النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
سورة النمل
لقد أوجدنا لهم ليلا يسكنون فيه، وأوجدنا لهم نهارا يبتغون فيه أرزاقهم، وجسنا الليل
والنهار بهذا المقدار ، لتتيسر لهم أسباب الحياة والراحة ، فكيف لم يهتدوا إلى أن لهذا الكون
خالقا حكيما قادرا ؟
إن فى ذلك ﴾ الذى جعلناه، لهم، من وجود الليل والنهار بهذه الطريقة ﴿لآيات
﴾
بينات واضحات على وحدانيتنا وقدرتنا ﴿لقوم يؤمنون) بأن الله - تعالى - هو الخالق لكل
شىء وهو الإِله الحق لا إله سواه .
وذلك ، لأن من تأمل فى تعاقب الليل والنهار بتلك الصورة البديعة المطردة ، وفى اختلافها
طولا وقصرا ، وظلمة وضياء .. أيقن بأن لهذا الكون إلها واحدا قادرا على إعادة الحياة إلى
الأموات ، ليحاسبهم على أعمالهم .
قال الآلوسى: وقوله: ﴿والنهار مبصرا﴾ أى: ليبصروا بما فيه من الإضاءة، وطرق
التقلب فى أمور معاشهم ، فبولغ حيث جعل الإبصار الذى هو حال الناس حالا له ، ووصفا
من أوصافه التى جعل عليها بحيث لم ينفك عنها ، ولم يسلك فى الليل هذا المسلك . لما أن تأثير
ظلام الليل فى السكون ، ليس بمثابة تأثير ضوء النهار فى الإبصار (١) .
وقوله - سبحانه - : ﴿ويوم ينفخ فى الصور ففزع من فى السموات ومن فى الأرض إلا
من شاء اللّه ... ﴾ معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك ﴿ويوم نحشر من كل أمة
فوجا﴾ والصور، القرن الذى ينفخ فيه نفخة الصَّعْق والبعث، وذلك يكون عند النفخة
الثانية .. والنافخ : إسرافيل - عليه السلام - .
قال القرطبى ما ملخصه : والصحيح فى الصور أنه قرن من نور ، ينفخ فيه إسرافيل .
والصحيح - أيضا - فى النفخ فى الصور أنهما نفختان . وأن نفخة الفزع إنما تكون راجعة
إلى نفخة الصعق لأن الأمرين لازمان لهما .. والمراد - هنا النفخة الثانية - أى : يحيون
فزعين ، يقولون: ((من بعثنا من مرقدنا)) ويعاينون من الأمر ما يهولهم ويفزعهم: (٢)
والمعنى واذكر - أيها العاقل - يوم ينفخ إسرافيل فى الصور بإذن الله - تعالى - وأمره
: ففزع من فى السموات ومن فى الأرض ﴾ أى : خافوا وانزعجوا ، وأصابهم الرعب ،
لشدة ما يسمعون ، وهول ما يشاهدون ، فى هذا اليوم الشديد .
وقوله : ﴿ إلا من شاء الله﴾ استثناء ممن يصيبهم الفزع.
(١) تفسير الآلوسى ج ٢٠ ص ٢٩ .
(٢) تفسير القرطبى ج ١٣ ص ٢٤٠ .

٣٦٢
المجلد العاشر
أى : ونفخ فى الصور ففزع من فى السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله - تعالى - لهم
عدم الفزع والخوف .
والمراد بهؤلا الذين لا يفزعون ، قيل: الأنبياء ، وقيل: الشهداء ، وقيل: الملائكة.
ولعل الأنسب أن يكون المراد ما يعم هؤلاء السعداء وغيرهم ، ممن رضى الله عنهم ورضوا
عنه ، لأنه لم يرد نص صحيح يحددهم .
وقوله - سبحانه -: ﴿وكل أتوه داخرين ﴾ أى: وكل واحد من هؤلاء الفزعين
المبعوثين عند النفخة، أتوا إلى موقف الحشر، للوقوف بين يدى الله - تعالى -
داخرين﴾ أى: صاغرين أذلاء.
يقال : دخر فلان - كمنع وفرح - دخرا ودخورا . إذا صغر وذل .
وقوله - تعالى -: ﴿وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب .. ﴾ معطوف على
ينفخ فى الصور
قوله - سبحانه - قبل ذلك :
أى : فى هذا اليوم الهائل الشديد ، يفزع من فى السموات ومن فى الأرض إلا من شاء الله ،
وترى الجبال الراسيات الشامخات ، ﴿ تحسبها جامدة ﴾ أى ثابتة فى أماكنها ، والحال أنها تمر
فى الجو مر السحاب ، الذى تسيره الرياح سيرا حثيثا .
وهكذا تصور الآيات الكريمة أهوال ذلك اليوم هذا التصوير البديع المعجز المؤثر ، فالناس
جميعا - إلا من شاء اللّه - فزعين وجلين ، والجبال كذلك كأنها قد أصابها ما أصاب الناس ،
حتى لكأنها - وهى تسرع الخطا - . السحاب فى خفته ومروقه وتناثره، ثم يعقب
- سبحانه - على كل ذلك بقوله ﴿ صنع الله الذين أتقن كل شىء ﴾.
ولفظ ﴿ صنع ﴾ يجوز أن يكون منصوبا على الإغراء أى: انظروا صنع الله - تعالى -
الذى أتقن كل شىء فقد أحسن - سبحانه - ما خلقه وأحكمه ، وجعله فى أدق صورة ،
وأكمل هيئة ، وصدق الله - تعالى - إذ يقول ﴿وخلق كل شىء فقدره تقديرا ﴾.
قال صاحب فتح القدير: وأنتصاب ((صنع)) على المصدرية ، أى: صنع اللّه ذلك
صنعا . وقيل هو مصدر مؤكد لقوله : ﴿ويوم ينفخ فى الصور﴾ وقيل منصوب على
الإغراء (١).
وجملة: ﴿ إنه خبير بما تفعلون﴾ تعليل لما قبله. أى: صَنَعَ اللّه ما خلقه على هذا
(١) تفسير فتح القدير ج ٤ ص ١٥٥ للشوكانى .
..

٣٦٣
سورة النمل
الإِحكام العجيب ، والإِتقان البديع ، لأنه - سبحانه - خبير بما تفعلونه ومطلع على ما تخفونه
وما تعلنونه .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان جزاء من أحسن ، وبيان جزاء من أساء ،
وببيان منهج الرسول - ◌َلي - فى دعوته فقال - تعالى - :
مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِن فَزَعَ يَوْمَيِذٍءَامِنُونَ (
(٨٩
وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ
إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ
الْبَلْدَةِ الَّذِى حَرَّمَهَا وَلَهُكُلُّ شَىْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ
اُلْمُسْلِمِينَ ﴿ وَأَنْ أَتْلُوا الْقُرْءَانَ فَمَنِ أَهْتَدَى فَإِنَّمَا يَتَدِى
لِنَفْسِهِمْ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴿١) وَقُلِاَ لْحَمْدُ
لِلَّهِ سَيُرِكُمْ ءَيِهِ، فَتَعْرِفُونَهَا وَمَارَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّاتَعْمَلُونَ
٩٣
وقوله - سبحانه -: ﴿ من جاء بالحسنة فله خير منها ﴾ بيان وتفصيل لمظاهر علم الله
- تعالى - لكل ما يفعله الناس ، الذى أشير إليه قبل ذلك بقوله : ﴿ إنه خبير بما
تفعلون ﴾ .
والمراد بالحسنة : كل ما يقوله أو يفعله المسلم من قول طيب ، ومن عمل صالح ، فيشمل
النطق بالشهادتين ، وأداء ما كلف الله الإِنسان بأدائه من فرائض وواجبات ، واجتناب
السيئات والشبهات .
أى: من جاء بالفعلة الحسنة ، فله من الله - تعالى - ما هو خير منها من ثواب وعطاء
حسن ، كما قال - تعالى - فى آية أخرى : ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾.
فالمراد بما هو خير منها : الثواب الذى يمنحه الله - تعالى - لمن أتى بها .
وقوله - تع" -: ﴿وهم من فزع يومئذ آمنون﴾ تقرير لما قبله ، وبشارة للمؤمنين
الذين جاءوا بأحسنات ، بالأمان والاطمئنان .

٣٦٤
المجلد العاشر
أى : وهم من الفزع الكائن للناس فى يوم البعث والحساب ، آمنون مطمئنون ، كما قال
- سبحانه -: ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذى كنتم
توعدون ﴾(١) وكما قال - تعالى - ﴿أفمن يلقى فى النار خير أم من يأتى آمنا يوم
القيامة﴾(٢).
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من يأتى بالسيئات فقال: ﴿ومن جاء بالسيئة فكبت
وجوههم فى النار ﴾ .
قال ابن كثير : قال ابن مسعود : وأبو هريرة ، وابن عباس ، وأنس بن مالك ، وعطاء ،
وسعيد بن جبير، وغيرهم: ﴿ من جاء بالسيئة ﴾ أى الشرك .
ولعل مما يؤيد أن المراد بالسيئة هنا: الشرك. قوله - تعالى -: ﴿ فكبت وجوههم فى
النار ﴾ لأن هذا الجزاء الشديد، يتناسب مع رذيلة الشرك - والعياذ بالله - .
أى : ومن جاء بالفعلة الشنيعة فى السوء، وهى الإشراك بالله ﴿ فكبت وجوههم فى
النار﴾ أى : فألقوا بسبب شركهم فى النار على وجوههم منكوسين .
يقال : كب فلان فلانا على وجهه، وأكبه ، إذا نكسه وقلبه على وجهه .
وفى كبهم على وجوههم فى النار ، زيادة فى إهانتهم وإذلالهم لأن الوجه هو مجمع المحاسن ،
ومحل المواجهة للغير .
والاستفهام فى قوله - تعالى -: ﴿هل تجزون إلا ما كنتم تعملون﴾ لزيادة توبيخهم
وتقريعهم والجملة بإضمار قول محذوف .
أى : والذين جاءوا بالأفعال السيئة فى دنياهم ، يكبون على وجوههم فى النار يوم القيامة ،
ويقال لهم على سبيل الزجر والتأنيب : ما حل بكم من عذاب هو بسبب أعمالكم وشرككم .
وكون المراد بالسيئة هنا الشرك ، لا يمنع من أن الذى يرتكب السيئات من المسلمين ،
يعاقب عليها ما لم يتب منها فاقه - تعالى - يقول: ﴿ ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب .
من يعمل سوءا يجز به، ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا﴾ (٣).
ثم يأمر الله - تعالى - نبيه أن يعلن للناس منهجه فى دعوته فيقول: ﴿ إنما أمرت أن أعبد
رب هذه البلدة الذى حرمها . وله كل شىء .. ﴾ .
(١) سورة الأنبياء الآية ١٠٣ .
(٢) سورة فصلت الآية ٤٠.
(٣) سورة النساء آية ١٢٣ .
٠

٣٦٥
سورة النمل
والمراد بالبلدة الذى حرمها : مكة المكرمة التى عظم الله - تعالى - حرمتها، فجعلها حرما
آمنا ، لا يسفك فيها دم، ولا يصاد فيها صيد، ولا يعضد فيها شجر. وقوله: ﴿الذى
حرمها ﴾ صفة للرب .
وخصت مكة بالذكر : تشريفا لها ، ففيها البيت الحرام الذى هو أول بيت وضع فى
الأرض .
أى : قل - أيها الرسول الكريم - للناس: إن الله - تعالى - أمرنى أن أخلص لله
- سبحانه - عبادتى ، فهو رب البلد الحرام مكة ، ورب كل شىء ، وله جميع ما فى هذا
الكون خلقا ، وملكا ، وتصرفا .
وأمرت أن أكون من المسلمين . وأن أتلو القرآن ﴾ أى: وأمرنى كذلك أن أكون من
الثابتين على دينه ، المنقادين لأمره، المسلمين له وجوههم، وأمرنى - أيضا - أن أتلو القرآن
على مسامعكم ، لأنه هو معجزتى الدالة على صدقى .
فمن اهتدى﴾ إلى الحق الذى جئته به، وبينته له ﴿فإنما يهتدى لنفسه﴾ أى: فإن
منافع هدايته تعود إلى نفسه .
﴿ ومن ضل) عن طريق الحق، وأعرض عن دعوتى، ﴿ فقل إنما أنا من
المنذرين ﴾ .
أى : ومن ضل عن الهدى بعد أن نصحته وأرشدته ، فقد أمرنى ربى أن أقول له : إنما أنا
من المنذرين للضالين بسوء العاقبة ، ولست عليهم بحفيظ ، أو يمكرٍوٍ إياهم على الإِيمان .
ثم ختم السورة الكريمة بهذا التوجيه الكريم، للرسول - * - فقال - تعالى - :
وقل الحمد لله ﴾ .
أى : وقل - أيها الرسول الكريم - للناس: الثناء كله، والفضل كله ، لله - تعالى -
وحده . وهو - سبحانه - ﴿ سيريكم آياته﴾ الدالة على وحدانيته وقدرته ﴿فتعرفونها ﴾
أى : فتعرفون صدقها ..
وصدق الله - عز وجل - ففى كل يوم ، بل فى كل ساعة ، يرى عباده بعض آياته الدالة
على وحدانيته وقدرته ، فى أنفسهم ، وفى آفاق هذا الكون وما أحكم قوله - تعالى - :
سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ﴾ .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الجملة التى تحمل طابع التهديد والوعيد لمن
خالف أمره، فقال - تعالى -: ﴿ وما ربك بغافل عما تعملون﴾.

٣٦٦
المجلد العاشر
أى : وما ربك - أيها الرسول الكريم - بغافل عما يعمله الناس ، وما يقولونه لك ،
وما يتهمونك به ، فسر فى طريقك ، وبلغ ما أمرك - سبحانه - بتبليغه ، فإن العاقبة لك
ولأتباعك المؤمنين ، أما الكافرون والمنافقون فنحن الذى سنتولى حسابهم ..
وبعد: فهذا تفسير لسورة ((النمل)) نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ،
ونافعا لعباده .
والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
القاهرة - مدينة نصر
مساء الخميس ١٥ من جمادى الآخرة ١٤٠٥ هـ
الموافق ١٩٨٥/٣/٧ م
د . محمد سيد طنطاوى
أ
=٠٠
٠٠٠٠

تفسير
سُورَةُ القَصَصِ

٣٦٩
مقدمة
بِسْمِ اللهُ الرّحمَنِّ الرَّحِيمِ
مقدمة وتمهيد
١ - سورة القصص ، هى السورة الثامنة والعشرون فى ترتيب المصحف ، وكان نزولها بعد
سورة النمل . فترتيب نزولها موافق لترتيبها فى المصحف . وعدد آياتها ثمانون آية .
٢ - قال القرطبى: وهى مكية كلها فى قول الحسن ، وعكرمة ، وعطاء . وقال ابن عباس
وقتادة : إلا آية نزلت بين مكة والمدينة . وقال ابن سلام : بالجحفة فى وقت هجرة الرسول
- 43 - إلى المدينة، وهى قوله - تعالى -: ﴿إن الذى فرض عليك القرآن لرادك إلى
معاد ... ﴾(١).
فعن يحيى بن سلام قال: بلغنى أن النبى - * - حين هاجر ، نزل عليه جبريل بالجحفة
وهو متوجه من مكة إلى المدينة فقال له : أتشتاق يا محمد إلى بلدك التى ولدت فيها ؟ قال :
نعم ، فقرأ عليه: ﴿إن الذى فرض عليك القرآن الرادك إلى معاد ... ﴾(٢).
٣ - والمتدبر لهذه السورة الكريمة ، يرى أكثر من نصفها ، فى الحديث عن قصة موسى
- عليه السلام - .
فهى تبدأ بقوله - تعالى -: ﴿ طسم . تلك آيات الكتاب المبين ، نتلو عليك من نبأ
موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون ..
٤ - ثم تحدثت السورة الكريمة بعد ذلك ، عما ألهم الله - تعالى - به أم موسى بعد ولادتها
له ، وعن حالتها النفسية بعد أن عرفت أن ابنها قد التقطه من اليم أعداؤها . وعما قالته
لأخته ، وعن فضل الله - تعالى - عليها ورحمته بها ، حيث أعاد إليها ابنها موسى ، قال
- تعالى -: ﴿ فرددناه إلى أمه كى تقر عينها ولا تحزن، ولتعلم أن وعد الله حق ، ولكن
أكثرهم لا يعلمون
(١) تفسير القرطبى ج ١٣ ص ٢٤٧ .
(٢) تفسير الآلوسى ح ٢٠ ص ٤١ .

٣٧٠
المجلد العاشر
٥ - ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على موسى - عليه السلام - بعد أن بلغ
أشده واستوى ، وبعد أن قتل رجلا من أعدائه ، وكيف أنه خرج من المدينة خائفا يترقب ،
قال : ﴿رب نجنى من القوم الظالمين
وقد أجاب الله - تعالى - له دعاءه ، فتجاه منهم ، ويسر له الوصول إلى جهة مدين ،
فعاش هناك عشر سنين ، أجيرا عند شيخ كبير من أهلها ، وتزوج موسى - عليه السلام -
بعد انقضاء تلك المدة ، بإحدى ابنتى هذا الشيخ الكبير .
قال - تعالى - حاكيا بعض ما قاله هذا الشيخ لموسى : ﴿قال إنى أريد أن أنكحك
إحدى ابنتى هاتين على أن تأجرنى ثمانى حجج ، فإنى أتممت عشرا فمن عندك ، وما أريد أن
أشق عليك ستجدنى إن شاء الله من الصالحين . قال ذلك بينى وبينك ، أيما الأجلين قضيت فلا
عدوان على، والله على مانقول وکیل
٦ - ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ، أن موسى بعد أن قضى المدة التى تعاقد عليها مع
الرجل الصالح ، وبعد أن تزوج ابنته ، سار بها متجها إلى مصر ، وفى الطريق رأى نارا ، فلما
ذهب إليها ، أمره ربه - تعالى - بأن يذهب إلى فرعون وقومه ليأمرهم بإخلاص العبادة له
- عز وجل - وذهب موسى - عليه السلام - إليهم ، وبلغهم رسالة ربه ، ولكنهم كذبوه،
فكانت عاقبتهم كما قال - تعالى - : ﴿ فأخذناه وجنوده فنبذناهم فى اليم فانظر كيف كان
عاقية الظالمين ..
٧ - وبعد هذا الحديث المفصل عن قصة موسى - عليه السلام - أخذت السورة الكريمة
فى تسلية الرسول - - عما أصابه من قومه ، فذكرت له ما يدل على أن هذا القرآن من
عند الله - تعالى - وأمرته أن يتحدى المشركين به ، وبينت له أنه - عليه الصلاة والسلام -
لا يستطيع أن يهدى من يحبه ولكن الله هو الذى يهدى من يشاء هدايته ، وحكت جانبا من
أقوال المشركين وردت عليها ، كما حكت جانبا من المصير السيىء الذى سيكونون عليه يوم
القيامة ، فقال - تعالى - : ﴿ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين ، فعميت عليهم
الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون .. ﴾ .
﴿ ويوم يناديهم فيقول : أين شركائى الذين كنتم تزعمون . ونزعنا من كل أمة شهيدا
فقلنا هاتوا برهانكم ، فعلموا أن الحق لله ، وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ .
٨ - ثم عادت السورة بعد ذلك للحديث عن قصة تتعلق برجل كان من قوم موسى: وهو
قارون ، فأخبرتنا بجانب من النعم التى أنعم الله - تعالى - بها عليه ، وكيف أنه قابل هذه
النعم بالجحود والكنود ، دون أن يستمع إلى نصح الناصحين ، أو وعظ الواعظين ، وكيف أن

٣٧١
مقدمة
الذين يريدون الحياة الدنيا تمنوا أن يكونوا مثله ، وكيف أن الذين أوتوا العلم قالوا لهم على
سبيل الزجر: ﴿ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ، ولا يلقاها إلا الصابرون ﴾
وكيف أن الذين يريدون الحياة الدنيا قالوا بعد أن رأوا مصرع قارون: ﴿ لولا أن من الله
علينا لخسف بنا ..
ثم ختم - سبحانه - هذه القصة ، ببيان سنة من سننه التى لا تتخلف فقال - تعالى - :
تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا فى الأرض ولا فسادا ، والعاقبة
للمتقين
٩ - وبعد أن انتهت السورة الكريمة ، عن الحديث المتنوع من قصص السابقين ، ومن
التعقيبات الحكيمة عليها ..
بعد كل ذلك ، جاء الأمر من الله - تعالى - بإخلاص العبادة له ، والنهى عن الإشراك به
فقال - سبحانه - ﴿ ولا تدع مع اللّه إلها آخر لا إله إلا هو، كل شىء هالك إلا وجهه ، له
الحكم وإليه ترجعون ﴾ .
١٠ - وبعد ، فهذا عرض مجمل لما اشتملت عليه سورة القصص من مقاصد وأهداف ،
ومن هذا العرض ، ترى أن السورة الكريمة قد اهتمت بأمور من أهمها ما يأتى :
( أ) تثبيت المؤمنين، وتقوية عزائمهم ، وتبشيرهم بأن العاقبة لهم ، وبأن الله - تعالى -
سيجعل من ضعفهم قوة ، ومن قلتهم كثرة ، كما جعل من موسى وقومه أمة منتصرة بعد أن
كانت مهزومة ، وغالبة بعد أن كانت مغلوبة .
ترى هذه التقوية والبشارة فى مثل قوله - تعالى - : ﴿ونريد أن نمن على الذين
استضعفوا فى الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين . ونمكن لهم فى الأرض ونری فرعون
وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ﴾ .
( ب ) أن السورة الكريمة تعطينا صورة زاخرة بالمعانى الكريمة والمؤثرة ، عن حياة موسى
- عليه السلام - فهى تحكى لنا حالة أمه . وأحاسيسها ، وخلجات قلبها ، وخوفها ، عند
ولادته ، وبعد ولادته ، وبعد إلقائه فى اليم ، وبعد أن علمت بالتقاط آل فرعون له ، وبعد رد
الله - تعالى - إليها ابنها ، فضلا منه - سبحانه - ورحمة .
كما تحكى لنا ما جبل عليه موسى - عليه السلام - من مروءة عالية جعلته يأبى أن يرى
مظلوما فلا ينصره ، ومحتاجا فلا يعينه .
فعندما رأى امرأتين عاجزتين عن سقى غنمهما ، قال لهما: ﴿ ماخطبكما قالتا لا نسقی حتى
يصدر الرعاء ، وأبونا شيخ كبير ، فسقى لهما .. ﴾ .

٣٧٢
المجلد العاشر
وعندما رأى مظلوما يستنصره، ما كان منه إلا أن نصره ، وقال: ﴿رب بما أنعمت على
فلن أكون ظهيرا للمجرمين ﴾ .
(ج) تأكيد أن هذا القرآن من عند الله، بدليل أن هذا القرآن قد قص على النبى - ليزر -
وعلى الناس ، قصصا لا علم لهم بحقيقتها قبل أن يقصها عليهم .
قال - تعالى -: ﴿ وما كنت بجانب الغربى ، إذ قضينا إلى موسى الأمر ، وما كنت من
الشاهدين ﴾ .
وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ، ولكن رحمة من ربك ، لتنذر قوما ما أتاهم من نذير
من قبلك لعلهم يتذكرون ؛
(د) اهتمت السورة اهتماما واضحا، ببيان مظاهر قدرة الله - تعالى - فى هذا الكون ،
هذه القدرة التى نراها فى إهلاك الظالمين والمغرورين ، حتى ولو ساندتهم جميع قوى الأرض .
كما نراها فى الرد على كفار مكة الذين زعموا ، أن اتباعهم للحق يؤدى إلى تخطفهم
والاعتداء عليهم ﴿وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا ، أو لم يمكن لهم حرما آمنا
يجبى إليه ثمرات كل شىء رزقا من لدنا ، ولكن أكثرهم لا يعلمون ، وكم أهلكنا من قرية
بطرت معيشتها ، فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا ، وكنا نحن الوارثين ، وما كان
ربك مهلك القرى حتى يبعث فى أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا ، وما كنا مهلكى القرى إلا
وأهلها ظالمون ﴾ ..
والخلاصة ، أن سورة القصص على رأس السور المكية ، التى حضت المؤمنين على الثبات
والصبر ، وساقت لهم من أخبار السابقين ، ما يزيدهم إيمانا على إيمانهم . ويقينا على يقينهم ،
بأن الله - تعالى - سيجعل العاقبة لهم ..
القاهرة - مدينة نصر
صباح السبت : ٢ من رجب سنة ١٤٠٥ هـ
١٩٨٥/٢/٢٣ م
المؤلف
د. محمد سيد طنطاوى

٣٧٣
سورة القصص
التفسير
قال الله - تعالى - :
مِاللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
بسـ
طسّمَ ن تِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ الْمُبِينِ ) نَتْلُواْ عَلَيْكَ
مِن تَّبَإِمُوسَى وَفِرْ عَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) إِنَّ
فِرْعَوْنَ عَلَا فِى الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ
طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَ هُمْ وَيَسْتَخِى نِسَآءَ هُمْ إِنَّهُ كَانَ
مِنَ الْمُفْسِدِينَ ، وَثُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ
فِي الْأَرْضِ وَتَجْعَلَهُمْ أَبِنَّةً وَجْعَلَ هُمُ الْوَرِثِنَ
وَثُمَكِّنَ لَهُمْ فِ الْأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَجُنُودَهُمَا
٦
مِنْهُم مَّا كَانُواْيَحْذَرُونَ
سورة القصص من السور التى افتتحت ببعض الحروف الهجائية ..
وقد رجحنا أن هذه الحروف ، قد افتتحت بها بعض سور القرآن الكريم ، للإِيقاظ والتنبيه
للذين تحداهم القرآن الكريم .
فكأن الله - تعالى - يقول لهؤلاء المعارضين فى أن القرآن من عند الله - تعالى - : هاكم
القرآن ترونه مؤلفا من حروف هى من جنس الحروف الهجائية ، ومنظوما من كلام هو من
جنس ما تؤلفون منه كلامكم .
فإن كنتم فى شك فى كون هذا القرآن من عند الله ، فهاتوا مثله ، أو عشر سور من مثله

٣٧٤
المجلد العاشر
أو سورة واحدة من مثله وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك .
فلما عجزوا - وهم أهل الفصاحة والبيان - ثبت أن غيرهم أعجز ، وأن هذا القرآن من
عند الله - تعالى - .
تلك ﴾ اسم إشارة، والمشار إليه الآيات. والمراد بها آيات القرآن الكريم، ويندرج
فيها آيات هذه السورة التى معنا .
الكتاب ﴾: مصدر كتب كالكتب . وأصله ضم أديم إلى آخر بالخياطة ، واستعمل عرفا
فى ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط . والمراد به : القرآن الكريم .
و﴿ المبين): أى: الواضح المظهر للحق من الباطل، من أبان بمعنى أظهر.
أى : تلك الآيات التى أنزلناها عليك - أيها الرسول الكريم - هى آيات الكتاب المظهر
للحق من الباطل ، والموضح للخير من الشر ، والكاشف عن حقائق الأمور ، وعن قصص
الأولين .
ثم بين - سبحانه -: ما سيقصه على رسول الله -* - فى هذه السورة فقال: ﴿نتلو
عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون ﴾ .
وقوله - تعالى - ﴿ نتلو﴾ من التلاوة بمعنى القراءة المرتلة التى يقصد منها التذكير
والإِرشاد .
والنبأ : الخبر العظيم المشتمل على أمور من شأنها أن يهتم الناس بها .
وموسى - عليه السلام - : هو ابن عمران بن يصهر بن ماهيث بن لاوى بن يعقوب
- عليه السلام - وكانت ولادة موسى فى حوالى القرن الثالث عشر قبل الميلاد .
وفرعون : اسم كان يطلق فى القديم على كل ملك لمصر ، كما يقال لملك الروم : قيصر ،
ولملك اليمن : تبع .
ويرى كثير من المؤرخين أن فرعون مصر ، الذى ولد وبعث فى عهده موسى - عليه
السلام - هو منفتاح ابن الملك رمسيس الثانى .
قال الآلوسى ما ملخصه : والظاهر أن ﴿ من ﴾ فى قوله ﴿ نتلو عليك من نبأ موسى
وفرعون ... ﴾ تبعيضية. والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة لمفعول ﴿نتلو﴾
المحذوف . وقوله ﴿ بالحق) حال من فاعل ﴿نتلو﴾ أى: نتلو ملتبسين بالحق، أو من
مفعوله ، أى: نتلو شيئا من نبئهما ملتبسا بالحق ... (١).
(١) تفسير الآلوسى ج ٢٠ ص ٤٢ .

٣٧٥
سورة القصص
والمعنى : نتلو عليك - أيها الرسول الكريم - تلاوة كلها حق وصدق ، شيئا عجيبا ،
وخبرا هاما ، يتعلق بقصة موسى - عليه السلام - ، وبقصة فرعون .
وقوله - سبحانه -: ﴿لقوم يؤمنون﴾ أى: نتلو عليك هذه الآيات ، لقوم يؤمنون
بها، وينتفعون بما اشتملت عليه من هدايات وعبر وعظات .
وقوله - تعالى -: ﴿إن فرعون علا فى الأرض، وجعل أهلها شيعا ... ﴾ كلام مستأنف
لتفصيل ما أجمله من النبأ .
وقوله ﴿ علا فى الأرض) أى تكبر فيها وطغى، من العلو بمعنى الارتفاع. والمقصود أنه
جاوز كل حد فى غروره وظلمه وعدوانه . والمراد بالأرض : أرض مصر ومايتبعها من بلاد .
شيعاً﴾ جمع شيعة، وهم الأتباع والجماعات ، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعته .
أى : إن فرعون طغى وبغى وتجبر فى الأرض ، وجعل أهلها شيعا وأتباعا له ، وصار
يستعمل كل طائفة منهم ، فيما يريده من أمور دولته ، فهذه الطائفة للبناء ، وتلك للسحر ،
وثالثة لخدمته ومناصرته على ما يريد ..
وجملة ﴿ يستضعف طائفة منهم ﴾ لبيان حال الذين جعلهم شيعا وأحزابا .
والمراد بهذه الطائفة : بنو إسرائيل .
أى: أنه بعد أن جعل أهل مملكته شيعا وأحزابا اختص طائفة منهم بالإِذلال والقهر
والظلم ، فصار يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم . أى : يذبح الذكور من بنى إسرائيل بمجرد
ولادتهم ، ويترك الإِناث أحياء .
قال الإِمام الرازى ما ملخصه : وفى ذبح الذكور دون الإِناث مضرة من وجوه :
أحدها : أن ذبح الأبناء يقتضى فناء الرجال . وذلك يقتضى انقطاع النسل ..
ثانيها : أن هلاك الذكور يقتضى فساد مصالح النساء فى المعيشة ، فأن المرأة لتتمنى الموت
إذا انقطع عنها تعهد الرجال ..
ثالثها : أن قتل الذكور عقب الحمل الطريل ، وتحمل الكد ، والرجاء القوى فى الانتفاع
به ، من أعظم العذاب ..
رابعها : أن بقاء النساء بدون الذكران من أقاربهم ، يؤدى إلى صيرورتهن مستفرشات
للأعداء ، وذلك نهاية الذل والهوان(١).
(١) تفسير الفخر الرازى ج ١ ص ٣٥٨.

٣٧٦
المجلد العاشر
قالوا : وإنما كان فرعون يذبح الذكور من بنى إسرائيل دون الإناث ، لأن الكهنة
أخبروه ، بأن مولودا سيولد من بنى إسرائيل ، يكون ذهاب ملك فرعون على يده .
وقوله - سبحانه - : ﴿ إنه كان من المفسدين ) تعليل وتأكيد لما كان عليه فرعون من
تجبر وطغيان .
أى : إن فرعون كان من الراسخين فى الفساد والإفساد ، ولذلك فعل ما فعل من ظلم
لغيره ، ومن تطاول جعله يقول للناس: ﴿ أنا ربكم الأعلى﴾.
ثم بين - سبحانه - ما اقتضته إرادته وحكمته ، من تنفيذ وعيده فى القوم الظالمين ، مهما
احتاطوا وحذروا ، ومن إنقاذه للمظلومين بعد أن أصابهم من الظلم ما أصابهم فقال: ﴿ونريد
أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض ، ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ، وتمكن لهم فى
الأرض ، ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ﴾.
وقوله ﴿نمن) من المن بمعنى التفضل، ومن قوله - تعالى -: ﴿لقد من الله على
المؤمنين ... ﴾ أى : لقد تفضل عليهم، وأحسن إليهم .
وقوله: ﴿ويمكن لهم فى الأرض﴾ من التمكين، وأصله : أن نجعل للشىء مكانا يستقر
فيه ، ويحل به . ثم استعير للتسليط وللحصول على القوة بعد الضعف ، وللعز بعد الذل .
وقوله : ﴿ يحذرون﴾ من الحذر، بمعنى الاحتراس والاحتراز من الوقوع فى الأمر
المخيف . يقال : حذر فلان فلانا ، إذا خافه واحترس منه .
قال الشوكانى : والواو، فى قوله ﴿ونريد أن نمن﴾ للعطف على جملة، ﴿إن فرعون
علا فى الأرض ) لأن بينهما تناسبا من حيث إن كل واحدة منهما ، للتفسير والبيان للنبأ .
ويجوز أن تكون حالا من فاعل ﴿ يستضعف﴾ بتقدير مبتدأ. أى: ونحن نريد أن نمن على
الذين استضعفوا فى الأرض .. والأول أولى(١).
والمعنى : لقد طغا فرعون وبغى، ونحن بإرادتنا وقدرتنا ﴿نريد أن نمن﴾ ونتفضل على
بنى إسرائيل ، الذين استضعفوا فى الأرض ، بأن تنجيهم من ظلمه ، وننقذهم من قهره وبغيه .
ونجعلهم الوارثين ﴾ للأرض المباركة، التى نعطيهم إياها متى آمنوا وأصلحوا ، كما قال
- تعالى -: ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا
فيها ، وتمت كلمة ربك الحسنى على بنى إسرائيل بما صبروا ، ودمرنا ماكان يصنع فرعون وقومه
(١) تفسير فتح القدير ج ٤ ص ١٥٩ .

٣٧٧
سورة القصص
(١)
وما كانوا يعرشون
وقوله - تعالى -: ﴿ويمكن لهم فى الأرض﴾ أى: ونجعلهم أقوياء راسخى الأقدام فى
الأرض التى نورثهم إياها ، بعد القوم الظالمين .
﴿ ونرى فرعون وهامان وجنودهما﴾ أى: ونطلع فرعون وهامان - وهو وزير
فرعون - وجنودهما التابعين لهما ﴿ منهم﴾ أى: من بنى إسرائيل المستضعفين فى الأرض
ما كانوا يحذرون ﴾ أى ما كانوا يحاولون دفعه واتقاءه ، فقد كان فرعون وجنده يقتلون
الذكور من بنى إسرائيل ، خوفا من ظهور غلام منهم يكون هلاك فرعون على يده .
قال ابن كثير : أراد فرعون بحوله وقوته ، أن ينجو من موسى ، فما نفعه ذلك ، بل نفذ
الله - تعالى - حكمه . بأن يكون إهلاك فرعون على يد موسى ، بل يكون هذا الغلام الذى
احترزت من وجوده - يا فرعون - ، وقتلت بسببه ألوفا من الولدان ، إنما منشؤه ومر باه
على فراشك وفى دارك ... وهلاكك وهلاك جندك على يديه ، لتعلم أن رب السموات العلا ، هو
القاهر الغالب العظيم ، الذى ماشاء كان ، وما لم يشأ لم يكن(٢).
وهكذا تعلن السورة الكريمة فى مطلعها ، أن ما أراده الله - تعالى - لابد أن يتم ، أمام
أعين فرعون وجنده ، مهما احتاطوا ومهما احترسوا، ﴿والله غالب على أمره، ولكن أكثر
الناس لا يعلمون ﴾ .
ثم فصل - سبحانه - الحديث عن موسى - عليه السلام - فذكر ما ألهمه لأمه عند
ولادته . وما قالته امرأة فرعون له عند التقاط آل فرعون لموسى ، وما كانت عليه أم موسى
من حيرة وقلق ، وما قالته لأخته ، وكيف رد الله - تعالى - بفضله وكرمه موسى إلى أمه ..
لنستمع إلى السورة الكريمة ، وهى تفصل هذه الأحداث ، بأسلوبها البديع المؤثر فتقول :
وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّمُوسَىّ
أَنْ أَرْضِعِيَةِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَ أَلْفِيهِ فِى الْيَمِّ وَلَا تَخَافِ
وَلَا تَحْزَبِ إِنَّارَآدُوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
٧
(١) سورة الأعراف الآية ١٣٧ .
(٢) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٢٣١ .

٣٧٨
المجلد العاشر
فَالْتَقَطَهُ: ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنَّ إِنَّ
٥
فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَجُنُودَ هُمَا كَانُواْ خَطِعِينَ
وَقَالَتِ أُمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍلِ وَلَكَ لَاَنَقْتُلُوهُ عَسَىّ
أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْنَتَّخِذَهُ،وَلَدَّاوَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ( ١)، وَأَصْبَحَ
فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَرِعًا إِن كَادَتْ لَنُبْدِى بِهِ، لَوْلَا أَنْ
رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَالِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَقَالَتْ
لِأُخْتِهِ، قُصِيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ، عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدْلُّكُمُ
١١
١٢
عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُلَكُمْ وَهُمْ لَّهُ نَصِحُونَ ﴿
فَرَدَدْنَهُ إِلَى أُمِّهِ، كَىْ نَقَرَّعَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ
أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْتَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
١٣
قال الإِمام الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما قال: ﴿ونريد أن نمن على الذين
استضعفوا﴾ ابتدأ بذكر أوائل نعمه فى هذا الباب فقال: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن
أرضعيه﴾(١).
والوحى إلى أم موسى ، يجوز أن يكون عن طريق الإلهام ، كما فى قوله - تعالى - :
﴿ وأوحى ربك إلى النحل .. ﴾ أو عن طريق المنام، أو عن طريق إرسال ملك أخبرها
بذلك .
قال الآلوسى : والظاهر أن الإيحاء إليها كان بإرسال ملك، ولا ينافى ذلك الإجماع على
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٦ ص ٤٢٦ .

٣٧٩
سورة القصص
عدم نبوتها ، لما أن الملائكة - عليهم السلام - قد ترسل إلى غير الأنبياء وتكلمهم .
والظاهر - أيضا - أن هذا الإيحاء كان بعد الولادة .. وقيل: كان قبلها ... (١).
و﴿ أن﴾ فى قوله ﴿ أن أرضعيه﴾ مفسرة، لأن الوحى فيه معنى القول دون حروفه.
والخوف : حالة نفسية تعترى الإِنسان ، فتجعله مضطرب المشاعر ، لتوقعه حصول أمر
يكرهه .
والحزن : اكتئاب نفسى يحدث للإنسان من أجل وقوع ما يكرهه ، كموت عزيز لديه . أو
فقده لشىء يحبه ..
وفى الكلام حذف يعرف من السياق ، والتقدير : وحملت أم موسى به فى الوقت الذى كان
فرعون يذبح الأبناء ، ويستحبى النساء ، وأخفت حملها عن غيرها ، فلما وضعته أصابها
ما أصابها من خوف وفزع على مصير ابنها ، وهنا ألهمناها بقدرتنا وإرادتنا . وقذفنا فى قلبها أن
أرضعيه فى خفاء وكتمان ﴿ فإذا خفت عليه ﴾ من فرعون وحاشيته أن يقتلوه كما قتلوا غيره
من أبناء بنى إسرائيل .
فألقيه فى اليم ﴾ أى: فى البحر والمراد به نهر النيل، وسمى بحرا لاتساعه، وإن كان
الغالب إطلاق البحر على المياه غير العذبة .
﴿ ولا تخافى ولا تحزنى﴾ أى: ولا تخافى عليه من حصول مكروه له، ولا تحزنى لمفارقته
لك ، فهو فى رعايتنا وحمايتنا ، ومن رعاه الله - تعالى - وحماه ، فلا خوف عليه ولا حزن .
وجملة ﴿ إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾ تعليل للنهى عن الخوف والحزن ، وتبشير
لها بأن ابنها سيعود إليها ، وسيكون من رسل الله - عز وجل - .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما المراد بالخوفين - فى الآية - حتى أوجب أحدهما ونهى
عن الآخر ؟ .
قلت : أما الأول ، فالخوف عليه من القتل ، لأنه كان إذا صاح خافت أن يسمع الجيران
صوته ، فينموا عليه . وأما الثانى : فالخوف عليه من الغرق ومن الضياع ، ومن الوقوع فى يد
بعض العيون المبثوتة من قبل فرعون فى تطلب الولدان .
فإن قلت : ما الفرق بين الخوف والحزن ؟ قلت : الخوف ، غم يلحق الإِنسان لشىء
متوقع .
(١) تفسير الآلوسى ج ٢٠ ص ٤٥ .

٣٨٠
المجلد العاشر
والحزن : غم يلحقه لشىء وقع ، فنهيت عنهما جميعا وأومنت بالوحى إليها ، ووعدت بما
يسليها، ويطمئن قلبها ، ويملؤها غبطة وسرورا ، وهو رده إليها . وجعله من المرسلين .. (١) .
وهكذا نجد الآية الكريمة قد اشتملت على أبلغ الأساليب وأبدعها ، فى بيان قدرة الله
- تعالى - ورعايته لمن يريد رعايته .
قالوا : مدح الأصمعى امرأة لإنشادها شعرا حسنا ، فقرأت هذه الآية الكريمة ثم قالت
له : أبعد هذه الآية فصاحة ، لقد اشتملت على أمرين وهما ﴿أرضعيه فألقيه﴾ ونهيين وهما
﴿ لا تخافى ولا تحزنى﴾ وخبرين ﴿إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) وبشارتين فى
ضمن الخبرين وهما : الرد والجعل المذكوران .
والفاء فى قوله: ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا .. ﴾ هى الفصيحة.
والالتقاط : وجود الشىء والحصول عليه من غير طلب ولا قصد .
والمراد بآل فرعون : جنوده وأتباعه الذين عثروا على التابوت الذى به موسى ، وحملوه
إلى فرعون . والحزن - بالتحريك، وبضم فسكون - نقيض السرور، وفعله كفرح .
يقال : حزنه الأمر وأحزنه : أى : جعله حزينا .
واللام فى قوله : ﴿ ليكون ... ﴾ هى لام العاقبة والصيرورة.
قال القرطبى: قوله - تعالى -: ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ﴾ لما
كان التقاطهم إياه يؤدى إلى كونه عدوا لهم وحزنا ، فاللام فى ﴿ ليكون ﴾ لام العاقبة
والصيرورة ، لأنهم إنما أخذوه ليكون لهم قرة عين ، فكان عاقبة ذلك أن كان لهم عدوا وحزنا ،
فذكر الحال بالمآل كما فى قول الشاعر :
وللمنايا تربى كل مرضعة ودورنا لخراب الدهر نبنيها
أى : فعاقبة البناء : الخراب ، وإن كان فى الحال مفروحا به (٢).
ويرى بعضهم أن اللام هنا يصح أن تكون للتعليل ، بمعنى ، أن الله - تعالى - سخر
بمشيئته وإرادته فرعون وآله . لالتقاط موسى ، ليجعله لهم عدوا وحزنا ، فكأنه - سبحانه -
يقول : قدرنا عليهم التقاطه بحكمتنا وإرادتنا ، ليكون لهم عدوا وحزنا .
إلى هذا المعنى أشار الإِمام ابن كثير بقوله : قال محمد بن إسحاق وغيره اللام هنا لام
العاقبة لا لام التعليل ، لأنهم لم يريدوا بالتقاطه ذلك - أى : لم يريدوا بالتقاطه العداوة
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٣٩٣ .
(٢) تفسير القرطبى ج ١٢ ص ٢٥٢ .