النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ سورة النمل أحد من بنى آدم .. (١) . وقوله - تعالى -: ﴿ولوطا ... ) منصوب بفعل مضمر محذوف، والتقدير: واذكر - أيها العاقل - وقت أن أرسلنا لوطا إلى قومه . فقال لهم على سبيل الزجر والتوبيخ : أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون ﴾ أى : أتأتون الفاحشة التى لم يسبقكم إليها أحد ، وهى إتيان الذكور دون الإناث ، وأنتم تبصرون بأعينكم أنها تتنافى مع الفطرة السوية حتى بالنسبة للحيوان الأعجم فأنتم ترون وتشاهدون أن الذكر من الحيوان لا يأتى الذكر ، وإنما يأتى الأنثى ، حيث يتأتى عن طريقها التوالد والتناسل وعمارة الكون . فقوله - سبحانه - : ﴿ وأنتم تبصرون) جملة حالية المقصود بها زيادة تبكيتهم وتوبيخهم ، لأنهم يشاهدون تنزه الحيوان عنها ، كما يعلمون سوء عاقبتها ، وسوء عاقبة الذين خالفوا أنبياءهم من قبلهم . وقوله - سبحانه -: ﴿ أتنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء ... ﴾ تأكيد للإنكار السابق ، وتوضيح للفاحشة التى كانوا يأتونها . والإِتيان : كناية عن الاستمتاع والجماع ، مأخوذ من أتى المرأة إذا جامعها . أى: أئنكم - أيها الممسوخون فى فطرتكم وطبائعكم - لتصبون شهوتكم التى ركبها الله - تعالى - فيكم فى الرجال دون النساء اللاتى جعلهن الله - تعالى - محل شهوتكم ومتعتكم . قال الألوسى : والجملة الكريمة تثنية للإنكار ، وبيان لما يأتونه من الفاحشة بطريق التصريح بعد الإبهام وتحلية الجملة بحرفى التأكيد ، للإِيذان بأن مضمونها مما لا يصدق وقوعه أحد ، لكمال شناعته ، وإيراد المفعول بعنوان الرجولية دون الذكورية ، لزيادة التقبيح والتوبيخ .. (٢) . وقوله - تعالى -: ﴿ بل أنتم قوم تجهلون﴾ إضراب عن الإنكار إلى الإِخبار عن الأسباب التى جعلتهم يرتكبون هذه القبائح ، وهى أنهم قوم دينهم الجهل والسفاهة والمجون وانطاس البصيرة . وقد حكى القرآن أن لوطا قد قال لهم فى سورة الأعراف : ﴿بل أنتم قوم مسرفون ﴾ وقال لهم فى سورة الشعراء: ﴿بل أنتم قوم عادون﴾ وقال لهم هنا: ﴿بل أنتم قوم تجهلون ﴾ ومجموع الآيات يدل على أنهم كانوا مصابين بفساد العقل ، وانحراف الفطرة، (١) تفسير ابن كثير ج ٢، ص ٢٣٠ . (٢) تفسير الآلوسى ج ١٩، ص ٢١٦ . ٣٤٢ المجلد العاشر وتجاوز كل الحدود التى ترتضيها النفوس الكريمة . ثم حكى القرآن بعد ذلك جوابهم السىء على نبيهم فقال: ﴿ فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم .. ﴾ . والفاء للتفريع ، والاستثناء مفرغ من أعم الأشياء . أى : هكذا نصح لوط قومه وزجرهم ، فما كان جوابهم شيئا من الأشياء سوى قول بعضهم لبعض أخرجوا لوطا والمؤمنين معه من قريتكم التى يساكنونكم فيها . وفى التعبير بقولهم : ﴿ من قریتکم ﴾ إشارة إلى غرورهم وتكبرهم فكأنهم يعتبرون لوطا وأهله المؤمنين دخلاء عليهم ، ولا مكان لهم بين هؤلاء المجرمين لأن القرية - وهى سدوم - هى قريتهم وحدهم ، دون لوط وأهله . . وقوله - تعالى - حكاية عنهم: ﴿ إنهم أناس يتطهرون ﴾ تعليل للإخراج ، وبيان لسببه ، أى أخرجوهم من قريتكم لأنهم أناس يتنزهون عن الفعل الذى نفعله ، وينفرون من الشهوة التى نشتهيها وهى إتيان الرجال .. وما أعجب العقول عندما تنتكس ، والنفوس عندما ترتكس ، إنها تأبى أن يبقى معها الأطهار، بل تحرض على طردهم ، ليبقى معها الممسوخون والمنحرفون الذين انحطت طباعهم ، وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم فرأوه حسنا . ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال : وقولهم: ﴿إنهم أناس يتطهرون ﴾ سخرية بهم وبتطهرهم من الفواحش ، وافتخارا بما كانوا فيه من القذارة ، كما يقول الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم : أبعدوا عنا هذا المتقشف وأريحونا من هذا المقزهد(١). ثم بين - سبحانه - ما آل إليه أمر الفريقين فقال: ﴿فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين ، وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين ﴾ . والغابر : الباقى . يقال: غبر الشىء يغبر غبورا . إذا بقى . أى : فكانت عاقبة تلك المحاورة التى دارت بين لوط وقومه ، أن أنجينا لوطا وأهله الذين آمنوا معه، ﴿ إلا امرأته﴾ فإننا لم نتجها لخبتها وعدم إيمانها ، فبقيت مع القوم الكافرين ، حيث قدرنا عليها ذلك بسبب كفرها وممالأتها لقومها . وأمطرنا﴾ على هؤلاء المجرمين ﴿مطرا) عظيما هائلا عجيبا أمره وهو حجارة من سجيل دمرتهم تدميرا ﴿فساء مطر المنذرين﴾ أى: فبئس العذاب عذابهم. (١) تفسير الكشاف ج ٢، ص ١٢٧ . ٣٤٣ سورة النمل وهكذا تكون عاقبة كل من آثر الكفر على الإِيمان ، والرذيلة على الفضيلة . وبعد هذا الحديث المتنوع عن قصص بعض الأنبياء ، ساق - سبحانه - ما يدل على وحدانيته ، وكمال قدرته ، وسعة فضله على عباده ، فقال - تعالى - : قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِوَسَلَمُ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَىُّءَاللّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَأَنْبَتْنَابِهِ، حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُتْبِتُواْ شَجَرَهَاْ أَعِلَهٌ مَعَ اللَّهِّبَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ٦٠ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَهَا أَنْهَرَاً وَجَعَلَ لَمَا رَوَسِى وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزَا أَِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٦) أَمَّنْ يُحِبُ الْمُضْطَرَّ إِذَادَعَاهُ وَيَكْشِفُ الشُّوَءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِّ أَءِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّانَذَكَّرُونَ (١) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِى ظُلُمَتِ الْبَرِّوَ الْبَحْرِ وَ مَن يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرَابَيْنَ يَدَىْ ٦٣ رَحْمَتِهٌِ أَعِلَةٌ مَعَ اللَّهِ تَعَلَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدَؤُ ا الْخَلْقَ ثُمَّيُعِيدُمُ وَ مَن يَرْزُ قُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ أَِلَهٌ مَعَ الَّهِ قُلْ هَاتُواْبُرْ هَنَّكُمْ إِنْ كُمْ صَدِّقِينَ ٦٤ قال صاحب البحر المحيط : لما فرغ - سبحانه - من قصص هذه السورة ، أمر رسوله ١ ٣٤٤ المجلد العاشر - وَ - بحمده - تعالى - والسلام على المصطفين ، وأخذ فى مباينة واجب الوجود وهو الله - تعالى - ومباينة الأصنام والأديان التى أشركوها مع اللّه وعبدوها ، وابتدأ فى هذا التقرير لقريش وغيرهم بالحمد لله، وكأنها صدر خطبة ، لما يلقى من البراهين الدالة على الوحدانية والعلم والقدرة . وقد اقتدى بذلك المسلمون فى تصانيف كتبهم ، وخطبهم ، ووعظهم ، فافتتحوا بتحميد الله، والصلاة على رسوله - ي - وتبعهم المتراسلون فى أوائل كتب الفتوح والتهانى والحوادث التى لها شأن(١). والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - للناس: ﴿ الحمد للّه) - تعالى - وحده ، فهو - سبحانه - صاحب النعم والمنن على عباده ، وهو - عز وجل - الذى له الخلق والأمر وليس لأحد سواه . وقل - أيضا - ﴿ سلام على عباده الذين اصطفى ﴾ أى : أمان وتحية لعباده الذين اصطفاهم واختارهم - سبحانه - لحمل رسالته وتبليغ دعوته ، والاستجابة لأمره ونهيه ، والطاعة له فى السر والعلن . والاستفهام فى قوله ﴿ اللّه خير أما يشركون﴾ للانكار والتقريع، والألف منقلبة عن همزة الاستفهام . أى : وقل لهم - أيها الرسول الكريم - آلله الذى له الخلق والأمر ، والذى أنعم عليكم بالنعم التى لا تحصى ، خير ، أم الآلهة الباطلة التى لا تنفع ولا تضر ، والتى يعبدها المشركون من دون الله - تعالى - . إن كل من عنده عقل، لا يشك فى أن المستحق للعبادة والطاعة ، هو الله رب العالمين . ولفظ ﴿ خير﴾ ليس للتفضيل، وإنما هو من باب التهكم بهم ، إذ لاخير فى عبادة الأصنام أصلا . وقد حكى عن العرب أنهم يقولون : السعادة أحب إليك أم الشقاوة ، مع أنه لا خير فى الشقاوة إطلاقا . قال الآلوسى: وقوله ﴿ اللّه﴾ بالمد لقلب همزة الاستفهام ألفا، والأصل اته؟ ﴿خير أما يشركون﴾ والظاهر أن ﴿ما﴾ موصولة، والعائد محذوف أى: آللّه الذى ذكرت شئونه العظيمة خير أم الذى يشركونه من الأصنام و﴿ خير ﴾ أفعل تفضيل، ومرجع الترديد إلى التعريض بتبكيت الكفرة من جهته - عز وجل - وتسفيه آرائهم الركيكة ، والتهكم بهم ، إذ (١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان ج ٧ ص ٨٨°. ٣٤٥ سورة النمل من البين أنه ليس فيما أشركوه به - سبحانه - شائبة خير ، حتى يمكن أن يوازن بينه وبين من هو خير محض .. (١) . ثم ساق - سبحانه - خمس آيات ، وكل آية فيها ما يدل على كمال قدرته وعلمه ، وختم كل آية بقوله: ﴿ أإله مع الله﴾؟ فقال - تعالى - ﴿أم من خلق السموات والأرض .. ﴾ » هنا منقطعة بمعنى بل الإضرابية والاستفهام للإنكار والتوبيخ . أى : بل قولوا لنا - إن كنتم تعقلون أيها الضالون - من الذى خلق السموات والأرض ، وأوجدهما على هذا النحو البديع ، والتركيب المحكم . وأنزل لكم من السماء ماء ﴾ وهو المطر ، الذى لا غنى لكم عنه فى شئون حياتكم . فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ﴾ والحدائق : جمع حديقة ، وهى فى الأصل اسم البستان المحاط بالأسوار ، من أحدق بالشىء إذا أحاط به ، ثم توسع فيها فصارت تطلق على كل بستان سواء أكان مسورا بسور أم لا . أى: وأنزل - سبحانه - بقدرته من السماء ماء مباركا ، فأنبتنا لكم بسبب هذا الماء حدائق وبساتين وجنات ذات منظر حسن ، يشرح الصدور ، ويدخل السرور على النفوس . وقال - سبحانه -: ﴿ فأنبتنا .. ﴾ بصيغة الالتفات من الغيبة إلى التكلم . لتأكيد أن القادر على هذا الإنبات هو الله - تعالى - وحده ، وللإِيذان بأن إنبات هذه الحدائق مع اختلاف ألوانها ، وأشجارها ، وطعومها . لا يقدر عليه إلا هو - سبحانه - . ولذا أتبع - عز وجل - هذه الجملة بقوله: ﴿ ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ﴾ أى : ما كان فى إمكانكم - أيها الناس - بحال من الأحوال ، أن تنبتوا أشجار هذه الحدائق ، فضلا عن إيجاد ثمارها ، وإخراجها من العدم إلى الوجود . قال الإِمام الرازى : يقال : ماحكمة الالتفات فى قوله: ﴿ فأنبتنا ... ﴾ والجواب: أنه لا شبهة فى أن خالق السموات والأرض ، ومنزل الماء من السماء ، ليس إلا الله - تعالى - . ولكن ربما عرضت الشبهة فى أن منبت الشجرة هو الإِنسان ، فإن الإِنسان قد يقول : أنا الذى ألقى البذر فى الأرض ، وأسقيها الماء .. وفاعل السبب ، فاعل للمسبب ، فأنا المنبت للشجرة .. فلما كان هذا الاحتمال قائما . لا جرم أزال - سبحانه - هذا الاحتمال . لأن الانسان قد يأتى بالبذر والسقى .. ولا يأتى الزرع على وفق مراده .. فلهذه النكتة جاء الالتفات .. (٢). (١) تفسير الآلوسى ج ٢٠، ص ٣. (٢) تفسير الفخر الرازى ج ٦ ص ٤١٤ . ٣٤٦ المجلد العاشر وقوله - تعالى -: ﴿ أإله مع الله﴾ أى: أإله آخر كائن مع الله - تعالى - هو الذى خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء .. كلا، لاشريك مع الله - تعالى - فى خلقه وقدرته ، وإيجاده لهذه الكائنات ﴿ بل هم قوم يعدلون﴾. أى : بل إن هؤلاء المشركين قوم يعدلون عمدا عن الحق الواضح وهو التوحيد ، إلى الباطل البين وهو الشرك . فقوله: ﴿ يعدلون﴾ مأخوذ من العدول بمعنى الانحراف عن الحق إلى الباطل . أو من العدل والمساواة ، فيكون المعنى : بل هم قوم - لجهلهم - يساوون بالله - تعالى - غيره من آلهتهم . والجملة الكريمة : انتقال من تبكيتهم بطريق الخطاب ، إلى توبيخهم ، وتجهيلهم ، وبيان سوء تفكيرهم ، وانطاس بصائرهم . ثم انتقلت السورة الكريمة إلى لفت أنظارهم إلى حقائق كونية أخرى يشاهدونها بأعينهم ، ويحسونها بحواسهم. فقال - تعالى -: ﴿أَمَّن جعل الأرض قرارا﴾ والقرار: المكان الذى يستقر فيه الإِنسان ، ويصلح لبناء حياته عليه . أى : بل قولوا لنا - أيها المشركون : من الذى جعل هذه الأرض التى تعيشون عليها ، مكانا صالحا لاستقراركم ، ولحرثكم ، ولتبادل المنافع فيما بينكم ، ومن الذى دحاها وسواها وجعلها بهذه الطريقة البديعة . ومن الذى ﴿ جعل خلالها﴾ أى: جعل فيما بينها ﴿ أنهارا﴾ تجرى بين أجزائها، لتنتفعوا بمياه هذه الأنهار فى شربكم ، وفى غير ذلك من شئون حياتكم . ومن الذى ﴿ جعل لها رواسى﴾ أى: جعل لصلاح حالها جبالا ثوابت ، تحفظها من أن تضطرب بكم . ومن الذى : ﴿ جعل بين البحرين﴾ أى: جعل بين البحر العذب والبحر الملح حاجزا ﴾ يجعلهما لا يختلطان ولا يمتزجان . ثم يأتى الاستفهام الإنكارى ﴿ أإله مع الله﴾؟ أى: أإله مع الله - تعالى - هو الذى فعل ذلك ؟ كلا ، ليس مع الله - تعالى - آلهة أخرى فعلت ذلك . ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون﴾ أى: بل أكثر هؤلاء المشركين ، لا يعلمون الأمور على وجهها الصحيح ، لجهلهم ، وعكوفهم على ما ورثوه عن آبائهم بدون تفكير أو تدبر . وعبر بأكثرهم ، لأن هناك قلة منهم تعلم الحق ، لكنها تنكره جحودا وعنادا . ثم تنتقل السورة - للمرة الثالثة - إلى لفت أنظارهم إلى الحقيقة التى هم يحسونها فى ٣٤٧ سورة النمل خاصة أنفسهم، وفى حنايا قلوبهم فتقول: ﴿ آمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء والمضطر : اسم مفعول من الاضطرار الذى هو افتعال من الضرورة . والمراد به : الإِنسان الذى نزلت به شدة من الشدائد . جعلته يرفع أكف الضراعة إلى الله - تعالى - لكى يكشفها عنه . أى : وقولوا لنا - أيها المشركون - : من الذين يجيب دعوة الداعى المكروب الذى نزلت به المصائب والرزايا ؟ ومن الذى يكشف عنه وعن غيره السوء والبلاء ؟ إنه الله وحده ، هو الذى يجيب دعاء من التجأ إليه ، وهو وحده - سبحانه - الذى يكشف السوء عن عباده ، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته . وقولوا لنا - أيضا - : من الذى ﴿ يجعلكم خلفاء الأرض ﴾ أى : من الذى يجعلكم يخلف بعضكم بعضا . قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل ﴿أإله مع الله ﴾ هو الذى فعل ذلك. كلا، بل الله وحده - عز وجل - هو الذى يجيب المضطر ، وهو الذى يكشف السوء ، وهو الذى يجعلكم خلفاء الأرض، ولكنكم ﴿ قليلا ما تذكرون﴾ أى: ولكنكم زمانا قليلا هو الذى تتذكرون فيه نعم الله - تعالى - عليكم ، ورحمته بكم . وختم - سبحانه - هذه الآية بتلك الجملة الحكيمة ، لأن الإنسان من شأنه - إلا من عصم الله - أنه يذكر الله - تعالى - عند الشدائد ، وينساه عند الرخاء . وصدق الله إذ يقول: ﴿وإذا أنعمنا على الإِنسان أعرض ونأى بجانبه ، وإذا مسه الشر ، فذو دعاء عريض ثم انتقلت السورة الكريمة - للمرة الرابعة - إلى لفت أنظارهم إلى نعمه - سبحانه - عليهم فى أسفارهم فقال - تعالى -: ﴿أَمَّن يهديكم فى ظلمات البر والبحر ﴾. أى: وقولوا لنا - أيها المشركون - : من الذى يرشدكم فى أسفاركم إلى المكان الذى تريدون الذهاب إليه ، عندما تلتبس عليكم الطرق ، وأنتم بين ظلمات البحر وأمواجه ، أو وأنتم فى متاهات الأرض وفجاجها . وقولوا لنا: ﴿ من يرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته ﴾ أى: ومن الذى يرسل لكم الرياح لتكون مبشرات بقرب نزول المطر ، الذى هو رحمة من الله - تعالى - لكم ، بعد أن أصابكم اليأس والقنوط ؟ (١) سورة فصلت الآية ٥١ . ٣٤٨ المجلد العاشر أإله مع الله ﴾ هو الذى فعل ذلك، كلا، فما فعل ذلك أحد سواه. وقوله - سبحانه -: ﴿ تعالى الله عما يشركون﴾ تأكيد لوحدانيته وقدرته وتنزيه له - تعالى - عن الشرك والشركاء . أى : تنزه الله وتقدس عن شرك هؤلاء المشركين، فهو الواحد الأحد فى ذاته ، وفى صفاته ، وفى أفعاله . ثم انتقلت السورة الكريمة - للمرة الخامسة - إلى لفت أنظارهم إلى نعمة أخروية ، بعد أن ساقت ما ساقت من النعم الدنيوية ، فقال - تعالى -: ﴿ أَمَّن يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ أى: قولوا لنا - أيها المشركون - من الذى فى قدرته أن يوجد الخلق فى الأرحام من نطفة ، ثم يحولها إلى علقة ، ثم إلى مضغة .. ثم يعيد هذه المخلوقات جميعها بعد موتها ، إلى الحياة مرة أخرى ؟ لاشك أنه لا يقدر على ذلك أحد سوى الله - تعالى - . ثم قولوا لنا ﴿ومن يرزقكم من السماء والأرض﴾ بالمطر والنبات والأموال، وبغير ذلك من ألوان النعم التى لا تحصى ؟ . أإله مع الله ﴾ هو الذى فعل ذلك؟ كلا، لم يفعل ذلك سوى الله - تعالى - وحده ثم لقن الله - تعالى - رسوله -* - الجواب الذى يخرس ألسنتهم عند المعارضة أو المجادلة فقال: ﴿ قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ﴾. أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - عند معارضتهم لك ، أحضروا حجتكم وهاتوا برهانا عقليا أو نقليا ، على أن لله - تعالى - شريكا فى ملكه ، إن كنتم صادقين فيما انغمستم فيه من جهل وشرك وكفر به - عز وجل - . قال الإِمام الرازى ما ملخصه : اعلم أنه - تعالى - لما عدد نعم الدنيا ، أتبع ذلك بنعم الآخرة فقال: ﴿ أَمَّن يبدأ الخلق ثم يعيده﴾، لأن نعم الله بالثواب لاتتم إلا بالإِعادة بعد الابتداء . فإن قيل: كيف قيل لهم: ﴿ أَمَّن يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ وهم منكرون للإِعادة؟. فالجواب : أنهم كانوا معترفين بالابتداء ، ودلالة الابتداء على الإعادة دلالة ظاهرة قوية ، فلما كان الكلام مقرونا بالدلالة الظاهرة ، صاروا كأنهم لم يبق لهم عذر فى الإنكار .. (١). وبذلك ترى هذه الآيات الكريمة . قد أقامت أوضح الأدلة وأقواها ، على وحدانية الله - تعالى - ، وعلى كمال قدرته ، وشمول علمه ، وانفراده بالخلق والتدبير .. (١) تفسير الفخر الرازى ج ٦ ص ٤١٦ . ٣٤٩ سورة النمل ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن علم الله - تعالى - الذى غيبه عن عباده ، وعن أقوال المشركين فى شأن البعث والحساب ، وعن توجيهات الله - تعالى - لنبيه ! فى الرد عليهم .. فقال - تعالى - : قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُ ونَ ٤َبَلِ أَذَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِ آلْآَخِرَةَّبَلْ هُمْ ٦٥ أَیَّانَيُبْعَثُونَ فِ شٍَّ مِّنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ ، وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوّاً لَقَدْ وُعِدْنَا ٦٧ أَعِذَا كُنَّاتُرَبًا وَءَابَاؤُنَّ أَبِنَّا لَمُخْرَجُونَ ﴿ هَذَا نَحْنُ وَءَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَآ إِلَّا أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ٦٨ قُلْ سِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَأَنْظُرُ واْكَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ﴿ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِ ضَيْفِ مِمَا يَمْكُرُونَ ( ٧٠ وَيَقُولُونَ مَتَ هَذَا الْوَعْدُ إِنَّكُنتُمْ صَدِقِينَ (٦) قُلْ عَسَىَ أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِى تَسْتَعْبِلُونَ () وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّأَكْتَ هُمْ لَا يَشْكُرُونَ )، وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴿٦) وَمَا مِنْ غَلِبَةٍ فِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّ فِ كِنَبِ مُبِينٍ VO ذكر بعض المفسرين أن كفار مكة سألوا النبى - وسلم - عن وقت قيام الساعة ، فنزل قوله - تعالى -: ﴿ قل لا يعلم من فى السموات والأرض الغيب إلا الله .. ﴾. والغيب : مصدر غاب يغيب ، وكثيرا ما يستعمل بمعنى الغائب ، ومعناه : مالا تدركه الحواس ، ولا يعلم ببداهة العقل . ٣٥٠ المجلد العاشر و((من)) اسم موصول فى محل رفع على أنه فاعل ((يعلم)) و((الغيب)) مفعوله فيكون المعنى : قل - أيها الرسول الكريم - لكل من سألك عن موعد قيام الساعة : لا يعلم أحد من المخلوقات الكائنة فى السموات والأرض ، الغيب إلا الله - تعالى - وحده ، فإنه هو الذى يعلمه . ويجوز أن يكون لفظ ((من)) فى محل نصب على المفعولية و((الغيب)) بدل منه ، ولفظ الجلالة (الله)) فاعل ((يعلم)) فيكون المعنى: قل لا يعلم الأشياء التى تحدث فى السموات والأرض الغائبة عنا، إلا اللّه - تعالى - . قال القرطبى: وفى صحيح مسلم عن عائشة، أن رسول الله -* - قال: ((من زعم أن محمدا - * - يعلم ما فى غد، فقد أعظم على اللّه الفرية))(١). وقوله - سبحانه -: ﴿وما يشعرون أيان يبعثون﴾ تأكيد لانفراد الله - تعالى - بعلم الغيوب، ولفظ ((أيان)) ظرف زمان متضمن معنى متى . أى: وما يشعر هؤلاء الكافرون الذين سألوا عن وقت قيام الساعة ، ولا غيرهم، متى يكون بعثهم من قبورهم للحساب ، إذ علم وقت قيام الساعة لا يعلمه إلا الله وحده . فالجملة الكريمة تنفى عنهم العلم بموعد قيام الساعة فى أدق صورة وأخفاها ، فهم لا يشعرون ولا يحسون بقيام الساعة ، ﴿بل تأتيهم بغتة فتبهتهم ، فلا يستطيعون ردها ، ولا هم ينظرون ﴾(٢) . ثم بين - سبحانه - حقيقة أمرهم فى الآخرة بصورة أكثر تفصيلا . فقال: ﴿بل ادّارك علمهم فى الآخرة .. ﴾ . وقوله - تعالى -: ﴿بل ادارك ... ) قرأه الجمهور - بكسر اللام وتشديد الدال وبعدها ألف - وأصله تدارك ، بزنة تفاعل . وللعلماء فى تفسير هذه الآية أقوال أشهرها : أن التدارك بمعنى الاضمحلال والفناء ، وأصله التتابع والتلاحق . يقال : تدارك بنو فلان ، إذا تتابعوا فى الهلاك ، و((فى)» بمعنى الباء . أى : بل تتابع علم هؤلاء المشركين بشئون البعث حتى اضمحل وفنى ، ولم يبق لهم علم بشىء مما سيكون فيها قطعا مع توافر أسبابه ومباديه من الدلائل . والمقصود : أن أسباب علمهم بأحوال الآخرة مع توافرها ، قد تساقطت من اعتبارهم (١) تفسير القرطبى ج ١٣ ص ٢٢٦ . (٢) سورة الأنبياء الآية ٤٠ . ٣٥١ سورة النمل لكفرهم بها ، فَأُجْرِى ذلك ◌ُجْرَى تتابعها فى الانقطاع . ومنهم من يرى أن التدارك هنا التكامل ، فيكون المعنى : بل تكامل علمهم بشئون الآخرة ، حين يعاينون ما أعد لهم فيها من عذاب ، بعد أن كانوا ينكرون البعث والحساب فى الدنيا .. قال الآلوسى ما ملخصه : قوله: ﴿ بل ادارك علمهم فى الآخرة﴾ إضراب عما تقدم على وجه يفيد تأكيده وتقريره .. والمعنى : بل تتابع علمهم فى شأن الآخرة ، التى ما ذكر من البعث حال من أحوالها ، حتى انقطع وفنى ، ولم يبق لهم علم بشىء مما سيكون فيها قطعا ، مع توفر أسبابه ، فهو ترق من وصفهم بجهل فاحش إلى وصفهم بجهل أفحش .. وجوز أن يكون ((ادارك)) بمعنى استحكم وتكامل .. (١). ويبدو لنا أن الآية الكريمة تتسع للقولين ، على معنى أن المشركين اضمحل علمهم بالآخرة لكفرهم بها فى الدنيا ، فإذا ما بعثوا يوم القيامة وشاهدوا العذاب ، أيقنوا بحقيقتها ، وتكامل علمهم واستحكم بأن ما كانوا ينكرونه فى الدنيا . قد صار حقيقة لاشك فيها ، ولا مفر لهم من عذابها .. ومن الآيات التى توضح هذا المعنى قوله - تعالى - : ﴿ لقد كنت فى غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد﴾(٢) أى: علمك بما كنت تنكره فى الدنيا قد صار فى نهاية القوة والوضوح . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿بل أدرك علمهم فى الآخرة ) - بسكون اللام من بل. وهمزة قطع مفتوحة مع سكون الدال فى «أُدْرَك )» فهو بزنة أفعل . أى : بل كمل علمهم فى الآخرة ، وذلك بعد أن شاهدوا أهوالها ، ورأوها بأعينهم ، وقد كانوا مكذبين بها فى الدنيا . . وقوله - سبحانه -: ﴿ بل هم فى شك منها . بل هم منها عمون ﴾ بيان لأحوالهم فى الدنيا .. أى : أن هؤلاء المشركين كانوا فى الدنيا يشكون فى الآخرة ، بل كانوا فى عمى عنها ، بحيث لا يفتحون بصائرهم أو أبصارهم، عما قال لهم الرسول - ﴿ - بشأنها . فأنت ترى أن الآية الكريمة قد انتقلت فى تصوير كفر هؤلاء المشركين بالآخرة ، من حالة شنيعة إلى حالة أخرى أشد منها فى الشناعة والجحود . (١) تفسير الآلوسى ج ٢٠ ص ١٣. ( ٢) سورة ق الآية ٢٢ . ٣٥٢ المجلد العاشر قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هذه الإضرابات الثلاثة ما معناها ؟ قلت : ما هى إلا تنزيل لأحوالهم ؛ وصفهم أولا بأنهم لا يشعرون وقت البعث ، ثم لا يعلمون بأن القيامة كائنة ، ثم إنهم يخبطون فى شك ومرية ، فلا يزيلونه مع أن الإزالة مستطاعة .. ثم بما هو أسوأ حالا وهو العمى ، وأن يكون مثل البهيمة قد عكف همه على بطنه وفرجه ، لا يخطر بباله حق ولا باطل ، ولا يفكر فى عاقبة (١). ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك أقوالهم الباطلة ، التى جعلتهم فى عمى عن الآخرة فقال : ﴿وقال الذين كفروا أئذا كنا ترابا وآباؤنا أننا لمخرجون﴾. أى : وقال الذين كفروا على سبيل الإِنكار للبعث والحساب : أئذا متنا وصرنا مثل التراب ، وصار آباؤنا كذلك مثل التراب ، أنبعث ونخرج إلى الحياة مرة أخرى بعد أن صرنا جميعا عظاما نخرة وأجسادا بالية ؟ يقولون هذا ، وينسون لجهلهم وانطماس بصائرهم أن الله - تعالى - أوجدهم بقدرته ولم يكونوا شيئا مذكورا . والاستفهام للإنكار والنفى، والعامل فى ((إذا)) محذوف، دل عليه ((مخرجون)) وقوله: ﴿وآباؤنا﴾ معطوف على اسم كان، أى: أنبعث ونخرج نحن وآباؤنا إذا كنا كذلك ؟ ثم يتبعون قولهم هذا، بقول أشد منه فى الإِنكار والتهكم فيقولون: ﴿لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل ، إن هذا إلا أساطير الأولين ﴾ . والأساطير : جمع أسطورة ، كأحاديث وأحدوثة ، وأكاذيب وأكذوبة . ومرادهم بها : الخرافات والتخيلات التى لا حقيقة لها . أى : لقد وعدنا الإخراج والإعادة إلى الحياة ، نحن وآباؤنا من قبل ، أى : من قبل أن يخبرنا محمد - * - بذلك ، فنحن وآباؤنا مازلنا نسمع من القصاص أن هناك بعثا وحسابا ، ولكن لا نرى لذلك حقيقة ولا وقوعا .. وما هذا الذى نسمعه من محمد - وليه - فى شأن الآخرة إلا أكاذيب الأولين ، وخرافاتهم التى لا مكان لها فى عقولنا . وهكذا يؤكدون إنكارهم للآخرة ، بشتى ألوان المؤكدات ، المصحوبة بالتهكم والاستخفاف . (١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٣٨٠ . ٣٥٣ سورة النمل وهنا يلفت القرآن أنظارهم إلى مصارع المكذبين من قبلهم، ويأمر النبى - صل * - أن يحذرهم من سوء مصير هذا الإنكار والاستهزاء ، فيقول: ﴿ قل سيروا فى الأرض فانظروا ﴾ . كيف كان عاقبة المجرمين أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين: سيروا فى الأرض لتروا بأعينكم مصارع المكذبين بما جاءهم به الرسل من قبلكم . ولتعتبروا بما أصابهم بسبب إجرامهم ، وإنكارهم للبعث والحساب يوم القيامة . فالآية الكريمة توجههم إلى ما من شأنه أن يفتح مغاليق قلوبهم المتحجرة وأن يزيل عن نفوسهم قسوتها وعنادها . وبعد هذا التوجيه الحكيم تأخذ السورة الكريمة فى تسلية الرسول - صل * - عما أصابه من حزن بسبب كفرهم فتقول: ﴿ ولا تحزن عليهم ، ولا تكن فى ضيق مما يمكرون﴾ والحزن: اكتئاب نفسى يحدث للإِنسان من أجل وقوع ما يكرهه . والمقصود بالنهى عن الحزن : النهى عن لوازمه ، كالإكثار من محاولة تجديد شأن المصائب ، وتعظيم أمرها ، وبذلك تتجدد الآلام ، ويصعب نسيانها . والمكر : التدبير المحكم . أو صرف الغير عما يريده بحيلة ، لقصد إيقاع الأذى به . أى : ولا تحزن - أيها الرسول الكريم - على هؤلاء المشركين ، بسبب إصرارهم على الكفر والجحود ولا يضيق صدرك ، ويمتلىء هما وغما بسبب مكرهم فإن الله - تعالى - عاصمك منهم ، وناصرك عليهم . ثم تعود السورة إلى سرد أباطيلهم فتقول: ﴿ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين﴾ أى: ويقول هؤلاء المشركون للرسول - ﴿ - ولأصحابه: متى يحصل هذا الوعد الذى توعدتمونا به ، وهو أن عذابا سيصيبنا إذا لم نؤمن بما أنتم مؤمنون به . إن كنتم صادقين فى وعدكم لنا بهذا العذاب ، فأنزلوه بنا ، فنحن قد طال انتظارنا له . وهكذا الأشرار يتعجلون مصيرهم الأليم ، ويبحثون عن حتفهم بظلفهم ، وذلك لإِيغالهم فى الغرور والعناد . ولذا جاء الرد عليهم ، يحمل فى طياته العذاب الشديد ، والتهكم المرير ، فيقول - تعالى - آمرا رسوله - وَ ل - بالرد عليهم: ﴿ قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذى تستعجلون ﴾ . والرديف - كما يقول صاحب المصباح - الذى تحمله خلفك على ظهر الدابة .. ومنه ردف. ٣٥٤ المجلد العاشر المرأة ، وهو عَجُزُها ، والجمع أرادف .. وترادف القوم : إذا تتابعوا ، وكل شىء تبع شيئا فهو ردفه .(١) . أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - لانتعجلوا العذاب فعسى ما تستعجلونه من عذاب ، بعضه قد لحقكم ونزل بكم ، وبعضه فى طريقه إليكم ، وأنتم لا تشعرون بذلك ، لشدة غفلتكم ، وتبلد مشاعركم . والتعبير بقوله: ﴿رَدَق لكم ﴾ يشعر بأن العذاب ليس بعيدا عنهم ، وإنما هو قريب منهم ، كقرب الراكب فوق الدابة ممن هو ردفه - أى خلفه - عليها . ولقد لحقهم شىء من هذا العذاب الذى تعجلوه فى مكة ، عندما أصيبوا بالقحط والجدب ، ولحقهم شىء منه بعد ذلك فى بدر ، عندما قتل المسلمون أكثر زعمائهم ، كأبى جهل ، وغيره .. ولعذاب الآخرة أشد وأبقى . ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على الناس ، فقال: ﴿وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون ﴾ أى: وإن ربك - أيها الرسول الكريم - لذو فضل عظيم، وإنعام كبير على الناس . ومن . مظاهر ذلك : أنه لم يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم وعصيانهم ، ولكن أكثر هؤلا الناس لا يشكرونه - سبحانه - على فضله وإنعامه . والتعبير ((بأكثر)) للأشعار بأن هناك قلة مؤمنة من الناس، ملازمة لشكر الله - تعالى - فى السراء والضراء ، والعسر واليسر . ثم بين - سبحانه - شمول علمه لكل شىء فقال: ﴿وإن ربك ) - أيها الرسول الكريم - ﴿ ليعلم﴾ علما تاما ﴿ ما تكن صدورهم﴾ أى: ما تخفيه وتستره صدورهم من أسرار، ويعلم - أيضا - ﴿ ما يعلنون﴾ أى: ما يظهرونه من أقوال وأفعال. وما من غائبة فى السماء والأرض ﴾ أى: وما من شىء غائب عن علم الخلق سواء أكان فى السماء أو فى الأرض . ﴿ إلا﴾ وهو عندنا ﴿ فى كتاب مبين﴾ أى: إلا وهو عندنا فى كتاب واضح لمن يطالعه بإذن ربه ، وهذا الكتاب المبين هو اللوح المحفوظ الذى سجل - سبحانه - فيه أحوال خلقه . ومادام الأمر كذلك ، فلا تحزن - أيها الرسول الكريم - لما عليه هؤلاء المشركون من (١) المصباح المنير ج ١ ص ٣٠٦. ٣٥٥ سورة النمل جحود وعناد ، بل فوض إلينا أمرهم ، فأنت عليك البلاغ ، ونحن علينا الحساب . ثم مدحت السورة الكريمة القرآن الكريم ، وساقت المزيد من التسلية للنبى - * - فقال - تعالى - : إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَقُصُّ عَلَى بَنِ إِسْرَهِيَلَ أَكْثَرَ الَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ٧٦ وَإِنَّهُ لَهُدَّى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٦) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُم ◌ِحُكْمِهِ، وَهُوَ الْعَزِبِزُ الْعَلِمُ ﴿) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِإِنَّكَ عَلَى اُلْحَقِّ الْمُبِينِ ﴿ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْقَ وَلَا تُمِعُ اَلَُّّ الدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْأْ مُدْبِرِينَ ﴿ وَمَا أَنْتَ بِهَدِى الْعُمْىِ عَن ضَلَلَتِهِمْ إِن ٨١ تُشْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِثَايَئِنَافَهُمْ مُسْلِمُونَ قال الإِمام الرازى : اعلم أنه - سبحانه - لما تم الكلام فى إنبات المبدأ والمعاد . ذكر بعد ذلك ما يتعلق بالنبوة، ولما كانت الدلالة الكبرى فى إثبات نبوة محمد - وصل - هو القرآن، لا جرم بين الله - تعالى - أولا كونه معجزة .. (١). أى: إن هذا القرآن من معجزاته الدالة على أنه من عند الله - تعالى - ، أنه يقص على بنى إسرائيل ، الذين هم حملة التوراة والإنجيل ، أكثر الأشياء التى اختلفوا فيها ، ويبين لهم وجه الحق والصواب فيما اختلفوا فيه . ومن بين ما اختلف فيه بنو إسرائيل : اختلافهم فى شأن عيسى - عليه السلام - ، فاليهود كفروا به ، وقالوا على أمه ما قالوا من الكذب والبهتان ، والنصارى قالوا فيه إنه الله، أو هو ابن اللّه، فجاء القرآن ليبين لهم القول الحق فى شأن عيسى - عليه السلام - (١ ) تفسير الفخر الرازى ج ٦ ,٤٢٠٠ ٣٥٦ المجلد العاشر فقال: من بين ما قال: ﴿ إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه .. ﴾(١). وقال - سبحانه -: ﴿يقص على بنى إسرائيل أكثر الذى هم فيه يختلفون ﴾ للإشارة إلى أن القرآن ترك أشياء اختلفوا فيها دون أن يحكيها ، لأنه لا يتعلق بذكرها غرض هام يستدعى الحديث عنها ، ولأن فى عدم ذكرها سترا لهم، عما وقعوا فيه من أخطاء .. وقوله - تعالى -: ﴿وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين) صفة أخرى من صفات القرآن الكريم الدالة على أنه من عند اقه - تعالى - : أى: وإن هذا القرآن لمن صفاته - أيضا - أننا جعلناه هداية للمؤمنين إلى الصراط المستقيم ، ورحمة لهم ينالون بسببها العفو والمغفرة من اقله . وخص هدايته ورحمته بالمؤمنين ، لأنهم هم الذين آمنوا به ، وصدقوا بما فيه ، وعملوا بأوامره ، واجتنبوا نواهيه ، وطبقوا على أنفسهم أحكامه ، وآدابه . وتشريعاته .. ثم بين - سبحانه - أن مرد القضاء بين المختلفين إليه وحده فقال: ﴿إن ربك يقضى بينهم بحكمه .. ﴾ . أى : إن ربك - أيها الرسول الكريم - يقضى بين بنى إسرائيل الذين اختلفوا فيما بينهم اختلافا كبيرا ، بحكمه العادل ، كما يقضى بين غيرهم ، فيجازى الذين أساؤواما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى . : وهو ﴾ - سبحانه - ﴿العزيز) الذى لا يغالب ﴿ العليم ) بكل شىء فى هذا الوجود، والفاء فى قوله - تعالى -: ﴿ فتوكل على الله ... ﴾ للتفريع. أى: مادمت قد عرفت ذلك - أيها الرسول الكريم - ففوض أمرك إلى العزيز العليم وحده ، وتوكل عليه دون سواه ، وبلغ رسالته دون أن تخشى أحدا إلا إياه . وجملة («إنك على الحق المبين)» تعليل للتوكل على الله وحده . أى: توكل على الله - تعالى - وحده ، لأنك - أيها الرسول الكريم - على الحق الواضح البين ، الذى لاتحوم حوله شبهة من باطل . وقوله - تعالى -: ﴿ إنك لا تسمع الموتى ، ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين ... ﴾ تعليل آخر لوجوب التوكل على الله - تعالى - . وقد شبه - سبحانه - أولئك المشركين ، بالأموات الذين فقدوا الحياة ، وبالصم الذين (١) سورة النساء الآية ١٧١ . ٣٥٧ سورة النمل فقدوا السمع ، وبالعمى الدين فقدوا البصر ، وذلك لأنهم لم ينتفعوا بهذه الحواس ، فصاروا كالفاقدين لها . أى : دم - أيها الرسول الكريم - على توكلك على الله - تعالى - وحده، وإنك لا تستطيع أن تسمع هؤلاء المشركين . ما يردهم عن شركهم ، لأنهم كالموتى الذين لاحس لهم ولا عقل ، ولأنهم كالصم الذين فقدوا نعمة السمع . وقوله: ﴿إذا ولوا مدبرين﴾ لتتميم التشبيه. وتأكيد نفى السماع. أى: إذا أعرضوا عن الحق إعراضا تاما ، وأدبروا عن الاستماع إليك . قال الجمل: فإن قلت: ما معنى قوله ﴿ مدبرين﴾ والأصم لا يسمع سواء أقبل أو أدبر ؟ . قلت : هو تأكيد ومبالغة للأصم . وقيل: إن الأصم إذا كان حاضرا قد يسمع رفع الصوت ، أو يفهم بالإشارة ، فإذا ولى لم يسمع ولم يفهم . ومعنى الآية: إنهم لفرط إعراضهم عما يدعون إليه كالميت ، الذى لا سبيل إلى إسماعه ، وكالأصم الذى لا يسمع ولا يفهم .. (١). وقوله - سبحانه -: ﴿وما أنت بهادى العمى عن ضلالتهم .. ﴾ أى: وما أنت - أيها الرسول الكريم - بقادر على أن تصرف العمى عن طريق الضلال الذى انغمسوا فيه ، لأن الهداية إلى طريق الحق ، مردها إلى الله - تعالى - وحده . ثم بين - سبحانه - فى مقابل ذلك ، من هم أهل السماع والبصر فقال: ﴿ إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون ﴾ . أى : أنت - أيها الرسول الكريم - ما تستطيع أن تسمع إسماعا مجديا نافعا ، إلا لمن يؤمن بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ، لأن هؤلاء هم المطيعون لأمرنا ، المسلمون وجوههم لنا . وبذلك ترى الآيات الكريمة قد ساقت الكثير من وسائل التسلية للرسول - * - عما أصابه من المشركين ، كما ساقت ما يدل على أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - : وعلى أنه - سبحانه - هو الحكم العدل بين عباده . ثم أخذت السورة الكريمة تسوق فى أواخرها بعض أشراط الساعة وعلاماتها ، وأهوالها ، لكى تعتبر النفوس ، وتخشع لله - تعالى - ، فقال - عز وجل - : (١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٣ ص ٣٢٦ . ٣٥٨ المجلد العاشر ............ ........-- - ﴿وَ إِذَا وَقَعَ الْقَوّلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَ حْنَالَهُمْدَآبَةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُ هُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُواْبِثَايَِنَا لَا يُوقِنُونَ ﴿٨﴾ وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ حَتَّى إِذَا جَاءُو فَوْجَا مِّمَن يُكَذِبُ بِثَايَئِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٢) قَالَ أَكَذَّبْتُمْ يَايَتِ وَلَوْ تُحِطُواْبِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُمْ تَعْمَلُونَ ، وَوَقَعَالْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُواْفَهُمْ لَنْطِقُونَ ) أَلَمْـ ٨٤ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا الَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرَّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦)، وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِفَفَزِعَ مَن فِي السَّمَوَتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّ مَن شَاءَ اللّهُ وَكُلُّ ◌َتَوَّهُ دَاخِرِينَ ﴿٢) وَتَرَى الْجَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّمَنَّالسَّحَابِ، صُنْعَاللَّهِالَّذِىَ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ إِنَّهُ خَيْرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ٨٨٣ قال الإِمام ابن كثير : هذه الدابة تخرج فى آخر الزمان عند فساد الناس ، وتركهم أوامر اللّه، وتبديلهم الدين الحق، يخرج الله لهم دابة من الأرض قيل: من مكة، وقيل من غيرها. ثم ذكر - رحمه الله - جملة من الاحاديث فى هذا المعنى منها : ما رواه مسلم عن حذيفة بن أسيد الغفارى قال: أشرف علينا رسول الله - 18 - من غرفته ، ونحن نتذاكر أمر الساعة فقال : لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات : طلوع الشمس من مغربها ، والدخان ، والدابة ، وخروج يأجوج ومأجوج ، ونزول عيسى بن مريم ، والدجال ، وثلاثة خسوف : خسف بالمغرب ، وخسف بالمشرق ، وخسف بجزيرة العرب ، ونار تخرج من قعر عدن ، تسوق - أو تحشر - الناس ، تبيت معهم حيث باتوا - وتقيل معهم حيث قالوا (١) . (١) راجع تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٢٢٠ . ٣٥٩ سورة النمل والدابة : اسم لكل حيوان ذى روح ، سواء أكان ذكرا أم أنثى ، عاقلا أم غير عاقل ، من الدبيب وهو فى الأصل : المشى الخفيف ، واختصت فى العرف بذوات القوائم الأربع . والمراد بوقوع القول عليهم : قرب قيام الساعة ، وانتهاء الوقت الذى يقبل فيه الإِيمان من الكافر . أو الذى تنفع فيه التوبة . والمعنى إذا دنا وقت قيام الساعة . وانتهى الوقت الذى ينفع فيه الإِيمان أو التوبة .. أخرجنا للناس بقدرتنا وإرادتنا ، دابة من الأرض تكلمهم ، فيفهمون كلامها ، ويعرفون أن موعد قيام الساعة قد اقترب . و﴿ أن الناس ﴾ أى: الكافرين ﴿كانوا بآياتنا ﴾ الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ﴿لا يوقنون﴾ بها، ولا يصدقون أن هناك بعثا وحسابا. فخروج الدابة علامة من علامات الساعة الكبرى ، يخرجها الله - عز وجل - ليعلم الناس قرب انتهاء الدنيا وأن الحساب العادل للمؤمنين والكافرين، آت لاشك فيه، وأن التوبة لن تقبل فى هذا الوقت ، لأنها جاءت فى غير وقتها المناسب . وقد ذكر بعض المفسرين أوصافا كثيرة ، منها أن طولها ستون ذراعا وأن رأسها رأس ثور ، وأذنها أذن فيل ، وصدرها صدر أسد .. الخ . ونحن نؤمن بأن هناك دابة تخرج فى آخر الزمان ، وأنها تكلم الناس بكيفية يعلمها الله - عز وجل - أمَّا ما يتعلق بالمكان الذى تخرج منه هذه الدابة ، وبالهيئة التى تكون عليها من حيث الطول والقصر ، فنكل ذلك إلى علمه - سبحانه - حيث لم يرد حديث صحيح يعتمد عليه فى بيان ذلك . وقوله - سبحانه - : ﴿ ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون ﴾ بيان إجمالى لحال المكذبين بالساعة عند قيامها ، بعد بيان بعض أشراطها . والظرف متعلق بمحذوف. والحشر: الجمع، قالوا والمراد بهذا الحشر: حشر الكافرين إلى النار ، بعد حشر الخلائق جميعها ، والفصل بينهم . والفوج : يطلق فى الأصل على الجماعة التى تسير بسرعة ، ثم توسع فيه فصار يطلق على كل جماعة ، وإن لم يكن معها مرور أو إسراع . وقوله: ﴿ يوزعون﴾ من الوزع. بمعنى الكف والمنع، يقال: وزعه عن الشىء، إذا كفه عنه ، ومنعه من غشيانه ، والوازع فى الحرب ، هو الموكل بتنظيم الصفوف ، ومنع الاضطراب فيها . والمعنى : واذكر - أيها العاقل لتعتبر وتتعظ - يوم ﴿ نحشر من كل أمة ) من الأمم فوجا ﴾ . ٣٦٠ المجلد العاشر أى : جماعة من الذين كانوا يكذبون فى الدنيا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ﴿فهم يوزعون﴾ أى: فهم يقفون بين أيدينا، داخرين صاغرين، بحيث لا يتقدم أحد منهم على أحد ، وإنما يتحركون ويساقون إلى حيث نريد منهم ، ويتجمعون جميعا ليلقوا مصيرهم المحتوم . وأفرد - سبحانه - هؤلاء المكذبين بالذكر . - مع أن الحشر يشمل الناس جميعا - لإبراز الحال السيئة التى يكونون عليها عندما يجمعون للحساب دون أن يشذ منهم أحد ، ودون أن يتحرك أولهم حتى يجتمع معه آخرهم .. ثم بين - سبحانه - أحوالهم بعد ذلك فقال : ﴿ حتى إذا جاءوا﴾ أى: حتى إذا ما وصلوا إلى موقف الحساب قال الله - تعالى - لهم على سبيل التأنيب والتوبيخ ﴿أكذبتم بآياتى﴾ الدالة على وحدانيتى وعلى أن الآخرة حق. وأن الحساب حق وجملة، «ولم تحيطوا بها علما)) حالية ، لزيادة التشنيع عليهم . والتجهيل لهم . أى : أكذبتم بآياتى الدالة على أن البعث حق ، دون أن تتفكروا فيها ، ودون أن يكون عندكم أى علم أو دليل على صحة هذا التكذيب . ثم أضاف - سبحانه - إلى هذا التوبيخ لهم ، توبيخا أشد وأعظم ، فقال: ﴿ أمَّاذا كنتم تعملون أى: إذا لم تكونوا قد كذبتم بآياتى ، فقولوا لنا ماذا كنتم تعملون ، فإننا لا يخفى علينا شىء منها ، ولا نعاقبكم إلا عليها . ولاشك أن هذا التساؤل المقصود منه تأنيبهم وتقريعهم ، والاستهزاء بهم ، لأنه من المعروف أنهم كذبوا بآيات الله، وأنهم قد قضوا حياتهم فى الكفر والضلال، ولذا وقفوا واجمعين لا يحيرون جوابا ، فكانت النتيجة كما قال - تعالى - بعد ذلك : ﴿ ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون﴾. أى : وحل العذاب عليهم بسبب ظلمهم وجحودهم ، فاستقبلوه باستسلام وذلة ، دون أن يستطيعوا النطق بكلمة تنفعهم . أو بحجة يدافعون بها عن أنفسهم .. فالمقصود بوقوع القول عليهم : إقامة الحجة عليهم ، ونزول العذاب بهم واستحقاقهم له بسبب ظلمهم وكفرهم . وبعد هذا التوبيخ لهم وهم فى ساحة الحشر ، انتقلت السورة إلى توبيخهم على فعلتهم حين كانوا فى الدنيا . فتقول: ﴿ ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه، والنهار مبصرا﴾. أى : أبلغت الغفلة والجهالة بهؤلاء المكذبين - أنهم يعيشون فى هذا الكون ليأكلوا ويشربوا ويتمتعوا ، دون أن يعتبروا أو يتفكروا .