النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١
سورة الشعراء
يابنى إسرائيل إنى رسول الله إليكم . مصدقا لما بين يدى من التوراة . ومبشرًا برسول يأتى من
بعدى اسمه أحمد .. ﴾ (١) .
والاستفهام فى قوله ﴿ أو لم يكن لهم آية .. ﴾ للإنكار والتوبيخ. والواو العطف على
مقدر ، والتقدير : أغفلوا عن ذلك وجهلوه ، ولم يكفهم للدلالة على صدقه وحقيته أن يعلم
ذلك علماء بنى إسرائيل ، ويتحدث عنه عُدُولهم، وينتظرون مبعث الرسول - وَ الله - ونزول
القرآن عليه - وَله - .
قال - تعالى -: ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم ، وكانوا من قبل
يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ، فلعنة الله على الكافرين ﴾(٢).
وقال - سبحانه -: ﴿ الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى
التوراة والإنجيل ، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ﴾(٣).
ثم ذكر - سبحانه - طرفا من جحود الكافرين وعنادهم فقال : ﴿ولو نزلناه على بعض
الأعجمين . فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين
والأعجمين : جمع أعجم ، وهو الذى لا يفصح وفى لسانه عجمة وإن كان عربى النسب ،
أو جمع أعجمى ، إلا أنه حذف منه ياء النسب تخفيفا ، كأشعر جمع أشعرى .
أى : ولو نزلنا هذا القرآن على رجل من الأعجمين ، الذين لا يحسنون النطق بالعربية ،
فقرأ هذا القرآن على قومك - أيها الرسول الكريم - قراءة صحيحة لكفروا به عنادا
ومكابرة مع أنهم فى قرارة أنفسهم يعرفون صدقه ، وأنه ليس من كلام البشر .
فالآيتان الكريمتان المقصود بهما تسلية الرسول - 18 - عما يراه من إنكار المشركين
لدعوته ، ومن وصفهم للقرآن تارة بأنه سحر ، وتارة بأنه أساطير الأولين ، تصوير صادق لما
وصل إليه أولئك المشركون من جحود وعناد ومكابرة .
وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى -: ﴿ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ، وكلمهم الموتى
وحشرنا عليهم كل شىء قبلا، ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله .. ﴾(٤).
ثم بين - سبحانه - أنهم مع علمهم بأن هذا القرآن من عند الله ، وتأثرهم به سيستمرون
على كفرهم حتى يروا العذاب الأليم ، فقال - تعالى - :
(١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ١٧٣ .
(٢) سورة البقرة الآية ٨٩ .
(٣) سورة الأعراف الآية ١٥٧ .
(٤) سورة الأنعام الآية ١١١ .
٢٨٢
المجلد العاشر
كَذَلِكَ سَلَكْنَهُ
فِي قُلُوبٍ الْمُجْرِمِينَ ﴿ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ، حَتَّ يَرُوا الْعَذَابَ
اَلْأَلِيمَ ﴿ فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَّةُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿٢) فَيَقُولُواْ
هَلْ نَحْنُ مُنْظُرُونَ ﴿ أَفَبِعَذَا بِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ﴿٢) أَفَرَعَيْتَ
٠٦
إِن مَّتَّعْنَهُمْ سِنِينَ ٥ ثُرَجَاءَ هُم مَّا كَانُواْيُوعَدُونَ
، وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَا
مَا أَغْنَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْيُمَتَُّونَ ﴿
لَا مُنذِرُونَ ﴿٦ْ ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَلِمِينَ ، وَمَا نَتَزَّلَتْ بِهِ
الشَبَاطِينُ ، وَمَا يَتْبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ () إِنَّهُرْ
عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ
٢١٢
وقوله - تعالى -: ﴿سلكناه ﴾ من السَّلك بمعنى إدخال الشىء فى الشىء تقول: سلكت
الطريق إذا دخلت فيه . والضمير يعود إلى القرآن الكريم وقوله : ﴿ كذلك سلكناه ﴾:
نعت لمصدر محذوف .
أى : مثل ذلك الإدخال العجيب ، أدخلنا القرآن فى قلوب المجرمين ، حيث جعلناهم -
بسبب جحودهم وعنادهم - مع تأثرهم به واعترافهم بفصاحته ، لا يؤمنون به ، حتى يروا
بأعينهم العذاب الأليم .
ومنهم من يرى أن الضمير فى ﴿ سلكناه﴾ يعود إلى كفر الكافرين وتكذيبهم. والمعنى
- كما يقول ابن كثير - : كذلك سلكنا التكذيب والكفر والجحود والعناد . أى : أدخلناه فى
قلوب المجرمين ، لا يؤمنون به . أى: بالحق ﴿ حتى يروا العذاب الأليم) حيث لا ينفع
الظالمين معذرتهم ، ولهم اللعنة ولهم سوء الدار .(١) .
والرأيان متقاربان فى المعنى ، لأن المراد بالتكذيب على الرأى الثانى تكذيبهم بالقرآن ، إلا
(١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ١٧٣.
٢٨٣
سورة الشعراء
أن الرأى الأول أنسب بسياق الآيات ، وبانتظام الضمائر ..
ثم بين - سبحانه - أن نزول العذاب بالمجرمين سيكون مباغتا لهم فقال: ﴿ فيأتيهم}
أى: العذاب ﴿بغتة﴾ فجأة وعلى غير توقع ﴿وهم لا يشعرون﴾ أى: بإتيانه بعد أن يحيط
بهم .
وعندئذ يقولون على سبيل التمنى والتحسر ﴿هل نحن منظرون﴾ أى: ليتنا نمهل قليلا
لكى نصلح ما أفسدناه من أقوال وأعمال .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت: ما معنى التعقيب فى قوله : ﴿ فيأتيهم بغتة وهم
لا يشعرون فيقولوا ..
قلت : ليس المعنى ترادف رؤية العذاب ومفاجأته ، وسؤال النظرة فيه فى الوجود ، وإنما
المعنى ترتبها فى الشدة ، كأنه قيل : لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم للعذاب ، فما هو
أشد منها وهو لحوقه بهم مفاجأة ، فما هو أشد منه وهو سؤالهم النظرة .
ومثال ذلك أن تقول لمن تعظه : إذا أسأت مقتك الصالحون ، فمقتك الله ، فإنك ، لا تقصد
بهذا الترتيب أن مقت الله يوجد عقيب مقت الصالحين ، وإنما قصدك إلى ترتيب شدة الأمر على
المسىء، وأنه يحصل له بسبب الإساءة مقت الصالحين ، فما هو أشد من مقتهم وهو مقت
الله .. (١).
والاستفهام فى قوله - تعالى -: ﴿ أفبعذابنا يستعجلون ﴾ للتوبيخ والتهكم بهؤلاء
المجرمين . أبلغ الحمق والجهل بهؤلاء المجرمين أنهم استعجلوا وقوع العذاب بهم ، وقالوا لنا :
اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ، أو ائتنا بعذاب
أليم ﴾ .
أى : إن من يستعجل هلاك نفسه ، ويسعى إلى حتفه بظلفه ، لايكون من العقلاء أبدًا.
ثم بين - سبحانه - أن ما فيه هؤلاء المجرمون من متاع ونعمة ، سينسونه نسيانًا تاما
عندما يمسهم العذاب المعد لهم ، فقال - تعالى -: ﴿ أفرأيت إن متعناهم سنين . ثم جاءهم
ما كانوا يوعدون . ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ﴾.
وقوله : ﴿ أفرأيت﴾ معطوف على قوله: ﴿ فيقولوا ... ﴾ والاستفهام للتعجب من
أحوالهم .
والمعنى : إن شأن هؤلاء المجرمين لموجب للعجب : إنهم قبل نزول العذاب بهم يستعجلونه ،
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٣٣٧ .
٢٨٤
المجلد العاشر
فإذا ما نزل بساحتهم قالوا - على سبيل التحسر والندم - : هل نحن منظرون .
اعلم - أيها الرسول الكريم - أننا حتى لو أمهلناهم وأخرناهم ، ثم جاءهم عذابنا بعد
ذلك ، فإن هذا التمتع الذى عاشوا فيه . وذلك التأخير الذى لوشئنا لأجبناهم إليه .. كل ذلك
لن ينفعهم بشىء عند حلول عذابنا ، بل عند حلول عذابنا بهم سينسون ما كانوا فيه من
متاع ومن نعيم ومن غيره .
قال الإِمام ابن كثير : وفى الحديث الصحيح : يؤتى بالكافر فيغمس فى النار غمسة ثم يقال
له : هل رأيت خيرًا قط ؟ هل رأيت نعيما قط ؟ فيقول : لا والله يارب . ويؤتى بأشد الناس
بؤسا كان فى الدنيا ، فيصبغ فى الجنة صبغة ، ثم يقال له : هل رأيت بؤسا قط ؟ فيقول : لا
والله يارب .
ولهذا كان عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - يتمثل بهذا البيت :
كأنك لم تُؤْتَر من الدهر ليلة إذا أنت أدركت الذى كنت تطلب(١)
ثم بين - سبحانه - سنته التى لا تتخلف فقال: ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ،
.
ذكرى وما كنا ظالمين
وقوله: ﴿ذكرى﴾ مفعول لأجله ، فيكون المعنى: لقد اقتضت سنتنا وعدالتنا. أننا لا
نهلك قرية من القرى الظالم أهلها ، إلا بعد أن نرسل فى أهل تلك القرى رسلا منذرين ، لكى
يذكروهم بالدين الحق .. وليس من شأننا أن نكون ظالمين لأحد ، بل من شأننا العدالة
والإنصاف ، وتقديم النصيحة والإِرشاد والإِنذار للفاسقين عن أمرنا ، قبل أن ننزل بهم
عذابنا .
وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى -: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ﴾(٢).
وقوله - سبحانه -: ﴿ وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث فى أمها رسولا يتلو عليهم
آياتنا . وما كنا مهلكى القرى إلا وأهلها ظالمون﴾(٢).
ثم عادت السورة الكريمة إلى تأكيد أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - وردت شبهات
المشركين بأسلوب منطقى رصين، قال - تعالى -: ﴿وما تنزلت به الشياطين
أى: إن هذا القرآن الكريم ، ما تنزلت به الشياطين - كما يزعم مشركو قريش ، حيث
(١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ١٧٤ .
(٢) سورة الاسراء الآية ١٥ .
(٣) سورة القصص الآية ٥٩ :
٢٨٥
سورة الشعراء
قالوا: إن لمحمد - يوليو - تابعا من الجن يخبره بهذا القرآن ويلقيه عليه - وإنما هذا القرآن
نزل به الروح الأمين ، على قلبه - * - .
وإن الشياطين ﴿ ما ينبغى لهم﴾ ذلك إذ هم يدعون إلى الضلالة والقرآن يدعو إلى الهداية
وما يستطيعون﴾ أن ينزلوا به ولا يقدرون على ذلك أصلا ﴿إنهم عن السمع لمعزولون}
أى : إن هؤلاء الشياطين عن سماع القرآن الكريم لمعزولون عزلا تاما . فالشهب تحرقهم إذا
ما حاولوا الاستماع إليه . كما قال - تعالى -: ﴿ وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا
شديدا وشهبا . وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ﴾(١) .
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد صان كتابه عن الشياطين ، بأن بيَّن بأنهم ما نزلوا به ، ثم
بَيَّن - ثانيا أنهم ما يستقيم لهم النزول به لأن ما اشتمل عليه من هدايات يخالف طبيعتهم
الشريرة ، ثم بين ثالثا - بأنهم حتى لو حاولوا ما يخالف طبيعتهم لما استطاعوا ، ثم بين
- رابعا - بأنه حتى لو انبغى واستطاعوا حمله ، لما وصلوا إلى ذلك ، لأنهم بمعزل عن الاستماع
إليه ، إذ ما يوحى به - سبحانه - إلى أنبيائه ، فالشياطين محجوبون عن سماعه ، وهكذا
صان الله - تعالى - كتابه صيانة تامة . وحفظه حفظا جعله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من
خلفه .
ثم نهى - سبحانه - عن الشرك بأبلغ وجه، وأمر النبى -# - بأن يجهر بدعوته ،
وبأن يتوكل عليه وحده - سبحانه - فقال :
فَلَ نَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَّهَاءَ اخَرَ فَتَكُونَ
مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِنَ (١) وَأَخْفِضْ
جَنَامَكَ لِمَنْ أَبَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ {(١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِى
بَرِىٌُّ مِّعَّاتَعْمَلُونَ ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ) الَّذِى
يَرَكَ حِينَ تَقُومُ ﴿)، وَتَقَلُبَكَ فِ السَّجِدِينَ ﴿ إِنَُّ هُوَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ ه
٢٢٠
(١) سورة الجن الآيتان ٩،٨ .
٢٨٦
المجلد العاشر
والفاء فى قوله - تعالى - ﴿ فلا تدع .. ﴾ فصيحة، والخطاب للرسول -* - على
سبيل طلب الازدياد من إخلاص العبادة لله - تعالى - .
أى : إذا علمت - أيها الرسول الكريم - ما أخبرناك به ، فأخلص العبادة لنا ، واحذر
أن تعبد مع اللّه - تعالى - إلها آخر ، فتكون من المعذبين .
وخوطب -* - بهذه الآية وأمثالها، مع أنه أخلص الناس فى عبادته لله - تعالى - ،
لبيان أن الشرك أقبح الذنوب وأكبرها وأنه لو انحرف إليه - على سبيل الفرض - أشرف
الخلق وأكرمهم عند الله - تعالى - لعذبه - سبحانه - على ذلك ، فكيف يكون حال غيره
ممن هم ليسوا فى شرفه ومنزلته .
لاشك أن عذابهم سيكون أشد ، وعقابهم سيكون أكبر .
ثم أمر الله - تعالى - رسوله - ﴿ - أن ينذر أقرب الناس إليه ، ليكونوا قدوة
لغيرهم. وليعلموا أن قرابتهم للرسول - 18 - لن تنجيهم من عذاب الله، ما استمروا على
شركهم، فقال - تعالى -: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾.
والعشيرة : أهل الرجل الذين يتكثر بهم ، و﴿ الأقربين ﴾ هم أصحاب القرابة القريبة
كالآباء والأبناء والإِخوة والأخوات ، والأعمام والعمات وما يشبه ذلك .
وقد ذكر المفسرون أحاديث متعددة، فيما فعله رسول الله - * - بعد نزول هذه الآية ،
منها : ما أخرجه الشيخان عن ابن عباس قال: لما أنزل الله - تعالى - هذه الآية : أتى النبى
- - الصفا فصعد عليه ثم نادى : يا صباحاه ، وهى كلمة يقولها المستغيث أو المنذر
لقومه - فاجتمع الناس إليه ، بين رجل يجىء إليه ، وبين رجل يبعث رسوله ، فقال رسول الله
- * - : يابنى عبد المطلب، يابنى فهر، يابنى لؤى، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح
الجبل تريد أن تغير عليكم ، أكنتم مصدقی ؟ قالوا : نعم . قال: ( فإنی نذير لكم بين يدى
عذاب شديد)).
فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم ، أما دعوتنا إلا لهذا ، وأنزل الله: ﴿ تبت يدا أبى لهب
وتب ﴾(١) .
قال الآلوسي : ووجه تخصيص عشيرته الأقربين بالذكر مع عموم رسالته - يطلقر - : دفع
توهم المحاباة ، وأن الاهتمام بشأنهم أهم، وأن البداءة تكون بمن يلى ثم من بعده .. (٣).
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ١٧٦ . فقد ساق جملة من الأحاديث فى هذا المعنى.
(٢) تفسير الآلوسى جـ ١٩ ص ١٣٤ .
:
٢٨٧
سورة الشعراء
أى : أن هذه الآية الكريمة، لا تتعارض مع عموم رسالته - - للناس جميعا ، لأن
المقصود بها : البدء بإنذار عشيرته الأقربين ، ليكونوا أسوة لغيرهم .
وقوله - سبحانه -: ﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين﴾ إرشاد منه
- سبحانه - لنبيه - * - إلى كيفية معاملته لأتباعه .
وخفض الجناح : كناية عن التواضع . واللين ، والرفق ، فى صورة حسية مجسمة ، إذ من
شأن الطائر حين يهبط أو حين يضم صغاره إليه أن يخفض جناحه ، كما أن رفع الجناح يطلق
على التكبر والتعالى ، ومنه قول الشاعر :
وأنت الشهير بخفض الجنا ح فلا تك فى رفعه أجدلا(٢)
أى : وكن - أيها الرسول الكريم - متواضعا لين الجانب ، لمن اتبعك من المؤمنين ، ولقد
كان النبى - * - سيد المتواضعين مع أصحابه ، إلا أن الآية الكريمة تعلم المسلمين فى كل
زمان ومكان - وخصوصا الرؤساء منهم - كيف يعامل بعضهم بعضا .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: المتبعون للرسول - ﴿ - هم المؤمنون، والمؤمنون هم
المتبعون للرسول - رولز - فما معنى قوله: ﴿ لمن اتبعك من المؤمنين ﴾؟
قلت : فيه وجهان : أن يسميهم قبل الدخول فى الإِيمان مؤمنين لمشارفتهم ذلك ، وأن يراد
بالمؤمنين المصدقين بألسنتهم ، وهم صنفان : صنف صدق الرسول واتبعه فيما جاء به : وصنف
ما وجد منه إلا التصديق فحسب . ثم إما أن يكونوا منافقين أو فاسقين ، والمنافق والفاسق لا
يخفض لهما الجناح .. (٢).
ويبدو لنا أنه لا داعى إلى هذه التقسيمات التى ذهب إليها صاحب الكشاف - رحمه
الله - ، وأن المقصود بقوله: ﴿لمن اتبعك من المؤمنين﴾ تأكيد الأمر بخفض الجناح،
وللإشعار بأن جميع أتباعه من المؤمنين ، ومثل هذا الأسلوب كثير فى القرآن الكريم ، ومنه قوله
- تعالى -: ﴿ يقولون بأفواههم .. ﴾ ومن المعلوم أن الأقوال لا تكون إلا بالأفواه ، وقوله
- تعالى - ﴿ ولا طائر يطير بجناحيه .. ﴾ ومن المعروف أن الطائر لا يطير إلا بجناحيه.
ثم بين - سبحانه - لنبيه كيف يعامل العصاة فقال: ﴿ فإن عصوك فقل إنى برىء مما
. 4
تعملون
قال الآلوسى: الظاهر أن الضمير المرفوع فى ﴿ عصوك﴾ عائد على من أمر - الخ -
(١) والأجدل : هو الصقر. أى. فلا تكن شبيها به فى القسوة والغلظة.
(٢) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٣٤١ .
٢٨٨
المجلد العاشر
بإنذارهم ، وهم العشيرة . أى : فإن عصوك ولم يتبعوك بعد إنذارهم ، فقل إنى برىء من
عملكم ، أو من دعائكم مع اللّه إلها آخر . وجوز أن يكون عائدا على الكفار المفهوم من
السياق .
وقيل : هو عائد على من اتبع من المؤمنين . أى : فإن عصوك يا محمد فى الأحكام وفروع
- .
الإِسلام ، بعد تصديقك والإِيمان بك وتواضعك لهم ، فقل إنى برىء مما تعملون من
المعاصى .. (١) .
وكان هذا فى مكة ، قبل أن يؤمر - * - بقتال المشركين .
ثم أمره - سبحانه - بالتوكل عليه وحده فقال: ﴿ وتوكل على العزيز الرحيم ) أى :
اخفض جناحك لأتباعك المؤمنين ، وقل لمن عصاك بعد إنذاره إنى برىء من أعمالكم ، واجعل
توكلك واعتمادك على ربك وحده ، فهو - سبحانه - صاحب العزة والغلبة ، والقهر ،
وضاحب الرحمة التى وسعت كل شىء .
وهو - عز وجل - ﴿ الذى يراك حين تقوم ﴾ إلى عبادته وإلى صلاته دون أن يكون
معك أحد .
وهو - سبحانه - الذى يرى ﴿ تقلبك فى الساجدين ﴾ أى: يراك وأنت تصلى مع
المصلين ، فتؤمهم وتنتقل بهم من ركن إلى ركن ، ومن سنة إلى سنة حال صلاتك ، والتعبير
بقوله (تقلبك﴾ يشعر بحرصه - * - على تعهد أصحابه، وعلى تنظيم صفوفهم فى
الصلاة ، وعلى غير ذلك مما هم فى حاجة إليه من إرشاد وتعليم .
وعبر عن المصلين بالساجدين ، لأن العبد أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد ، فهذا
التعبير من باب التشريف والتكريم لهم .
إنه﴾ - سبحانه - ﴿هو السميع﴾ لكل مايصح تعلق السمع به ﴿العليم ﴾ بكل
الظواهر والبواطن ، لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا السماء .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريم ببيان أن الشياطين من المحال أن تتنزل على الرسول
- وَ ﴿ - الصادق الأمين .. وإنما تتنزل على الكاذبين الخائنين ، فقال - تعالى - :
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٩ ص ١٣٦ .
٢٨٩
سورة الشعراء
هَلْ أُنِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَغَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٦) تَزَّلُ عَلَى
كُلِ أَفَّاكٍ أَنِمٍ ﴿ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْتَرُ هُمْ كَذِبُونَ
٢٢٣
وَالشُّعَرَآءُ يَقَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ﴿) أَلَمْتَرَأَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ
يَهِيمُونَ ﴿٢) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٦) إِلَّا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَِّحَتِ وَذَكَرُواْاللَّهَ كَثِيرًا وَأُنْتَصَرُواْمِنْ
بَعْدِ مَاظُلِّمُواْ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوَأ ◌َىَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
والاستفهام فى قوله - تعالى -: ﴿هل أنبئكم .... ) للتقرير، والخطاب للمشركين
الذين اتهموا النبى - مَله - تارة بأنه كاهن ، وتارة بأنه ساحر أو شاعر .
أى : ألا تريدون أن تعرفوا - أيها المشركون - على من تتنزل الشياطين ؟! إنهم لا
يتنزلون على الرسول - * - ، لأن طبعه يتباين مع طبائعهم ، ومنهجه يتعارض مع
مسالكهم ، فهو يدعو إلى الحق وهم يدعون إلى الباطل .
إنما تتنزل الشياطين ﴿ على كل أفاك ﴾ أى: كثير الإِفك والكذب ﴿ أثيم ﴾ أى : كثير
الارتكاب للآثام والسيئات ، كأولئك الكهنة الذين يأكلون أموال الناس بالباطل .
والضمير فى قوله ﴿ يلقون السمع وأكثرهم كاذبون ) يجوز أن يعود إلى كل أفاك أثيم ،
وهم الكهان وأشباههم ، والجملة صفة لهم ، أو مستأنفة .
والمراد بإلقائهم السمع : شدة الإِنصات ، وقوة الإِصغاء للتلقى .
والمعنى : تتنزل الشياطين على كل أفاك أثيم . وهؤلاء الأفاكون الآثمون ، منصتون إنصاتا
شديدا إلى الشياطين ليسمعوا منهم ، وأكثر هؤلاء الكهنة كاذبون فيا يقولونه للناس ، وفيما
يخبرون به عن الشياطين .
روى البخارى عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: سأل الناس النبى - صل * - عن
الكهان ، فقال : إنهم ليسوا بشىء ، قالوا : يارسول الله، فإنهم يحدثون بالشىء يكون حقا؟
فقال النبى - * - ((تلك الكلمة من الحق يخطفها الجنى فيقرقرها - أى : فيرددها فى أذن
وليه كقرقرة الدجاجة - فيخلطون معها أكثر من مائة كذبة ))(١) .
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ١٨٣ .
٢٩٠
المجلد العاشر
ويجوز أن يعود الضمير على الشياطين . وتكون الجملة حالية أو مستأنفة ، ومعنى إلقائهم
السمع : إنصاتهم إلى الملأ الأعلى ليسترقوا شيئا من السماء .
فيكون المعنى: تتنزل الشياطين على كل أفاك أثيم ، حالة كون الشياطين ينصتون إلى الملأ
الأعلى . ليسترقوا شيئا من السماء، وأكثر هؤلاء الشياطين كاذبون فيما ينقلونه إلى الأفاكين
والآثمين من الكهان .
ويصح أن يكون السمع بمعنى المسموع . أى : يلقى كل من الشياطين والكهنة ما يسمعونه
إلى غيرهم .
قال الجمل : قوله: ﴿وأكثرهم كاذبون ﴾ الأظهر أن الأكثرية باعتبار أقوالهم ، على
معنى أن هؤلاء قلما يصدقون فيما يحكون عن الجنى. أو المعنى: وأكثر أقوالهم كاذبة لا باعتبار
ذواتهم حتى يلزم من نسبة الكذب إلى أكثرهم كون أقلهم صادقا على الاطلاق .. فالكثرة فى
المسموع لا فى ذوات القائلين .
وقال بعضهم. المراد بالأكثر الكل ... (١) .
والمقصود من هذه الآيات الكريمة إبطال ما زعمه المشركون من أن الرسول - صل*1 - قد
تلقى هذا القرآن عن الشياطين أو عن غيرهم ، وإثبات أن هذا القرآن ما نزل إلا من عند الله
- تعالى - بواسطة الروح الأمين .
وقوله - سبحانه -: ﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون ﴾ إبطال لشبهة أخرى من شبهاتهم
وهى زعمهم أنه - # - شاعر .
والشعراء : جمع شاعر كعالم وعلماء . والغاؤون : جمع غاو وهو الضال عن طريق الحق .
أى : ومن شأن الشعراء أن الذين يتبعونهم من البشر ، هم الضالون عن الصراط
المستقيم ، وعن جادة الحق والصواب .
وقوله - تعالى -: ﴿ ألم تر أنهم فى كل واد يهيمون. وأنهم يقولون مالا يفعلون ﴾ تأكيد
لما قبله ، من كون الشعراء يتبعهم الغاوون . والخطاب لكل من تتأتى منه الرؤية والمعرفة .
والوادى : هو المكان المتسع . والمراد به هنا : فنون القول وطرقه .
وهيمون : من الهيام وهو أن يذهب المرء على وجهه دون أن يعرف له جهة معينة يقصدها .
يقال: هام فلان على وجهه ، إذا لم يكن له مكان معين يقصده . والهيام داء يستولى على
(١) حاشية الجمل على الجلالين .
٢٩١
سورة الشعراء
الإِبل فيجعلها تشرد عن صاحبها بدون وقوف فى مكان معين ، ومنه قوله - تعالى - :
: فشاربون شرب الهيم ﴾ أى : الجمال العطاش الشاردة .
والمعنى : ألم تر - أيها العاقل - أن هؤلاء الشعراء فى كل فن من فنون الكذب فى الأقوال
يخوضون ، وفى كل فج من فجاج الباطل والعبث والفحش يتكلمون ، وأنهم فوق ذلك يقولون
مالا يفعلون ، فهم يحضون غيرهم على الشىء ولا يفعلونه ، وهم يقولون فعلنا كذا وفعلنا كذا
- على سبيل التباهى والتفاخر - مع أنهم لم يفعلوا .
قال صاحب الكشاف : ذكر الوادى والهيوم : فيه تمثيل لذهابهم فى كل شعب من القول
واعتسافهم وقلة مبالاتهم بالغلو فى المنطق ومجاوزة حد القصد فيه ، حتى يفضلوا أجبن الناس
على عنترة وأشحهم على حاتم ، وأن يبهتوا البرىء، ويفسقوا التقى(١).
وقوله - تعالى - : ﴿ إلا الذين آمنوا وعمل الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من
بعد ماظلموا .. ﴾ استثناء من الشعراء المذمومين الذين يتبعهم الغاوون، والذين هم فى كل
واد يهيمون .
أى : إلا الشعراء الذين آمنوا بالله - تعالى - وعملوا الأعمال الصالحات وذكروا الله كثيرا
بحيث لم يشغلهم شعرهم عن طاعة الله ، وانتصروا من بعد ما ظلموا من أعدائهم الكافرين ،
بأن ردوا على أباطيلهم ، ودافعوا عن الدين الحق .
إلا هؤلاء ، فإنهم لا يكونون من الشعراء المذمومين ، بل هم من الشعراء الممدوحين .
قال ابن كثير: لما نزل قوله - تعالى -: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون ﴾ جاء حسان بن
ثابت ، وعبدالله بن رواحة، وكعب بن مالك إلى رسول الله - رَالقر - وهم يبكون وقالوا. قد
علم الله - تعالى - أنا شعراء، فتلا عليهم النبى - صل9 -: ((﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا
الصالحات﴾ قال: أنتم. ﴿وذكروا الله كثيرا﴾" قال: أنتم ﴿ وانتصروا من بعد
ما ظلموا﴾ قال: أنتم))(٢).
فالشعراء: منهم المذمومون وهم الذين فى كل واد يهيمون ويقولون مالا يفعلون ..
ومنهم الممدوحون وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد
ما ظلموا .
والشعر فى ذاته كلام : حسنه حسن ، وقبيحه قبيح ، فخذ الحسن ، واترك القبيح .
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٣٤٤ .
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ١٨٦ .
1
٢٩٢
المجلد العاشر
وقد تكلم العلماء هنا كلاما طويلا يتعلق بتفسير هذه الآيات التى تحدثت عن الشعراء فارجع
إليه إن شئت(١).
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله - تعالى - ﴿وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب
ينقلبون
والمنقلب : المرجع والمصير ، وهو مفعول مطلق . أى : ينقلبون أى انقلاب والجملة الكريمة
مشتملة على أشد ألوان التهديد والوعيد للظالمين .
قال القرطبى: ومعنى : ﴿ أى منقلب ينقلبون﴾ أى مصير يصيرون ، وأى مرجع
يرجعون ، لأن مصيرهم إلى النار ، وهو أقبح مصير ، ومرجعهم إلى العقاب وهو شر مرجع
والفرق بين المنقلب والمرجع: أن المنقلب: الانتقال إلى ضد ما هو فيه، والمرجع: العود من حال
هو فيها ، إلى حال كان عليها ، فصار كل مرجع منقلبا ، وليس كل منقلب مرجعاً(٢) .
وقال الإِمام ابن كثير : والصحيح أن هذه الآية عامة فى كل ظالم .. وعن عائشة - رضى
اللّه عنها - قالت : كتب أبى وصيته من سطرين : بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما أوصى به
أبو بكر بن أبى قحافة ، عند خروجه من الدنيا ، حين يؤمن الكافر . وينتهى الفاجر ،
ويصدق الكاذب . إنى استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ، فإن يعدل فذاك ظنى به ، ورجائى
فيه ، وإن يظلم ويبدل فلا أعلم الغيب ﴿ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون
﴾ .
وبعد : فهذه سورة الشعراء ، وهذا تفسير محرر لها ، نسأل الله - تعالى - أن يجعله
خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده .
والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
القاهرة - مدينة نصر
ظهر الأحد ١٩ من جمادى الأولى ١٤٠٥ هـ
الموافق ١٠ / ٢ / ١٩٨٥ م
د . محمد سيد طنطاوى
(١) راجع الآلوسى جـ ١٩ ص ١٤٥ .
(٢) تفسير القرطبى جـ ١٣ ص ١٥٣ .
تفسير
R
شِوَرَةُ الْغَلِ
د.٠
٢٩٥
مقدمة
بِسْمِ اللهُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة وتمهيد
١ - سورة النمل ، من السور المكية : وهى السورة السابعة والعشرون فى ترتيب
المصحف ، وكان نزولها بعد سورة الشعراء .
قال القرطبى : سورة النمل ، مكية كلها فى قول الجميع(١).
٢ - وسميت بسورة النمل، لقوله - تعالى -: ﴿ حتى إذا أتوا على راد النمل قالت
نغلة ﴾ .
قال الآلوسى: ((وتسمى أيضًا - كما فى الدر المنثور - سورة سليمان ، وعدد آياتها
خمس وتسعون آية - عند الحجازيين - ، وأربع وتسعون - عند البصريين - وثلاث
وتسعون - عند الكوفيين - )»(٢) .
٣ - وقد افتتحت سورة النمل بالثناء على القرآن الكريم ، وعلى المؤمنين الذين يحافظون
على فرائض الله - تعالى - ، ويوقنون بالآخرة وما فيها من ثواب أو عقاب ...
أما الذين لا يؤمنون بالآخرة، فقد أنذرتهم بسوء المصير ﴿ أولئك الذين لهم سوء العذاب
وهم فى الآخرة هم الأخسرون ﴾ .
٤ - ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن جانب من قصة موسى - عليه السلام - فذكرت لنا
ما قاله موسى لأهله عند ما آنس من جانب الطور نارًا، وما قاله الله - تعالى - له عندما
جاءها ، وما أمره - سبحانه - به ، فى قوله - تعالى -: ﴿ وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها
جان ولى مدبرًا ولم يعقب. يا موسى لا تخف إنى لا يخاف لدى المرسلون ﴾
٥ - ثم تحدثت السورة بعد ذلك عما منحه الله - تعالى - لداود وسليمان - عليهما
السلام - من علم واسع ، ومن عطاء كبير ، وحكت ما قالته نملة عندما رأت سليمان وجنوده ،
كما حكت ما دار بين سليمان - عليه السلام - وبين الهدهد ، وما دار بينه - عليه السلام -
(١) تفسير القرطبى ج ١٣ ص ١٥٤ .
( ٢) تفسير الآلوسى ج ١٩ ص ١٥٤ .
٢٩٦
المجلد العاشر
وبين ملكة سبأ من كتب ومحاورات انتهت بإسلام ملكة سبأ ، حيث قالت: ﴿رب إنى ظلمت
نفسى وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ﴾ .
ثم ساقت السورة جانبًا من قصة صالح - عليه السلام - مع قومه ، فتحدثت عن الرهط
التسعة الذين كانوا يفسدون فى الأرض ولا يصلحون ، والذين بيتوا السوء لنبيهم صالح
وللمؤمنين معه ، فكانت نتيجة مكر هؤلاء المفسدين الخسار والهلاك . كما قال - تعالى - :
ومكروا مكرًّا ومكرنا مكرًّا وهم لا يشعرون . فانظر كيف كان عاقبة مكرهم ، أنا دمرناهم
وقومهم أجمعين . فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا .. ﴾ .
٧ - وبعد أن ساقت السورة جانبًا من قصة لوط - عليه السلام - مع قومه . أتبعت ذلك
بالحديث عن وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، فذكرت ألوانًا من الأدلة على ذلك ، وقد قال
- سبحانه - فى أعقاب كل دليل ﴿ أإله مع الله﴾، وكرر ذلك خمس مرات ، فى خمس
آیات .
٨ - وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر وحدانية الله وقدرته - سبحانه - ، أخذت
السورة الكريمة فى تسلية الرسول - 18 - وفى تثبيت فؤاده ، وفى بيان أن هذا القرآن هداية
ورحمة .
قال - تعالى -: ﴿ إن هذا القرآن يقص على بنى إسرائيل أكثر الذى هم فيه يختلفون .
وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين . إن ربك يقضى بينهم بحكمه وهو العزيز العليم . فتوكل على الله
إنك على الحق المبين
٩ - ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالحديث عن علامات الساعة وأهوالها ، وعن
عاقبة المؤمنين، وعاقبة الكافرين ، وعن المنهج الذي اتبعه الرسول - وي الخير - وأمر غيره
باتباعه ، فقال - تعالى - : ﴿ إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذى حرمها ، وله كل
شىء ، وأمرت أن أكون من المسلمين . وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ، ومن
ضل فقل إنما أنا من المنذرين . وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها ، وما ربك بغافل عما
تعملون ﴾ .
١٠ - وبعد : فهذا عرض مجمل لسورة النمل . ومنه نرى أن السورة الكريمة زاخرة
بالحديث عن أدلة وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، وعن مظاهر فضله - تعالى - على عباده .
وعن علمه - سبحانه - المحيط بكل شىء ، وعن آياته الكونية التى يكشف منها للناس
ما يشاء كشفه وبيانه .
كما نرى أن السورة الكريمة قد اشتمل القصص على جانب كبير منها ، خصوصًا قصص
٢٩٧
مقدمة
بعض أنبياء بنى إسرائيل ، فقد حدثتنا عن جانب من قصة موسى ، وداود ، وسليمان . ثم
بينت أن على بنى إسرائيل المعاصرين للنبى - * - أن يعودوا إلى القرآن ، ليعرفوا منه
الأمر الحق فى كل ما اختلفوا فيه ، قال - تعالى - : ﴿إن هذا القرآن يقص على بنى
إسرائيل أكثر الذى هم فيه يختلفون ﴾ .
كما نراها تجمع فى توجيهاتها وإرشاداتها بين الترغيب والترهيب ، وبين التذكير بنعم الله التى
نشاهدها فى هذا الكون ، وبين التحذير من أهوال يوم القيامة ، وتختم بهذه الآية الجامعة :
وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها ، وما ربك بغافل عما تعملون ﴾.
والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القاهرة - مدينة نصر
د / محمد سيد طنطاوى
٢٦ من جمادى الأولى ١٤٠٥ هـ
الموافق: ١٦ / ٢ / ١٩٨٥ م
٢٩٩
سورة النمل
التفسير
قال الله تعالى :
بسـ
اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
طسَّّ تِلْكَ ءَايَتُ اَلْقُرْءَانِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ ) هُدِّى وَيُشْرَى
لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم
بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿٢ ) إِنَّالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ زَيَنَهُمْ
أَعْمَلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْسُوَءُ الْعَذَابِ
وَهُمْ فِ آلْآَخِرَةِهُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥) وَإِنََّ لَُلَقَى الْقُرْءَانَ مِن
لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمِن
سورة النمل : من السور التى افتتحت ببعض الحروف المقطعة ، وهو قوله - تعالى -
﴿ طس ﴾ .
وقد ذكرنا آراء العلماء فى هذه الحروف المقطعة بشىء من التفصيل عند تفسيرنا لسور :
البقرة ، وآل عمران ، والأعراف ، ويونس ، وهود، ويوسف ... إلخ .
وقلنا ما خلاصته : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة . قد وردت
فى افتتاح بعض السور، على سبيل الإِيقاظ والتنبيه ، للذين تحداهم القرآن .
فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك الكافرين الذين زعموا أن هذا القرآن ليس من عنده
- تعالى - : هاكم القرآن ترونه مؤلفًا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ،
ومنظومًا من حروف هى من جنس الحروف الهجائية ، التى تنظمون منها حروفكم ، فإن كنتم فى
-
٣٠٠
المجلد العاشر
شك فى أنه من عند الله - تعالى - فهاتوا مثله ، أو هاتوا عشر سور من مثله ، أو هاتوا سورة
واحدة من مثله .
فعجزوا وانقلبوا خاسرين ، وثبت أن هذا القرآن من عند الله - عز وجل -
واسم الإشارة ﴿ تلك﴾ يعود إلى الآيات القرانية التى تضمنتها هذه السورة الكريمة.
أو إلى جميع آيات القرآن التى نزلت قبل ذلك .
وهو - أى لفظ ﴿ تلك﴾ - مبتدأ وخبره قوله - سبحانه - ﴿ آيات القرآن).
أى : تلك الآيات الحكيمة التى أنزلناها إليك - أيها الرسول الكريم - هى آيات القرآن ،
الذى أنزلناه إليك لتخرج الناس به من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان .
فإضافة الآيات إلى القرآن لتعظيم شأنها ، وسمو منزلتها .
وقوله - تعالى -: ﴿وكتاب مبين ﴾ معطوف على القرآن من باب عطف إحدى الصفتين
على الأخرى ، كقولهم هذا فعل فلان السخى والجواد الكريم .
قال الآلوسى: ((والمبين: إما من أبان المتعدى ، أى : مظهر ما فى تضاعيفه من الحكم
والأحكام وأحوال القرون الأولى ... وإما من أبان اللازم ، بمعنى بان . أى : ظاهر الإِعجاز ..
وهو على الاحتمالين ، صفة مادحة لكتاب ، مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة ... ))(١).
وقوله - تعالى -: ﴿هدى وبشرى للمؤمنين) فى حيز النصب على الحالية من قوله
آيات﴾ ولفظ (هدى) مصدر هداه هدى وهداية، ومعناه: الدلالة الموصلة إلى
البغية .
و﴿ بشرى﴾: الخبر السار. فهى أخص من مجرد الخبر، وسمى الخبر السار بشرى،
لأن أثره يظهر على البشرة ، وهى ظاهر جلد الإِنسان .
أى : أنزلنا إليك - أيها الرسول الكريم - هذه الآيات القرآنية ، حالة كونها هداية
للمؤمنين إلى طريق السعادة والفلاح ، وبشارة لهم بما يشرح صدورهم ، ويدخل الفرح
والسرور على نفوسهم .
وخص - سبحانه - المؤمنين بذلك ، لأنهم المنتفعون بهذه الهداية والبشارة ، دون سواهم
من الكافرين والمنافقين .
قال - تعالى -: ﴿ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ، والذين لا يؤمنون فى آذانهم وقر
وهو عليهم عمى ، أولئك ينادون من مكان بعيد ﴾(٢).
(١) تفسير الآلوسى ج ١٩ ص ١٥٥ .
( ٢ ) سورة فصلت الآية ٤٤ .