النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
سورة الشعراء
كَذَّبَتْ
وَ إِذْقَالَ لَهُمْ أَخُوُهُمْ نُوعُ أَلَا نَنَّقُونَ
قَوْمُ نُوجِ الْمُرْسَلِينَ
١٠٦
إِى لَكُمْ رَسُولُّ أَمِينٌّ ◌ٌِّ، فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) وَمَا أَسْتَلُكُمْ
فَأَتَّقُواْ اللَّهَ
١٠٩
عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِّ إِنْ أَجْرِىَ إِلََّ عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ
٤ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ
١١٠
وَأَطِيعُونِ
قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿١) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلََّّ عَلَى رَبِ
لَوْتَشْعُرُونَ ﴿١) وَمَا أَنْبِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١) إِنْ أَنْإِلَّا نَذِّمُّبِينٌ
(١) قَالُوْ لَيْنِ لَّْتَنْتَهِ يَنُوُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١) قَالَ
رَبِّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ﴿٢٣) فَأَفْنَحْ بَيْنِ وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَجْنِى وَمَنْ
مَّعِىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٢) فَأَنَّهُ وَمَنْ مَعَهُ فِ الْقُلْكِ الْمَشْحُونِ
عے
١١٩
أُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ ﴿ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَةٌ وَمَا كَانَ
أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ () وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَلْعَزِيزُالرَّحِيمُ
١٢٢
تلك هى قصة نوح مع قومه ، كما وردت فى هذه السورة ، وقد ذكرت فی سور أخرى منها
سور : الأعراف ، وهود ، والمؤمنون ، ونوح .. ولكن بأساليب أخرى .
وينتهى نسب نوح - عليه السلام - إلى شيث بن آدم ، وقد ذكر نوح فى القرآن فى ثلاث
وأربعين موضعا .
وكان قوم نوح يعبدون الأصنام ، فأرسل الله - تعالى - إليهم نوحا ، ليدلهم على طريق
الرشاد .
وقوم الرجل : أقرباؤه الذين يجتمعون معه فى جذ واحد . وقد يقيم الرجل بين الأجانب
فيسميهم قومه مجازا لمجاورته لهم .
ء

٢٦٢
المجلد العاشر
قال الآلوسى : والقوم - كما فى المصباح - يذكر ويؤنث ، وكذلك كل اسم جمع لا واحد له
من لفظه نحو رهط ونفر ، ولذا يصغر على قويمة ، وقيل : هو مذكر ولحقت فعله علامة التأنيث
على إرادة الأمة والجماعة منه .. (١) .
والمراد بالمرسلين فى قوله - تعالى -: ﴿ كذبت قوم نوح المرسلين﴾ نبيهم نوحا - عليه
السلام - وعبر عنه بذلك ، لأن تكذيبهم له ، بمثابة التكذيب لجميع الرسل ، لأنهم قد جاءوا
جميعا برسالة واحدة فى أصولها التى لا تختلف باختلاف الزمان والمكان .
و﴿ إذ﴾ فى قوله - تعالى -: ﴿إذ قال لهم أخوهم نوح) أى: كذبوا نبيهم نوحا وقت
أن قال لهم ناصحا ومنذرا ﴿ألا تتقون) أى: ألا تتقون الله - تعالى - الذى خلقكم
ورزقكم ، فتخلصوا له العبادة وتتركوا عبادة غيره .
ووصفه - سبحانه - بالأخوة لهم ، لأنه كان واحدا منهم يعرفون حسبه ونسبه ونشأته
بينهم .
ثم علل نصحه لهم بقوله - كما حكى القرآن عنه -: ﴿ إنى لكم رسول أمين ﴾ آمركم
بتقوى الله - تعالى - لأنى رسول معروف بينكم بالأمانة وعدم الخيانة أو الغش أو المخادعة .
وما دام أمرى كذلك: ﴿فاتقوا الله وأطيعون. وما أسألكم عليه ﴾ أى على هذا النصح
من أجر ﴾ دنيوى ﴿إن أجرى) فيما أدعوكم إليه ﴿إلا على رب العالمين) فهو الذى
أرسلنى إليكم ، وهو الذى يتفضل بمنحى أجرى لا أنتم .
ولقد بينت لكم حقيقة أمرى ﴿ فاتقوا الله وأطيعون﴾.
وهكذا نرى أن نوحا قد سلك مع قومه أحكم الطرق فى دعوتهم إلى الله ، فهو يحضهم ثلاث
مرات على تقوى الله بعد أن يبين لهم أخوته لهم ، وأمانته عندهم ، وتعففه عن أخذ أجر منهم فى
مقابل ما يدعوهم إليه من حق وخير ، ومصارحته إياهم بأن أجره إنما هو من الله رب العالمين ،
وليس من أحد سواه .
فماذا كان ردهم على هذا القول الحكيم لنبيهم ؟ لقد حكى القرآن ردهم فقال: ﴿قالوا
أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ﴾ .
والأرذلون : جمع الأرذل . وهو الأقل من غيره فى المال والجاه والنسب .
أى : قال قوم نوح له عندما دعاهم إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - : يا نوح أنؤمن
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٩ ص ١٠٦ .

٢٦٣
سورة الشعراء
لك ، والحال أن الذين اتبعوك من سفلة الناس وفقرائهم ، وأصحاب الحرف الدنيئة فينا .. ؟ .
وهذا المنطق المرذول قد حكاه القرآن فى كثير من آياته ، على ألسنة المترفين ، وهم يردون
على أنبيائهم عندما يدعونهم إلى الدين الحق ..
وهنا يرد عليهم نوح ردا حكيما ﴿ قال وما علمى بما كانوا يعملون . إن حسابهم إلا على
ربی ﴾ ..
أى : قال لهم على سبيل الاستنكار لما واجهوه به: وأى علم لى بأعمال أتباعى ، إن الذى
يعلم حقيقة نواياهم وأعمالهم هو الله - تعالى - أما أنا فوظيفتى قبول أعمال الناس على حسب
ظواهرها .
وهؤلاء الضعفاء - الأرذلون فى زعمكم - ليس حسابهم إلا على الله - تعالى - وحده ،
فهو أعلم ببواطنهم وبأحوالهم منى ومنكم ﴿ لو تشعرون﴾ أى: لو كنتم من أهل الفهم
والشعور بحقائق الأمور لا بزيفها ، لعلمتم سلامة ردى عليكم ولكنكم قوم تزون الناس
بميزان غير عادل ، لذا قلتم ما قلتم .
ثم يحسم الأمر معهم فى هذه القضية فيقول: ﴿وما أنا ﴾ بحال من الأحوال ﴿ بطارد
المؤمنين ) الذين اتبعونى وصدقونى وآمنوا بدعوتى سواء أكانوا من الأرذلين - فى زعمكم -
أم من غيرهم ، ﴿إن أنا إلا نذير مبين﴾ أى: ليست وظيفتى إلا الإنذار الواضح للناس
بسوء المصير ، إذا ما استمروا على كفرهم ، سواء أكانوا من الأغنياء أم من الفقراء .
فأنت ترى أن نوحا - عليه السلام - قد جمع فى رده عليهم ، بين المنطق الرصين الحكيم ،
وبين الحزم والشجاعة والزجر الذى يخرس ألسنتهم .
لذا نراهم وقد أخرسهم المنطق المستقيم الذى سلكه نوح معهم ، يلجأون إلى التهديد
والوعيد. لنبيهم - عليه السلام -: ﴿ قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين ﴾.
أى : إذا لم تكف يا نوح عن مجادلتك لنا ، ومن دعوتك إيانا إلى ترك عبادة آلهتنا ،
٠
لتكونن من المرجومين منا بالحجارة حتى تموت .
وهكذا الطغاة يلجأون إلى القوة والتهديد والوعيد ، عندما يجدون أنفسهم وقد حاصرهم
أصحاب الحق من كل جوانبهم ، بالحجة الواضحة ، وبالرأى السديد ..
ويئس نوح - عليه السلام - من إيمان قومه ، بعد أن لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين
عاما ، وبعد أن سمع منهم ما يدل على رسوخهم فى الكفر والضلال ، تضرع إلى ربه ﴿ قال

٢٦٤
المجلد العاشر
رب إن قومى كذبون﴾ واستمروا على هذا التكذيب تلك القرون المتطاولة ﴿فافتح بينى
وبينهم فتحا ونجنى ومن معى من المؤمنين ﴾ أى فاحكم بقدرتك العادلة بینی وبینهم حكما من
عندك ، تنجى به أهل الحق ، وتمحق به أهل الباطل .
وسمى الحكم فتحا ، لما فيه من إزالة الإشكال فى الأمر ، كما أن فتح الشىء المغلق يؤدى
إلى إزالة هذا الإغلاق . ولذا قيل للحاكم فاتح لفتحه أغلاق الحق .
ثم حكى - سبحانه - أنه قد استجاب لنوح دعاءه فقال: ﴿ فأنجيناه ومن معه فى الفلك
المشحون . ثم أغرقنا بعد الباقين
والفلك - كما يقول الآلوسى - : يستعمل للواحد وللجمع . وحيث أتى فى القرآن الكريم
فاصلة استعمل مفردًا . وحيث أتى غير فاصلة استعمل جمعا .
والمشحون : المملوء بهم وبكل ما يحتاجون إليه من وسائل المعيشة .
أى : فاستجبنا لعبدنا نوح دعاءه . فأنجيناه ومن معه من المؤمنين فى السفينة المملوءة بهم .
وبما هم فى حاجة إليه ، ثم أغرقنا بعد إنجائهم الباقين من قومه على كفرهم وضلالهم ..
﴿ إن فى ذلك ) الذى ذكرناه لك - أيها الرسول الكريم - عن نوح وقومه ﴿لآية﴾
كبرى على وحدانيتنا وقدرتنا ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين . وإن ربك لهو العزيز الرحيم ﴾.
ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك ، جانبا من قصة هود - عليه السلام - مع قومه فقال
- تعالى - :
كَذَّبَتْ
عَدُ الْمُرْسَلِينَ ﴿٥) إِذْقَالَ لَهُمْ أَخُوُهُمْ هُوَُّأَلَا نَتَّقُونَ (٦) إِ لَّكُمُ
رَسُولُ أَمِينٌّ ﴿١٣) فَنَّقُواْاللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿)، وَمَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ
مِنْ أَجْرِّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ (١٦) أَتَبْنُونَ بِكُلِّرِيع
ءَايَةً تَعْبَئُونَ (٢) وَتَتَّخِذُونَ مَصَائِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ
١٢
وَ إِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴿) فَتَّقُواْاللَّهَ وَأَطِيعُونِ
١٣٦

٢٦٥
سورة الشعراء
١٣٣
وَأَتَّقُواْ الَّذِىّ أَمَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ ﴿٦) أَمَذَّكُمْ بِأَنْعَمٍ وَبَنِينَ
وَحَتَتٍ وَعُيُونٍ ﴿٣) إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
﴿٣) قَالُواْسَوَآءُ عَلَيْنَا أَوَ عَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ الْوَعِظِينَ
إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَ وَّلِينَ ، وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴿١) فَكَذَّبُوهُ
فَأَهْلَكْنَ هُمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمُؤْمِنِينَ ﴿وَإِنَّ
رَبَّكَ لَهُوَ الْعَنِ بُالرَّحِيمُ
١٤٠)
وقد وردت قصة هود مع قومه فى سور شتى منها : سورة الأعراف ، وهود ، والأحقاف ..
وينتهى نسب هود - عليه السلام - إلى نوح - عليهما السلام - .
وقومه هم قبيلة عاد - نسبة إلى أبيهم الذى كان يسمى بهذا الاسم - وكانت مساكنهم
بالأحقاف باليمن - والأحقاف جمع حقف وهو الرمل الكثير المائل - .
وكانوا يعبدون الأصنام ، فأرسل الله - تعالى - نبيهم هودا لينهاهم عن ذلك ، وليأمرهم
بعبادة الله وحده . وبشكره - سبحانه - على ما وهبهم من قوة وغنى .
وقد افتتح هود نصحه لقومه ، بحضهم على تقوى الله وإخلاص العبادة له وبيان أنه أمين فى
تبليغٍ رسالة الله - تعالى - إليهم ، فهولا يكذب عليهم ولا يخدعهم ، وببيان أنه لا يسألهم
أجراً على نصحه لهم، وإنما يلتمس الأجر من الله - تعالى - وحده .
وقد سلك فى ذلك المسلك الذى اتبعه جده - عليه السلام - مع قومه ، وسار عليه الأنبياء
من بعده .
ثم استنكر هود - عليه السلام - ما كان عليه قومه من ترف وطغيان فقال لهم :
أتبنون بكل ربع آية تعبثون ﴾ .
والربع بكسر الراء - جمع ريعة . وهو المكان المرتفع من الأرض أو الجيل المرتفع ..
وقيل : المراد به أبراج الحمام كانوا يبنونها للهو واللعب والأكثرون على أن المراد به : المكان
المرتفع ومنه : ريع النبات ، وهو ارتفاعه بالزيادة .
أى : أتبنون - على سبيل اللهو واللعب - فى كل مكان مرتفع ، بناء يعتبر آية وعلامة على

٢٦٦
المجلد العاشر
عبثكم وترفكم ، وغروركم .
وتتخذون ﴾ أى: وتعملون ﴿مصانع﴾ أى: قصورا ضخمة متينة، أو حياضا
تجمعون فيها مياه الأمطار .. ﴿ لعلكم تخلدون﴾ أى: عاملين عمل من يرجو الخلود فى هذه
الحياة الفانية ﴿وإذا بطشتم﴾ أى: وإذا أردتم السطو والظلم والبغى على غيركم ﴿بطشتم
جبارین
أى : أخذموه بعنف وقهر وتسلط دون أن تعرف الرحمة إلى قلوبكم سبيلا .
فأنت ترى أن هودا - عليه السلام - قد استنكر على قومه تطاولهم فى البنيان بقصد
التباهى والعبث والتفاخر ، لا بقصد النفع العام لهم ولغيرهم . كما استنكر عليهم انصرافهم
عن العمل الصالح الذى ينفعهم فى آخرتهم وانهاكهم فى التكاثر من شئون دنياهم حتى لكأنهم
مخلدون فيها ، كما استنكر عليهم - كذلك - قسوة قلوبهم ، وتحجر مشاعرهم ، وإنزالهم
الضربات القاصمة بغيرهم بدون رأفة أو شفقة .
وبعد نهيه إباهم عن تلك الرذائل ، أمرهم بتقوى الله وطاعته وشكره على نعمه فقال :
فاتقوا الله وأطيعون . واتقوا الذى أمدكم بما تعلمون . أمدكم بأنعام وبنين . وجنات
وعيون . إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ﴾ .
أى: اتركوا هذه الرذائل ، واتقو الله وأطيعون فى كل ما آمركم به . أو أنهاكم عنه ،
واتقوا الله - تعالى - الذى أمدكم بألوان لا تحصى من النعم ، فقد أمدكم بالأنعام - وهى
الإبل والبقر والغنم - التى هى أعز أموالكم ، وأمدكم بالأولاد ليكونوا قوة لكم ، وأمدكم
بالبساتين العامرة بالثمار ، وبالعيون التى تنتفعون بمائها العذب .
ثم ختم إرشاده لهم ، ببيان أنه حريص على مصلحتهم ، وأنه يخشى عليهم إذا لم يستجيبوا
لدعوته أن ينزل بهم عذاب عظيم فى يوم تشتد أهواله ولا تنفعهم فيه أموالهم ولا أولادهم .
وبذلك نرى أن هودا - عليه السلام - قد جمع فى نصحه لقومه بين الترهيب والترغيب ،
وبين الإِنذار والتبشير ، وبين التعفف عن دنياهم ، والحرص على مصلحتهم .
ولكن هذه النصائح الحكيمة ، لم يستقبلها قومه استقبالا حسنا ، ولم تجد منهم قبولا ، بل
كان ردهم عليه - كما حكى القرآن عنهم -: ﴿ قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من
الواعظين ..
٠
أى : قال قوم هود له بعد أن وعظهم ونصحهم: قالوا له بكل استهتار وسوء أدب :
يا هود يستوى عندنا وعظك وعدمه ، ولا يعنينا أن تكون ممن يجيدون الوعظ أو من غيرهم
ممن لا يحسنون الوعظ والإِرشاد .

٢٦٧
سورة الشعراء
قال صاحب الكشاف: فإن قيل: ((أوعظت أو لم تعظ)) كان أخصر . والمعنى واحد.
قلت : ليس المعنى بواحد وبينهما فرق ، لأن المراد : سواء علينا أفعلت هذا الفعل الذى هو
الوعظ ، أم لم تكن أصلا من أهله ومباشريه ، فهو أبلغ فى قلة اعتدادهم بوعظه ، من قولك :
أم لم تعظ .(١) .
ثم أضافوا إلى قولهم هذا قولا آخر لا يقل عن سابقه فى الغرور وانطماس البصيرة فقالوا :
إن هذا إلا خلق الأولين ﴾ أى : ما هذا الذى تنهانا عنه من التطاول فى البنيان ، ومن
اتخاذ المصانع .. إلا خلق آبائنا الأولين ، ومنهجهم فى الحياة ، ونحن على آثارهم نسير وعلى
منهجهم مشى .
قال القرطبى ما ملخصه : قرأ اكثر القراء ﴿ إلا خلق الأولين) - بضم الخاء واللام -
أى : عادتهم ودينهم ومذهبهم وما جرى عليه أمرهم ..
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائى إلا خلق الأولين - بفتح الخاء وإسكان اللام - أى :
ما هذا الذى جئتنا به ياهود إلا اختلاق الأولين وكذبهم ، والعرب تقول : حدثنا فلان .
بأحاديث الخلق ، أى: بالخرافات والأحاديث المفتعلة .. (٢).
وعلى كلتا القراءاتين فالآية الكريمة تصور ما كانوا عليه من تحجر وجهالة تصويرًا بليغاً .
ثم انتقلوا بعد ذلك إلى غرور أشد وأشنع فقالوا: ﴿ وما نحن بمعذبين﴾.
أى : هذه : حالنا التى ارتضيناها لحياتنا ، وما نحن بمعذبين على هذه الأعمال التى نعملها .
وهكذا رد قوم هود على نبيهم - عليه السلام - بهذا الرد السىء الذى يدل على استهتارهم
وجفائهم وجمودهم على باطلهم .
ولذا جاءت نهايتهم الأليمة بسرعة وحسم ، قال - تعالى -: ﴿ فكذبوه فأهلكناهم ﴾ .
أى : أصر قوم هود على باطلهم وغرورهم فأهلكناهم ﴿بريح صرصر عاتية سخرها عليهم
سبع ليال وثمانية أيام حسوما ، فترى القوم فيها صرعى ، كأنهم أعجاز نخل خاوية(٣) ﴾
أهلكهم الله - تعالى - دون أن تنفعهم أموالهم ، أو قوتهم التى كانوا يدلون بها ويقولون :
﴿ من أشد منا قوة (٤)﴾.
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٣٢٧ .
(٢) تفسير القرطبى جـ ١٣ ص ١٢٥ .
(٣) سورة الحاقة الآية ٦، ٧
(٤) سورة فصلت الآية ١٥ .

٢٦٨
المجلد العاشر
وختم - سبحانه - قصتهم بما ختم به قصة نوح مع قومه من قبلهم ، فقال - تعالى - :
إن ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين . وإن ربك لهو العزيز الرحيم ﴾ .
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك قصة صالح مع قومه ، فقال - تعالى - :
كَذَّبَتْ ثَمُودُ اَلْمُرْسَلِينَ ﴿ إِذْقَالَ
٠٬٠٠
٤٣
لَمْأَخُوُهُمْ صَلِحُ أَلَا فَتَّقُونَ ﴿ إِنِى لَكُمْرَسُولُ أَمِينٌ
فَاتَّقُواْاللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٨) وَمَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِّإِنْ أَجْرِىَ
١٤٦
﴿ أَتُتْرَكُونَ فِ مَاهَهُنَآءَامِنِينَ
إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ
١٤٨
فِي جَنَّتٍ وَعُيُونٍ ﴿)، وَزُرُوعِ وَفَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيٌ!
﴾ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ
١٤٩
وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُوْتَافَرِهِينَ.
، وَلَا تُطِيعُواْ أَمْ الْمُسْرِفِنَ (*)، الَّذِينَيُفْسِدُونَ فِيالْأَرْضِ
١٥٠
﴾ قَالُواْإِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَّرِينَ (٥) مَآ أَنْتَ
وَلَا يُصْلِحُونَ ﴿
١٥٢)
إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِشَايَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ ﴿٥) قَالَ
هَذِهِ، نَاقَةٌ لَّا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (®) وَلَا تَمَسُّوهَا
بِسُوْءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٦)، فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ
نَدِمِينَ ﴿﴾ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ
أَكْثَرُهُم مُؤْمِنِينَ ﴿١٥) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَالْعَرِزُ الرَّحِيمُ
١٥
وقد وردت قصة صالح مع قومه فى سور أخرى منها الأعراف ، وهود ، والنمل ، والقمر ..
وثمود اسم للقبيلة التى أرسل إليها صالح - عليه السلام - والثمد : الماء القليل ... وكانوا
يعبدون الأصنام ، فأرسل الله - تعالى - واحدا منهم - هو صالح - لكى يأمرهم بعبادة الله
وحده .

٢٦٩
سورة الشعراء
ومازالت مساكنهم تعرف إلى الآن بمدائن صالح ، فى المنطقة التى بين المدينة المنورة والشام ،
وقد مر النبى - ◌َّ﴿ - على ديارهم وهو متوجه إلى غزوة تبوك ..
وقد نصح صالح قومه ، بما نصح به هود ونوح قومهما من قبله ، فقد أمرهم بتقوى الله
وصارحهم بصدقه معهم ، وبتعففه عن تعاطى الأجر على نصحه لهم .
ثم وعظهم بما يرقق القلوب ، وبما يحمل العقلاء على شكر الله - تعالى - على نعمه فقال
لهم: ﴿ أتتركون فيما هاهنا آمنين . فى جنات وعيون. وزروع ونخل طلعها هضيم .. ﴾.
والاستفهام للإِنكار . والطلع : اسم من الطلوع وهو الظهور ، وأصله ثمر النخل فى أول
ما يطلع ، وهو بعد التلقيح يسمى خلالا - بفتح الخاء - ثم يصير بسرا ، فرطبا ، فتمرا .
والهضيم : اليانع والنضيج ، أو الرطب اللين اللذيذ الذى تداخل بعضه فى بعض وهو وصف
للطلع الذى قصد به الثمار الناضجة الطيبة لصيرورته إليها .
والمعنى : أتظنون أنكم متروكون بدون حساب أو سؤال من خالقكم - عز وجل - وأنتم
تتقلبون فى نعمه التى منها ما أنتم فيه من بساتين وأنهار وزروع كثيرة متنوعة .
إن كنتم تظنون ذلك ، فأقلعوا عن هذا الظن ، واعتقدوا بأنكم أنتم وما بين أيديكم من
نعم ، إلى زوال ، وعليكم أن تخلصوا لخالقكم العبادة والشكر لكى يزيدكم من فضله ..
فأنت ترى أن - صالحا - عليه السلام قد استعمل مع قومه أرق ألوان الوعظ ، لكى
يوقظ قلوبهم الغافلة ، نحو طاعة الله - تعالى - وشكره ، وقد استعمل فى وعظه لفت أنظارهم
إلى ما يتقلبون فيه من نعم تشمل البساتين والعيون ، والزروع المتعددة ، والنخيل الجيدة
الطلع ، اللذيذة الطعم ، حتى لكأن ثمرها لجودته ولينه ، لا يحتاج إلى هضم فى البطون .
ثم ذكرهم بنعمة أخرى ، وكرر عليهم الأمر بتقوى الله فقال: ﴿ وتنحتون من الجبال
بيوتًا فارهين . فاتقوا الله وأطيعون﴾.
وقوله : ﴿وتنحتون﴾ معطوف على ﴿تتركون﴾ فهو داخل فى حيز الإنكار عليهم ،
لعدم شكرهم الله - تعالى - والنحت : البرى . يقال : نحت فلان الحجر نحتا إذا براه وأعده
للبناء.
فارهين﴾ أى: ماهرين حاذقين فى نحتها. من فره - ككرم - فراهة . إذا برع فى
فعل الشىء ، وعرف غوامضه ودقائقه .
قال القرطبى: وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿فرهين﴾ بغير ألف فى الفاء. وهى بمعنى
واحد .. وفرق بينهما قوم فقالوا: ﴿ فارهين ﴾ أى حاذقين فى تحتها ... وفرهين - بغير

٢٧٠
المجلد العاشر
ألف - . أى: أشرين بطرين فرهين .. (١) .
أى: وأنهاكم - أيضا - عن انهاككم فى نحت الحجارة من الجبال بمهارة وبراعة ، لكى
تبنوا بها بيوتا وقصورا بقصد الأشر والبطر، لا يقصد الإصلاح والشكر لله - فمحل النهى إنما
هو قصد الأشر والبطر فى البناء وفى النحت .
ثم نهاهم عن طاعة المفسدين فى الأرض بعد أن أمرهم بتقوى الله فقال: ﴿ولا تطيعوا أمر
المسرفين . الذين يفسدون فى الأرض ولا يصلحون
أى: اجعلوا طاعتكم الله - تعالى - وحده ، ولى بصفتى رسوله إليكم ، واتركوا طاعة
زعمائكم وكبرائكم المسرفين فى إصرارهم على الكفر والجحود والذين من صفاتهم أنهم يفسدون
فى الأرض فسادا لا يخالطه إصلاح .
قال الآلوسى : قوله: ﴿ ولا تطيعوا أمر المسرفين .. ﴾ كأنه عنى بالخطاب جمهور قومه.
وبالمسرفين كبراءهم فى الكفر والإضلال . وكانوا تسعة رهط .. والإسراف : تجاوز الحد فى كل
أمر .. والمراد به هنا : زيادة الفساد .. والمراد بالأرض : أرض ثمود . وقيل : الأرض كلها .
ولما كان قوله ﴿ يفسدون﴾ لا ينافى إصلاحهم أحيانا، أردفه بقوله - تعالى -: ﴿ولا
يصلحون﴾ لبيان كمال إفسادهم. وأنه لم يخالطه إصلاح أصلا.(٢).
ولكن هذا النصح الحكيم من صالح لقومه ، لم يقابل منهم بأذن صاغية ، بل قابلوه
بالتطاول والاستهتار وإنكار رسالته ﴿قالوا إنما أنت من المسحرين . ما أنت إلا بشر مثلنا ،
فأت بآية إن كنت من الصادقين ﴾ .
أى : قال قوم صالح له : أنت لست إلا من الذين غلب عليهم السحر ، وأثر فى عقولهم ،
فصاروا يتكلمون بكلام المجانين . وما أنت - أيضا - إلا بشر مثلنا تأكل الطعام كما نأكل .
وتشرب الشراب كما نشرب .. فإن كنت رسولا حقا فأتنا بعلامة ومعجزة تدل على صدقك فى
دعواك الرسالة وكأنهم - لجهلهم وانطاس بصائرهم - يرون أن البشرية تتنافى مع النبوة
والرسالة ، وتضرع صالح - عليه السلام - إلى ربه - عز وجل - أن يمنحه معجزة لعلها
تكون سببا فى هداية قومه ، وأجاب الله - تعالى - تضرعه، فقال - سبحانه - : ﴿ قال
هذه ناقة لها شرب ، ولكم شرب يوم معلوم ، ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب عظيم ﴾ .
قال ابن كثير : ثم إنهم اقترحوا عليه آية يأتيهم بها ، ليعلموا صدقه بما جاءهم به من ربهم،
فطلبوا منه أن يخرج لهم الآن من صخرة عندهم ناقة عُشرَاءٍ من صفتها كذا وكذا . فعند ذلك
(١) تفسير القرطبى جـ ١٣ ص ١٢٩ .
(٢) تفسير الآلوسى جـ ١٩ ص ١١٣.

٢٧١
سورة الشعراء
أخذ عليهم صالح العهود والمواثيق ، لئن أجابهم إلى ما سألوا ليؤمنن به ، فأنعموا بذلك
- أى: قالوا نعم - فقام نبى الله صالح فصلى، ثم دعا ربه أن يجيبهم على سؤالهم،
فانفطرت تلك الصخرة التى أشاروا إليها . عن ناقة عشراء . على الصفة التى وصفوها . فآمن
بعضهم وكفر أكثرهم))(١) .
والمعنى : قال لهم صالح - عليه السلام - بعد أن طلبوا منه معجزة تدل على صدقه : هذه
ناقة ﴿ لها شرب ولكم شرب يوم معلوم﴾ أى: لها نصيب معين من الماء، ولكم نصيب آخر
منه ، وليس لكم أن تشربوا منه فى يوم شربها . وليس لها أن تشرب منه فى يوم شربكم ،
واحذروا أن تمسوها بسوء - كضرب أو قتل - فيأخذكم عذاب يوم عظيم .
ووصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه من عذاب ينزل بهم إذا مسوها بسوء ولكن قومه لم
يفوا بعهودهم ﴿ فعقروها﴾ أى: فعقروا الناقة التى هى معجزة نبيهم. وأسند العقر إليهم
جميعا . مع أن الذى عقرها بعضهم، لأن العقر كان برضاهم جميعا ، كما يرشد إليه قوله
- تعالى - فى آية أخرى: ﴿ فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر﴾(٢).
وقوله ﴿ فأصبحوا نادمين ) بيان لما ترتب على عقرهم لها . وندمهم إنما كان بسبب
خوفهم من وقوع العذاب عليهم بسبب ذلك ، ولم يكن بسبب إيمانهم وتوبتهم . أو أن ندمهم
جاء فى غير أوانه ، كما يشعر بذلك قوله - تعالى: ﴿ فأخذهم العذاب ﴾ أى أن العذاب نزل
بهم فى أعقاب عقرهم لها ، بدون تراخ أو إمهال ، وكان عذابهم أن أخذتهم الرجفة وتبعتها
الصيحة التى صاحها بهم جبريل فأصبحوا فى ديارهم جائمين ، ثم يجىء التعقيب السابق :
إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين . وإن ربك لهو العزيز الرحيم ﴾.
ثم جاءت بعد ذلك قصة لوط . مع قومه ، فقال - تعالى - :
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ ﴿) إِذْقَالَ لَمُمْ لَّفُوهُمْ لُوطُ أَلا ◌َتَّقُونَ
﴿ إِّ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ () فَأَنَّقُواْاللَّهَ وَأَطِيعُونِ () وَمَآ
أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِ إِنْ أَجْرِىَ إِلََّ عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ
١٦٤
أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَلَمِينَ (٢) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُرْرَبُّكُم
(١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ١٦٦ .
(٢) سورة القمر الآية ٢٩ .

٢٧٢
المجلد العاشر
مِّنْ أَزْوَِكُمْبَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١) قَالُواْلَيْنِ لَوْتَنْتَهِ يَلُودٌ
لَتَكُنَنَّ مِنَ الْمُخْرَمِينَ ﴾
١٦٨
قَالَ إِنِى لِعَمَلِكُمْ مِّنَ الْقَالِينَ
١٧٠
رَبِّ ◌َخِى وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ ﴿ فَنَجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ
إِلَّ عَجُوزَا فِى الْغَيِينَ () ثُمَّدَقَرْنَالْآَخَرِينَ () وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِ
مَّطَرًا فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ وَمَا كَانَأَكْثَرُهُمْ
١٧٥
مُؤْمِنِينَ ﴿٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
قال ابن كثير - رحمه الله -: ولوط هو ابن هاران بن آزر ، وهو ابن أخى إبراهيم ،
وكان قد آمن مع إبراهيم ، وهاجر معه إلى أرض الشام ، فبعثه الله إلى أهل سدوم وما حولها
من القرى ، يدعوهم إلى الله - تعالى - وبأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، وهو إتيان
الذكور دون الإناث ، وهذا شىء لم يكن بنو آدم تعهده ولا تألفه ، ولا يخطر ببالهم ، حتى صنع
ذلك أهل سدوم - وهى قرية بوادى الأردن - عليهم لعائن الله.(١) .
ولقد بدأ لوط - عليه السلام - دعوته لقومه يأمرهم بتقوى الله ، وبإخبارهم بأنه رسول
أمين من الله - تعالى - إليهم ، وبأنه لا يسألهم أجرا على دعوته لهم إلى الحق والفضيلة .
ثم نهاهم عن أبرز الرذائل التى ، كانت متفشية فيهم فقال: ﴿ أتأتون الذكران من
العالمين . وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم . بل أنتم قوم عادون ﴾ .
والاستفهام للإنكار والتقريع والذكران : جمع ذكر وهو ضد الأنثى .
والعادون : جمع عاد . يقال : عدا فلان فى الأمر يعدو، إذا تجاوز الحد فى الظلم .
أى : قال لوط لقومه : أبلغ بكم انحطاط الفطرة ، وانتكاس الطبيعة ، أنكم تأتون الذكور
الفاحشة ، وتتركون نساءكم اللائى أحلهن الله - تعالى - لكم ، وجعلهن الطريق الطبيعى
للنسل وعمارة الكون .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ٢٣٠ .
١

٢٧٣
سورة الشعراء
إنكم بهذا الفعل القبيح الذميم ، تكونون قد تعديتم حدود الله - تعالى - وتجاوزتم ما أحله
الله لكم، إلى ما حرمه عليكم .
وقد ردوا عليه بما يدل على شذوذهم وعلى انتكاس فطرتهم ، فقد قالوا له على سبيل
التهديد والوعيد : ﴿ لئن لم تنته يالوط لتكونن من المخرجين
أى : قالوا له متوعدين : لئن لم تسكت يالوط عن نهيك إيانا عما نحن . فيه ، لتكونن من
المخرجين من قريتنا إخراجا تاما ، ولنطردنك خارج ديارنا .
وهكذا النفوس عندما تنحدر فى الرذيلة وتنغمس فى المنكر ، تعادى من يدعوها إلى الفضيلة
وإلى الطهر والعفاف .
وقد رد لوط - عليه السلام - على سفاهتهم وسوء أدبهم ﴿ قال إنى لعملكم من
القالين ﴾ .
والقالين : جمع قال . يقال : قليت فلانا أقليه - كرميته أرميه - إذا كرهته كرها شديداً .
أى : قال لهم لوط موبخا ومؤنيا: إنى لعملكم القبيح الذى ترتكبونه مع الذكور، من
المبغضين له أشد البغض ، المنكرين له أشد الإنكار .
ثم توجه إلى ربه - تعالى - بقوله . ﴿ رب نجنى وأهلى مما يعملون﴾ أى : نجنى يارب،
ونج أهلى المؤمنين معى ، مما يعمل هؤلاء الأشرار من منكر لم يسبقهم إليه أحد فأجاب الله -
تعالى - دعاءه فقال: ﴿ فنجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزاً فى الغابرين ﴾.
والمراد بهذه العجوز، امرأته وكانت كافرة وراضية عن فعل قومها .
والغابرين : جمع غابر وهو الباقى بعد غيره . يقال غبر الشىء يغبر غبورا . إذا بقى .
وقوله : ﴿ إلا عجوزاً ﴾ استثناء من أهله .
أى : فاستجبنا للوط دعاءه ، فأنجيناه وأهله المؤمنين جميعا، إلا امرأته العجوز فإننا لم
ننجها بل بقيت مع المهلكين لخبثها وعدم إيمانها .
﴿ ثم دمرنا الآخرين﴾ أى: ثم أهلكنا قوم لوط المصرين على كفرهم وعلى إتيانهم
المنكر ، تدميراً شديداً، فإنا جعلنا أعلى قريتهم سافلها ، وأبدناهم عن آخرهم .
وأمطرنا عليهم﴾ بعد ذلك الإهلاك ﴿ مطرا﴾ عجيبا أمره فقد كان نوعا من
الحجارة، كما جاء فى آية أخرى فى قوله: تعالى -: ﴿وأمطرنا عليها حجارة من
٠
سجیل
.

٢٧٤
المجلد العاشر
وقوله - سبحانه - : ﴿ فساء مطر المنذرين ﴾ بيان لسوء مصيرهم.
أى : دمرنا هؤلاء القوم ، وأمطرنا عليهم مطرا من الحجارة زيادة فى إهانتهم ، فساءت
عاقبتهم ، وتحقق ما أنذرناهم به من دمار .
ثم ختم - سبحانه - قصة لوط - عليه السلام - مع قومه ، بمثل ما ختم به القصص
السابقة فقال : ﴿ إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين . وإن ربك لهو العزيز الرحيم).
ثم جاءت فى نهاية هذه القصص ، قصة شعيب - عليه السلام - مع قومه . فقال -
تعالى :
كَذَّبَ أَصْحَبُ
◌َيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ ﴿﴾ إِذْقَالَ لَهُمْ شُعَيْبُ أَلَنَتَّقُونَ (٦) إِّ لَكُمْ
رَسُولُ أَمِينٌ ﴿٣) فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَطِيعُونِ () وَمَآ أَسْتَلُكُمْعَلَيْهِ
مِنْ أَجْرِ إِنْ أَجْرِىَ إِلََّ عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ (٨)
أَوْفُواْ الْكَيْلَ وَا
١٨٢
. تَكُونُواْ مِنَ الْمُخْسِرِينَ (مْ﴾ وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ اَلْمُسْتَقِيمِ
وَلَا تَبْخَسُواْالنَّاسَ أَشْيَآءَ هُمْ وَلَا تَعْثَوْ فِ الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
١٨٣
وَأَتَّقُواْ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالْجِلَّةَ الْأَوَّلِينَ ﴿٨) قَالُوَأْ إِنَّمَا أَنْتَ
مِنَ الْمُسَخَّرِينَ ﴿٨) وَمَا أَنَتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَ إِن نَظُنُّكَ لَمِنَ
اُلْكَذِبِينَ ﴾ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفَا مِنَ السَّمَآءِ إِنْ كُنْتَ
مِنَ الصَّدِّقِينَ لَّ﴾ قَالَ رَبِّ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ لََّ﴾ فَكَذَّبُوُ
فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ اَلظلَّةٍ إِنٌَّ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (
١٨٩
إِنَّ فِى ذَلِكَ لَ يَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُؤْمِنِينَ ﴿ وَإِنَّرَبَّكَ لَهُوَ
اَلْعَزِيزُ الرَّحِيمُ أ

٢٧٥
سورة الشعراء
والأيكة : منطقة مليئة بالأشجار ، كانت - فى الغالب - بين الحجاز وفلسطين حول خليج
العقبة ، ولعلها المنطقة التى تسمى بمعان .
وشعيب ينتهى نسبه إلى إبراهيم - عليهما السلام - وكان رسول الله - * - إذا ذكر
شعيبا قال: ((ذلك خطيب الأنبياء)) لحسن مراجعته لقومه، وقوة حجته .
وكان قومه أهل كفر وبخس المكيال والميزان ، وقطع الطريق فدعاهم إلى وحدانية الله -
تعالى - وإلى مكارم الأخلاق .
قال ابن كثير: (( هؤلاء - أعنى أصحاب الأيكة - هم أهل مدين على الصحيح ، وكان
نبى الله شعيب من أنفسهم وإنما لم يقل هاهنا: أخوهم شعيب، لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة
وهى شجرة . وقيل شجر ملتف كالغيضة . كانوا يعبدونها ، فلهذا لما قال : كذب أصحاب
الأيكة المرسلين، لم يقل: إذ قال لهم أخوهم شعيب، وإنما قال: ﴿إذ قال لهم شعيب﴾ فقطع
نسبة الأخوة بينهم ، للمعنى الذى نسبوا إليه ، وإن كان أخاهم نسبا ، ومن الناس من لم
يتفطن لهذه النكتة ، فظن أن أصحاب الأيكة غير أهل مدين ، فزعم أن شعيبا - عليه
، السلام - بعثه الله إلى أمتين ... والصحيح أنهم أمة واحدة وصفوا فى كل مقام بشىء ، ولهذا
وعظ هؤلاء وأمرهم بوفاء المكيال والميزان، كما فى قصة مدين سواء بسواء .. ))(١).
وقد افتتح شعيب - عليه السلام - دعوته لقومه . بأمرهم بتقوى الله - تعالى - وببيان
أنه أمين فى تبليغهم ما أمره الله بتبليغه إليهم ، وبمصارحتهم بأنه لا يسألهم أجراً على دعوته
إياهم إلى ما يسعدهم .
ثم نهاهم عن أفحش الرذائل التى كانت منتشرة فيهم فقال لهم : ﴿ أوفوا الكيل ولا
تكونوا من المخسرين . وزنوا بالقسطاس المستقيم . ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا فى
الأرض مفسدين ، واتقوا الذى خلقكم والجبلة الأولين .. ﴾ .
والجبلة : الجماعة الكثيرة من الناس الذين كانوا من قبل قوم شعيب . والمقصود بهم أولئك
الذين كانوا ذوى قوة كأنها الجبال فى صلابتها ، كقوم هود وأمثالهم ممن اغتروا بقوتهم ،
فأخذهم اللّه أخذ عزيز مقتدر .
قال القرطبى : وقوله: ﴿واتقوا الذى خلقكم والجبلة الأولين
الجبلة : هى الخليقة. ويقال: جبل فلان على كذا، أى: خلق، فالخُلُق جبلة وجُبلة -
(١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ١٦٨.

٢٧٦
المجلد العاشر
بكسر الجيم والباء وضمهما - والجبلة : هو الجمع ذو العدد الكثير من الناس ، ومنه قوله -
تعالى -: ﴿ولقد أضل منكم جبلا كثيراً ... ﴾(١).
والمعنى : قال شعيب - عليه السلام - لقومه ناصحا ومرشداً: يا قوم . أوفوا الكيل أى :
أتموه ﴿ولا تكونوا من المخسرين﴾ الذين يأكلون حقوق غيرهم عن طريق التطفيف فى
الكيل والميزان .
ثم أكد نصحه هذا بنصح آخر فقال: ﴿وزنوا﴾ للناس الذين تتعاملون معهم
بالقسطاس المستقيم ﴾ أى : بالعدل الذى لا جور معه ولا ظلم .
ثم أتبع هذا الأمر بالنهى فقال: ﴿ولا تبخسوا الناس أشياءهم﴾ أى: ولا تنقصوا
للناس شيئا من حقوقهم ، أيا كان مقدار هذا الشىء .
﴿ ولا تعثوا فى الأرض مفسدين﴾ والعُثُو: أشد أنواع الفساد. يقال: عثَا فلان فى
الأرض يعتَو ، إذا اشتد فساده .
أى : ولا تنتشروا فى الأرض حالة كونكم مفسدين فيها بالقتل وقطع الطريق ، وتهديد
الآمنين .
فقوله ﴿ مفسدين﴾ حال مؤكدة لضمير الجمع فى قوله ﴿تعثوا﴾.
ثم ذكرهم بأحوال السابقين ، وبأن الله - تعالى - هو الذى خلقهم وخلق أولئك السابقين
فقال: ﴿واتقوا الذى خلقكم﴾ من ماء مهين. وخلق - أيضا - الأقوام السابقين، الذين
كانوا أشد منكم قوة وأكثر جمعا . والذين أهلكهم - سبحانه - بقدرته بسبب إصرارهم على
كفرهم وبغيهم .
واستمع قوم شعيب إلى تلك النصائح الحكيمة . ولكن لم يتأثروا بها ، بل انهموا نبيهم فى
عقله وفى صدقه ، وتحدوه فى رسالته فقالوا - كما حكى القرآن عنهم - : ﴿ إنما أنت من
المسحرين . وما أنت إلا بشر مثلنا . وإن نظنك لمن الكاذبين . فأسقط علينا كسفا من السماء
﴾ .
إن كنت من الصادقين
قالوا له بسفاهة وغرور : إنما أنت يا شعيب من الذين أصيبوا بسحر عظيم جعلهم
لا يعقلون ما يقولون ، أو إنما أنت من الناس الذين يأكلون الطعام ، ويشربون الشراب ، ولا
مزية لك برسالة أو بنبوة علينا ، فأنت بشر مثلنا ، وما نظنك إلا من الكاذبين فيما تدعيه ، فإن
كنت صادقا فى دعوى الرسالة فأسقط علينا ﴿ كسفا من السماء ﴾ أى : قطعا من العذاب
(١) تفسير القرطبى جـ ١٣ ص ١٣٦ .

٢٧٧
سورة الشعراء
الكائن من جهة السماء .
وجاء التعبير بالواو هنا فى قوله ﴿ وما أنت إلا بشر مثلنا﴾ للإشارة إلى أنه جمع بين
أمرين منافيين لدعواه الرسالة ، وهما : كونه من المسحرين وكونه بشرا وقصدوا بذلك المبالغة
فى تكذيبه ، فكأنهم يقولون له : إن وصفا واحدا كاف فى تجريدك من نبوتك فكيف إذا اجتمع
فيك الوصفان ، ولم يكتفوا بهذا بل أكدوا عدم تصديقهم له فقالوا : وما نظنك إلا من
الكاذبين .
ثم أضافوا إلى كل تلك السفاهات . الغرور والتحدى حيث تعجلوا العذاب .
ولكن شعيبا - عليه السلام - قابل استهتارهم واستهزاءهم بقوله: ﴿ ربى أعلم بما
تعملون
.
أى : ربى وحده هو العليم بأقوالكم وأعمالكم ، وسيجازيكم عليها بما تستحقون من عذاب
أليم .
ثم يعجل - سبحانه - ببيان عاقبتهم السيئة فيقول : ﴿ فكذبوه ، فأخذهم عذاب يوم
الظلة . إنه كان عذاب يوم عظيم ﴾ .
قال الآلوسى : وذلك على ما أخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبى
حاتم ، والحاكم عن ابن عباس : أن الله - تعالى - بعث عليهم حرا شديدا ، فأخذ
بأنفاسهم ، فدخلوا أجواف البيوت ، فدخل عليهم ، فخرجوا منها هرابا إلى البرية . فبعث
الله - تعالى - عليهم سحابة فأظلتهم من الشمس ، وهى الظلة ، فوجدوا لها بردا ولذة ،
فنادى بعضهم بعضا حتى إذا اجتمعوا تحتها ، أسقطها الله عليهم نارا. فأهلكتهم جميعا .. (١).
ففى الأعراف ذكر أنهم أخذتهم الرجفة فأصبحوا فى دارهم جائمين ، وذلك لأنهم قالوا :
لنخرجنك يا شعب والذين آمنوا معك من قريتنا .. ﴾ فلما أرجفوا بنبى الله ومن تبعه.
- أى : حاولوا زلزلتهم وتخويفهم - أخذتهم الرجفة .
وفى سورة هود قال: ﴿ وأخذ الذين ظلموا الصيحة﴾ وذلك لأنهم استهزءوا بنبى الله فى
قولهم : ﴿ أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا .. ﴾ فناسب أن تأتيهم صيحة تسكتهم ..
وها هنا قالوا : ﴿ فأسقط علينا كسفا من السماء ... ﴾ على وجه التعنت والعناد فناسب أن
ينزل بهم ما استبعدوا وقوعه فقال: ﴿ فأخذهم عذاب يوم الظلة﴾(٢).
-
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٩ ص ١٢٠ .
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ١٧٠ .

٢٧٨
المجلد العاشر
ثم ختم - سبحانه - قصة شعيب مع قومه بمثل ما ختم به قصص الرسل السابقين مع
أقوامهم فقال - تعالى -: ﴿ إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين . وإن ربك لهو العزيز
الرحيم ﴾ .
وإلى هنا ترى سورة الشعراء قد ساقت لنا سبع قصص من قصص الأنبياء مع أقوامهم .
سأقت لنا قصة موسى ، فإبراهيم ، فنوح . فهود ، فصالح ، فلوط ، فشعيب - عليهم
جميعا الصلاة والسلام - .
ويلاحظ فى قصص هذه السورة ، أنها لم تجئ على حسب الترتيب الزمنى - كما هو الشأن
فى سورة الأعراف - وذلك لأن المقصود الأعظم هنا هو الاعتبار والاتعاظ ، فأما فى سورة
الأعراف ، فكان التسلسل الزمنى مقصودا لعرض أحوال الناس منذ آدم - عليه السلام - .
كما يلاحظ أن معظم القصص هنا ، قد افتتح بافتتاح متشابه ، وهو أمر كل نبى قومه .
بتقوى الله ، وببيان أنه رسول أمين . وببيان أنه لا يطلب من قومه أجرا على دعوته ، نرى
ذلك واضحا فى قصة نوح وهود وصالح وشعيب ولوط مع أقوامهم .
ولعل السر فى ذلك التأكيد على أن الرسل جميعا قد جاؤوا برسالة واحدة فى أصولها
وأسسها ، ألا وهى الدعوة إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - ، وإلى مكارم الأخلاق .
كما يلاحظ - أيضا - أن كل قصة من تلك القصص قد اختتمت بقوله - تعالى - :
إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين . وإن ربك لهو العزيز الرحيم ﴾.
ولعل السر فى ذلك تكرار التسلية للنبى - # - ، وتثبيت فؤاده . وبيان أن ما أصابه من
قومه، قد أصاب الرسل السابقين، فعليه أن يصبر كما صبروا، وقد قالوا: ((المصيبة إذا
عمت خفت)).
كما يلاحظ - كذلك - على قصص هذه السورة التركيز على أهم الأحداث وبيان الرذائل
التى انغمس فيها أولئك الأقوام ، باستثناء قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون فقد
جاءت بشىء من التفصيل .
وكما بدأت السورة بالحديث عن القرآن، وعن الرسول - * - ، عادت مرة أخرى بعد
الحديث عن قصص بعض الأنبياء - إلى متابعة الحديث عن القرآن الكريم ، وعن نزوله ،
وعن تأثيره ، وعن مصدره . فقال - تعالى - :

٢٧٩
سورة الشعراء
وَإِنَّهُ لَّغْزِيِلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿٦) نَزَّلَ بِهِ الرُّوحُ
آلْأَمِنُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ(1) ◌ِسَانِعَرَبٍِ
◌ُبِينٍ ﴿ وَإِنَّهُ لَفِىِ زُيُرِ الْأَوَّلِينَ ) أَوَلَمْيَكُنْ لَّ ءَايَةً أَنْ يَعْلَمَهُ.
عُلَمَةُ أْ بَنِ إِسْرَّهِيَ ﴿ وَلَوْنَزَّلْنَهُ عَلَى بَعْضِ اَلْأَعْجَمِينَ
١٩٨
فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَّا كَانُوا بِ سُؤْمِنِين
m
والضمير فى قوله ﴿ وإنه ﴾ يعود إلى القرآن الكريم، وما اشتمل عليه من قصص
وهدايات ..
أى: وإن هذا القرآن لتنزيل رب العالمين، لاتنزيل غيره ، والتعبير عن إنزاله بالتنزيل ،
للمبالغة فى إنزاله من عند الله - تعالى - وحده .
ووصف - سبحانه - ذاته بالربوبية للعالمين ، للإِيذان بأن إنزاله بهذه الطريقة ، من مظاهر
رحمته بعباده ، وإحكام تربيته لهم جميعا .
قال - تعالى -: ﴿تنزيل من رب العالمين)، وقال - سبحانه -: ﴿ تنزيلا ممن خلق.
الأرض والسموات العلا ﴾ .
ثم وصف - سبحانه - من نزل به بالأمانة فقال: ﴿نزل به الروح الأمين ﴾ وهو جبريل
- عليه السلام - وعبر عنه بالروح ، لأن الأرواح تحيا بما نزل به كما تحيا الأجسام بالغذاء .
أى : نزل جيريل الأمين - بأمرنا - بهذا القرآن كاملا غير منقوص ، ﴿ على قلبك ﴾
أيها الرسول الكريم ﴿لتكون من المنذرين﴾ أى: من أجل أن تنذر به الناس، وتخوفهم
بسوء المصير إذا ما استمروا على كفرهم وفسوقهم عن أمر الله - تعالى - .
قال الجمل : قال الكرخى: وقوله ﴿على قلبك﴾ خصه بالذكر وهو إنما أنزل عليه ليؤكد
أن ذلك المنزل محفوظ ، والرسول متمكن من قلبه لا يجوز عليه التغير . ولأن القلب هو
المخاطب فى الحقيقة لأنه موضع التمييز والاختيار ، وأما سائر الأعضاء فمسخرة له ، ويدل على
ذلك القرآن والحديث والمعقول .

٢٨٠
المجلد العاشر
أما القرآن فقوله - تعالى -: ﴿إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو
٤ .
شهید
وأما الحديث فقوله - 18 -: ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ،
وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهى القلب)).
وأما المعقول : فإن القلب إذا غشى عليه، لم يحصل له شعور ، وإذا أفاق القلب شعر
بجميع ما ينزل بالأعضاء من الآفات .(١) .
وقال الآلوسى ما ملخصه: وخص القلب بالإِنزال، قيل: للإشارة إلى كمال تعقله - داخل . -
وفهمه ذلك المنزل ، حيث لم تعتبر واسطة فى وصوله إلى القلب ..
وقيل للإشارة إلى صلاح قلبه - ويلي - حيث كان منزلا لكلام الله - تعالى - .. (٢).
وقوله - تعالى -: ﴿بلسان عربى مبين﴾ متعلق بقوله - تعالى - ﴿نزل﴾. أى:
نزل هذا القرآن باللسان العربى ليكون أوضح فى البلاغ والبيان لقومك لأننا لو نزلناه بلسان
أعجمى أو بلغة أعجمية لتعللوا بعدم فهمه وقلة إدراكهم لمعناه .
وبذلك نرى أن الله - تعالى - قد بين لنا مصدر القرآن ، والنازل به ، والنازل عليه ،
وكيفية النزول ، وحكمة الإِنزال ، واللغة التى نزل بها، وكل ذلك أدلة من القرآن ذاته على أنه
من عند الله - تعالى - وأنه من كلامه الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
ثم بين - سبحانه - أن الكتب السماوية السابقة قد ذكرت ما يدل على صدق الرسول
- وَ﴾ - الذى أنزل الله - تعالى - عليه هذا القرآن فقال - تعالى -: ﴿وإنه لفى زبر
الأولين . أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بنى اسرائيل ﴾.
والزبر : جمع زَبُور ، وهو الكتاب المقصور على الحكم والمواعظ ، كزبور داود . مأخوذ من
الزبر بمعنى الزجر . لزجره الناس عن اتباع الباطل .
والمعنى : وإن نعت هذا القرآن الكريم ، ونعت الرسول الذى سينزل عليه هذا القرآن .
الموجود فى كتب السابقين .
قال الإِمام ابن كثير : أخبر - تعالى - : بأن ذكر هذا القرآن والتنويه به لموجود فى كتب
الأولين المأثورة عن أنبيائهم ، الذين بشروا به فى قديم الدهر وحديثه ، كما أخذ الله عليهم
الميثاق بذلك ، حتى قام آخرهم خطيبا فى ملئه بالبشارة بأحمد : ﴿ وإذ قال عيسى ابن مريم
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٢٩٢ .
(٢) تفسير الآلوسى جـ ١٩ ص ١٢١ .