النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ سورة النور تعالى - وقدرته ، أتبعت ذلك بالحديث عن طائفة المنافقين ، الذين لم ينتفعوا بآيات الله، ولم يتأدبوا بأدب المؤمنين .. فقال - تعالى - : لَقَدْ أَنْزَ لْنَآءَ ايَتٍ مُبَيِّنَاتٍ ٥٢ : وَيَقُولُونَ وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (@) ءَامَنَّابِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ بَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ﴿٦)، وَإِذَا دُهُوْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ. لِيَحْكُمََّهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم ◌ُعْرِضُونَ ﴿٢) وَإِن يَكُن ◌ٌَّ المَىُّ يَأْتُواْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ، أَفِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضُ أَمِ أَرْقَابُواْ أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولٌ بَلّ أُوْلَبِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَادُعُوْإِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ،ِبَحْكُمْ بَيْنَهُ أَنْ يَقُولُواْسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَابِزُونَ وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَتِهِمْ لَإِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُ جُنَّقُل ٥٣ لَا تُقْسِمُوَأَطَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّاللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ قُلْ أَطِيعُوا لَهَ وَأَطِيعُواْالرَّسُولٌ فَإِنْ تَوَلَوْفَإِنَّمَا عَيْهِ مَاخِلَ وَعَّهِكُمْ مَّاُمُِّءٌ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُ وَأَوَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَّكَغُ الْمُبِينُ أ وقوله - سبحانه -: ﴿ مبينات ﴾ قرأها بعض القراء السبعة ، بفتح الياء المشددة - ١٤٢ المجلد العاشر بصيغة اسم المفعول - فيكون المعنى: بالله لقد أنزلنا على عبدنا محمد - وص الز - آيات بيناها ووضحناها ، وجعلناها خالية من اللبس والغموض . وقرأها الباقون بكسر الياء المشددة - بصيغة اسم الفاعل - فيكون المعنى : لقد أنزلنا آيات مبينات للأحكام والحدود والآداب التى شرعها الله - تعالى - فعلى هذه القراءة يكون المفعول محذوفا . وقوله - تعالى -: ﴿والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ أى: والله - تعالى - بفضله وإحسانه يهدى من يشاء هدايته إلى الصراط المستقيم ، الذى هو طريق الإِسلام . وسبيل الحق والرشاد . والضمير فى قوله - تعالى -: ﴿ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ﴾ يعود على طائفة من الذين لم يهدهم - سبحانه - إلى الصراط المستقيم ، وهم المنافقون . أى : أن هؤلاء المنافقين يقولون بألسنتهم فقط: آمنا بالله وبالرسول ، وأطعنا الله والرسول فى كل أمر أو نهى . ثم بين - سبحانه - أنهم كاذبون فى دعواهم الإِيمان والطاعة فقال: ﴿ ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك ؟ ٠ أى : يدعون أنهم يؤمنون بالله وبالرسول ، ويطيعون أحكامهما ، وحالهم أن عدداً كبيراً منهم يعرضون عما يقتضيه الإِيمان والطاعة، من أدب مع الله - تعالى - ومع رسوله - ◌َ - ، ومن انقياد لأحكام الإِسلام . وقوله - سبحانه -: ﴿وما أولئك بالمؤمنين ﴾ نفى لدعواهم الإِيمان، وتوبيخ لهم على أقوالهم التى يكذبها واقعهم ، أى : وما أولئك المنافقون الذى يقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ، بالمؤمنين على الحقيقة ، لأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم ، ولأنهم لو كانوا يؤمنون حقا. لما أعرضوا عن أحكام الله - تعالى -، وعن طاعة رسوله - ﴿﴿ - . ثم بين - سبحانه - حالة أخرى من أحوالهم الذميمة فقال: ﴿وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون ﴾ . أى : أن هؤلاء المنافقين من صفاتهم - أيضاً - أنهم إذا ما دعاهم داع إلى أن يجعلوا شريعة الله - تعالى - هى الحكم بينهم وبين خصومهم ، إذا فريق كبير منهم يعرض عن هذا الداعى ، ويسرع إلى التحاكم إلى الطاغوت . كما فى قوله - تعالى -: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن ١٤٣ سورة النور يكفروا به ، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيداً .. ﴾(١). والتعبير عنهم بقوله ((إذا فريق منهم معرضون)» إشعار بأنهم بمجرد دعوتهم إلى الحق ، ينفرون من الداعى نفورا شديدا بدون تدبر أو تهل ، لأنهم يعلمون علم اليقين أن الحق عليهم لا لهم، أما إن لاح لهم أن الحق لهم لا عليهم، فإنهم يهرولون نحو الرسول - ﴿*1 - يطلبون حكمه، ولذا قال - تعالى - . ﴿وإن يكن لهم الحق، يأتوا إليه مذعنين﴾. والإِذعان : الانقياد والطاعة ، يقال : أذعن فلان لفلان ، إذا انقاد له وخضغ لأمره . أى: وإن يكن لهؤلاء المنافقين الحق على غيرهم، يأتوا إلى الرسول - #1 - منقادين طائعين راضين بحكمه، لأنهم واثقون من أنه - * - لن يبخسهم شيئا من حقوقهم لا يأتون إليه مذعنين فى كل الأحوال، وإنما يأتون إليه - 3 1 - مذعنين لحكمه عندما يكونون أصحاب حق فى قضية من القضايا الدنيوية التى تحصل بينهم وبين غيرهم . ثم يعقب القرآن الكريم على تصرفاتهم القبيحة بإثبات نفاقهم ، وبالتعجيب من ترددهم وريبهم ، وباستنكار ما هم عليه من خلق ذميم فيقول : ﴿ أفى قلوبهم مرض ، أم ارتابوا ، أم يخافون أن يحيف اللّه عليهم ورسوله .. ﴾؟! وقوله : ﴿ يحيف﴾ من الحيف، وهو الميل إلى أحد الجانبين ، يقال: حاف فلان فى قضائه ، إذا جار وظلم . أى : ما بال هؤلاء المنافقين يعرضون عن أحكام الإِسلام ولا يقبلون على حكم الرسول - ﴿ - إلا إذا كانت لهم حقوق عند غيرهم أسبب ذلك أنهم مرضى القلوب بالنفاق وضعف الإِيمان ؟ أم سبب ذلك أنهم يشكون فى صدق نبوته - ﴿ - ؟ أم سببه أنهم يخافون أن يحيف اللّه عليهم ورسوله ؟ لاشك أن هذه الأسباب كلها قد امتلأت بها قلوبهم الفاسدة ، وفضلا عن ذلك فهناك سبب أشد وأعظم ، وهو حرصهم على الظلم ووضع الأمور فى غير مواضعها ، ولذا ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ﴿ بل أولئك هم الظالمون ). أى : بل أولئك المنافقون هم الظالمون لأنفسهم ولغيرهم ، حيث وضعوا الأمور فى غير موضعها ، وآثروا الغى على الرشد ، والكفر على الإِيمان . قال الجمل: وقوله: ﴿أفى قلوبهم مرض .. ﴾ إلخ استنكار واستقباح لإعراضهم المذكور ، وبيان لمنشئه بعد استقصاء عدة من القبائح المحققة فيهم ، والاستفهام للإنكار لكن (١ ) سورة النساء الآية ٦٠ . ١٤٤ المجلد العاشر النفى المستفاد به لا يتسلط على هذه الأمور الثلاثة ، لأنها واقعة لهم ، وقائمة بهم ، والواقع لا ينفى، وإنما هو متسلط على منشئتها وسببيتها لإِعراضهم .. (١). ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما هو واجب على المؤمنين إذا ما دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم ، أن يقولوا سمعنا وأطعنا . ولفظ ((قول)) منصوب على أنه خبر ((كان)) واسمها أن المصدرية مع ما فى حيزها ، وهو : أن يقولوا سمعنا وأطعنا . والمعنى : أن من صفات المؤمنين الصادقين ، أنهم إذا ما دعوا إلى حكم شريعة الله - تعالى - التى أوحاها إلى رسوله - ﴿ - أن يقولوا عندما يدعون لذلك : سمعنا وأطعنا، بدون تردد أو تباطؤ .. ((وأولئك)) الذين يفعلون ذلك ((هم المفلحون)) فلاحا تاما فى الدنيا والآخرة. ثم بين - سبحانه - ما يترتب على طاعة الله ورسوله فقال: ﴿ومن يطع الله ورسوله ويخش الله﴾ - تعالى - فى السر والعلن ﴿ويتقه) فى كل الأحوال ﴿فأولئك ﴾ الذين يفعلون ذلك ﴿ هم الفائزون﴾ بالنعيم المقيم، والرضوان العظيم. ثم عادت السورة الكريمة إلى استكمال الحديث عن المنافقين ، فقال - تعالى - ﴿وأقسموا باللّه جهد أيمانهم ، لئن أمرتهم ليخرجن ﴾ والجهد : الوسع والطاقة ، من جهد نفسه يجهدها - بفتح الهاء فيهما - إذا اجتهد فى الشىء ، وبذل فيه أقصى وسعه . أى : وأقسم هؤلاء المنافقون بالأيمان الموثقة بأشد وسائل التوثيق ، بأنهم متى أمرهم الرسول - * - بالخروج معه للجهاد ليخرجن سراعا تلبية لأمره. وهنا يأمر الله - تعالى - نبيه - وَلجر - أن يرد عليهم ردا كله تهكم وسخرية بهم ، بسبب كذبهم فيقول : ﴿ قل لا تقسموا طاعة معروفة﴾. أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل السخرية والزجر، لا تقسموا على ما تقولون ، فإن طاعتكم معروف أمرها ، ومفروغ منها ، فهى طاعة باللسان فقط . أما الفعل فیکذبها . وذلك كما تقول لمن اشتهر بالكذب : لا تحلف لى على صدقك ، فأمرك معروف لا يحتاج إلى قسم أو دليل . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٢٣٣ . ١٤٥ سورة النور ثم عقب - سبحانه - على هذه السخرية منهم بقوله: ﴿ إن الله خبير بما تعملون﴾ أى: إن الله - تعالى - مطلع اطلاعا تاما على ظواهركم وبواطنكم فلا يحتاج منكم إلى قسم أو توكيد لأقوالكم ، وقد علم - سبحانه - أنكم كاذبون فى حلفكم . ثم يأمر - سبحانه - رسوله -# - أن يرشدهم إلى الطاعة الصادقة . لا طاعتهم الكاذبة فيقول : ﴿ قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ طاعة ظاهرة وباطنة ، طاعة مصحوبة بصدق الاعتقاد ، وكمال الإِخلاص ، فإن هذه الطاعة هى المقبولة منكم . وقوله - سبحانه - ﴿ فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم ﴾ تحذير لهم من التمادى فى نفاقهم وكذبهم . أى: مرهم - أيها الرسول الكريم - بالطاعة الصادقة ، فإن توليتم - أيها المنافقون - عن دعوة الحق وأعرضتم عن الصراط المستقيم ، فإن الرسول الكريم ليس عليه سوى ما حملناه إياه . وهو التبليغ والإِنذار والتبشير، وأما أنتم فعليكم ما حملتم ، أى: ما أمرتم به من الطاعة له - * - وهو قد فعل ما كلفناه به ، أما أنتم فحذار أن تستمروا فى نفاقكم . ثم أرشدهم - سبحانه - إلى طريق الفوز والفلاح فقال : ﴿وإن تطيعوه تهتدوا ﴾. أى: وإن تطيعوا أيها المنافقون - رسولنا - وليه - فى كل ما يأمركم به أو ينهاكم عنه ، تهتدوا إلى الحق ، وتظفروا بالسعادة . وقوله - تعالى -: ﴿وما على الرسول إلا البلاغ المبين ) تذييل مقرر لما قبله . من أن مغبة الإِعراض عائدة عليهم . كما أن فائدة الطاعة راجعة لهم . أى : وما على الرسول الذى أرسلناه لإِرشادكم إلى ما ينفعكم إلا التبليغ الواضح ، والنصح الخالص ، والتوجيه الحكيم . وبذلك ترى هذه الآيات الكريمة قد كشفت عن رذائل المنافقين ، وحذرتهم من التمادى فى نفاقهم ، وأرشدتهم إلى ما يفيدهم ويسعدهم ، كما وضحت ما يجب أن يكون عليه المؤمنون الصادقون من طاعة لله - تعالى - ولرسوله - * - . ثم تركت السورة الكريمة الحديث عن المنافقين ، لتسوق وعد الله الذى لا يتخلف للمؤمنين الصادقين ، قال - تعالى - : ١٤٦ المجلد العاشر وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْمِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّلِمْ دِينَهُمُ الَّذِ آَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِلَهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَايَعْبُُّونَفِلَا يُشْرِكُونَبِی شَيْئًا وَمَن كَفَرَبَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ (٦) وَأَقِيمُواْالصَّلَوَةَ وَءَاتُواْالزَّكَوَةَ وَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْجُونَ ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِّ وَمَأْوَنُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ ٥٧ قال الإِمام ابن كثير: ((هذا وعد من الله - تعالى - لرسوله - * - بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض أى : أئمة الناس والولاة عليهم ، وبهم تصلح البلاد ، وتخضع لهم العباد ، وقد فعل تبارك وتعالى ذلك .. فإنه لم يمت رسول الله - وَلا ي - حتى فتح عليه مكة وخيبر والبحرين ، وسائر جزيرة العرب، ولهذا ثبت فى الصحيح عن رسوله الله - وخلفي - أنه قال : ((إن الله زوى لى الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لى منها ... ))(١) . وفى تصدير الآية الكريمة بقوله - تعالى - : ﴿وعد الله .. ﴾ بشارة عظيمة للمؤمنين، بتحقيق وعده - تعالى -، إذ وعد الله لا يتخلف. كما قال - تعالى -: ﴿وعد الله لا يخلف الله وعده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾(٢). والخطاب للرسول -* - وللمؤمنين ، ومن بيانية ، والآية الكريمة مقررة لمضمون ما قبلها، وهو قوله - تعالى -: ﴿ وإن تطيعوه تهتدوا .. ﴾. أى: وعد الله - تعالى - بفضله وإحسانه، الذين صدقوا فى إيمانهم من عباده ، والذين (١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٨٣. ( ٢) سورة الروم الآية ٦. ١٤٧ سورة النور جمعوا مع الإِيمان الصادق ، العمل الصالح وعدهم ، ليستخلفهم فى الأرض ، أى : ليجعلنهم فيها خلفاء يتصرفون فيها تصرف أصحاب العزة والسلطان والغلبة ، بدلا من أعدائهم الكفار . قال الآلوسى: واللام فى قوله ((ليستخلفنهم)) واقعة فى جواب القسم المحذوف . ومفعول وعد الثانى محذوف دل عليه الجواب . أى : وعد الله الذين آمنوا استخلافهم ، وأقسم ليستخلفنهم .. و((ما)) فى قوله ((كما استخلف)) مصدرية والجار والمجرور متعلق بمحذوف. وقع صفة لمصدر محذوف ، أى: ليستخلفنهم استخلافا كائنا كاستخلافه (( الذين من قبلهم )» من الأمم المؤمنة ، الذين أسكنهم الله - تعالى - فى الأرض بعد إهلاك أعدائهم من الكفرة الظالمين(١). هذا هو الوعد الأول للمؤمنين : أن يجعلهم - سبحانه - خلفاءه فى الأرض . كما جعل عباده الصالحين من قبلهم خلفاءه ، وأورثهم أرض الكفار وديارهم . وأما الوعد الثانى فيتجلى فى قوله - تعالى - ﴿وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم﴾ . والتمكين : التثبيت والتوطيد والتمليك . يقال: تمكن فلان من الشىء ، إذا حازه وقدر عليه . أى : وعد الله المؤمنين بأن يجعلهم خلفاءه فى أرضه ، وبأن يجعل دينهم وهو دين الإِسلام الذى ارتضاه لهم . ثابتا فى القلوب ، راسخا فى النفوس . باسطا سلطانه على أعدائه، له الكلمة العليا فى هذه الحياة ، ولمخالفيه الكلمة السفلى . وأما الوعد الثالث فهو قوله - سبحانه -: (( وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا )). أى: وعدهم الله - تعالى - بالاستخلاف فى الأرض ، وبتمكين دينهم . وبأن يجعل لهم بدلا من الخوف الذى كانوا يعيشون فيه ، أمنا واطمئنانا ، وراحة فى البال ، وهدوءا فى الحال . قال الربيع بن أنس عن أبى العالية فى هذه الآية: كان النبى -﴿ - وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين . يدعون إلى الله وحده .. وهم خائفون ، فلما قدموا المدينة أمرهم الله بالقتال ، فكانوا بها خائفين ، يمسون فى السلاح ويصبحون فى السلاح . فصبروا على ذلك ما شاء الله. ثم إن رجلا من الصحابة قال: يا رسول الله: ((أبد الدهر نحن خائفون هكذا ؟ أما يأتى علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فقال - ﴿ - لن تغيّرُوا - أى: لن تمكثوا - إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم فى الملأ العظيم محتبيا ليست فيهم حديدة )). (١) تفسير الآلوسى جـ ١٨ ص ٢٠٣ . ١٤٨ المجلد العاشر وأنزل الله هذه الآية فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب فآمنوا ووضعوا السلاح .. (١). ولكن هذا الاستخلاف والتمكين والأمان متى يتحقق منه - سبحانه - لعباده ؟ لقد بين الله - تعالى - الطريق إلى تحققه فقال ﴿ يعبدوننى لا يشركون بي شيئا﴾ فهذه الجملة الكريمة يصح أن تكون مستأنفة ، أى : جوابا لسؤال تقديره متى يتحقق هذا الاستخلاف والتمكين والأمان بعد الخوف للمؤمنين ؟ فكان الجواب : يعبدوننى عبادة خالصة تامة مستكملة لكل شروطها وآدابها وأركانها ، دون أن يشركوا معى فى هذه العبادة أحدا كائنا من كان . كما يصح أن تكون حالا من الذين آمنوا ، فيكون المعنى : وعد الله - تعالى - عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، بالاستخلاف فى الأرض ، وبتمكين دينهم فيها . وبتبديل خوفهم أمنا ، فى حال عبادتهم له - سبحانه - عبادة لا يشوبها شرك أو رياء أو نقص . وروى الإِمام أحمد عن أبى بن كعب قال: قال رسول الله - * -: ((بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة ، والدين والنصر والتمكين فى الأرض ، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا ، لم يكن له فى الآخرة نصيب)) (٢). ذلك هو وعد الله - تعالى - لعباده الذين أخلصوا له العبادة والطاعة ، وأدوا ما أمرهم به ، واجتنبوا ما نهاهم عنه ، أما الذين انحرفوا عن طريق الحق . وجحدوا نعمه - سبحانه - عليهم ، فقد بين عاقبتهم فقال: ﴿ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ﴾. أى : ومن كفر بعد كل هذه النعم التى وعدت بها عبادى الصالحين ، واستعمل هذه النعم فى غير ما خلقت له ، فأولئك الكافرون الجاحدون هم الفاسقون عن أمرى ، الخارجون عن وعدى ، الناكبون عن صراطى . وهكذا نرى الآية الكريمة قد جمعت أطراف الحكمة من كل جوانبها ، فقد رغبت المؤمنين فى إخلاص العبادة لله - تعالى - بأسمى ألوان الترغيب ، حيث بينت لهم أن هذه العبادة سيترتب عليها الاستخلاف والتمكين والأمان . ثم رهبت من الكفر والجحود ، وبينت أن عاقبتهما الفسوق والحرمان من نعم الله - تعالى - . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أهم أركان هذه العبادة فقال: ﴿وأقيموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، وأطيعوا الرسول ، لعلكم ترحمون (١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٨٥ .. (٢) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٨٧ . ١٤٩ سورة النور أى: واظبوا - أيها المؤمنون - على إخلاص العبادة لله - تعالى - وأدوا الصلاة فى أوقاتها بخشوع وإحسان، وقدموا الزكاة للمستحقين لها، وأطيعوا الرسول - وَله - طاعة تامة ، لعلكم بسبب هذه العبادة والطاعة ، تنالون رحمة الله - تعالى - ورضوانه . ثم ثبت الله - تعالى - المؤمنين ، وهون من شأن أعدائهم لكى لا يرهبهم قوتهم فقال: لا تحسبن الذين كفروا معجزين فى الأرض ، ومأواهم النار ولبئس المصير ﴾ . أى : لا تظنن - أيها الرسول الكريم أنت ومن معك من المؤمنين - أن الذين كفروا مهما أوتوا من قوة وبسطة فى المال ، فى إمكانهم أن يعجزونا عن إهلاكهم واستئصالهم وقطع دابرهم ، فإن قوتنا لا يعجزها شىء وهم فى قبضتنا سواء أكانوا فى الأرض التى يعيشون عليها أم فى غيرها، واعلم أن ((مأواهم)) فى الآخرة ((النار ولبئس المصير)) هذه النار التى هى مستقرهم ومسکنهم . فالآية الكريمة بيان لمآل الكفرة فى الدنيا والآخرة ، بعد بيان ما أعده الله - تعالى - فى الدنيا والآخرة من استخلاف وتمكين وأمان ورحمة . وقوله : ﴿ الذين كفروا﴾ هو المفعول الأول، لتحسين، وقوله ﴿معجزين﴾ هو المفعول الثانى . قال القرطبى: ((وقرأ ابن عامر وحمزة ((يحسبن)) بالياء، بمعنى لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين الله فى الأرض، لأن الحسبان يتعدى إلى مفعولين .. ))(١). أى: أن ((الذين كفروا)» فى محل رفع فاعل يحسين، والمفعول الأول محذوف تقديره: أنفسهم . وقوله ﴿ معجزين﴾ هو المفعول الثانى . وقوله - سبحانه -: ﴿ ولبئس المصير﴾ جواب لقسم مقدر. والمخصوص بالذم محذوف، أى: وبالله ((لبئس المصير)) هى. أى: النار التى يستقرون فيها . وبعد هذه التوجيهات الحكيمة التى تتعلق ببيان أعمال المؤمنين ، وأعمال الكافرين ، وببيان جانب من مظاهر قدرة الله - تعالى - فى خلقه ، وببيان أقوال المنافقين التى تخالف أفعالهم ، وببيان ما وعد الله - تعالى - به المؤمنين من خيرات .. (١) تفسير القرطبى جـ ١٢ ص ٣٠١ . حبس ١٥٠ المجلد العاشر بعد كل ذلك ، عادت السورة الكريمة إلى الحديث عما افتتحت به من الحديث عن الأحكام والآداب التى شرعها الله - تعالى - ، وأمر المؤمنين بالتمسك بها فقال - تعالى - : يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَعْدِنَّكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَئُكُمْ وَالّذِينَ لَُّواُْ مِنْكُرْ ثَلَثَ مَّتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَوْقِ اْفَجْرِوَحِينَ تَضَعُونَ فِيَابَكُمْ مِنَ النَِّهِيَةِ وَمِنْ بَعْدٍ صَلَوْةِ الْعِشَاءِ ثَلَهُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيَّهِم ◌ُنٌَ بَعْدَ هُنَّ ◌َّقُونَ عَلَيْكُبَعْضُّكُمْ عَلَى DA بَعْضَِ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَثِّ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ وَإِذَابَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْخُلُمَ فَلْيَسْتَخْذِ نُواْ كَمَا أَسْتَعْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُلَكُمْ ءَايَتِهِ، وَاللهُ عَلِيمٌحَكِيمٌ ﴾ وَالْقَوَعِدُ مِنَ النِّسَاءِالَّتِى لَا يَرْجُونَ نِكَحَا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَ جُنَاعُّ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَ غَيَّ مُتَبَرِحَتٍ بِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِقْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللّهُ ٦٠١ سَمِيعٌ عَلِيمٌه ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى -: ﴿يأيها الذين آمنوا ليستأذنكم ... ﴾ روايات منها : أن امرأة يقال لها أسماء بنت أبى مرثد ، دخل عليها غلام كبير لها ، فى وقت كرهت دخوله فيه ، فأتت النبى - - فقالت : يارسول الله، إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا فى حال نكرهها ، فأنزل الله تعالى هذه الآية : ومنها ما روى من أن الرسول -* - بعث فى وقت الظهيرة غلاما من الأنصار يقال له ١٥١ سورة النور مدلج ، إلى عمر بن الخطاب ، فدق الغلام الباب على عمر - وكان نائما - فاستيقظ ، وجلس فانكشف منه شىء فقال عمر: لوددت أن الله - تعالى - نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا عن الدخول علينا فى هذه الساعة إلا بإذن ثم انطلق عمر مع الغلام إلى النبى - 13 - فوجد هذه الآية قد نزلت فخر ساجدا لله - تعالى - (١). وقد صدرت الآية الكريمة بندائهم بصفة الإِيمان . لحضهم على الامتثال لما اشتملت عليه من آداب قويمة . وتوجيهات حكيمة . واللام فى قوله ﴿ ليستأذنكم) هى لام الأمر والمراد بما ملكت أيمانهم: الأرقاء سواء أكانوا ذكورا أم إناتا ، ويدخل فيهم الخدم ومن على شاكلتهم . والمراد بالذين لم يبلغوا الحلم . الأطفال الذين فى سن الصبا ولم يصلوا إلى سن البلوغ إلا أنهم يعرفون معنى العورة ويميزون بين ما يصح الاطلاع عليه وما لا يصح . والمعنى : يا من آمنتم بالله حق الإِيمان من الرجال ، والنساء ، عليكم أن تمنعوا مماليككم وخدمكم وصبيانكم الذين لم يبلغوا سن البلوغ ، من الدخول عليكم فى مضاجعكم بغير إذن فى هذه الأوقات الثلاثة ، خشية أن يطلعوا منكم على ما لا يصح الاطلاع عليه . فقوله - تعالى -: ﴿ ثلاث مرات ) تحديد للأوقات المنهى عن الدخول فيها بدون استئذان ، أى : ثلاث أوقات فى اليوم والليلة . ثم بين - سبحانه - هذه الأوقات فقال: ﴿من قبل صلاة الفجر) وذلك لأن هذا الوقت يقوم فيه الإنسان من النوم عادة ، وقد يكون متخففا من ثيابه . ولا يجب أن يراه أحد وهو على تلك الحالة . وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ﴾ أى : وحين تخلعون ثيابكم وتطرحونها فى وقت الظهيرة ، عند شدة الحر ، لأجل التخفيف منها وارتداء ثياب أخرى أرق من تلك الثياب ، طلبا للراحة واستعدادا للنوم . ومن بعد صلاة العشاء ﴾ لأن هذا الوقت يتجرد فيه الإنسان من ثياب اليقظة ، ليتخذ ثيابا أخرى للنوم . وقوله - سبحانه -: ﴿ ثلاث عورات لكم) خبر مبتدأ محذوف، والعورات: جمع عورة . (١) تفسير الآلوسى جـ ١٨ ص ٢١٠. ١٥٢ المجلد العاشر وتطلق على ما يجب ستره من الإِنسان ، وهى - كما يقول الراغب - مأخوذة من العار ، وذلك لأن المظهر لها يلحقه العار والذم بسبب ذلك . أى : هذه الأوقات من ثلاث عورات كائنة لكم - فعليكم أن تعودوا مماليككم وخدمكم وصبيانكم . على الاستئذان عند إرادة الدخول عليكم فيها ، لأنها أوقات يغلب فيها اختلاء الرجل بأهله ، كما يغلب فيها التخفف من الثياب ، وانكشاف ما يجب ستره . وقوله - سبحانه -: ﴿ ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن ﴾ بيان لمظهر من مظاهر التيسير فى شريعة الإِسلام . أى : وليس عليكم أيها المؤمنون والمؤمنات ، ولا عليهم ، أى : أرقائكم وصبيانكم ((جناح)) أى: حرج أو إثم فى الدخول بدون استئذان ((بعدهن)) أى: بعد كل وقت من تلك الأوقات الثلاثة . وقوله - تعالى - ﴿ طوافون عليكم بعضكم على بعض ﴾ تعليل لبيان العذر المرخص فى ترك الاستئذان فى غير الأوقات التى حددها الله - تعالى - . أى : لا حرج فى دخول مماليكم وصبيانكم عليكم . غير هذه الأوقات بدون استئذان لأنهم تكثر حاجتهم فى التردد عليكم ، وأنتم كذلك لا غنى لكم عنهم فأنتم وهم يطوف بعضكم على بعض لقضاء المصالح فى كثير من الأوقات . وبذلك يجمع الإِسلام فى تعاليمه بين التستر والاحتشام والتأدب بآدابه القويمة ، وبين السماحة وإزالة الحرج والمشقة . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ﴿ كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم ﴾ . أى : مثل هذا البيان الحكيم يبين الله - تعالى - لكم الآيات التى توصلكم متى تمسكتم بها ، إلى طريق الخير والسعادة، والله - عز وجل - عليم بما يصلح عباده ، حكيم فى كل ما يأمر به ، أو ينهى عنه . وهكذا تسوق لنا الآية الكريمة ألوانا من الأدب السامى ، الذى يجعل الكبار والصغار يعيشون عيشة فاضلة ، عامرة بالطهر والعفاف والحياء ، والنقاء من كل ما يجرح الشعور ، ومن كل تصور يتنافى مع الخلق الكريم . ثم انتقلت السورة إلى الحديث عن حكم البالغين بالنسبة للاستئذان ، بعد حديثها عن حكم غير البالغين بالنسبة لذلك فقال - تعالى - ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم ، فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم .... ﴾ . ١٥٣ سورة النور أى : وإذا بلغ الأطفال منكم - أيها المؤمنون والمؤمنات - سن الاحتلام والبلوغ الذى يصلح معه الزواج ، فعليهم أن يستأذنوا فى الدخول عليكم فى كل الأوقات ، كما استأذن الذين هم أكبر منهم فى السن عندما بلغوا سن الاحتلام ، فقد أمر - سبحانه - أمرا عاما بذلك فقال: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ... ﴾. قال صاحب الكشاف: ((والمعنى أن الأطفال مأذون لهم فى الدخول بغير إذن إلا فى العورات الثلاث ، فإذا اعتاد الأطفال ذلك ثم خرجوا عن حد الطفولة ، بأن يحتلموا ، أو يبلغوا السن التى يحكم عليهم فيها بالبلوغ ، وجب أن يفطموا عن تلك العادة ، ويحملوا على أن يستأذنوا فى جميع الأوقات ، كما هو الحال بالنسبة للرجال الكبار الذين لم يعتادوا الدخول عليكم إلا بإذن . وهذا مما الناس منه فى غفلة ، وهو عندهم كالشريعة المنسوخة . وعن ابن مسعود : ((عليكم أن تستأذنوا على آبائكم وأمهاتكم وأخواتكم .. ))(١). ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ﴿ كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم ﴾ أى: والله - تعالى - عليم بأحوال النفوس وبما يصلحها من آداب ، حكيم فى كل ما يشرعه من أحكام . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض الأحكام التى تتعلق بالنساء اللاتى بلغن سن اليأس ، فقال: ﴿ والقواعد من النساء اللاتى لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة ... ﴾ والقواعد : جمع قاعد - بغير تاء - لاختصاص هذه الكلمة بالنساء كحائض وطامت . وقالوا : سميت المرأة العجوز بذلك ، لأنها تكثر القعود لكبر سنها . أى : والنساء العجائز اللاتى قعدن عن الولد أو عن الحيض ، ولا يطمعن فى الزواج لكبرهن ، فليس على هؤلاء النساء حرج أن ينزعن عنهن ثيابهن الظاهرة ، والتى لا يفضى نزعها إلى كشف عورة ، أو إظهار زينة أمر الله - تعالى - بسترها . فقوله - سبحانه -: ﴿ فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن ﴾ بيان لمظهر من مظاهر التيسير فى شريعة الإِسلام ، لأن المرأة العجوز إذا تخففت من بعض ثيابها التى لا يفضى التخفف منها إلى فتنة أو إلى كشف عورة .. فلا بأس بذلك ، لأنها - فى العادة - لا تتطلع النفوس إليها ، وذلك بأن تخلع القناع الذى يكون فوق الخمار ، والرداء الذى يكون فوق الثياب : ٠ (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٢٥٤ . ١٥٤ المجلد العاشر وقوله - تعالى - ﴿ غير متبرجات بزينة ) حال . وأصل التبرج: التكلف والتصنع فى إظهار ما يخفى ، من قولهم سفينة بارجة أى : لا غطاء عليها . والمراد به هنا : إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال الذين لايصح لهم الاطلاع عليها . أى : لاحرج على النساء القواعد من خلع ثيابهن الظاهرة ، حال كونهن غير مظهرات للزينة التى أمرهن الله - تعالى - بإخفائها ، وغير قاصدات بهذا الخلع لثيابهن الظاهرة التبرج وكشف ما أمر الله - تعالى - بستره . وقوله - سبحانه -: ﴿وأن يستعففن خير لهن ﴾ أى: وأن يبقين ثيابهن الظاهرة عليهن بدون خلع ، خير لهن ، وأطهر لقلوبهن ، وأبعد عن التهمة ، وأنفى لسوء الظن بهن . وسمى الله - تعالى - إبقاء ثيابهن عليهن استعفافا. أى: طلبا للعفة، للإشعار بأن الاحتشام والتستر .. خير للمرأة حتى ولو كانت من القواعد . وقوله - تعالى - ﴿والله سميع عليم﴾ أى: سميع لكل ما من شأنه أن يُسمع، عليم بأحوال النفوس وحركاتها وسكناتها . وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة ، قد بينت للناس أقوم المناهج ، وأسمى الآداب ، وأفضل الأحكام التى باتباعها يسعد الأفراد والجماعات . * ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن أحكام أخرى فيها ما فيها من حسن للتنظيم فى العلاقات بين الأقارب والأصدقاء ، وفيها مافيها من اليسر والسماحة ، فقال - تعالى - : لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَيَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَيٌ وَلَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْتَأْكُواْ مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْبُيُوتِ ءَابَا بِكُمْ أَوُْوتِ أُمَّهَتِكُمْ أَوْبُيُوتِ إِخْوَنِكُمْ أَوْبُيُوتٍ أَخَوَتِكُمْ أَوْبُيُوتِ أَعْمَمِكُمْ أَوْبُيُوتِ عَنَِّكُمْ أَوْيُوتِ أَخْوَلِكُمْ أَوْبُيُوتِ خَلَتِكُمْ أَوْمَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَدُ ١٥٥ سورة النور أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَأْكُلُواْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَانًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِندِ اللَّهِ مُبَرَكَةً طَيِّبَةٌ كَذَلِكَ يُبَيِّبُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١ ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما روى عن ابن عباس أنه قال : لما أنزل الله - تعالى -: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ... ﴾ تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والعمى والعرج، وقالوا: الطعام أفضل الأموال ، وقد نهانا الله عن أكل المال بالباطل ، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب ، والأعرج لا يتمكن من الجلوس ، ولا يستطيع المزاحمة ، والمريض يضعف عن التناول ولا يستوفى من الطعام حقه ، فأنزل الله هذه الآية . وقيل نزلت ترخيصا لهؤلاء فى الأكل من بيوت من سمى الله فى هذه الآية ، وذلك أن هؤلاء كانوا يدخلون على الرجل لطلب الطعام ، فإذا لم يكن عنده شىء ذهب بهم إلى بيت أبيه ، أو بيت أمه ، أو بعض من سمى الله فى هذه الآية ، فكان أهل الزمانة يتحرجون من ذلك ، ويقولون ذهب بنا إلى غير بيته ، فأنزل الله هذه الآية . وقيل نزلت رخصة للأعمى والأعرج والمريض عن التخلف عن الجهاد .. ويبدو لنا أن الآية الكريمة نزلت لتعليم المؤمنين ألوانا متعددة من الآداب التى شرعها الله - تعالى - لهم ، ويسرها لهم بفضله وإحسانه ، حتى يعلموا أن شريعته - سبحانه - مبنية على اليسر لا على العسر ، وعلى التخفيف ورفع الحرج ، لا على التشديد والتضييق . والحرج : الضيق ومنه الحرجة الشجر الملتف المتكاثف بعضه ببعض ، حتى ليصعب على الشخص أن يمشى فيه . والمراد به هنا : الإِثم . والمعنى : ليس على الأعمى والأعرج والمريض حرج أو إثم فى الأكل من بيوت هؤلاء الذين سماهم الله - تعالى - . كذلك ليس عليكم حرج أو إثم - أيها المؤمنون - فى أن تأكلوا أنتم ومن معكم ﴿ من بيوتكم ﴾ التى هى ملك لكم . ١٥٦ المجلد العاشر وذكر - سبحانه - بيوتهم هنا مع أنه من المعروف أنه لا حرج فى أن يأكل الإِنسان من بيته ، للإشعار بأن أكلهم من بيوت الذين سيذكرهم - سبحانه - بعد ذلك من الآباء والأمهات والأقارب ، يتساوى فى نفى الحرج مع أكلهم من بيوتهم أى أن أكل الناس من بيوتهم لم يذكر هنا لنفى حرج كان متوهما ، وإنما ذكر لإظهار التسوية بين أكلهم من بيوت أقاربهم وأصدقائهم ، وبين أكلهم من بيوتهم . وبعضهم يرى أن المراد بقوله ﴿ أن تأكلوا من بيوتكم ﴾ أى: من بيوت زوجاتهم وأولادهم . ثم ذكر - سبحانه - بيوتا أخرى لا حرج عليهم فى الأكل منها فقال: ﴿ أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخواتكم أو بيوت أخوانكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم ، أو بيوت أخوالكم ، أو بيوت خالاتكم ، أو ما ملكتم مفاتحه ﴾ أى: أو البيوت التى تملكون التصرف فيها بإذن أصحابها ، كأن تكونوا وكلاء عنهم فى التصرف فى أموالهم . ومفاتح : جمع مفتح - بكسر الميم - وهو آلة الفتح وملك هذه المفاتح : كناية عن كون الشىء تحت يد الشخص وتصرفه . معطوف على ما قبله والصديق هو من يصدق فى مودتك ، وتصدق أو صديقكـ وقوله ﴿ أنت فى مودته ، وهو اسم جنس يطلق على الواحد والجمع ، والمراد هنا : الجمع . أى : ولا حرج عليكم - أيضا - فى الأكل من بيوت أصدقائكم . فالآية الكريمة قد أجازت الأكل من هذه البيوت المذكورة ، وهى أحد عشر بيتا - وإن لم يكن فيها أصحابها ، مادام الآكل قد علم رضا صاحب البيت بذلك ، وأن صاحب البيت ، لا يكره هذا ولا يتضرر منه، استنادًا إلى القواعد العامة فى الشريعة، والتى منها: (( لا ضرر ولا ضرار)) وأنه (( لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه)). قال صاحب الكشاف : فإن قلت: فما معنى ﴿ أو صديقكم﴾ قلت : معناه: أو بيوت أصدقائكم ، والصديق يكون واحدا وجمعاء، وكذلك الخليط والقطين والعدو . ويحكى عن الحسن أنه دخل داره ، وإذا جماعة من أصدقائه قد استلوا سلالا من تحت سريره فيها أطايب الأطعمة . وهِم مكبون عليها يأكلون فتهللت أسارير وجهه سرورا وضحك وقال : هكذا وجدناهم ، هكذا وجدناهم . يريد أكابر الصحابة ومن لقيهم من البدريين . وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائب فيسأل جاريته كيسه . فيأخذ منه ما شاء ، فإذا حضر مولاها فأخبرته ، أعتقها سرورا بذلك (١) . (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٢٥٧ . ١٥٧ سورة النور وقوله - سبحانه - : ﴿ ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا ﴾ بيان لنوع آخر من أنواع الساحة فى شريعة الإِسلام . والأشتات : جمع شتّ - بفتح الشين - يقال : شت الأمر يشت شتا وشتاتا ، إذا تفرق . ويقال : هذا أمر شت ، أى : متفرق . أى : ليس عليكم - أيها المؤمنون - حرج أو إثم فى أن تأكلوا مجتمعين أو متفرقين ، وقد كان بعضهم من عاداته أن لا يأكل منفردا ، فإن لم يجد من يأكل معه عاف الطعام ، فرفع الله - تعالى - هذا الحرج المتكلف ، ورد الأمر إلى ما تقتضيه شريعة الإِسلام من بساطة ويسر وعدم تكلف ، فأباح لهم أن يكونوا فرادى ومجتمعين . فالجملة الكريمة بيان للحالة التى يجوز عليها الأكل ، بعد بيان البيوت التى يجوز الأكل منها والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها قد اشتملت على أحكم الأداء للترتيب اللفظى والموضوعى ، فقد بدأت ببيت الإِنسان نفسه ، ثم بيوت الآباء ، فالأمهات ، فالأخوة ، فالأخوات ، فالأقارب ، فالبيوت التى يملكون التصرف فيها ؛ فبيوت الأصدقاء ... ثم لم تكتف بذلك ، وإنما بينت الحالة التى يباح الأكل منها ... ثم بعد ذلك علمتنا آداب دخول البيوت التى ندخلها للأكل أو لغيره ، فقال - تعالى - : فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة ﴾ . والمراد بأنفسكم هنا : أهل تلك البيوت التى يدخلونها ، لأنهم بمنزلة أنفسهم فى شدة المودة والمحبة والألفة، و(( تحية)) منصوب بفعل مقدر أى: فحيوا تحية . أى : فإذا دخلتم أيها المؤمنون والمؤمنات بيوتا فسلموا على أهلها الذين هم بمنزلة أنفسكم ، وحيوهم تحية ثابتة من عند الله ، مباركة طيبة ، أى مستتبعة لزيادة البركات والخيرات ولزيادة المحبة والمودة . ووصف - سبحانه - هذه التحية بالبركة والطيب ، لأنها دعوة مؤمن المؤمن وكلاهما يرجو بها من الله - تعالى - زيادة الخير وطيب الرزق . وتحية الإِسلام أن يقول المسلم لأخيه المسلم : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ﴿ كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون ﴾ . أى: مثل هذا البيان القويم، يبين الله - تعالى - لكم الآيات المحكمة ، والإِرشادات ١٥٨ المجلد العاشر النافعة ، لكى تعقلوا ما اشتملت عليه من هدايات ، توصلكم متى انتفعتم بها إلى السعادة والفلاح . وبعد أن ساقت السورة الكريمة ماساقت من أحكام وآداب منها مايتعلق بالحدود ، ومنها ما يتعلق بالاستئذان ، ومنها ما يتعلق بالتستر والاحتشام ، ومنها ما يتعلق بتنظيم العلاقات بين الأقارب والأصدقاء ... بعد كل ذلك اختتمت ببيان ما يجب أن يكون عليه المؤمنون من أدب مع رسولهم - ﴿ - فقال - تعالى - : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَ إِذَا كَانُواْمَعَهُ. عَمْيِ جَامِعِ لَّمْ يَذْ هَبُواْ حَقّ يَسْتَعْذِنُوهُ إِنَّالَّذِينَ يَسْتَعْدِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. فَإِذَا اسْتَخْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأَذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْلَهُمُ اَللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿﴿ لَّا تَجْعَلُواْدُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضَأَ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذَا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْيُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِمُ شَ أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنِّثُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ وَاللَّهُ بِكُلِ شَىْءٍ عَلِيمٌ ( ٦٤ روى ابن إسحاق فى سبب نزول هذه الآيات ما ملخصه : أنه لما كان تجمع قريش وغطفان فى غزوة الأحزاب، ضرب الرسول - 3 9 19 - خندقا حول المدينة وعمل معه المسلمون فيه ، فدأب فيه ودأبوا، وأبطأ عن رسول الله - وَالله - وعن المسلمين فى عملهم ذلك، رجال من. المنافقين ، وجعلوا يُوَرُّون - أى يستقرون - بالضعيف من العمل ، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله - وَه - ولا إذن . وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة ١٥٩ سورة النور التى لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله - وَ ل﴿ - ويستأذن فى اللحوق لحاجته ، فيأذن له ، فإذا قضى حاجته ، رجع إلى ما كان فيه من العمل رغبة فى الخير واحتسابا له . فأنزل الله هذه الآيات فى المؤمنين وفى المنافقين(١) . والمراد بالأمر الجامع فى قوله: ﴿وإذا كانوا معه على أمر جامع﴾: الأمر الهام الذى يستلزم اشتراك الجماعة فى شأنه ، كالجهاد فى سبيل الله ، وكالإعداد لعمل من الأعمال العامة التى تهم المسلمين جميعا . والمعنى : إن من شأن المؤمنين الصادقين ، الذين آمنوا بالله ورسوله حق الإِيمان أنهم إذا كانوا مع رسول الله - ليزر - على أمر جامع من الأمور التى تقتضى اشتراكهم فيه، لم يفارقوه ولم يذهبوا عنه ، حتى يستأذنوه فى المفارقة أو فى الذهاب ، لأن هذا الاستئذان دليل على قوة الإِيمان ، وعلى حسن أدبهم مع نبيهم - * - . قال الآلوسي : وقوله: ﴿وإذا كانوا معه على أمر جامع ... ﴾ معطوف على ﴿ آمنوا ﴾ داخل معه فى حيز الصلة ، والحصر باعتبار الكمال . أى : إنما الكاملون فى الإِيمان الذين آمنوا باللّه - تعالى -، وبرسوله - رَّي - من صميم قلوبهم ، وأطاعوا فى جميع الأحكام التى من جملتها ما فصل من قبل. وإذا كانوا معه - رول ز - على أمر مهم يجب اجتماعهم فى شأنه كالجمعة والأعياد والحروب ، وغيرها من الأمور الداعية إلى الاجتماع ... لم يذهبوا عنه - رَ﴿ - ﴿حتى يستأذنوه﴾ فى الذهاب فيأذن لهم ... (٢). وخص - سبحانه - الأمر الجامع بالذكر، للإشعار بأهميته ووجوب البقاء معه - وافر - حتى يعطيهم الإِذن بالانصراف، إذ وجودهم معه يؤدى إلى مظاهرته - بصل - ومعاونته فى الوصول إلى أفضل الحلول لهذا الأمر الهام . ثم مدح - سبحانه - الذين لايغادرون مجلس رسول الله - صل * - إذا كانوا معه على أمر جامع حتى يستأذنوه فقال : ﴿ إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ﴾. أى : إن الذين يستأذنونك فى تلك الأحوال الهامة ، والتى تستلزم وجودهم معك ، أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله حق الإِيمان ، لأن هذا الاستئذان فى تلك الأوقات دليل على طهارة نفوسهم ، وصدق يقينهم ، وصفاء قلوبهم . ثم بين - سبحانه - وظيفته - - وسي * - فقال : ﴿ فإذا استأذنوك لبعض شأنهم ، فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله ، إن الله غفور رحيم ﴾. (١) السيرة النبوية لابن إسحاق جـ ٣ ص ٢٣٠ . ( ٢) تفسير الآلوسى جـ ١٨ ص ٢٢٣ . ١٦٠ المجلد العاشر أى : فإذا استأذنك هؤلاء المؤمنون فى الانصراف ، لقضاء بعض الأمور والشئون التى هم فى حاجة إليها ، فأنت مفوض ومخير فى إعطاء الإذن لبعضهم وفى منعه عن البعض الآخر ، إذ الأمر فى هذه المسألة متروك لتقديرك - أيها الرسول الكريم - . وقوله - تعالى - ﴿ واستغفر لهم الله ﴾ فيه إشارة إلى أنه كان الأولى بهؤلاء المؤمنين ، أن يبقوا مع الرسول - ﴿ - حتى ينتهوا من حل هذا الأمر الجامع الذى اجتمعوا مع الرسول - وَ﴿ - من أجله، وحتى يأذن لهم - ولو - فى الانصراف دون أن يطلبوا منه ذلك، فإن الاستئذان قبل البت فى الأمر الهام الذى يتعلق بمصالح المسلمين جميعا ، غير مناسب للمؤمنين الصادقين ، ويجب أن يكون فى أضيق الحدود ، وأشد الظروف ، ومع كل ذلك ، فاللّه - تعالى - واسع المغفرة لعباده عظيم الرحمة بهم . ثم أكد الله - تعالى - وجوب التوقير والتعظيم لنبيه - مصطفي - فقال: ﴿ لاتجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ... ولأهل العلم فى تفسير هذه الآية أقوال من أهمها: أن المصدر هنا وهو لفظ ((دعاء)) مضاف إلى مفعوله، وهو الرسول - ﴿ - على أنه مدعو ، فيكون المعنى : لا تجعلوا - أيها المؤمنون - دعاءكم الرسول إذا دعوتموه ، ونداءكم له إذا ما ناديتموه ، كدعاء أو نداء بعضكم لبعض ، وإنما عليكم إذا ما ناديتموه أن تنادوه بقولكم ، يا نبى الله ، أو يا رسول الله، ولا يليق بكم أن تنادوه باسمه مجردا ، بأن تقولوا یا محمد . كما أن من الواجب عليكم أن تخفضوا أصواتكم عند ندائه توفيرا واحتراما له - خلف - والمتتبع للقرآن الكريم ، يرى أن الله - تعالى - لم يناد رسوله محمدا - رز - باسمه مجردا، وإنما ناداه بقوله : يأيها المدثر ، يأيها الرسول ، يأيها النبى .... وإذا كان اسمه - ﴿ - قد ورد فى القرآن الكريم فى أكثر من موضع ، فإن وروده لم یکن فى معرض النداء ، وإنما كان فى غيره كما فى قوله - تعالى - ﴿ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ... ﴾(١). فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن أن ينادوا أو يخاطبوا النبى -* - باسمه مجردا ، كما يخاطب بعضهم بعضا . ومن العلماء من يرى أن المصدر هنا مضاف إلى فاعله ، فيكون المعنى : لا تقيسوا دعاءه (١) سورة الفتح الآية ٢٩ . ٠