وهو ما زال فى سن الرضاعة .
ثم قص علينا - سبحانه - جانبا من حياة موسى - عليه السلام - بعد أن بلغ أشده
واستوى ، فقال - تعالى - :
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَهُ، وَأَسْتَوَ ءَانَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمَا وَكَذَلِكَ نَجْزِى
الْمُحْسِنِينَ ﴿ وَدَخَلَ اَلْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا
فَوَجَدَ فِيَهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَئِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ، وَهَذَا مِنْ عَدُوُّ
فَاسْتَغَنَّهُ الَّذِىِ مِن شِيعَتِهِ، عَلَى الَّذِىِ مِنْ عَدُوِّهِ، فَوَكَزَهُ مُوسَى
فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُعَدُوٌ فُضِلٌّ مُبِينٌ
﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْ لِ فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ
الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿ قَالَ رَبٍ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُنَ
ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِنَ ﴿ فَأَصْبَحَ فِى الْمَدِينَةِ خَيِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا
الَّذِى أَسْتَنَصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ، قَالَ لَهُ مُوسَىَ إِنَّكَ لَغَوِىٌّ
◌ُبِينٌ ﴿ فَلَمَّا أَنْ أَرَادَأَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ
يَمُوسَىَ أَثْرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِى كَمَا فَقَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِنَّإِن تُرِيدُ إِلَّا
أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِ اُلْأَرْضِ وَمَاتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ!

٣٨٦
المجلد العاشر
وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْعَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَمُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ
٢٠
بِأَتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوَكَ فَأُخْرُجْ إِنِّ لَكَ مِنَ النَّصِحِين
◌َ مِنْهَ خَاِفًايَرَقَّبِّ قَالَ رَبِّ ◌َحِ مِنَ الْقَوْمِ الَِّمِينَ
٢١
وقوله - سبحانه - ﴿ ولما بلغ أشده واستوى﴾ بيان لجانب من النعم التى أنعم الله -
تعالى - بها على موسى فى تلك المرحلة من حياته .
و﴿ لما﴾ ظرف بمعنى حين. والأشد : قوة الإِنسان، واشتعال حرارته من الشدة بمعنى
القوة والارتفاع يقال : شد النهار إذا ارتفع . وهو مفرد جاء بصيغة الجمع ولا واحد له من
لفظه .
وقوله: ﴿واستوى﴾ من الاستواء بمعنى الاكتمال وبلوغ الغاية والنهاية.
أى - وحين بلغ موسى - عليه السلام - منتهى شدته وقوته ، واكتمال عقله ، قالوا :
وهى السن التى كان فيها بين الثلاثين والأربعين .
آتيناه﴾ بفضلنا وقدرتنا ﴿حكما﴾ أى: حكمة وهى الإصابة فى القول والفعل،
وقيل : النبوة .
﴿ وعلما﴾ أى: فقها فى الدين، وفهما سليما للأمور، وإدراكا قويما لشئون الحياة.
١
وقوله - سبحانه -: ﴿وكذلك نجزى المحسنين ) بيان لسنة من سننه - تعالى - التى
لا تتخلف .
أى: ومثل هذا الجزاء الحسن ، والعطاء الكريم ، الذى أكرمنا به موسى وأمه نعطى
ونجازى المحسنين ، الذين يحسنون أداء ما كلفهم الله - تعالى - به . فكل من أحسن فى
أقواله وأعماله، أحسن الله - تعالى - جزاءه ، وأعطاه الكثير من آلائه .
ثم حكى - سبحانه - بعض الأحداث التى تعرض لها موسى - عليه السلام - فى تلك
الحقبة من عمره فقال : ﴿ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها ﴾.
والمراد بالمدينة : مصر ، وقيل : ضاحية من ضواحيها ، كعين شمس ، أو منف .
وجملة ﴿ على حين غفلة من أهلها ﴾ حال من الفاعل. أى: دخلها مستخفيا.
قيل : والسبب فى دخوله على هذه الحالة ، أنه بدت منه مجاهرة لفرعون وقومه بما

٣٨٧
سورة القصص
يكرهون، فخافهم وخافوه . فاختفى وغاب ، فدخلها متنكرا(١).
أى : وفى يوم من الأيام ، وبعد أن بلغ موسى سن القوة والرشد ، دخل المدينة التى يسكنها
فرعون وقومه: ﴿ على حين غفلة من أهلها﴾ أى: دخلها مستخفيا فى وقت كان أهلها
غافلين عما يجرى فى مدينتهم من أحداث ، بسبب راحتهم فى بيوتهم فى وقت القيلولة ، أو
ما يشبه ذلك .
فوجد﴾ موسى ﴿فيها﴾ أى فى المدينة ﴿رجلين يقتتلان) أى: يتخاصان
ويتنازعان فى أمر من الأمور .
هذا من شيعته ﴾ أى: أحد الرجلين كان من طائفته وقبيلته . أى : من بنى إسرائيل :
وهذا من عدوه ﴾ أى: والرجل الثانى كان من أعدائه وهم القبط الذين كانوا يسيمون بنى
إسرائيل سوء العذاب .
فاستغاثه الذى من شيعته على الذى من عدوه ﴾ أى: فطلب الرجل الإسرائيلى من
موسى ، أن ينصره على الرجل القبطى .
والاستغاثة : طلب الغوث والنصرة ، ولتضمنه معنى النصرة عدى بعلى .
﴿ فوكزه موسى فقضى عليه﴾ والفاء هنا فصيحة . والوكز: الضرب بجميع الكف .
قال القرطبى: والوكز واللكز واللهز بمعنى واحد، وهو الضرب بجميع الكف (٢).
أى : فاستجاب موسى لمن استنصر به ، فوكز القبطى ، أى : فضربه بيده مضمومة
أصابعها فى صدره ، ﴿ فقضى عليه﴾ أى: فقتله . وهو لا يريد قتله، وإنما كان يريد دفعه
ومنعه من ظلم الرجل الإسرائيلى .
والتعبير بقوله - تعالى -: ﴿فوكزه موسى فقضى عليه﴾ يشير إلى أن موسى - عليه
السلام - كان على جانب عظيم من قوة البدن ، كما يشير - أيضا - إلى ما كان عليه من
مروءة عالية . حملته على الانتصار للمظلوم بدون تقاعس أو تردد .
ولكن موسى - عليه السلام - بعد أن رأى القبطى جثة هامدة ، استرجع وندم ، وقال :
﴿ هذا من عمل الشيطان ) أى: قال موسى: هذا الذى فعلته وهو قتل القبطى، من عمل
الشيطان ومن وسوسته . ومن تزيينه .
(١) راجع تفسير الآلوسى ج ٢٠ ص ٥٢.
(٢) تفسير القرطبى ج ١٣ ص ٢٦٠.

٣٨٨
المجلد العاشر
إنه﴾ أى: الشيطان ﴿عدو﴾ للإنسان ﴿مضل﴾ له عن طريق الحق ﴿مبين
أى : ظاهر العداوة والإضلال .
ثم أضاف إلى هذا الندم والاسترجاع ، ندما واستغفارا آخر فقال: ﴿رب إنى ظلمت
نفسى فاغفر لى ، فغفر له ﴾ .
أى : قال موسى - عليه السلام - بعد قتله القبطى بدون قصد - مكررا الندم
والاستغفار: يارب إنى ظلمت نفسى، بتلك الضربة التى ترتب عليها الموت ، فاغفر لى
ذنبى، ﴿فغفر﴾ الله - تعالى - ﴿له) ذنيه، ﴿ إنه) - سبحانه - ﴿هو الغفور
الرحيم ﴾ ثم أكد موسى عليه السلام - للمرة الثالثة، توبته إلى ربه، وشكره إياه على
نعمه، فقال: ﴿ رب بما أنعمت على فلن أكون ظهيرا للمجرمين ﴾.
والظهير : المعين لغيره والناصر له . يقال: ظاهر فلان فلانا إذا أعانه . ويطلق على
الواحد والجمع . ومنه قوله - تعالى: ﴿والملائكة بعد ذلك ظهير﴾.
٠
قال صاحب الكشاف: قوله ﴿ بما أنعمت على ﴾ يجوز أن يكون قسما جوابه محذوف،
تقديره : أقسم بإنعامك على بالمغفرة لأتوبن ﴿ فلن أكون ظهيرا للمجرمين ﴾ وأن يكون
استعطافا ، كأنه قال : رب اعصمنى بحق ما أنعمت على من المغفرة فلن أكون - إن
عصمتنى - ظهيرا للمجرمين .
وأراد بمظاهرة المجرمين إما صحبة فرعون وانتظامه فى جملته ، وتكثيره سواده ، حيث كان
يركب بركوبه ، كالولد مع الوالد . وكان يسمى ابن فرعون . وإما مظاهرة من أدت مظاهرته
إلى الجرم والإِثم ، كمظاهرة الإسرائيلى المؤدية إلى القتل الذى لم يحل له .. (١).
وهذه الضراعة المتكررة إلى الله - تعالى - من موسى - عليه السلام - ، تدل على نقاء
روحه ، وشدة صلته بربه ، وخوفه منه ، ومراقبته له - سبحانه - ، فإن من شأن الأخيار فى
كل زمان ومكان ، أنهم لا يعينون الظالمين ، ولا يقفون إلى جانبهم .
قال القرطبى : ويروى عن النبى - * - أنه قال: من مشى مع مظلوم ليعينه على
مظلمته ، ثبت اللّه قدميه على الصراط يوم القيامة ، يوم تزل الأقدام ، ومن مشى مع ظالم ليعينه
على ظلمه ، أزل الله قدميه على الصراط يوم تدحض فيه الأقدام ﴾(٢).
ثم بين - سبحانه - ما كان من أمر موسى بعد هذه الحادثة فقال: ﴿ فأصبح فى المدينة
خائفا يترقب
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٣٩٨.
(٢) تفسير القرطبى ج ١٣ ص ٢٦٣ .

٣٨٩
سورة القصص
أى : واستمر موسى - عليه السلام - بعد قتله القبطى ، يساوره القلق ، فأصبح يسير فى
طرقات المدينة التى حدث فيها القتل ، ﴿ خائفا﴾ من وقوع مكروه به ﴿يترقب ﴾
ما سيسفر عنه هذا القتل من اتهامات وعقوبات ومساءلات .
والتعبير بقوله ﴿ خائفا يترقب ﴾ يشعر بشدة القلق النفسى الذى أصاب موسى - عليه
السلام - فى أعقاب هذا الحادث ، كما يشعر - أيضا - بأنه - عليه السلام - لم يكن فى هذا
الوقت على صلة بفرعون وحاشيته ، لأنه لو كان على صلة بهم ، ربما دافعوا عنه ، أو خففوا
المسألة عليه .
و ﴿ وإذا﴾ فى قوله - تعالى - ﴿فإذا الذى استنصره بالأمس يستصرخه﴾ فجائية.
ويستصرخه : أى : يستغيث به ، مأخوذ من الصراخ وهو رفع الصوت ، لأن من عادة
المستغيث بغيره أن يرفع صوته طالبا النجدة والعون .
أى: وبينما موسى على هذه الحالة من الخوف والترقب، فإذا بالشخص الإسرائيلى الذى
نصره موسى بالأمس ، يستغيث به مرة أخرى من ، قبطى آخر ويطلب منه أن يعينه عليه .
وهنا قال موسى - عليه السلام - لذلك الإسرائيلى المشاكس: ﴿ إنك لغوى مبين ﴾.
والغوى : فعيل من أغوى يغوى ، وهو بمعنى مغو ، كالوجيع والأليم بمعنى : الموجع والمؤلم .
والمراد به هنا : الجاهل أو الخائب أو الضال عن الصواب .
أى : قال له موسى بحدة وغضب : إنك لضال بين الضلال ولجاهل واضح الجهالة ، لأنك
تسببت فى قتلى لرجل بالأمس ، وتريد أن تحملنى اليوم على أن أفعل ما فعلته بالأمس ، ولأنك
لجهلك تنازع من لا قدرة لك على منازعته أو مخاصمته .
ومع أنه موسى - عليه السلام - قد قال للإِسرائيلى ﴿ إنك لغوى مبين ﴾ إلا أن همته
العالية ، وكراهيته للظلم ، وطبيعته التى تأبى التخلى عن المظلومين كل ذلك دفعه إلى إعداد
نفسه لتأديب القبطى، ويحكى القرآن ذلك فيقول: ﴿فلما أن أراد أن يبطش بالذى هو عدو
لهما ..
والبطش : هو الأخذ بقوة وسطوة . يقال : بطش فلان بفلان إذا ضربه بعنف وقسوة .
أى : فحين هيأ موسى - عليه السلام - نفسه للبطش بالقبطى الذى هو عدو لموسى
وللإسرائیلی ، حیث لم یکن علی دینهما .
قال يا موسى أتريد أن تقتلنى كما قتلت نفسا بالأمس ، إن تريد إلا أن تكون جبارا فى
الأرض ، وما تريد أن تكون من المصلحين ﴾ .

٣٩٠
المجلد العاشر
ويرى بعض المفسرين ، أن القائل لموسى هذا القول ، هو الإسرائيلى ، الذى طلب من
موسى النصرة والعون ، وسبب قوله هذا : أنه توهم أن موسى يريد أن يبطش به دون
القبطى ، عندما قال له : ﴿ إنك لغوى مبين ﴾.
فيكون المعنى : قال الاسرائيلى لموسى بخوف وفزع: يا موسى أتريد أن تقتلنى كما قتلت
نفسا - هى نفس القبطى - بالأمس ، وما تريد بفعلك هذا إلا أن تكون ﴿ جبارا فى
الأرض﴾ أى: ظالما قتالا للناس فى الأرض، ﴿وما تريد أن تكون من المصلحين﴾ الذين
يصلحون ، بين الناس ، فتدفع التخاصم بالتى هى أحسن .
ويرى بعضهم أن القائل لموسى هذا القول هو القبطى ، لأنه فهم من قول موسى
للإِسرائيلى ﴿ إنك لغوى مبين﴾ أنه - أى: موسى - هو الذى قتل القبطى بالأمس.
وقد رجح الإِمام الرازى هذا الوجه الثانى فقال : والظاهر هذا الوجه ، لأنه - تعالى -
قال: ﴿ فلما أن أراد أن يبطش بالذى هو عدو لهما قال يا موسى﴾ فهذا القول إذن منه -
أى من القبطى - لا من غيره - وأيضا قوله : ﴿ إن تريد إلا أن تكون جبارا فى الأرض ﴾
لا يليق إلا بأن يكون قولا من كافر - وهو القبطى - .
وما رجحه الإِمام الرازى هو الذى نميل إليه ، وإن كان أكثر المفسرين قد رجحوا الرأى
الأول ، وسبب ميلنا إلى الرأى الثانى ، أن السورة الكريمة قد حكت ما كان عليه فرعون
وملؤه من علو وظلم واضطهاد لبنى إسرائيل ، ومن شأن الظالمين أنهم يستكثرون الدفاع عن
المظلومين ، بل ويتهمون من يدافع عنهم بأنه جبار فى الأرض ، لذا نرى أن القائل هذا القول
لموسى ، هو القبطى، وليس الإسرائيلى - والله أعلم بمراده - .
وقوله - سبحانه -: ﴿وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى .. ﴾ معطوف على كلام
محذوف يرشد إليه السياق .
والتقدير : وانتشر خبر قتل موسى القبطى بالمدينة ، فأخذ فرعون وقومه فى البحث عنه
لينتقموا منه .. وجاء رجل - قيل هو مؤمن من آل فرعون - من أقصى المدينة ، أى : من
أطرافها وأبعد مكان فيها ﴿ يسعى﴾ أى: يسير سيرا سريعا نحو موسى، فلما وصل إليه
قال له : ﴿ ياموسى إن الملأ﴾ وهم زعماء قوم فرعون.
يأتمرون بك ليقتلوك ﴾ أى : يتشاورون فى أمرك ليقتلوك ، أو يأمر بعضهم بعضا
بقتلك ، وسمى التشاور بين الناس ائتمارا ، لأن كلا من المتشاورين يأمر الآخر ، ويأتمر بأمره .
ومنه قوله - تعالى -: ﴿وأتمروا بينكم بمعروف﴾ أى: وتشاوروا بينكم بمعروف .

٣٩١
سورة القصص
وقوله : ﴿ فاخرج إنى لك من الناصحين ﴾ أى: قال الرجل لموسى: مادام الأمر كذلك
يا موسى فاخرج من هذه المدينة ، ولا تعرض نفسك للخطر ، إنى لك من الناصحين بذلك ،
قبل أن يظفروا بك ليقتلوك .
واستجاب موسى لنصح هذا الرجل ﴿ فخرج منها ﴾ أى: من المدينة ، حالة كونه
خائفا﴾ من الظالمين ﴿يترقب﴾ التعرض له منهم، ويعد نفسه للتخفى عن أنظارهم.
وجعل يتضرع إلى ربه قائلا: ﴿رب نجنى﴾ بقدرتك وفضلك ﴿من القوم الظالمين)
بأن تخلصنى من كيدهم ، وتحول بينهم وبينى ، فأنا ما قصدت بما فعلت ، إلا دفع ظلمهم
وبغيهم .
وإلى هنا تكون السورة الكريمة ، قد قصت علينا هذا الجانب من حياة موسى ، بعد أن بلغ
أشده واستوى ، وبعد أن دفع بهمته الوثابة ظلم الظالمين ، وخرج من مدينتهم خائفاً يترقب ،
ملتمسا من خالقه - عز وجل - النجاة من مكرهم .
*
*
ثم حكت لنا السورة الكريمة بعد ذلك ، ما كان منه عند ما توجه إلى جهة مدين ،
وما حصل له فى تلك الجهة من أحداث ، فقال - تعالى - :
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِى أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَآءَ
السَّبِيلِ ﴿®، وَلَمَّا وَرَدَمَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةُمِنَ
النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمٌ أَمْرَ أَتَيْنِ تَذُودَاتِ
قَالَ مَا خَطِبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّ يُصْدِرَ اَلْزِّعَاءُ وَأَبُونَا
شَيْخُ كَبِيرٌ لٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلٌَّ إِلَى الظِّلِ فَقَالَ
رَبٍّ إِنِ لِمَآ أَنْزَلْتَ إِلَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيٌ فَتَّهُ إِحْدَهُمَا
تَمْشِى عَلَى أَسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِ يَدْعُوَكَ لِيَجْزِيَكَ
أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَأَ فَلَمَّا جَآءَهُ, وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ
لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿ قَالَتْ إِحْدَهُمَا
٠٠٠

٣٩٢
المجلد العاشر
يَكَأَبَتِ اسْتَفْجِرَةٍ إِنَّ خَيْرَ مَنِ أُسْتَعْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ
، قَالَ إِّ أُرِ يدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَّ هَلَيْنِ عَ أَن
٢٦
تَأَجُّرَفِ ثَمَنِىَ حِجَجُ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ
وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشْقَّ عَلَيْكَّ سَتَجِدُفِى إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ
الصَّالِحِينَ ، قَالَ ذَلِكَ بَيْنِ وَبَيْنَكٌَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ
قَضَيْتُ فَلَاَ عُدْوَنَ عَلَىّ وَاللَّهُ عَلَى مَا تَقُولُ وَكِيلٌ
(٢٨
ولفظ ﴿ تلقاء) فى قوله - تعالى -: ﴿ولما توجه تلقاء مدين) منصوب على الظرفية
المكانية ، وهو فى الأصل اسم مصدر. يقال دارى تلقاء دار فلان ، إذا كانت محاذية لها .
و ﴿ مدين﴾ اسم لقبيلة شعيب - عليه السلام - أو لقريته التى كان يسكن فيها،
سميت بذلك نسبة إلى مدين بن إبراهيم - عليه السلام - .
وإنما توجه إليها موسى - عليه السلام - ، لأنها لم تكن داخلة تحت سلطان فرعون
وملئه .
أى : وبعد أن خرج موسى من مصر خائفا يترقب ، صرف وجهه إلى جهة قرية مدين التى
على أطراف الشام جنوبا ، والحجاز شمالا .
صرف وجهه إليها مستسلما لأمر ربه ، متوسلا إليه بقوله : ﴿ عسى ربى أن يهدينى سواء
السبيل
أى : قال على سبيل الرجاء فى فضل الله - تعالى - وكرمه: عسى ربى الذى خلقنى
بقدرته ، وتولانى برعايته وتربيته ، أن يهدينى ويرشدنى إلى أحسن الطرق التى تؤدى بى إلى
النجاة من القوم الظالمين .
فالمراد بسواء السبيل : الطريق المستقيم السهل المؤدى . إلى النجاة ، من إضافة الصفة
إلى الموصوف أى : عسى أن يهدينى ربى إلى الطريق الوسط الواضح .
وأجاب الله - تعالى - دعاءه ، ووصل موسى بعد رحلة شاقة مضنية إلى أرض مدين ،

٣٩٣
سورة القصص
ويقص علينا القرآن ما حدث له بعد وصوله إليها فيقول: ﴿ولما ورد ماء مدين ، وجد عليه
أمة من الناس يسقون ، ووجد من دونهم امرأتين تذودان ﴾ .
قال القرطبى : ووروده الماء : معناه بلغه ، لا أنه دخل فيه . ولفظة الورود قد تكون بمعنى
الدخول فى المورود ، وقد تكون بمعنى الاطلاع عليه والبلوغ إليه وإن لم يدخل ، فورود موسى
هذا الماء كان بالوصول إليه .. (١).
وقوله - تعالى - : ﴿ تذودان) من الذود بمعنى الطرد والدفع والحبس. يقال: ذاد فلان
إبله عن الحوض ، ذودا وذيادا إذا حبسها ومنعها من الوصول إليه .
والمعنى وحين وصل موسى - عليه السلام - إلى الماء الذى تستقى منه قبيلة مدين ﴿وجد
أمة﴾ أى جماعة كثيرة ﴿من الناس يسقون﴾ أى: يسقون إبلهم وغنمهم ، ودوابهم
المختلفة .
ووجد من دونهم﴾ أى: ووجد بالقرب منهم . أو فى جهة غير جهتهم .
﴿ امرأتين تذودان﴾ أى: امرأتين تطردان وتمنعان أغنامهما أو مواشيهما عن الماء، حتى
ينتهى الناس من السقى ، ثم بعد ذلك هما تسقيان دوابهما ، لأنهما لا قدرة لهما على مزاحمة
الرجال .
وهنا قال لهما موسى - صاحب الهمة العالية ، والمروءة السامية ، والنفس الوثابة نحو نصرة
المحتاج - قال لهما بما يشبه التعجب: ﴿ ما خطبكما﴾؟ أى: ما شأنكما؟ وما الدافع لكما
إلى منع غنمكما من الشرب من هذا الماء ، مع أن الناس يسقون منه ؟
وهنا قالتا له على سبيل الاعتذار وبيان سبب منعها لمواشيهما عن الشرب: ﴿ لا نسقى
حتى يصدر الرعاء ، وأبونا شيخ كبير ﴾ .
ويصدر : من أصدر - والصدر عن الشىء: الرجوع عنه ، وهو ضد الورود. يقال : صدر
فلان عن الشىء . إذا رجع عنه .
قال الشوكانى: قرأ الجمهور ((يصدر)) بضم الياء وكسر الدال - مضارع أصدر المتعدى
بالهمزة، وقرأ ابن عامر وأبو عمرو ((يصدر)) بفتح الياء وضم الدال - من صدر يصدر
اللازم ، فالمفعول على القراءة الأولى محذوف. أى: يرجعون مواشيهم .. (٢) و ﴿ الرعاء﴾
جمع الراعى ، مأخوذ من الرعى بمعنى الحفظ .
(١) تفسير القرطبى ج ١٣ ص ٢٦٧ .
( ٢) فتح القدير ج ٤ ص ١٦٦ .

٣٩٤
المجلد العاشر
أى : قالتا لموسى - عليه السلام - : إن من عادتنا أن لا نسقى . مواشينا حتى يصرف
الرعاء دوابهم عن الماء ، ويصبح الماء خاليا لنا ، لأننا لا قدرة لنا على المزاحمة ، وليس عندنا
رجل يقوم بهذه المهمة ، وأبونا شيخ كبير فى السن لا يقدر - أيضا - على القيام بمهمة الرعى
والمزاحمة على السقى .
وبعد أن سمع موسى منها هذه الإِجابة ، سارع إلى معاونتهما - شأن أصحاب النفوس
الكبيرة ، والفطرة السليمة ، وقد عبر القرآن عن هذه المسارعة بقوله: ﴿فسقى لها ﴾ .
أى : فسقى لهما مواشيهما سريعاً . من أجل أن يريحهما ويكفيهما عناء الانتظار وفى هذا
التعبير إشارة إلى قوته ، حيث إنه استطاع وهو فرد غريب بين أمة من الناس يسقون - أن
يزاحم تلك الكثرة من الناس ، وأن يسقى للمرأتين الضعيفتين غنمهما . دون أن يصرفه شىء
عن ذلك .
رحم الله صاحب الكشاف. فقد أجاد عند عرضه لهذه المعانى. فقال ما ملخصه: ((قوله :
﴿ فسقى لهما﴾ أى: فسقى غنمهما لأجلهما . وروى أن الرعاة كانوا يضعون على رأس البئر
حجرا لا يقله إلا سبعة رجال .. فأقله وحده .
وإنما فعل ذلك رغبة فى المعروف وإغاثة للملهوف والمعنى : أنه وصل إلى ذلك الماء ، وقد
ازدحمت عليه أمة من الناس ، متكافئة العدد ، ورأى الضعيفتين من ورائهم ، مع غنمهما
مترقبتين لفراغهم . فما أخطأت همته فى دين الله تلك الفرصة ، مع ما كان به من النصب
والجوع ، ولكنه رحمهما فأغاثهما ، بقوة قلبه ، وبقوة ساعده .
فإن قلت : لم ترك المفعول غير مذكور فى قوله ﴿يسقون﴾ و ﴿ تذودان ) قلت : لأن
الغرض هو الفعل لا المفعول . ألا ترى أنه إنما رحمهما لأنها كانتا على الذياد وهم على
السقى ، ولم يرحمها لأن مذودهما غنم ومسقيهم إبل مثلا .
فإن قلت : كيف طابق جوابهما سؤاله ؟ قلت : سألهما عن سبب الذود فقالتا : السبب فى
ذلك أننا أمر أتان ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مزاحمة الرجال ، فلابد لنا من تأخير السقى
إلى أن يفرغوا ، ومالنا رجل يقوم بذلك ، وأبونا شيخ كبير ، فقد أضعفه الكبر ، فلا يصلح
للقيام به ، فهما قد أبدتا إليه عذرهما فى توليهما السقى بأنفسها .
فإن قلت : كيف ساغ لنبى الله الذى هو شعيب - عليه السلام - أن يرضى لابنتيه بسقى
الماشية ؟ قلت ، الأمر فى نفسه ليس بمحظور ، فالدين لا يأباه ، وأما المروءة فالناس مختلفون
فى ذلك . والعادات متباينة فيه .. وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم . ومذهب أهل البدو

٣٩٥
سورة القصص
غير مذهب أهل الحضر ، خصوصا إذا كانت الحالة حالة ضرورة .. (١).
وقوله - تعالى -: ﴿ ثم تولى إلى الظل) فقال: ﴿رب إنى لما أنزلت إلى من خير
فقير﴾ بيان لما فعله موسى وقاله بعد أن سقى للمرأتين غنمها .
أى : فسقى موسى للمرأتين غنمهما ، ثم أعرض عنهما متجها إلى الظل الذى كان قريبا
منه فى ذلك المكان ، قيل كان ظل شجرة وقيل ظل جدار .
فقال : على سبيل التضرع إلى ربه : ياربى : إنى فقير ومحتاج إلى أى خير ينزل منك على
سواء أكان هذا الخير طعاما أم غيره .
قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله: ﴿ فقال رب إنى لما أنزلت إلى ﴾ أى : لأى شىء تنزله
من خزائن كرمك إلى ﴿ من خير﴾ جل أو قل، ﴿فقير﴾ أى: محتاج، وهو خبر إن.
وعدى باللام لتضمنه معنى الاحتياج . و﴿ ما ﴾ نكرة موصوفة ، والجملة بعدها صفتها .
والرابط محذوف ، و﴿ من خير ﴾ بيان لها والتنوين فيه للشيوع، والكلام تعريض لما
يطعمه ، بسبب ما ناله من شدة الجوع .
يدل لذلك ما أخرجه ابن مردويه عن أنس بن مالك: قال قال رسول الله - * - :
(( لما سقى موسى للجاريتين ، ثم تولى إلى الظل ، فقال: رب إنى لما أنزلت إلى من خير فقير ،
وإنه يومئذ فقير إلى كف من تمر))(٣).
واستجاب الله - تعالى - لموسى دعاءه . وأرسل إليه الفرج سريعا ، يدل لذلك قوله -
تعالى - بعد هذا الدعاء من موسى: ﴿ فجاءته إحداهما تمشى على استحياء قالت إن أبى
يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ..
وفى الكلام حذف يفهم من السياق وقد أشار إليه ابن كثير بقوله : لما رجعت المرأتان
سراعا بالغنم إلى أبيهما ، أنكر حالهما ومجيئهما سريعا ، فسألهما عن خبرهما فقصتا عليه ما فعل
موسى - عليه السلام - . فبعث إحداهما إليه لتدعوه إلى أبيها ، كما قال - تعالى - :
﴿ فجاءته إحداهما تمشى على استحياء ﴾ أى: مشى الحرائر، كما روى عن عمر بن الخطاب
أنه قال : كانت مستقرة بكم درعها . أى قميصها .
ثم قال ابن كثير : وقد اختلف المفسرون فى هذا الرجل من هو ؟ على أقوال : احدها أنه
شعيب النبى - عليه السلام - الذى أرسله الله إلى أهل مدين ، وهذا هو المشهور عند کثیرین
وقد قاله الحسن البصرى وغير واحد ورواه ابن أبى حاتم .
( ١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٤٠٢ .
( ٢) تفسير الألوسى ج ٢٠ ص ٦٤ .

٣٩٦
المجلد العاشر
وقد روى الطبرانى عن مسلمة بن سعد العنزى أنه وفد على رسول الله - * - فقال
له : مرحبا بقوم شعيب ، وأختان موسى .
وقال آخرون . بل كان ابن أخى شعيب . وقيل : رجل مؤمن من آل شعيب .
ثم قال - رحمه الله - ثم من المقوى لكونه ليس بشعيب ، أنه لو كان إياه لأوشك أن ينص
على اسمه فى القرآن هاهنا . وما جاء فى بعض الأحاديث من التصريح بذكره فى قصة موسى لم
يصح إسناده (١).
والمعنى : ولم يطل انتظار موسى للخير الذى التمسه من خالقه - عز وجل - فقد جاءته
إحدى المرأتين اللتين سقى لهما ، حالة كونها ﴿ تمشى على استحياء ﴾ أى: على تحشم وعفاف
شأن النساء الفضليات .
قالت﴾ بعبارة بليغة موجزة: ﴿إن أبى يدعوك) للحضور إليه ﴿ليجزيك أجر
ما سقيت لنا ﴾ أى: ليكافئك على سقيك لنا غنمنا.
واستجاب موسى لدعوة أبيها وذهب معها للقائه ﴿فلما جاءه)، أى: فلما وصل موسى
إلى بيت الشيخ الكبير، ﴿وقص عليه القصص)، أى: وقص عليه ما جرى له قبل
ذلك ، من قتله القبطى ، ومن هروبه إلى أرض مدين .
فالقصص هنا مصدر بمعنى اسم المفعول ، أى : المقصوص .
قال﴾ أى: الشيخ الكبير لموسى ﴿ لا تخف نجوت من القوم الظالمين) أى:
لا تخف يا موسى من فرعون وقومه، فقد أنجاك الله - تعالى - منهم ومن كل ظالم .
وهذا القول من الشيخ الكبير لموسى ، صادف مكانه ، وطابق مقتضاه ، فقد كان موسى -
عليه السلام - أحوج ما يكون فى ذلك الوقت إلى نعمة الأمان والاطمئنان ، بعد أن خرج من
مصر خائفا يترقب .
ثم يحكى القرآن بعد ذلك ، ما أشارت به إحدى الفتاتين على أبيها : فقال - تعالى - :
قالت إحداهما ﴾ ولعلها التى جاءت إلى موسى على استحياء لتقول له: ﴿إن أبى يدعوك
ليجزيك أجر ما سقيت لنا ﴾ .
﴿ يا أبت استأجره ﴾ أى: قالت لأبيها بوضوح واستقامة قصد - شأن المرأة السليمة
الفطرة النقية العرض القوية الشخصية - يا أبت استأجر هذا الرجل الغريب ليكفينا تعب
الرعى ، ومشقة العمل خارج البيت .
(١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٢٣٨.

٣٩٧
سورة القصص
ثم عللت طلبها بقولها: ﴿إن خير من استأجرت القوى الأمين ﴾ أى: استأجره ليرعى
غنمنا ، فإنه جدير بهذه المهمة ، لقوته وأمانته ، ومن جمع فى سلوكه وخلقه بين القوة والأمانة ،
كان أهلا لكل خير ، ومحلا لثقة الناس به على أموالهم وأعراضهم .
قال ابن كثير : قال عمر ، وابن عباس ، وشريح القاضى ، وأبو مالك ، وقتادة .. وغير
واحد : لما قالت: ﴿إن خير من استأجرت القوى الأمين ﴾ قال لها أبوها : وما علمك
بذلك ؟ قالت : إنه رفع الصخرة التى لا يطيق حملها إلا عشرة رجال ، وأنه لما جئت معه
تقدمت أمامه ، فقال لى : كونى من ورائى ، فإذا اجتنبت الطريق فاحذفى - أى فارمی -
بحصاة أعلم بها كيف الطريق لأهتدى إليه(١) .
واستجاب الشيخ الكبير لما اقترحته عليه ابنته ، وكأنه أحس بصدق عاطفتها ، وطهارة
مقصدها وسلامة فطرتها ، فوجه كلامه إلى موسى قائلا: ﴿ إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى
هاتین
أى : قال الشيخ الكبير لموسى مستجيبا لاقتراح ابنته : يا موسى إنى أريد أن أزوجك
إحدى ابنتى هاتين .
ولعله أراد بإحداهما ، تلك التى قالت له : يا أبت استأجره ، لشعوره - وهو الشيخ
الكبير ، والأب العطوف ، الحريص على راحة ابنته - بأن هناك عاطفة شريفة تمت بين قلب
ابنته ، وبين هذا الرجل القوى الأمين ، وهو موسى - عليه السلام - .
وفى هذه الآيات مافيها من الإشارة إلى رغبة المرأة الصالحة ، فى الرجل الصالح ، وإلى أنه
من شأن الآباء العقلاء أن يعملوا على تحقيق هذه الرغبة .
قال الشوكانى : فى هذه الآية مشروعية عرض ولى المرأة لها على الرجل ، وهذه سنة ثابتة
فى الإِسلام ، كما ثبت من عرض عمر لابنته حفصة على أبى بكر وعثمان ، وغير ذلك مما وقع فى
أيام الصحابة أيام النبوة ، وكذلك ما وقع من عرض المرأة لنفسها على رسول
الله - ) - (٢) .
وقوله - سبحانه - : ﴿ على أن تأجرنى ثمانى حجج ﴾ بيان لما اشترطه الشيخ الكبير
على موسى - عليه السلام - .
(١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٢٣٩.
( ٢) تفسير فتح القدير للشوكانى ح ٤ ص ١٦٩ .

٣٩٨
المجلد العاشر
أى قال له بصيغة التأكيد : إنى أريد أن أزوجك إحدى ابنتى هاتين ، بشرط أن تعمل أجيرا
عندى أرعى غنمى ﴿ثمانى حجج ﴾ أى : ثمانى سنين .
قال الجمل : وقوله: ﴿ على أن تأجرنى﴾ فى محل نصب على الحال، إما من الفاعل أو
من المفعول .
أى: مشروطا على أو عليك ذلك .. و ﴿تأجرنى﴾ مفعوله الثانى محذوف أى: تأجرنى
نفسك و ﴿ ثمانى حجج ﴾ ظرف له .. (١).
وقوله: ﴿ فإن أتممت عشرا فمن عندك﴾ أى: فإن أتممت عشر سنين كأجير عندى
لرعاية غنمى ، أى : فهذا الإتمام من عندك على سبيل التفضل والتكرم فإنى لا أشترط عليك
سوى ثمانى حجج .
وقوله ﴿ وما أريد أن أشق عليك ستجدنى إن شاء الله من الصالحين ) بيان لحسن العرض
الذى عرضه الشيخ على موسى .
أى: وما أريد أن أشق عليك أو أتعبك فى أمر من الأمور خلال استئجارى لك ، بل
ستجدنى - إن شاء الله - تعالى - من الصالحين ، فى حسن المعاملة ، وفى لين الجانب ، وفى
الوفاء بالعهد .
وقال: ﴿ستجدنى إن شاء الله .. ﴾ للدلالة على أنه من المؤمنين. الذين يفوضون أمورهم
إلى الله - تعالى - ويرجون توفيقه ومعونته على الخير .
ثم حكى - سبحانه - ما رد به موسى فقال: ﴿ قال ذلك بينى وبينك أيما الأجلين قضيت
فلا عدوان على ، والله على ما نقول وكيل ﴾ .
أى: ﴿قال﴾ موسى فى الرد على الشيخ الكبير ﴿ذلك بينى وبينك﴾ أى: ذلك الذى
قلته لى واشترطته على ، كائن وحاصل بينى وبينك ، وكلانا مطالب بالوفاء به قاسم الإشارة
مبتدأ ، وبينى وبينك خبره ، والإِشارة مرجعها إلى ما تعاقدا عليه، وأى فى قوله: ﴿ أيما
الأجلين﴾ شرطية، وجوابها، ﴿ فلا عدوان على﴾ و﴿ وما﴾ مزيدة للتأكيد.
والمعنى : أى الأجلين ، أى الثمانية الأعوام أو العشرة الأعوام ﴿قضيت﴾ أى: وفيت
به ، وأديته معك أجيرا عندك ﴿ فلا عدوان على﴾ أى: فلا ظلم على، وأصل العدوان:
تجاوز الحد .
قال صاحب الكشاف ما ملخصه : أى قال موسى : ذلك الذى قلته .. قائم بيننا جميعا
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٣ ص ٣٤٥ .

٣٩٩
سورة القصص
لا يخرج كلانا عنه لا أنا عما اشترطت على ولا أنت عما اشترطت على نفسك .. ثم قال : أى
أجل من الأجلين قضيت - أطولها أو أقصرهما - ﴿فلا عدوان على﴾ أى: فلا يعتدى على
فى طلب الزيادة عليه . فإن قلت : تصور العدوان إنما هو فى أحد الأجلين الذى هو الأقصر ،
وهو المطالبة بتتمة العشر، فما معنى تعليق العدوان بها جميعا ؟
قلت : معناه ، كما أنى إن طولبت بالزيادة على العشر كان عدوانا لاشك فيه ، فكذلك إن
طولبت بالزيادة على الثمانى . أراد بذلك تقرير أمر الخيار ، وأنه ثابت مستقر ، وأن الأجلين
على السواء إما هذا وإما هذا من غير تفاوت بينهما فى القضاء ، وأما التتمة فهى موكولة إلى
رأيى. إن شئت أتيت بها ، وإلا لم أجبر عليها .. (١).
والمقصود بقوله: ﴿واقه على ما نقول وكيل﴾ توثيق العهد وتأكيده ، وأنه لا سبيل
لواحد منهما على الخروج عنه أصلا .
أى: واقه - تعالى - شهيد ووكيل ورقيب على ما اتفقنا عليه ، وتعاهدنا على تنفيذه ،
وكفى بشهادته - سبحانه - شهادة .
وقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الآثار التى تدل على أن موسى - عليه السلام - قد
قضى أطول الأجلين . ومن ذلك ما جاء عن ابن عباس ان رسول الله -# - قال : سألت
جبريل: أى الأجلين قضى موسى؟ قال: ((أكملها وأتمها ، وفى رواية : أبرهما
وأوفاهما)»(٢).
هذا، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة ، يرى فيها بجلاء ووضوح ، ما جيل عليه موسى -
عليه السلام - من صبر على بأساء الحياة وضرائها ومن همة عالية تحمله فى كل موطن على
إعانة المحتاج ، ومن طبيعة إيجابية تجعله دائما لا يقف أمام مالا يرضيه مكتوف اليدين ، ومن
عاطفة رقيقة تجعله فى كل الأوقات دائم التذكر لخالقه ، كثير التضرع إليه بالدعاء .
كما يرى فيها الفطرة السوية ، والصدق مع النفس ، والحياء ، والعفاف ، والوضوح ،
والبعد عن التكلف والالتواء ، كل ذلك متمثل فى قصة هاتين المرأتين اللتين سقى لها موسى
غنمهما ، واللتين جاءته إحداهما تمشى على استحياء ، ثم قالت لأبيها : يا أبت استأجره .
كما يرى فيها ما كان يتحلى به ذلك الشيخ الكبير من عقل راجح ، ومنى قول طيب
حكيم ، يدخل الأمان والاطمئنان على قلب الخائف ، ومن أبوة حانية رشيدة ، تستجيب
، (١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٤٠٦ .
(٢) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٢٤٠ .

٤٠٠
المجلد العاشر
للعواطف الشريفة ، وتعمل على تحقيق رغباتها عن طريق الزواج الذى شرعه الله -
تعالى - .
ومضت السنوات العشر ، التى قضاها موسى أجيرا عند الشيخ الكبير فى مدين ، ووفی کل
واحد منهما بما وعد به صاحبه ، وتزوج موسى بإحدى ابنتى الشيخ الكبير ، وقرر الرجوع بأهله
إلى مصر ، فماذا حدث له فى طريق عودته ؟ يحكى لنا القرآن الكريم بأسلوبه البديع ما حدث
لموسى - عليه السلام - بعد ذلك فيقول :
١٠
فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ:ءَانَسَ مِنْجَانِبِ
الُْورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِأَمْكُثُواْ إِّ ءَانَسْتُ نَارًا لَّعَلِىّءَاتِكُمْ
مِنْهَا بِخَرٍ أَوْحَذْوَفِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ قَصْطَلُونَ
٩
فَلَمَّا أَقَدِهَا نُودِىَ مِن شَطِ الْوَادِلْأَتَّمَنِ فِ الْبُقْعَةِ
الْمُبَرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَوَ أَنْ يَمُوسَىَ إِنّى أَنَا اللَّهُ رَبُّ
اَلْعَلَمِينَ ﴿ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكٌ فَلَمَّارَءَاهَانَهَرُ كَأَنَّهَا
جَانٌ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبَّ يَمُوسَىَ أَقِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ
مِنَ الْأَمِنِينَ * أَسْلُكَ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ
غَيْرِ سُوْءٍ وَأَضْهُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ
بُرْهَنَانِ مِن رَّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَِّيْهِ: إِنَّهُمْ كَانُواْ
قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴾ قَالَ رَبٍ إِنِّى قَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسَا فَأَخَافُ
أَنْ يَقْتُلُونِ ﴿ وَأَخِى هَرُونٌ هُوَ أَفْصَحُ مِنِى لِسَانًا
فَأَرْسِلُهُ مَعِىَ رِدْءً ايُصَدِّقُتِىِّ إِّ أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ
٣٤