النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
سورة النمل
وهذا هو اللائق بشأن النبى الكريم سليمان، الذى آتاه الله - تعالى - النبوة والملك
والحكمة .
قال القرطبى ((وقوله: ﴿سننظر﴾ من النظر الذى هو التأمل والتصفح. ﴿أصدقت
أم كنت من الكاذبين﴾ أى: فى مقالتك. و﴿ كنت﴾ بمعنى أنت وقال: ﴿ سننظر
أصدقت﴾ ولم يقل سننظر فى أمرك، لأن الهدهد لما صرح بفخر العلم فى قوله: ﴿ أحطت بما
لم تحط به ﴾ صرح له سليمان بقوله: سننظر أصدقت أم كذبت، فكان ذلك كفاء لما قاله))(١).
وقوله - تعالى -: ﴿اذهب بكتابى هذا فألقه إليهم ، ثم تول عنهم ، فانظر ماذا
يرجعون ﴾ بيان لما أمر به سليمان - عليه السلام - الهدهد، بعد أن قال له : سننظر أصدقت
أم كنت من الكاذبين .
أى : خذ - أيها الهدهد - كتابى هذا. فاذهب به إلى هؤلاء القوم من أهل سبأ، ﴿ ثم
تول عنهم﴾ أى: ثم انصرف عنهم إلى مكان قريب منهم ﴿ فانظر ماذا يرجعون﴾ أى:
فتأمل ماذا يقول بعضهم لبعض ، وبماذا يراجع بعضهم بعضًا ، ثم أخبرنى بذلك .
قال ابن كثير : وذلك أن سليمان - عليه السلام - كتب كتابًا إلى بلقيس وقومها ، وأعطاه
لذلك الهدهد فحمله ... وذهب به إلى بلادهم ، فجاء فى قصر بلقيس . إلى الخلوة التى كانت
تختلى فيها بنفسها ، فألقاه إليها من كوة هنالك بين يديها . ثم تولى ناحية أدبا ، فتحيرت
مما رأت . وهالها ذلك، ثم عمدت إلى الكتاب فأخذته، ففتحت ختمه وقرأته ... ))(٢).
وقال صاحب الكشاف: ((فإن قلت: لم قال : فألقه إليهم . على لفظ الجمع ؟ قلت : لأنه
قال: ﴿وجدتها وقومها يسجدون للشمس﴾ فقال: فألقه إلى الذين هذا دينهم، اهتمامًا منه
بأمر الدين ، واشتغالاً به عن غيره. وبنى الخطاب فى الكتاب على لفظ الجمع لذلك))(٣) .
ثم بين - سبحانه - ما فعلته ملكة سبأ ، بعد أن جاءها كتاب سليمان - عليه السلام - ،
فقال - تعالى -: ﴿ قالت يأيها الملأ إنى ألقى إلى كتاب كريم ، إنه من سليمان وإنه بسم الله
الرحمن الرحيم . أن لا تعلوا على وأتونى مسلمين ﴾.
أى : قالت لحاشيتها بعد أن قرأت الكتاب وفهمت ما فيه : ﴿يأيها الملأ﴾ - أى:
يأيها الأشراف من قومى ﴿ إنى ألقى إلى كتاب كريم ﴾.
(١) تفسير القرطبى ج ١٣ ص ١٨٩.
(٢) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ١٩٨ .
(٣) تفسير الكشاف ج ٣، ص ٣٦٣ .

٣٢٢
المجلد العاشر
وصفته بالكرم لاشتماله على الكلام الحكيم ، والأسلوب البديع ، والتوجيه الحسن ، ولجمال
هيئته ، وعجيب أمره .
ثم أفصحت عن مصدره فقالت: ﴿ إنه من سليمان﴾ وعن مضمونه فقالت: ﴿وإنه بسم
الله الرحمن الرحيم) وفى ذلك إشارة إلى وصفه بالكرم، حيث اشتمل على اسم الله
- تعالى - وعلى بعض صفاته ، وعلى ترك التكبر ، وعلى الدخول فى الدين الحق ، كما يدل
عليه قوله - تعالى -: ﴿ ألا تعلوا على﴾ أى: ألا تتكبروا على كما يفعل الملوك الجبابرة
وأتونى مسلمين﴾ منقادين طائعين لشريعة الله - وحده، التى توجب عليكم إخلاص
العبادة له ، دون أحد سواه ، إذ هو - سبحانه - الخالق لكل شىء ، وكل معبود سواه فهو
باطل .
فالكتاب - مع إيجازه - متضمن لفنون البلاغة . ولمظاهر القوة الحكيمة العادلة ، التى
اتبعها سليمان فى رسالته إلى ملكة سبأ وقومها .
وبعد أن بلغت حاشيتها بمصدر الكتاب ومضمونه ، استأنفت حديثها فقالت: ﴿يأيها الملأ
أفتونى فى أمرى ﴾ والفتوى: الجواب على المستفتى فيما سأل عنه، والمراد بها هنا: المشورة
وإبداء الرأى .
أى : قالت يأيها الأشراف والقادة من قومى ، أشيروا على ماذا سأفعل فى أمر هذا
الكتاب الذى جاءنى من سليمان ، والذى يطلب منا فيه ما سمعتم ؟
ثم أضافت إلى ذلك قولها: ﴿ ما كنت قاطعة أمرًا حتى تشهدون﴾ أى : أنتم تعلمون أنى
لا أقطع أمرًا يتعلق بشئون المملكة إلا بعد استشارتكم ، وأخذ رأيكم .
وفى قولها هذا دليل على حسن سياستها ، ورجاحة عقلها ، حيث جمعت رءوس مملكتها ،
واستشارتهم فى أمرها ، وأعلمتهم أن هذه عادة مطردة عندها . وبذلك طابت نفوسهم ، وزادت
ثقتهم فيها .
فقد قالوا لها : ﴿ نحن أولو قوة﴾ أى: أصحاب قوة فى الأجساد، ﴿وأولو بأس
شديد﴾ أى: وأصحاب بلاء شديد فى القتال.
٠
والأمر إليك﴾ أى: موكول إلى رأيك، وإلى ما تطمئن إليه نفسك من قرار.
فانظرى ماذا تأمرين ﴾ فتأملى وتفكرى فيما تأمريننا به بالنسبة لهذا الكتاب ، فنحن
سنطيعك فى كل ما تطلبينه منا .
وهنا يحكى لنا القرآن الكريم ما كانت عليه تلك المرأة من دهاء وكياسة ، وإيثار للسلم على
الحرب ، واللين على الشدة ، فقال - تعالى -: ﴿ قالت إن الملوك) من شأنهم أنهم ﴿ إذا

٣٢٣
سورة النمل
دخلوا قرية ﴾ من القرى . أو مدينة من المدن ، بعد تغلبهم على أهلها عن طريق الحرب
والقتال .. ﴿أفسدوها﴾ أى: أشاعوا فيها الفساد والخراب والدمار.
وفوق كل ذلك : ﴿ وجعلوا أعزة أهلها أذلة ﴾ أى: أهانوا أشرافها ورؤساءها ،
وجعلوهم أذلة بعد أن كانوا أعزة . ليكونوا عبرة لغيرهم .
﴿ وكذلك يفعلون﴾ أى: وهذه هى عادتهم التى يفعلونها عند دخولهم قرية من القرى،
عن طريق القهر والقسر والقتال .
والمقصود من قولها هذا : التلويح لقومها بأن السلم أجدى من الحرب ، وأن الملاينة مع
سليمان - عليه السلام - أفضل من المجابهة والمواجهة بالقوة .
ثم صرحت لهم بما ستفعله معه فقالت : ﴿وإنى مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع
المرسلون﴾. وقوله: ﴿فناظرة﴾ معطوف على ﴿مرسلة﴾ وهو من الانتظار بمعنى
الترقب .
أى : وإنى قد قررت أن أرسل إلى سليمان وجنوده هدية ثمينة تليق بالملوك أصحاب الجاه
والقوة والسلطان ، وإنى لمنتظرة ماذا سيقول سليمان لرسلى عندما يرى تلك الهدية . وماذا
سيفعل معهم .
قال ابن عباس : قالت لقومها إن قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه ، وإن لم يقبلها فهو نبى
فاتبعوه .
وقال قتادة : رحمها الله ورضى عنها ما كان أعقلها فى إسلامها وفى شركها !! لقد علمت أن
الهدية تقع موقعا من الناس(١) .
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما كان من سليمان عندما رأى الهدية ، فقال - تعالى - :
فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَنَ قَالَ أَتْمِّدُّ ونَنِ بِمَالٍ فَمَآءَ اتَيْنِءَ اللَّهُ خَيْرٌ هِمَّآ
ءَاتَّنْكُمْ بَلْ أَنْتُمِبِهَدِ يَّتِكُمْنَفْرَحُونَ ﴿٦) أَرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَتَأْنِنَّهُم
◌ِجُنٍُلَّا قِبَلَ لَمْ بِهَا وَلَنُخْرِحَّهُمْ مِنْهَ أَذِلَّةً وَهُمْ صَغِرُونَ ﴿
٤٣٧
1
صب
(١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٢٠٠ .

٣٢٤
المجلد العاشر
وفى الكلام حذف يفهم من السياق ، وتقتضيه بلاغة القرآن الكريم والتقدير : وهيأت ملكة
سبأ الهدية الثمينة لسليمان - عليه السلام - . وأرسلتها مع من اختارتهم من قومها لهذه
المهمة ، فلما جاء سليمان ، أى : فلما وصل الرسل إلى سليمان ومعهم هدية ملكتهم إليه .
فلما رآها قال - على سبيل الانكار والاستخفاف بتلك الهدية -: ﴿ أتمدونن بمال ﴾ أى:
أتقدمون إلى هذا المال الزائل والمتمثل فى تلك الهدية لأكف عن دعوتكم إلى إتيانى وأنتم
مخلصون العبادة لله - تعالى - وحده . وتاركون لعبادة غيره ؟
كلا لن ألتفت إلى هديتكم ﴿فما آتانى الله﴾ من النبوة والملك الواسع ﴿ خير مما
آتاكم ﴾ من أموال من جملتها تلك الهدية .
فالجملة الكريمة تعليل لإنكاره لهديتهم ، ولاستخفافه بها ، وسخريته منها .
وقوله - سبحانه -: ﴿بل أنتم بهديتكم تفرحون ﴾ إضراب عما ذكره من إنكاره لتلك
الهدية وتعليله لهذا الإِنكار ، إلى بيان ما هم عليه من ضيق فى التفكير ، حيث أوهموا أن هذه
الهدية ، قد تفيد فى صرف سليمان عن دعوتهم إلى وحدانية الله - تعالى - ، وقد تحمله على
تر کهم وشأنهم .
أى : افهموا - أيها الرسل - وقولوا لمن أرسلكم بتلك الهدية: إن سليمان ما آتاه الله من
خير ، أفضل مما آتاكم ، وإنه يقول لكم جميعا : انتفعوا أنتم بهديتكم وافرحوا بها ، لأنكم لا
تفكرون إلا فى متع الحياة الدنيا ، أما أنا ففى غنى عن هداياكم ولا يهمنى إلا إيمانكم .
ثم أتبع سليمان - عليه السلام - هذا الاستنكار بالتهديد فقال : - كما حكى القرآن
عنه - : ﴿ ارجع إليهم ﴾ .
أى : قال سليمان لمن أرسلته بلقيس بالهدية : عد من حيث أتيت ومعك هديتك .
فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ﴾ أى : فوالله لنأتينهم بجنود لا قدرة لهم على مقاومتهم ،
ولا طاقة لهم على قتالهم .
﴿ ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون ﴾ أى: وواقه لنخرجن هذه الملكة وقومها من بلاد
سبأ ، حالة كونهم أذلة ، وحالة كونهم مهزومين مقهورين ، بعد أن كانوا فى عزة وقوة .
وعاد الرسل بهديتهم إلى الملكة ، دون أن يهتم القرآن بما جرى لهم بعد ذلك ، لأن القرآن
لا يهتم إلا بالجوهر واللباب فيما يقصه من أحداث .
ثم يحكى القرآن بعد ذلك ما طلبه سليمان - عليه السلام - من جنوده فيقول :

٣٢٥
سورة النمل
قَالَ
٣٨
يَأَيُّهَا الْمَلُواْ أَيُّكُمْ يَأْتِ بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِ مُسْلِمِينَ
قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ اَلِنَ أَنْءَاِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِن مَّقَامٌِ وَإِ
عَلَيْهِلَقَوِىٌ أَمِينٌ ٦َ قَالَ الَّذِى عِنْدَهُعِلْمٌ مِنَ الْكِتَبِ أَنْ ءَانِكَ
بِهِ، قَبْلَ أَنْ يَرْتَ إِلَتْكَ طَرْفُكْ فَمَارَءَاهُ مُسْتَقِرًّاً عِندَهُ قَالَ هَاذَا
مِن فَضْلِ رَبِى لِيَبْلُوَنِىّ ، أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَايَشْكُرُ
(٤٠
لِنَفْسِهِ، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِ غَنِىٌّ كَرِيمٌ
قال ابن كثير ما ملخصه : فلما رجعت الرسل إلى ملكة سبأ بما قاله سليمان ، قالت : قد
- والله - عرفت ما هذا بملك، وما لنا به من طاقة .. وبعثت اليه : إنى قادمة إليك بملوك
قومى ، لأنظر فى أمرك وما تدعونا إليه من دينك .. ثم شخصت إليه فى اثنى عشر ألف رجل
من أشراف قومها - بعد أن أقفلت الأبواب على عرشها - فجعل سليمان يبعث الجن يأتونه
بمسيرها ومنتهاها كل يوم وليلة ، حتى إذا دنت جمع من عنده من الإِنس والجن ممن تحت يده
فقال: ﴿ يأيها الملأ أيكم يأتينى بعرشها قبل أن يأتونى مسلمين
أى : قال سليمان لجنوده : أى واحد منكم يستطيع أن يحضر لى عرش هذه الملكة قبل أن
تحضر إلى هى وقومها مسلمين ، أى : منقادين طائعين مستسلمين لما أمرتهم به .
ولعل سليمان - عليه السلام - قد طلب إحضار عرشها - من بلاد اليمن إلى بيت المقدس
حيث مقر مملكته ، ليطلعها على عظيم قدرة الله - تعالى - ، وعلى ما أعطاه - سبحانه - له
من ملك عريض ، ومن نعم جليلة ، ومن قوة خارقة ، حيث سخر له من يحضر له عرشها من
مكان بعيد فى زمن يسير .
ولعل كل ذلك يقودها هى وقومها إلى الإِيمان بالله رب العالمين ..
وبعد أن قال سليمان لجنده أيكم يأتينى بعرشها قبل أن يأتونى مسلمين ، رد عليه عفريت
من الجن بقوله: ﴿ أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك
والعفريت: هو المارد القوى من الشياطين ، الذين سخرهم الله - تعالى - لخدمة سليمان ،

٣٢٦
المجلد العاشر
وللقيام بأداء ما يكلفهم به . ويقال له : عفريت ، وعفريته - بكسر العين وسكون الفاء - .
أى : قال عفريت من الجن لسليمان : أنا آتيك بعرش هذه الملكة ، قبل أن تقوم من
مقامك ، أى : قبل أن تقوم من مجلسك هذا الذى تجلس فيه للقضاء بين الناس . أو قبل أن
تقف من جلوسك .
وإنى عليه لقوى أمين ﴾ أى: وإنى على حمله وإحضاره من تلك الأماكن البعيدة إليك،
لقوى على ذلك ، بحيث لا يثقل على حمله ، ولأمين على إحضاره دون أن يضيع منه شىء .
وكأن سليمان قد استبطأ إحضاره عرش تلك المملكة فى هذه الفترة التى حددها ذلك
العفريت القوى ، فنهض جندى آخر من جنوده ، ذكره القرآن بقوله : ﴿ قال الذى عنده
علم من الكتاب ، أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك﴾. قالوا : والمراد بهذا الذى عنده
علم من الكتاب : آصف بن برخيا ، وهو رجل من صلحاء بنى إسرائيل ، آتاه الله - تعالى -
من لدنه علما ، وكان وزيرا لسليمان .
قالوا : وكان يعلم اسم الله الأعظم ، الذى إذا دعى به - سبحانه - أجاب الداعى ، وإذا
سئل به - تعالى - أجاب السائل .
قيل : المراد به سليمان نفسه ، ويكون الخطاب على هذا العفريت ، فكأنه استبطأ ما قاله
العفريت فقال له : - على سبيل التحقير - أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك .
وقيل : المراد به جبريل . والأول هو المشهور عند المفسرين .
أى : قال الرجل الذى عنده علم من كتاب الله - تعالى - يا سليمان أنا آتيك بعرش
بلقيس ، قبل أن تغمض عينك وتفتحها ، وهو كناية عن السرعة الفائقة فى إحضاره .
وفى ذلك ما فيه من الدلالة على شرف العلم وفضله وشرف حامليه وفضلهم وأن هذه
الكرامة التى وهبها الله - تعالى - لهذا الرجل، كانت بسبب ما آتاه - سبحانه - من علم .
وجاء عرش الملكة لسليمان من بلاد اليمن إلى بلاد الشام ، بتلك السرعة الفائقة ﴿فلما رآه
مستقرا عنده ﴾ أى: فلما رأى سليمان العرش المذكور حاضرا لديه، وكائنا بين يديه ... لم
يغتر ولم يتكبر ، ولم يأخذه الزهو والعجب . بل قال - كما حكى القرآن عنه - : ﴿ هذا من
فضل ربى ليبلوني أأشكر أم أكفر ﴾ .
أى : قال سليمان : هذا الذى أراه من إحضار العرش بتلك السرعة من فضل ربى
وعطائه ، لكى يمتحننى أأشكره على نعمه أم أجحد هذه النعم .

٣٢٧
سورة النمل
ومن شكر﴾ اللّه - تعالى - على نعمه ﴿ فإنما يشكر لنفسه ﴾ حيث يزيده
- سبحانه - منها .
﴿ ومن كفر﴾ نعم الله - تعالى - وجحدها ﴿فإن ربى غنى﴾ عن خلقه ﴿كريم) فى
معاملته لهم ، حيث لم يعاجلهم بالعقوبة ، بل يعفو ويصفح عن كثير من ذنوبهم .
ثم ختم - سبحانه - هذه القصة البديعة ، ببيان ما فعله سليمان بالعرش ، وبما قاله لملكة
سبأ بعد أن قدمت إليه ، وبما انتهى إليه أمرها ، فقال - تعالى - :
قَالَ تَكْرُ واْلَهَاعَرْشَهَا
نَظُرْ أَنَدِىّ أَمْتَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَ يَهْتَدُونَ ﴿ فَلَمَّاجَاءَتْ قِلَ
أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَنَّهُ هُوَّ وَأُوْتِنَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّمُسْلِمِينَ
، وَصَدَّهَا مَا كَانَتَ تَّعْبُدُ مِن دُونِ الِّإِنَّهَ كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَنِفِرِينَ
اقِيلَ لَهَا أَدْ خُلِ الصَّرْحَ فَلَمَّارَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن
٤٣
سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرٌْ مُمَزٌَّ مِنْ قَوَارِيِرٌّ قَالَتْ رَبِّ إِنِىِ
٤٤
ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
وقوله : ﴿ نكروا لها عرشها﴾ من التنكير الذى هو ضد التعريف، وهو جعل الشىء
على هيئة تخالف هيئته السابقة حتى لا يعرف .
أى: قال سليمان لجنوده ، بعد أن استقر عنده عرش بلقيس : غيروا لهذه الملكة عرشها ،
كأن تجعلوا مؤخرته فى مقدمته ، وأعلاه أسفله ..
وافعلوا ذلك لكى ﴿ننظر﴾ ونعرف ﴿أتهتدى﴾ إليه بعد هذا التغيير، أو إلى الجواب
اللائق بالمقام عندما تسأل ﴿ أم تكون من الذين لا يهتدون ﴾ إلى معرفة الشىء بعد تغيير
معالمه المميزة له . أو إلى الجواب الصحيح عندما تسأل عنه .
فالمقصود بتغيير هيئة عرشها : اختبار ذكائها وفطنتها ، وحسن تصرفها ، عند مفاجأتها

٣٢٨
المجلد العاشر
بإطلاعها على عرشها الذى خلفته وراءها فى بلادها . وإيقافها على مظاهر قدرة الله
- تعالى - وعلى ما وهبه لسليمان - عليه السلام - من معجزات .
وقوله - تعالى -: ﴿ فلما جاءت ... ﴾ شروع فى بيان ما قالته عندما عرض عليها
سليمان عرشها .
أى : فلما وصلت بلقيس إلى سليمان - عليه السلام - عرض عليها عرشها بعد تغيير
معالمه . ثم قيل لها من جهته - عليه السلام -: ﴿ أهكذا عرشك ﴾ أى : أمثل هذا العرش
الذى ترينه الآن ، عرشك الذى خلفتيه وراءك فى بلادك .
فالهمزة للاستفهام والهاء للتنبيه - والكاف حرف جر ، وذا اسم إشارة مجرور بها ، والجار
والمجرور خبر مقدم ، وعرشك مبتدأ مؤخر .
ولم يقل لها : أهذا عرشك ، لئلا يكون إرشادا لها إلى الجواب ، فيفوت المقصود من اختبار
ذكائها وحسن تصرفها .
ولاشك أن هذا القول يدعوها للدهشة والمفاجأة بما لم يكن فى حسبانها ، وإلا فأين هى من
عرشها الذى تركته خلفها على مسافة بعيدة ، بينها وبين مملكة سليمان عشرات الآلاف من
الأميال .
ولكن الملكة الأريبة العاقلة ، هداها تفكيرها إلى جواب ذكى ، فقالت - كما حكى القرآن
عنها - : ﴿ كأنه هو ﴾ أى: هذا العرش - الذى غيرت هيئته - كأنه عرشى الذى تركته
فى بلادى، فهى لم تثبت أنه هو ، ولم تنف أنه غيره ، وإنما تركت الأمر مبنيا على الظن
والتشبيه ، لكى يناسب الجواب السؤال .
وقوله - سبحانه -: ﴿وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين ﴾ يرى بعض المفسرين أنه
من تتمة كلام بلقيس ، وكأنها عندما استشعرت مما شاهدته اختبار عقلها قالت : وأوتينا العلم
من قبلها ، أى : من قبل تلك الحالة التى شاهدناها ، بصحة نبوة سليمان وكنا مسلمين ، طائعين
لأمره .
ومنهم من يرى أنه من سليمان ، وتكون الجملة معطوفة على كلام مقدر وجىء بها من قبيل
التحدث بنعمة الله - تعالى - .
والمعنى : قال سليمان : لقد أصابت بلقيس فى الجواب ، وعرفت الحق ، ولكننا نحن الذين
أوتينا العلم من قبلها - أى من قبل حضور ملكة سبأ - وكنا مسلمين لله - تعالى - وجوهنا .
ويبدو لنا أن كون هذه الجملة ، حكاها القرآن على أنها من تتمة كلامها أقرب إلى

٣٢٩
سورة النمل
الصواب ، لأنه هو الظاهر من سياق الكلام .
قال الألوسى ما ملخصه: قوله: ﴿وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين ) من تتمة
كلامها على ما اختاره جمع من المفسرين . كأنها استشعرت مما شاهدته اختبارها ، وإظهار
معجزة لها . ولما كان الظاهر من السؤال هو الأول ، سارعت إلى الجواب بما أنبأ عن كمال
عقلها ، ولما كان إظهار المعجزة دون ذلك فى الظهور ، ذكرت ما يتعلق به آخرا وهو قولها :
وأوتينا العلم ﴾ وفيه دلالة على كمال عقلها - أيضا - .
والمعنى : وأوتينا العلم بكمال قدرة الله ، وصحة نبوتك من قبل هذه المعجزة أو من قبل هذه
الحالة ، بما شاهدناه من أمر الهدهد . وما سمعناه من رسلنا إليك ، وكنا مؤمنين من ذلك
الوقت ، فلا حاجة إلى إظهار هذه المعجزة(١).
وقوله - سبحانه - ﴿ وصدها ما كانت تعبد من دون الله ... ﴾ بيان الأسباب التى منعتها
من الدخول فى الإِسلام قبل ذلك. و﴿ ما﴾ موصولة على أنها فاعل ((صد)).
أى : وصدها ومنعها الذى كانت تعبده من دون الله - تعالى - وهو الشمس - عن عبادة
الله - تعالى - وحده، وعن المسارعة إلى الدخول فى الإِسلام.
ويصح أن تكون ﴿ ما﴾ مصدرية، والمصدر هو الفاعل. أى. وصدها عبادة الشمس،
عن المسارعة إلى الدخول فى الإِسلام .
وجملة ﴿ إنها كانت من قوم كافرين﴾ تعليل لسببية عبادتها لغير الله - تعالى -.
*
أى: إن هذه المرأة كانت من قوم كافرين بالله - تعالى - ، جاحدين لنعمه ، عابدين
لغيره ، منذ أزمان متطاولة ، فلم يكن فى مقدورها إظهار إسلامها بسرعة وهى بينهم .
فالجملة الكريمة كأنها اعتذار لها عن سبب تأخرها فى الدخول فى الإِسلام .
ثم ختم - سبحانه - هذه القصة ببيان ما فاجأها به سليمان ، لتزداد يقينا بوحدانية الله
- تعالى - ، وبعظم النعم التى أعطاها - سبحانه - له فقال: ﴿ قيل لها ادخلى الصرح ،
فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها ﴾ .
والصرح: القصر ويطلق على كل بناء مرتفع . ومنه قوله - تعالى -: ﴿ وقال فرعون .
ياهامان ابن لى صرحا لعلى أبلغ الأسباب ﴾(٢) .
(١) تفسير الآلوسى ١٩، ص ٢٠٧ .
( ٢) سورة غافر الآية ٣٦ .

٣٣٠
المجلد العاشر
ويطلق - أيضاً - على صحن الدار وساحته . يقال : هذه صرحة الدار . أى : ساحتها
وعرصتها .
وكان سليمان - عليه السلام - قد بنى هذا الصرح ، وجعل بلاطه من زجاج نقى صاف
كالبلور . بحيث يرى الناظر ما يجرى تحته من ماء .
أى : قال سليمان لملكة سبأ بعد أن سألها : أهكذا عرشك ، وبعد أن أجابته بما سبق بيانه .
قال لها : ادخلى هذا القصر ، فلما رأت هذا الصرح وما عليه من جمال وفخامة ، حسبته لجة .
أى : ظنته ماء غزيرا كالبحر .
﴿ وكشفت عن ساقيها ﴾ لئلا تبتل بالماء أذيال ثيابها .
وهنا قال سليمان مزيلا لما اعتراها من دهشة: ﴿إنه﴾ أى: ما حسبته لجة ﴿صرح ممرد
من قوارير ﴾ أى: قصر مملس من زجاج لا يحجب ما وراءه .
فقوله ﴿ ممرد ) بمعنى مملس، مأخوذ من قولهم: شجرة مرداء إذا كانت عارية من
الورق ، وغلام أمرد ، إذا لم يكن فى وجهه شعر والتمريد فى البناء ، معناه : التمليس والتسوية
والنعومة .
والقوارير : جمع قارورة ، وهى إناء من زجاج ، وتطلق القارورة على المرأة ، لأن الولد يقر
فى رحمها، أو تشبيها لها بآنية الزجاج من حيث ضعفها، ومنه الحديث الشريف: ((رفقا
بالقوارير)). والمراد بالقوارير هنا . المعنى الأول .
ثم حكى - سبحانه - ما قالته بلقيس بعد أن رأت جانبا من عجائب صنع الله فقال :
قالت رب إنى ظلمت نفسى ﴾ أى: بسبب عبادتى لغيرك قبل هذا الوقت .. ﴿وأسلمت
مع سليمان﴾ طائعة مختارة، وإسلامى إنما هو ﴿لله رب العالمين) وليس لأحد سواه.
وبعد ، فهذا تفسير محرر لتلك القصة ، وقد أعرضنا عن کثیر من الإسرائیلیات التى حشا
بها بعض المفسرين تفاسيرهم ، عند حديثهم عن الآيات التى وردت فى هذه القصة ، ومن
ذلك ما يتعلق بسليمان - عليه السلام - وبجنوده من الطير . وبمحاورة النملة له ، وبالهدية
التى أرسلتها ملكة سبأ إليه ، وبما قالته الشياطين لسليمان عن هذه المرأة .. الخ وقد اشتملت
هذه القصة على عبر وعظات وأحكام وآداب ، من أهمها ما يأتى :
١ - أن الله - تعالى - قد أعطى - بفضله وإحسانه - داود وسليمان عليهما السلام - نعما
عظيمة ، على رأسها نعمة النبوة ، والملك ، والعلم النافع .
وأنهما قد قابلا هذه النعم بالشكر لله - تعالى - واستعمالها فيما خلقت له .

٣٣١
سورة النمل
ونرى ذلك فى قوله - تعالى -: ﴿ولقد آتينا داود وسليمان علما، وقالا الحمد لله الذى
فضلنا على كثير من عباده المؤمنين
٠
وفى قوله - تعالى -: ﴿رب أوزعنى أن أشكر نعمتك التى أنعمت على وعلى والدى، وأن
أعمل صالحا ترضاه ، وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين
وفى قوله - سبحانه - : ﴿ هذا من فضل ربى ليبلونى أأشكر أم أكفر ، ومن شكر فإنما
يشكر لنفسه ، ومن كفر فإن ربى غنى كريم ﴾ .
٢ - أن سليمان - عليه السلام - قد أقام دولته على الإِيمان بالله - تعالى - وعلى العلم
النافع ، وعلى القوة العادلة .
أما الإِيمان بالله - تعالى - وإخلاص العبادة له - سبحانه - ، فهو كائن له - عليه
السلام - بمقتضى نبوته التى اختاره الله لها ، وبمقتضى دعوته غيره إلى وحدانية الله - عز
وجل - فقد حكى القرآن عنه أنه قال فى رسالته إلى ملكة سبأ: ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم
اللّه الرحمن الرحيم . ألا تعلوا على وأتونى مسلمين ﴾.
وأما العلم النافع ، فيكفى أن القصة الكريمة قد افتتحت بقوله - تعالى -: ﴿ ولقد آتينا
داود وسليمان علما ..
واشتملت على قوله - سبحانه -: ﴿وورث سليمان داود وقال يأيها الناس علمنا منطق
الطير ...
وعلى قوله - عز وجل - : ﴿ قال الذى عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد
إليك طرفك ﴾ .
وأما القوة ، فنراها فى قوله - تعالى -: ﴿وحشر لسليمان جنوده من الجن والإِنس
والطير فهم يوزعون ﴾ .
وفى قوله - سبحانه - ﴿ ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ، ولنخرجنهم منها أذلة
وهم صاغرون
٣ - أن سليمان عليه السلام كانت رسالته الأولى نشر الإِيمان بالله - تعالى - فى الأرض، "
وتطهيرها من كل معبود سواه .
والدليل على ذلك أن الهدهد عندما أخبره بحال الملكة التى كانت هى وقومها يعبدون
الشمس من دون الله ..
ما كان من سليمان - عليه السلام - إلا أن حمله كتابا قويا بليغا يأمرهم فيه بترك التكبر

٣٣٢
المجلد العاشر
والغرور، وبإسلام وجوههم لله وحده: ﴿ ألا تعلوا على وأتونى مسلمين
٤ - أن سليمان - عليه السلام - كان يمثل الحاكم اليقظ المتنبه لأحوال رعيته ، حيث
يعرف شئونها الصغيرة والكبيرة ، ويعرف الحاضر من أفرادها والغائب ، حتى ولو كان الغائب
طيرا صغيرا ، من بين آلاف الخلائق الذين هم تحت قيادته .
ولقد صور القرآن ما كان عليه سليمان - عليه السلام - من يقظة ودراية بأفراد رعيته
أبدع تصوير فقال: ﴿وتفقد الطير فقال مالى لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين ﴾.
قال الإمام القرطبى - رحمه الله -: فى هذه الآية دليل على تفقد الإِمام أحوال رعيته ،
والمحافظة عليهم ، فانظر إلى الهدهد مع صغره ، كيف لم يَخْفَ على سليمان حاله ، فكيف بعظام
الملك ..
ثم يقول - رحمه الله - على سبيل التفجع والشكوى عن حال الولاة فى عهده : فما ظنك
بوال تذهب على يديه البلدان ، وتضيع الرعية ويضيع الرعيان .. ورحم الله القائل :
وهل أفسد الدينَ إلا الملوكُ وأحبارُ سوءٍ ورهباُها (١)
٥ - أن سليمان - عليه السلام - كان بجانب تعهده لشئون رعيته ، يمثل الحاكم الحازم
العادل ، الذى يحاسب المهمل ، ويتوعد المقصر ، ويعاقب من يستحق العقاب ، وفى الوقت
نفسه يقبل عذر المعتذر متى اعتذر عذرا مشروعا ومقنعا .
انظر إليه وهو يقول - كما حكى القرآن عنه - عندما تفقد الهدهد فلم يجده: ﴿ لأعذبنه
عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتينى بسلطان مبين ﴾ .
إن الجيوش الجرارة التى تحت قيادة سليمان - عليه السلام - لا تؤثر فيها غياب هدهد
منها .. ولكن سليمان القائد الحازم ، كأنه يريد أن يعلم جنوده ، أن لكل جندى رسالته التى
يجب عليه أن يؤديها على الوجه الأكمل سواء أكان هذا الجندى صغيرا أم كبيرا ، وأن من فرط
فى الأمور الصغيرة ، لا يستبعد منه أن يفرط فى الأمور الكبيرة .
٦ - أن الجندى الصغير فى الأمة التى يظلها العدل والحرية والأمان .. لا يمنعه صغره من أن
يرد على الحاكم الكبير ، بشجاعة وقوة ..
انظر إلى الهدهد - مع صغره - يحكى عنه القرآن ، أنه رد على نبى الله سليمان الذى آتاه
اللّه ملكا لا ينبغى لأحد من بعده بقوله: ﴿ أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ
يقين .. ﴾
(١) تفسير القرطبى ج ١٣ ص ١٧٨ .
٤

٣٣٣
سورة النمل
ونجد سليمان - عليه السلام - لا يؤاخذه على هذا القول ، بل يضع قوله موضع التحقيق
والاختبار فيقول له : ﴿ سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين ﴾.
وهكذا الأمم العاقلة الرشيدة ، لا يهان فيها الصغير ، ولا يظلم فيها الكبير .
٧ - أن حكمة الله - تعالى - قد اقتضت أن تتألف الأمم من حاكمين ومحكومين ، وأن كل
فريق له حقوق وعليه واجبات ، وأن الأمم لا تصلح بدون حاكم يحكمها ويرعى شئونها ،
ويحق الحق ويبطل الباطل .
قال القرطبى عند تفسيره لقوله - تعالى -: ﴿وحشر لسليمان جنوده من الجن والإِنس
والطير فهم يوزعون﴾: فى الآية دليل على اتخاذ الإِمام والحكام وَزَعةٌ - أى ولاة، أو قضاة
- يكفون الناس ويمنعونهم من تطاول بعضهم على بعض ...
قال ابن عون : سمعت الحسن يقول وهو فى مجلس قضائه: والله ما يصلح هؤلاء الناس إلا
وزعة (١) .
ومن الأقوال الحكيمة لأمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضى الله عنه - ((إن الله ليزع
بالسلطان مالا يزع بالقرآن)).
٨ - أن الحاكم العاقل هو الذى يستشير من هو أهل للاستشارة فى الأمور التى تهم الأمة .
فها هى ذى ملكة سبأ عندما جاءها كتاب سليمان - عليه السلام - جمعت وجوه قومها ،
وقالت لهم - كما حكى القرآن عنها: ﴿يأيها الملأ أفتونى فى أمرى ، ما كنت قاطعة أمرا حتى
تشهدون ... ﴾ .
قال القرطبى : وفى هذه الآية دليل على صحة المشاورة .. وقد قال الله - تعالى - لنبيه
- وَّل - ﴿وشاورهم فى الأمر﴾ وقد مدح الله الفضلاء بقوله: ﴿وأمرهم شورى بينهم:
والمشاورة من الأمر القديم وخاصة فى الحرب ، فهذه بلقيس امرأة جاهلية كانت تعبد الشمس
من دون الله قالت: ﴿يأيها الملأ أفتونى فى أمرى ... ﴾ لتختبر عزمهم على مقاومة عدوهم.
وربما كان فى استبدادها برأيها وهن فى طاعتها ، وكان فى مشاورتهم وأخذ رأيهم عون على
ما تريده من شوكتهم ، وشدة مدافعتهم ، ألا ترى إلى قولهم فى جوابهم : ﴿ نحن أولو قوة
وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظرى ماذا تأمرين .. ﴾(٢) .
(١) تفسير القرطبى ج ١٣ ص ١٦٨ .
(٢) تفسير القرطبى ج ١٣ ص ١٩٤.

٣٣٤
المجلد العاشر
٩ - أن الهدية إذا لمس المهدى إليه من ورائها ، عدم الإِخلاص فى إهدائها . وأن المقصد
منها صرفه عن حق يقيمه ، أو عن باطل يزيله .. فإن الواجب عليه أن يرد هذه الهدية
لصاحبها . وأن يمتنع عن قبولها ..
ألا ترى إلى سليمان - عليه السلام - قد رد الهدية الثمينة التى أهدتها بلقيس إليه ، حين
أحس أن من وراء هذه الهدية شيئا . يتنافى مع تبليغ وتنفيذ رسالة الله - تعالى - التى أمره
بتبليغها وتنفيذها ، ألا وهى: الأمر بإخلاص العبادة لله - تعالى - والنهى عن الإِشراك به ،
وبلقيس إنما كانت تقصد بهديتها ، اختبار سليمان ، أنبى هو أم ملك ، كما سبق أن أشرنا ..
لذا وجدنا القرآن يحكى عن سليمان - عليه السلام - أنه رد هذه الهدية مع من جاءوا بها ،
وقال: ﴿ أتمدونن بمال، فما آتانى الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون﴾.
١٠ - أن ملكة سبأ دل تصرفها على أنها كانت ملكة عاقلة رشيدة ، حكيمة ، فقد
استشارت خاصتها فى كتاب سليمان - عليه السلام - ، ولوحت لهم بقوته وبما سيترتب على
حربه ، وآثرت أن تقدم له هدية على سبيل الامتحان ، واستحبت المسالمة على المحاربة .. وكان
عندها الاستعداد لقبول الحق والدخول فيه ، وما أخرها عن المسارعة إليه إلا لكونها كانت من
قوم كافرين ..
وعندما التقت بسليمان ، وانكشفت لها الحقائق سارعت إلى الدخول فى الدين الحق ،
وقالت : ﴿رب إنى ظلمت نفسى وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين).
هذه بعض العبر والعظات التى تؤخذ من هذه القصة .. ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك
جانبا من قصة صالح - عليه السلام - مع قومه ، فقال - تعالى - :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُ واْاللَّهَ فَإِذَا
هُمْ فَرِقَانِ يَخْتَصِمُونَ ﴿﴿ قَالَ يَقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ
بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَّةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ
تُرْحَمُونَ ﴿ قَالُوا الَّتِّزْنَائِكَ وَيِمَن مَّعَنَّ قَالَ طَبِرُكُمْ
عِندَ اللّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ تُفْتَنُونَ () وَكَانَ فِ الْمَدِينَةِ نِسْعَةُ
رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِ اَلْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ﴿٨) قَالُواْ

٣٣٥
سورة النمل
تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِلَتُ بَيِّتَنَّهُ, وَأَهْلَهُ، ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَاشَهِدْنَا
مَهْلِكَ أَهْلِهِ، وَإِنَّا لَصَدِقُونَ ﴿ وَمَكَرُوأ مَكْرًا
وَمَكَّرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْكَيْفَ
كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَ قَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ
(١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةٌ بِمَا ظَلَمُوْاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ
لَيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿﴿ وَأَنَجَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
٥٣
وَكَانُواْيَتَّقُونَ
وقوله - سبحانه -: ﴿ ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا ... ﴾ معطوف على قوله
- تعالى -: ﴿ولقد آتينا داود وسليمان علما﴾.
واللام فى قوله ﴿ولقد أرسلنا .. ﴾ جواب لقسم محذوف، و﴿ ثمود﴾ اسم القبيلة التى
منها صالح - عليه السلام - ، سميت باسم جدها ثمود . وقيل : سميت بذلك لقلة مائها ،
لأن الثمد هو الماء القليل ..
وكانت مساكنهم بالحجر - بكسر الحاء وسكون الجيم - ، وهو مكان بين الحجاز والشام ،
ومازلت مساكنهم تعرف بمدائن صالح إلى اليوم. وقد مر النبى - بَ الهر - بديارهم ، وهو ذاهب
إلى غزوة تبوك ، سنة تسع بعد الهجرة .
وصالح - عليه السلام - هو نبيهم ، وكان واحدا منهم ، وينتهى نسبه إلى نوح - عليه
السلام - وقبيلة ثمود تسمى عادا الثانية ، أما قبيلة عاد فتسمى عادا الأولى ، ونبيهم هود
- عليه السلام - قالوا : وكان بين القبيلتين زهاء مائة عام .
والمعنى : وبالله لقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود ، أخاهم صالحا - عليه السلام - ، فقال لهم ما قاله
كل نبى لقومه : ﴿ أن اعبدوا الله ﴾ - تعالى - وحده، ولا تشركوا معه آلهة أخرى.
و((إذا)» فى قوله - تعالى -: ﴿فإذا هم فريقان يختصمون﴾ هى الفجائية
يختصمون ﴾ من المخاصمة بمعنى المجادلة والمنازعة .

٣٣٦
المجلد العاشر
أى : أرسلنا نبينا صالحا إلى قومه ، فكانت المفاجأة أن انقسم قومه إلى قسمين : قسم آمن
به - وهم الأقلون - ، وقسم كفر به - وهم الأكثرون .
وهذه الخصومة بين الفريقين ، قد أشار إليها القرآن فى قوله - تعالى -: ﴿قال الملأ
الذين استكبروا من قومه ، للذين استضعفوا ، لمن آمن منهم ، أتعلمون أن صالحا مرسل من
ربه ؟ قالوا : إنا بما أرسل به مؤمنون . قال الذين استكبروا إنا بالذى آمنتم به كافرون ﴾(١).
وقوله - تعالى -: ﴿ قال ياقوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة ... ﴾ بيان لما وجهه
صالح إلى الكافرين من قومه ، من نصائح حكيمة ..
أى : قال صالح - عليه السلام - للمكذبين لرسالته من قومه بأسلوب رقيق حكيم :
يا قوم لماذا كلما دعوتكم إلى الحق أعرضتم عن دعوتى، وآثرتم الكفر على الإِيمان ،
واستعجلتم عقوبة الله - تعالى - التى حذرتكم منها ، قبل أن تتضرعوا إليه - سبحانه -
بطلب الهداية والرحمة .
وقوله : ﴿ لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون﴾ حض منه على الإقلاع عما هم فيه من
عناد وضلال .
أى : هلا أستغفرتم الله - تعالى - وأخلصتم له العبادة، واتبعتمونى فيما أدعوكم إليه ،
لكى يرحمكم ربكم ويعفو عنكم .
فالمراد بالسيئة : العذاب الذى تعجلوه ، والذى أشار إليه - سبحانه - فى قوله :
فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من
المرسلين ﴾ (٢).
ثم حكى - سبحانه - ما رد به هؤلاء المتكبرون على نبيهم فقال - تعالى - ﴿ قالوا
اطيرنا بك وبمن معك ..
وقوله : ﴿اطيرنا﴾ أصله تطيرنا، فأدغمت التاء فى الطاء، وزيدت همزة الوصل ،
ليتأتى الابتداء بالكلمة . والتطير : التشاؤم .
قال الآلوسي : وعبر عنه بذلك ، لأنهم كانوا إذا خرجوا مسافرين فيمرون بطائر يزجرونه
فإن مر سانحا - بأن مر من ميامن الشخص إلى مياسره - تيمنوا ، وإن مر بارحا - بأن مر
(١) سورة الأعراف الآيتان ٧٥، ٧٦ .
( ٢) سورة الأعراف الآية ٧٧ .

٣٣٧
. سورة النمل
من المياسر إلى الميامن - تشاءموا . فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر ، استغير لما كان سببًا
لهما من قدر الله - تعالى - وقسمته - عز وجل - أو من عمل العبد الذى هو سبب الرحمة
والنعمة(٢).
أى قال المكذبون من قوم صالح فى الرد عليه : أصابنا الشؤم والنحس بسبب وجودك
فينا ، وبسبب المؤمنين الذين استجابوا لدعوتك . حيث أصبنا بالقحط بعد الرخاء والضراء
بعد السراء .
ولاشك أن قولهم هذا يدل على جهلهم المطبق ، وعلى سوء تفكيرهم ، لأن السراء والضراء
من عند الله - تعالى - وحده . ولا صلة لهما بوجود صالح والذين آمنوا معه بينهم ولذا رد
عليهم صالح - عليه السلام - بقوله ﴿ طائركم عند الله .. ﴾.
أى : قال لهم موبخا وزاجرا : ليس الأمر كما زعمتم أن وجودنا بينكم هو السبب فيما
أصابكم من شر ، بل الحق أن ما يصيبكم من شر وقحط هو من عند الله ، بسبب أعمالكم
السيئة ، وإصراركم على الكفر ، واستحبابكم المعصية على الطاعة . والعقوبة على المغفرة .
ثم زاد صالح - عليه السلام - الأمر توضيحا وتبيانا فقال لهم: ﴿بل أنتم قوم
تفتنون ﴾ .
أى قال لهم: ليس ما أصابكم بسببنا. بل أنتم قوم (( تفتنون)) أى تختبرون وتمتحنون بما
يقع عليكم من شر ، حتى تتوبوا إلى خالقكم ، قبل أن ينزل بكم العذاب الماحق ، إذا ما بقيتم
على كفركم .
فأنت ترى أن صالحا - عليه السلام - قد رد على جهالتهم بأسلوب قوى رصين ، بين لهم
فيه ، أن تشاؤمهم فى غير محله ، وأن حظهم ومستقبلهم ومصيرهم بيد الله - تعالى - وحده ،
وأن ما أصابهم من بلاء وقحط ، إنما هو لون من امتحان الله - تعالى - لهم، لكى يتنبهوا
ويستجيبوا لدعوة الحق ، قبل أن يفاجئهم الله - تعالى - بالعذاب الذى يهلكهم .
ولكن هذا النصح الحكيم الذى وجهه صالح إلى المكذبين من قومه ، لم يجد أذنا صاغية
منهم ، بل قابله زعماؤهم بالتكير وبالإصرار على التخلص من صالح - عليه السلام - ومن
أهله ، وقد حكى القرآن ذلك فى قوله - تعالى -: ﴿وكان فى المدينة تسعة رهط ، يفسدون
فى الأرض ولا يصلحون. قالوا : تقاسموا بالله ، لنبيتنه وأهله . ثم لنقولن لوليه ماشهدنا
مهلك أهله وإنا لصادقون
(١) تفسير الآلوسى ج ٤٩، ص ٢١١.

٣٣٨
المجلد العاشر
والمراد بالمدينة : مدينة قوم صالح - عليه السلام - وهى الحِجْر - بكسر الحاء وإسكان
الجيم - .
قال الجمل: قوله: ((تسعة رهط)) أى تسعة أشخاص، وبهذا الاعتبار وقع تمييزًا للتسعة ،
لا باعتبار لفظه ، وهم الذين سعوا فى عقر الناقة ، وباشره منهم قدار بن سالف ، وكانوا من
أبناء اشراف قوم صالح ، والإضافة بيانية . أى : تسعة رهط . وفى المصباح : الرهط دون
العشرة من الرجال ، ليس فيهم امرأة (١).
ووصفهم بأنهم يفسدون فى الأرض ولا يصلحون . للإشارة إلى أن نفوسهم قد تمخضت
للفساد وللإِفساد ، ولا مكان فيها للصلاح وللإصلاح.
وقوله : ﴿ تقاسموا﴾ فعل أمر محكى بالقول، بمعنى: احلفوا بالله، ويجوز أن يكون
فعلا ماضيا مفسرا لقالوا ، فكأنه قيل : ما الذى قالوه ؟ فكان الجواب : تقاسموا أى :
أقسموا .
وقوله: ﴿لنبيتنه﴾ من البيات وهو مباغتة العدو ليلا لقتله . يقال بيت القوم العدو ، إذا
أوقعوا به ليلا .
والمراد بوليه : المطالبون بدمه من أقاربه ، وفى ذلك إشارة إلى أن هؤلاء الظالمين لم يكونوا
ليستطيعوا قتل صالح - عليه السلام - علانية ، خوفا من مناصرة أقاربه له .
و﴿ مَهلِك﴾ بفتح الميم وكسر اللام بزنة مرجع - مصدر ميمى، من هلك الثلاثى، وقرأ
بعضهم ﴿ مُهَلَك) بضم الميم وفتح اللام - من أهلك الرباعى ، فهو أيضا مصدر ميمى من
أهلك ، ويجوز أن يكونا اسم زمان أو مكان .
والمعنى : وكان فى المدينة التى يسكنها صالح - عليه السلام - وقومه ، تسعة أشخاص ،
دأبهم وديدنهم، الإِفساد فى الأرض، وعدم الإصلاح فيها، بأى حال من الأحوال .
وقد تعاهد هؤلاء التسعة . وأكدوا ما تعاهدوا عليه بالأيمان المغلظة . على أن يباغتوا نبيهم
وأهله ليلا ، فيقتلوهم جميعا، ثم ليقولن بعد جريمتهم الشنعاء لأقارب صالح - عليه
السلام - : ما حضرنا هلاك أهله وهلاك صالح معهم ، ولا علم عندنا بما حل بهم وبه من
قتل ، وإنا لصادقون فى كل ما قلناه .
وهكذا المفسدون فى الأرض ، يرتكبون أبشع الجرائم وأشنعها ، ثم يبررونها بالحيل
الساذجة الذميمة ثم بعد ذلك يحلفون بأغلظ الأيمان أنهم بريئون من تلك الجرائم .
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٣ ص ٣١٩.

٣٣٩
سورة النمل
ومن العجيب أن هؤلاء المجرمين الغادرين يقولون فيما بينهم: ﴿ تقاسموا باللّه﴾ أى :.
احلفوا بالله ، على أن تنفذوا ما اتفقنا عليه من قتل صالح وأهله ليلا غيلة وغدرا . فهم
يؤكدون إصرارهم على الإِجرام بالحلف بالله ، مع أن الله - تعالى - برىء منهم ومن غدرهم .
وقولهم : ﴿ ماشهدنا مهلك أهله ﴾ نفى منهم لحضور قتلهم ، فضلا عن مباشرة قتلهم ،
كأنهم أرادوا بهذه الجملة الإِتيان بحيلة يبررون بها كذبهم ، أى : أننا قتلناهم فى الظلام ، فلم
نشاهد أشخاصهم ، وإنا لصادقون فى ذلك .
ولكن هذا المكر السىء، والتحايل القبيح قد أبطله الله - تعالى - وجعله يحيق بهم
وبأشياعهم ، فقد قال - تعالى - ﴿ومكروا مكرا﴾ أى بهذا الحلف فيما بينهم على قتل
صالح وأهله غدرا ﴿ومكرنا مكرا﴾ أى: ودبرنا لصالح - عليه السلام - ولمن آمن به،
تدبيرا محمودا محكما ﴿وهم لا يشعرون﴾ أى: وهم لا يشعرون بتدبيرنا الحكيم ، حيث
أنجينا صالحا ومن معه من المؤمنين ، وأهلكنا أعداءه أجمعين .
ثم بين - سبحانه - الآثار التى ترتبت على مكرّهم السىء ، وعلى تدبيره المحكم فقال
- تعالى - :
فانظر كيف كان عاقبة مكرهم ، أنا دمرناهم وقومهم أجمعين ﴾ أى : فانظر - أيها
العاقل - وتأمل واعتبر فيما آل إليه أمر هؤلاء المفسدين ، لقد دمر ناهم وأبدناهم ، وأبدنا معهم
جميع الذين كفروا بنبينا صالح - عليه السلام - .
قال بعض العلماء ما ملخصه : قوله - تعالى - : ﴿ أنا دمر ناهم وقومهم أجمعين ﴾ قرأه
الجمهور بكسر همزة ﴿إنّا ﴾ على الاستئناف، وقرأه عاصم وحمزة والكسائى: ﴿ أنا
دمرناهم ﴾ بفتح الهمزة وفى إعراب المصدر المنسبك من أن وصلتها أوجه منها : أنه بدل من
عاقبة مكرهم ﴾ ومنها : أنه خبر مبتدأ محذوف ، وتقديره : هى أى: عاقبة مكرهم تدمیرنا
إياهم .. (١) .
وقوله - سبحانه -: ﴿ فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا .. ﴾ مقرر ومؤكد لما قبله من تدمير
المفسدين وإهلاكهم .
أى : إن كنت - أيها المخاطب - تريد دليلا على تدميرهم جميعا ، فتلك هى بيوتهم خاوية
وساقطة ومتهدمة على عروشها ، بسبب ظلمهم وكفرهم ومكرهم .
إن فى ذلك ﴾ الذى فعلناه بهم من تدمير وإهلاك ﴿لآية﴾ بينة، وعبرة واضحة،
(١) أضواء البيان ج ٦ ص ٤١٢ للشيخ محمد أمين الشنقيطى.

٣٤٠
المجلد العاشر
لقوم يعلمون ﴾ أى: يتصفون بالعلم النافع الذى يتبعه العمل الصالح.
ثم ختم - سبحانه - هذه القصة بتأكيد سنته التى لا تتخلف فقال: ﴿وأنجينا ﴾ أى:
بفضلنا وإحساننا، ﴿ الذين آمنوا) وهم نبينا صالح وأتباعه ﴿وكانوا يتقون﴾ أى:
وكانوا يتقون الله - تعالى - ويخافون عذابه .
وبذلك تكون السورة الكريمة قد ساقت لنا جانبا من قصة صالح مع قومه هذا الجانب فيه
ما فيه من عظات وعبر لقوم يعقلون .
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك طرفا من قصة لوط مع قومه ، فقال - تعالى - :
وَلُوطَا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ:
أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴿ أَيِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ
اُلْرِجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ: إِلَّ أَنْ قَالُواْأَخْرِجُوَأْءَالَ
لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ * فَأَنَجَيْنَهُ
وَأَهْلَهُ: إِلَّا أَمْرَأَتَهُوَقَدَّرْنَهَا مِنَ الْغَرِينَ * وَأَمْطَرْنَا
عَلَيْهِمْ قَطَرَا فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ
٥٨
وقصة لوط - عليه السلام - قد ذكرت فى سور متعددة منها الأعراف ، وهود ، والحجر ..
وهنا تتعرض السورة الكريمة ، لإبراز ما كان عليه أولئك القوم من فجور ، وما هددوا به
نبيهم .
قال ابن كثير - رحمه الله -: ولوط هو ابن هاران بن آزر ، وهو ابن أخى إبراهيم
- عليه السلام - وكان لوط قد آمن مع ابراهيم ، وهاجر معه إلى أرض الشام ، فبعثه الله
- تعالى - إلى أهل ((سدوم))، وما حولها من القرى، يدعوهم إلى عبادة الله وحده ،
وينهاهم عما يرتكبونه من المآثم والمحارم والفواحش التى اخترعوها ، دون أن يسبقهم إليها