النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ سورة النور إتمام عقد الزواج ، والمرأة - فى هذا الباب - تكون فى العادة مطلوبة لا طالبة ، ومرغوبة لا راغبة . وجمع - سبحانه - بين رغبة الزانى ورغبة الزانية لتأكيد ما يليق بكليهما من الميل الدنىء . والطبع الوضيع . والسلوك الخبيث . وأن كل واحد منهما ألعن من صاحبه فى ولوج الطريق القبيح . واسم الإشارة فى قوله - تعالى -: ﴿وحرم ذلك على المؤمنين﴾ يعود على الزنا. وعلى الزواج من الزوانى ، لما فيه من التشبيه بالفاسقين ، ومن التعرض للعقوبة وسوء السيرة . وأى: وحرم ذلك الذى نهيناكم عنه - وهو الزنا والاقتران بمن يرتكبه - على المؤمنين الأطهار . الذين ينزهون أنفسهم عن الوقوع فى السوء والفحشاء . هذا . وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : ما رواه الترمذى وأبو داود والنسائى عن عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده قال : كان رجل يقال له ((مرتد بن أبى مرثد)) كان يحمل الأسارى من مكة حتى يأتى بهم المدينة . قال : وكانت امرأة يَغِىّ بمكة يقال لها ((عناق)) وكانت صديقة له - أى فى الجاهلية - وأنه واعد رجلا من أسارى مكة يحمله ، قال : فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة فى ليلة مقمرة قال : فجاءت ((عناق)) فأبصرت سواد ظلى تحت الحائط ، فلما انتهت إلى عرفتنى ، فقالت : مرثد ؟ فقلت : مرثد فقالت : مرحبا وأهلا . هلم فبت عندنا الليلة . فقال : فقلت : يا عناق . حرم الله الزنا . فقالت : يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم . قال : فتبعنى ثمانية ودخلت الخدمة - أى جبل مكة - فانتهيت إلى غار ... فأعماهم الله - تعالى - عنى . ثم رجعوا فرجعت إلى صاحبى فحملته إلى المدينة، فأتيت رسول الله - وَ الله - فقلت : يا رسول ، أنكح عناقا؟ أنكح عناقا؟ - مرتين -، فأمسك رسول الله - وص له - ولم يرد شيئاً حتى نزلت هذه الآية: ﴿الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة .. ﴾ فقال: رسول الله - رسم - : يا مرثد. ﴿ الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة .. ﴾ فلا تنكحها .(١). هذا . ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هاتين الآيتين ما يأتى : ١ - ظاهر قوله - تعالى -: ﴿ الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة .. ؟ يفيد أن هذا الجلد لكل من ارتكب هذه الفاحشة سواء أكان محصنا أم غير محصن . ولكن هذا الظاهر قد فصلته السنة الصحيحة . حيث بينت أن هذا الحد ، إنما هو لغير (١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٩. ٨٢ المجلد العاشر المحصن . أما المحصن - وهو المتزوج أو من سبق له الزواج - فإن حده الرجم حتى يموت . قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: (( هذه الآية الكريمة فيها حكم الزانى فى الحد)». وللعلماء فيه تفصيل ونزاع ، فإن الزانى لا يخلو إما أن يكون بكرا : وهو الذى لم يتزوج ، أو محصنا : وهو الذى قد وطىء فى نكاح صحيح ، وهو حر بالغ عاقل . فأما إذا كان بكرا لم يتزوج فإن حده مائة جلدة كما فى الآية . ويزاد على ذلك أن يُغرِّب عاما عند جمهور العلماء . وحجتهم فى ذلك ماثبت فى الصحيحين عن أبى هريرة ، أن أعرابيين أتيا رسول الله -* - فقال أحدهما: يا رسول الله، إن ابنى كان عسيفا - أى أجيرا - عند هذا فزنى بامرأته فافتديت ابنى منه بمائة شاة ووليدة ، فسألت أهل العلم فأخبرونى أن على ابنى جلد مائة وتغريب عام. وأن على امرأة هذا الرجم. فقال رسول الله - * -: ((والذى نفسی بیده لأقضین بینكما بكتاب الله : الوليدة والغنم رد عليك . وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام واغد يا أنيس - وهو رجل من قبيلة أسلم - إلى امرأة هذا ، فإن اعترفت فارجمها ، فغدا عليها ، فاعترفت فرجها : ففى هذا دلالة على تغريب الزانى مع جلده مائة . إذا كان بكرا لم يتزوج فأما إذا كان محصنا فإنه يرجم . وثبت فى الصحيحين من حديث مالك - مطولا - ، أن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - قام فخطب الناس فقال: ((أيها الناس، إن الله بعث محمدا - وَليه - بالحق، وأنزل عليه الكتاب ، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها ووعيناها ، ورجم رسول الله - ﴾ - ورجمنا بعده، فأخشى أن يطول بالناس زمان فيقول قائل: لا نجد آية الرجم فى كتاب الله ، فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها الله ، فالرجم فى كتاب الله حق على من زنی من الرجال والنساء ، إذا قامت البينة أو الحبل أو الاعتراف )). وقد رجم النبى - * - ماعزا والغامدية ، إلا أن جمهور الفقهاء يرون أنه يكتفى بالرجم ، ولا يجلد قبل الرجم، لأنه لم ينقل عن الرسول - ول# - أنه جلد أحدا من الزناة المحصنين قبل أن يرجمهم ، ومن الفقهاء من يرى أنهم يجلدون ثم يرجمون بعد ذلك(١) . وقال بعض العلماء ما ملخصه : اعلم أن رجم الزانيين المحصنين ، دلت عليه آيتان من (١) راجع تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٣ وما بعدها . ٨٣ سورة النور كتاب الله - تعالى - ، إحداهما : نسخت تلاوتها وبقى حكمها ، والثانية : باقية التلاوة والحكم . أما التى نسخت تلاوتها وبقى حكمها ، فهى قوله - تعالى -: ﴿ الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجوهما ألبتة) - وقد ورد ذلك فى روايات متعددة - وتدل هذه الروايات على أن الصحابة قرأوها ووعوها. وعقلوها. وأن حكمها باق لأن النبى - بَ له - فعله، والصحابة فعلوه من بعده . وأما الآية التى هى باقية التلاوة والحكم ، فهى قوله - تعالى -: ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ، ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون(١)، على القول بأنها نزلت فى رجم اليهوديين الزانيين بعد الإِحصان ، وقد رجمهما النبى - * - وقصة رجمه لهما مشهورة ، ثابتة فى الصحيح . وعليه فقوله : ﴿ ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون﴾ أى: عما فى التوراة من حكم الرجم ، وذم المعرض عن الرجم فى هذه الآية. يدل على أنه ثابت فى شرعنا فدلت الآية - على هذا القول - أن الرجم ثابت فى شرعنا . وهى باقية التلاوة ... (٢). ٢ - كذلك أخذ العلماء من قوله - تعالى -: ﴿ولا تأخذكم بها رأفة فى دين الله .. ﴾ أنه لا تجوز الشفاعة فى الحدود ، كما لا يجوز إسقاط الحد ؛ لأن فى ذلك تعطيلا لتنفيذ شرع الله - تعالى - على الوجه الأكمل . قال الآلوسى ما ملخصه: ((قوله - تعالى -: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله .. ﴾ أى فى طاعته وإقامة حده الذى شرعه . والمراد النهى عن التخفيف فى الجلد . بأن يجلدوهما جلدا غير مؤلم ، أو بأن يكون أقل من مائة جلدة . أو بإسقاط الحد بشفاعة أو نحوها . لما صح أن الرسول - ◌َله - أنكر على حِبِّه أسامة بن زيد حين شفع فى فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد المخزومية ، التى سرقت قطيفة أو حليا ، وقال له: ((يا أسامة ، أتشفع فى حد من حدود الله - تعالى -، ثم قام - ◌َ ﴿ - فخطب فقال: ((أيها الناس ، إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وايم الله - تعالى - لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)). وكما تحرم الشفاعة، يحرم قبولها ، فعن الزبير بن العوام - رضى الله عنه - قال: ((إذا بلغ الحد إلى الإِمام ، فلا عفا الله - تعالى - عنه إن عفا))(٣). (١) سورة آل عمران الآية ٢٣ . (٢) راجع: أضواء البيان فى إيضاح القرآن بالقرآن ج ٦ ص ٥ وما يبعدها للشيخ محمد الأمين الشنقيطى . (٣) تفسير الآلوسى ج ١٨ ص ٨٣ . ٨٤ المجلد العاشر ٣ - يرى كثير من الفقهاء أن التحريم فى قوله - تعالى -: ﴿وحرم ذلك على المؤمنين﴾ للتنزيه، وعبر عنه بلفظ ((حُرِّمَ)) للتغليظ والتنفير من الإقدام على زواج المؤمن من الزانية ، أو على زواج المؤمنة من الزانى . ويرى آخرون أن التحريم على ظاهره ، وأنه لا يجوز للمؤمن أن يتزوج بالزانية . وكذلك لا يجوز للمؤمنة أن تتزوج بالزانى . وقد فصل القول فى هذه المسألة بعض العلماء فقال ما ملخصه : اعلم أن العلماء اختلفوا فى جواز نكاح العفيف بالزانية ونكاح العفيفة بالزانى . فذهب جماعة من أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة - أبو حنيفة ومالك والشافعى - إلى جواز نكاح الزانية مع الكراهة التنزيهية .. لأن الله - تعالى - قال: ﴿ ... وأحل لكم ما رواء ذلكم ... ﴾(١) وهو شامل بعمومه الزانية والعفيفة . وقالت جماعة أخرى من أهل العلم : لا يجوز تزويج الزانى العفيفة ، ولا عكسبه ، وهو مذهب الإِمام أحمد . وقد روى عن الحسن وقتادة . ومن أدلتهم الآية التى نحن بصددها ، وهى قوله - تعالى -: ﴿ الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾ لأنها قد حرمت فى نهايتها أن يتزوج التقى بالزانية، أو التقية بالزانى﴾(٢). وعلى أية حال فالمتدبر فى هاتين الآيتين يراهما ، تشددان العقوبة على من يرتكب جريمة الزنا ، وتنفران من الاقتراب منها وممن يقع فيها أعظم تنفير ، لأن الإِسلام حرص على أن ينتشر العفاف والطهر بين أفراد المجتمع الإسلامى ، وشرع من وسائل الوقاية ما يحمى الأفراد والجماعات من الوقوع فى هذه الرذيلة . ٠ * وبعد أن نفر - سبحانه - من جريمة الزنا أعظم تنفير ، وأمر بتنفيذ عقوبته فى مرتكبها بدون رأفة أو تساهل ... أتبع ذلك بتشريعات أخرى من شأنها أن تحمى أعراض الناس وأنفسهم من اعتداء المعتدين ، فقال - تعالى - : (١) سورة النساء الآية ٢٤ . ( ٢) راجع تفسير: ((أضواء البيان)) ج ٦ ص ٧٢ وما بعدها . ٨٥ سورة النور وَالَّذِينَ يَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَ لَمْيَأْتُواْبِأَرْبَعَةٍ شُهَدَآءُ فَأَجْلِدُ وهُمْثَمَنِنَ جَدَةً وَلَا نَقْبَلُوْلَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا وَأُوْلَكَ هُمُ اَلْفَسِقُونَ ﴿ إِلَّا الّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّاللَّهَ غَفُورُ رَحِيمٌ وقوله - تعالى - ، يرمون من الرمى ، وأصله القذف بشىء صلب أو ما يشبهه تقول : رمى فلان فلانا بحجر . إذا قذفه به . والمراد به هنا: الشتم والقذف بفاحشة الزنا ، أو ما يستلزمه كالطعن فى النسب . قال الإِمام الرازى : وقد أجمع العلماء على أن المراد هنا : الرمى بالزنا . وفى الآية أقوال تدل عليه . أحدها : تقدم ذكر الزنا . وثانيها : أنه - تعالى - ذكر المحصنات ، وهن العفائف ، فدل ذلك على أن المراد بالرامى رميهن بضد العفاف ، وثالثها : قوله ﴿ ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ﴾ يعنى على صحة مارموهن به ، ومعلوم أن هذا العدد من الشهود غير مشروط إلا بالزنا ، ورابعها : انعقاد الإجماع على أنه لا يجب الجلد بالرمى بغير الزنا . فوجب أن يكون المراد هنا هو الرمى بالزنا .. ))(١) . و ((المحصنات)) جمع محصنة ، والإِحصان فى اللغة بمعنى المنع ، يقال : هذه درع حصينة. أى : مانعة صاحبها من الجراحة . ويقال هذا موضع حصين ، أى : مانع من يريده بسوء. والمراد بالمحصنات هنا : النساء العفيفات البعيدات عن كل ريبة وفاحشة . وسميت المرأة العفيفة بذلك . لأنها تمنع نفسها من كل سوء . قالوا : ويطلق الإِحصان على المرأة والرجل ، إذا توفرت فيهما صفات العفاف . والإِسلام ، والحرية ، والزواج . وإنما خص - سبحانه - النساء بالذكر هنا : لأن قذفهن أشنع ، والعار الذى يلحقهن بسبب ذلك أشد ، وإلا فالرجال والنساء فى هذه الأحكام سواء . وقوله - تعالى -: ﴿والذين يرمون المحصنات .. ﴾ مبتدأ ، أخبر عنه بعد ذلك بثلاث (١) تفسير الفخر الرازى ج ٦ ص ٢٢٧ . ٨٦ المجلد العاشر جمل، وهى قوله: ((فاجلدوهم .. ، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، وأولئك هم الفاسقون)). والمعنى أن الذين يرمون النساء العفيفات بالفاحشة ، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء يشهدون لهم على صحة ما قذفوهن به ، فاجلدوا - أيها الحكام - هؤلاء القاذفين ثمانين جلدة ، عقابا لهم على ما تفوهوا به من سوء فى حق هؤلاء المحصنات ، ولا تقبلوا لهؤلاء القاذفين شهادة أبدا بسبب إلصاقهم التهم الكاذبة بمن هو برىء منها . وأولئك هم الفاسقون . أى : الخارجون على أحكام شريعة الله - تعالى - وعلى آدابها السامية . فأنت ترى أن الله - تعالى - قد عاقب هؤلاء القاذفين للمحصنات بثلاث عقوبات . أولها : حسية ، وتتمثل فى جلدهم ثمانين جلدة ، وهى عقوبة قريبة من عقوبة الزنا . وثانيها : معنوية ، وتتمثل فى عدم قبول شهادتهم ، بأن تهدر أقوالهم ، ويصيرون فى المجتمع أشبه ما يكونون بالمنبوذين ، الذين إن قالوا لا يصدق الناس أقوالهم ، وإن شهدوا لا تقبل شهادتهم ، لأنهم انسلخت عنهم صفة الثقة من الناس فيهم . وثالثها: دينية ، وتتمثل فى وصف الله - تعالى - لهم بالفسق . أى : بالخروج عن طاعته - سبحانه - وعن آداب دينه وشريعته . وما عاقب الله - تعالى - هؤلاء القاذفين فى أعراض الناس ، بتلك العقوبات الرادعة . إلا لحكم من أهمها : حماية أعراض المسلمين من ألسنة السوء ، وصيانتهم من كل ما يخدش كرامتهم . ويجرح عفافهم . وأقسى شىء على النفوس الحرة الشريفة الطاهرة . أن تلصق بهم التهم الباطلة . وعلى رأس الرذائل التى تؤدى إلى فساد المجتمع . ترك ألسنة السوء . تنهش أعراض الشرفاء ، دون أن تجد هذه الألسنة من يخرسها أو يردعها . وقد اتفق الفقهاء على أن الاستثناء فى قوله - تعالى - ﴿ إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ﴾ يعود على الجملة الأخيرة. بمعنى أن صفة الفسق لا تزول عن هؤلاء القاذفين للمحصنات إلا بعد توبتهم وصلاح حالهم . أى: وأولئك القاذفون للمحصنات دون أن يأتوا بأربعة شهداء على صحة ما قالوه . هم الفاسقون الخارجون عن طاعة الله - تعالى - ، إلا الذين تابوا منهم من بعد ذلك توبة صادقة نصوحا ، وأصلحوا أحوالهم وأعمالهم ، فإن الله - تعالى - كفيل بمغفرة ذنوبهم ، وبشمولهم برحمته . كما اتفقوا - أيضا - على أن هذا الاستثناء لا يعود إلى العقوبة الأولى وهى الجلد ، لأن ٠ ٨٧ سورة النور هذه العقوبة يجب أن تنفذ عليهم ، متى ثبت قذفهم للمحصنات ، حتى ولو تابوا وأصلحوا . والخلاف إنما هو فى العقوبة الوسطى وهى قبول شهادتهم ، فجمهور الفقهاء يرون صحة عودة الاستثناء عليها بعد التوبة ، فيكون المعنى : إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ، فاقبلوا شهادتهم . ويرى الإمام أبو حنيفة أن الاستثناء لا يرجع إلى قبول شهادتهم ، وإنما يرجع فقط إلى العقوبة الأخيرة وهى الفسق ، فهم لا تقبل شهادتهم أبدا أى: طول مدة حياتهم ، حتى وإن تابوا وأصلحوا . وقد فصل القول فى هذه المسألة الإِمام القرطبى فقال ما ملخصه: (( تضمنت الآية ثلاثة أحكام فى القاذف : جلده ، ورد شهادته أبداً ، وفسقه . فالاستثناء غير عامل فى جلده وإن تاب - أى أنه يجلد حتى ولو تاب . وعامل فى فسقه بإجماع . أى : أن صفة الفسق تزول عنه بعد ثبوت توبته . واختلف الناس فى عمله فى رد الشهادة. فقال أبو حنيفة وغيره: (( لا يعمل الاستثناء فى رد شهادته . وإنما يزول فسقه عند الله - تعالى - . وأما شهادة القاذف فلا تقبل ألبتة . ولو تاب وأكذب نفسه ، ولا بحال من الأحوال . وقال الجمهور : الاستثناء عامل فى رد الشهادة ، فإذا تاب القاذف قبلت شهادته ، وإنما كان ردها لعلة الفسق ، فإذا زال بالتوبة قبلت شهادته مطلقا ، قبل الحد وبعده . وهو قول عامة الفقهاء . ثم اختلفوا فى صورة توبته ، فمذهب عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - والشعبى وغيره ؛ أن توبته لا تكون - مقبولة - إلا إذا كذب نفسه فى ذلك القذف الذى حد فيه . وقالت فرقة منها مالك وغيره : توبته أن يصلح ويحسن حاله ، وإن لم يرجع عن قوله بتكذيب ، وحسبه الندم على قذفه، والاستغفار منه، وترك العود إلى مثله)) (١) . ويبدو لنا أن ما أفتى به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - هو الأولى بالقبول ، لأن اعتراف القاذف بكذبه ، فيه محو لآثار هذا القذف ، وفيه تبرئة صريحة للمقذوف ، وهذه التبرئة تزيده انشراحا وسرورا ، وترد إليه اعتباره بين أفراد المجتمع . كما يبدو لنا أن الأولى فى هذه الحالة أن تقبل شهادة القاذف ، بعد هذه التوبة التى صاحبها (١) تفسير القرطبى جـ ١٢ ص ١٧٩ وراجع أيضا البيان جـ ٦ ص ٨٩ وما بعدها . ٨٨ المجلد العاشر اعتراف منه بكذبه فيما قال . لأن إقدامه على تكذيب نفسه قرينة على صدق توبته وصلاح حاله . وهكذا يحمى الإِسلام أعراض أتباعه ، بهذه التشريعات الحكيمة ، التى يؤدى اتباعها إلى السعادة فى الدنيا والآخرة . ثم انتقلت السورة الكريمة من الحديث عن حكم القذف بصفة عامة ، إلى الحديث عن حكم القذف إذا ما حدث بين الزوجين ، فقال - تعالى -: وَالَّذِينَ يَمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَيَّكُنْ لَهُمْ ثُمَآَمُإِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَتِبِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِفِينَ ﴾ وَالْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَذِبِينَ ، وَيَدْرَؤُّأْ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَدَانِ بِلَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَذِينَ ﴾ وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ ٨ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْوَرَحْمَتُهُ وَأَنَّاللَّهَ تَوَابٌّ حَكِيمٌ ١٠ ۔۔۔ ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات متعددة ، منها ما أخرجه البخارى عن ابن عباس، ان هلال بن أمية، قذف امرأته عند النبى - ◌َ ل * - بشَرِيك بن السحماء ، فقال له الرسول - ﴿﴿ -: ((البينة أوحَدًّ فى ظهرك)). فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبى - 18 - يقول له: ((البينة أو حد فى ظهرك )) . فقال هلال : والذى بعثك بالحق إنى لصادق ولينزلن اللّه ما يبرىء ظهرى من الحد . فنزل جبريل بهذه الآيات . فانصرف النبى - * - فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد، والنبى - وَل﴿ - يقول: إن الله يعلم أن أحدكم كاذب ، فهل منكما تائب ؟ ثم قامت زوجته فشهدت ، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة - أى للعذاب ولغضب الله - تعالى - . ٨٩ سورة النور قال ابن عباس : فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ، ثم قالت : لا أفضح قومى سائر اليوم ، فمضت . وفى رواية فشهدت فى الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ، ففرق الرسول - 18 - بينهما، وقضى أن لا يدعى ولدها لأب ولا يرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد .. ))(١). والمراد بالرمى فى قوله - تعالى - ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ الرمى بفاحشة الزنا . وقوله - تعالى -: ﴿ ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ أى: ولم يكن لهؤلاء الأزواج الذين قذفوا زوجاتهم بالزنا من يشهد معهم سوى أنفسهم . وقوله : ﴿ فشهادة أحدهم ﴾ أى : فشهادة أحدهم التى ترفع عنه حد القذف ، أن يشهد ((أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين)) فيما رماها به من الزنا . قال الجمل ما ملخصه: ((قوله - تعالى - ﴿ ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ﴾ فى رفع أنفسهم وجهان : أحدهما أنه يدل من شهداء ، والثانى ، أنه نعت له على أن إلا بمعنى غير ، ولا مفهوم لهذا القيد . بل يلاعن ولو كان واجدا للشهود الذين يشهدون بزناها . وقوله : فشهادة﴾ مبتدأ، وخبره ((أربع شهادات)) أى: فشهادتهم المشروعة أربع شهادات .. )) (٢). وقرأ الجمهور: ((أربع شهادات)) بالنصب على المصدر ، لأن معنى : فشهادة . أن يشهد . والتقدير : فعليهم أن يشهد أحدهم أربع شهادات باللّه إنه لمن الصادقين فيما قاله . وقوله - سبحانه -: ﴿ والخامسة أن لعنة اللّه عليه إن كان من الكاذبين ) بيان لما يجب على القاذف بعد أن شهد أربع شهادات باللّه إنه لمن الصادقين . أى: والشهادة الخامسة بعد الأربع المتقدمة، أن يشهد القاذف بأن لعنة الله - تعالى - عليه ، إن كان من الكاذبين ، فى رميه لزوجته بالزنا . قال الآلوسى : وإفرادها - أى الشهادة الخامسة - بالذكر ، مع كونها شهادة - أيضا - ، لاستقلالها بالفحوى ووكادتها فى إفادتها ما يقصد بالشهادة من تحقيق الخبر ، وإظهار الصدق . وهى مبتدأ، خبره قوله - تعالى - ﴿ أن لعنة اللّه عليه﴾(٣). ثم بين - سبحانه - ما يجب على المرأة لكى تبرىء نفسها مما رماها به زوجها فقال : (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ١٢ . (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٢٠٩ . ( ٣ ) تفسير الآلوسى جـ ١٨ ص ١٠٥ . ٩٠ المجلد العاشر ﴿ ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات باللّه إنه لمن الكاذبين وقوله - تعالى - ﴿ويدرأ﴾ من الدَّرْء بمعنى الدفع. يقال: درأ فلان التهمة عن نفسه، إذا دفعها عن نفسه ، وتبرأ منها . ء والمراد بالعذاب هنا: العذاب الدنيوى وهو الحد الذى شرعه الله - تعالى - فى هذا الشأن . أى : أن الزوجة التى رماها زوجها بفاحشة الزنا يدفع عنها الحد ويرفع ، إذا شهدت أربع شهادات بالله ، إن زوجها لمن الكاذبين فيما قذفها به . وقوله - سبحانه - ﴿والخامسة) بالنصب عطفا على ﴿ أربع شهادات أی : بدرأ عنها العذاب إذا شهدت أربع شهادات بالله أن زوجها كاذب فيما رماها به ، ثم تشهد بعد ذلك شهادة خامسة مؤداها : أن غضب الله عليها ، إن كان زوجها من الصادقين ، فى اتهامه إياها بفاحشة الزنا . وجاء من جانب المرأة التعبير بقوله - تعالى -: ﴿ أن غضب الله عليها ) ليكون أشد فى زجرها عن الكذب، واعترافها بالحقيقة بدون إنكار ، لأن العقوبة الدنيوية أهون من غضب الله - تعالى - عليها فى حالة كذبها .. ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات ببيان جانب من فضله - تعالى - على خلقه فقال : ولولا فضل الله عليكم ورحمته، وأن الله تواب حكيم ﴾ . وجواب ((لولا)) محذوف . وجاءت الآية بأسلوب الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ، للعناية بشأن مقام الامتنان والفضل من الله - تعالى - عليهم بتشريع هذه الأحكام . أى : ولولا أن الله - تعالى - تفضل عليكم ورحمكم - أيها المؤمنون - بسبب ما شرعه لكم فى حكم الذينٍ يرمون أزواجهم بالفاحشة .. لولا ذلك لحصل لكم من الفضيحة ومن الحرج مالا يحيط به الوصف ، ولكنه - سبحانه - شرع هذه الأحكام سترا للزوجين ، وتخفيفا عليهما . وحضا لهما على التوبة الصادقة النصوح، وأن الله - تعالى - ((تواب)) أى: كثير القبول لتوبة التائب متى صدق فيها، ((حكيم)) أى: فى كل ما شرعه لعباده. هذا ، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات ، أن قاذف زوجته بفاحشة الزنا ، إذا لم يأت بأربعة شهداء على صحة ما قاله . فإنه يكون مخيرا بين أن يلاعن ، وبين أن يقام عليه الحد . بخلاف من قذف أجنبية محصنة بفاحشة الزنا ، فإنه يقام عليه الحد ، إذا لم يأت بأربعة ٩١ سورة النور شهداء على أنه صادق فى قوله . قال بعض العلماء : ولعلك تقول : لماذا كان حكم قاذف زوجته ، مخالفا لحكم قاذف الأجنبية ؟ وما السر فى أنه جاء مخففا .؟ والجواب : أنه لا ضرر على الزوج بزنا الأجنبية ؟ وأمازنا زوجته فيلحقه به العار . وفساد البيت . فلا يمكنه الصبر عليه ، ومن الصعب عليه جدا أن يجد البينة . فتكليفه إياها فيه من العسر والحرج مالا يخفى . وأيضا فإن الغالب فى الرجل أنه لا يرمى زوجته بتلك الفاحشة . إلا عن حقيقة . لأن فى هذا الرمى إيذاء له . وهتكا لحرمته . وإساءة لسمعته .. فكان رميه إياها بالقذف دليل صدقه . إلا أن الشارع أراد كمال شهادة الحال . بذكر كلمات اللعان المؤكدة بالأيمان ، فجعلها - منضمة إلى قوة جانب الزوج - قائمة مقام الشهود فى قذف الأجنبى )» (١) . كذلك أخذ العلماء من هذه الآيات أن كيفية اللعان بين الزوجين ، أن يبدأ بالزوج فيقول أمام القاضى: أشهد بالله إنى لمن الصادقين ، وفى المرة الخامسة يقول: لعنة اللّه عليه إن كان من الكاذبين - أى فيما رمى به زوجته - ، وكذلك المرأة تقول فى لعانها أربع مرات : أشهد باللّه إنه لمن الكاذبين . وفى المرة الخامسة تقول: غضب الله عليها إن كان من الصادقين - أى فيما قاله زوجها فى حقها - . فإذا ما قالا ذلك . سقط عنهما الحد، وفرق القاضى بينهما فراقا أبديا . قال القرطبى: ((قال مالك وأصحابه : وبتمام اللعان تقع الفرقة بين المتلاعنين فلا يجتمعان أبدا . ولا يتوارثان . ولا يحل له مراجعتها أبدا لا قبل زوج ولا بعده . وقال أبو حنيفة وغيره : لا تقع الفرقة بعد فراغهما من اللعان حتى يفرق الحاكم بينهما . وقال الشافعى: إذا أكمل الزوج الشهادة والالتعان . فقد زال فراش امرأته . التعنت أو لم تلتعن . لأن لعانها إنما هو لدرء الحد عنها لا غير . وليس لا لتعانها فى زوال الفراش معنى .. )(٣) . وبعد أن بين - سبحانه - حكم القذف بالنسبة للمحصنات . وبالنسبة للزوجات ، أتبع - عز وجل - ذلك بإيراد مثل لما قاله المنافقون فى شأن السيدة عائشة - رضى الله عنها - . ولما كان يجب على المؤمنين أن يفعلوه فى مثل هذه الأحوال ، فقال - تعالى - : (١) تفسير آيات الأحكام جـ ٣ ص ١٣٦. (٢) تفسير القرطبى جـ ١٢ ص ١٩٣ . ٩٢ المجلد العاشر إِنَّالَّذِينَ جَآءُ وبِ لِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْلَا تَحْسَبُوهُ شَرَّ لَّكُمْ بَلَّ هُوَ خَيْ لَّكُمْلِكُلِّ أَمْرٍِ مِّنْهُمْ مَّا أَكْتَبَ مِنَ الْإِثْمِّ وَالَّذِى تَوَلَّ كِبْرَهُمِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦ )لَوْلَا إِذْسَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفٌْ مُّبِينٌ ®) لَّوْلَا جَآءُ وعَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءً فَإِذْلَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ. فِاُلُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَّكُمْ فِىِ مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٤ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْوَتَقُولُونَ بِأَفْوَ هِكُم مَّا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُوهَيِّنَا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ (٥) وَلَوْلَا إِذْسَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمُ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ تَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَتَكَ هَذَا بُهْتَنُ عَظِيمٌ ﴿ يَعِطُّكُمُ اللهُأَنْ تَعُودُ واْ لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُ مُؤْمِينَ ﴿ وَيُبيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِّ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ (١٨) قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: (( هذه الآيات نزلت فى شأن السيدة عائشة - رضى الله عنها - حين رماها أهل الإِفك والبهتان من المنافقين ، بما قالوه من الكذب البحت ، والفرية التى غار الله - تعالى - لها ولنبيه - وليه - فأنزل براءتها صيانة لعرض الرسول - الفر -. جاء فى الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة أنها قالت: كان رسول الله - وَالز - إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه . فأقرع بيننا فى غزوة غزاها فخرج سهمى - وكان ذلك فى غزوة بنى المصطلق على الأرجح - ، فخرجت مع النبى - -، وذلك بعدما أُنزل الحجاب، وأنا أُحمل فى هودج وأنزل فيه . ٩٣ سورة النور فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله - 8# - من غزوته تلك ، وقفل ودنونا من المدينة ، آذن ليلة بالرحيل ، فقمت حين آذنوا بالرحيل ، حتى جاوزت الجيش . فلما قضيت من شأنى أقبلت إلى الراحلة ، فلمست صدرى ، فإذا عقدلى قد انقطع ، فرجعت فالتمست عقدى فاحتبسنى ابتغاؤه ، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بى ، فاحتملوا هودجى ، فرحلوه على بعيرى . وهم يحسبون أنى فيه . وكان النساء إذ ذاك خفافا ، لم يثقلهن اللحم ، فلم يستنكر القوم حين رفعوه خفة الهودج ، فاحتملوه ، وكنت جارية حديثة السن ، فبعثوا الجمل وساروا ، فوجدت عقدى بعد ما سار الجيش . فجئت منزلهم ، وليس فيه أحد منهم فيممت منزلى الذى كنت فيه . وظننت أن القوم سيفقدوننى فيرجعون إلى . فبينا أنا جالسة فى منزلى غلبتنى عيناى فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمى ، قد عرَّس - أى تأخر - من وراء الجيش ، فأصبح عند منزلى فرأى سواد إنسان نائم ، فأتانى فعرفنى حين رآنى . وقد كان يرانى قبل أن يُضْرَب علينا الحجاب . فاستيقظت باسترجاعه حتى عرفنى . فخمرت وجهى بجلبابى ، والله ماكلمنى كلمة ، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه ، حين أناخ راحلته ، فوطىء على يديها فركبتها ، فانطلق يقود بى الراحلة . حتى أتينا الجيش ، بعد ما نزلوا فى نحو الظهيرة . فهلك من هلك فى شأنى ، وكان الذى تولى كبره عبد الله بن أبى بن سلول .. ))(١). وقد افتتحت هذه الآيات الكريمة بقوله - تعالى - : ﴿إن الذين جاءوا بالإِفك عصبة منكم ﴾ . والإِفك : أشنع الكذب وأفحشه ، يقال أفِكَ فلان - كضرب وعلم - أَفْكاً وإِفْكاً ، أى : كذب كذبا قبيحا . والعصبة : الجماعة من العشرة إلى الأربعين ، من العصب وهو الشد ، لأن كل واحد منها يشد الآخر ويؤازره . أى : إن الذين قالوا ما قالوا من كذب قبيح ، وبهتان شنيع ، على السيدة عائشة - رضى الله عنها - هم جماعة ينتسبون إليكم - أيها المسلمون - بعضهم قد استزلهم الشيطان . - كمسطح بن أثاثة - وبعضهم يظهرون الإِسلام ويبطنون الكفر والنفاق - كعبد الله بن أبى بن سلول - وأتباعه . وفى التعبير بقوله - تعالى - ﴿ عصبة): إشعار بأنهم جماعة لها أهدافها الخبيثة ، التى (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ١٨. وما بعدها ففيه جملة من الأحاديث فى هذا الشأن. ٩٤ المجلد العاشر تواطئوا على نشرها ، وتكاتفوا على إشاعتها ، بمكر وسوء نية . وقوله - سبحانه -: ﴿ لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم .. ﴾ تسلية للنبى - - ولأصحابه المؤمنين الصادقين ، عما أصابهم من هم وغم بسبب هذا الحديث البالغ نهاية دركات الكذب والقبح . أى : لا تظنوا - أيها المؤمنون - أن حديث الإفك هذا هو شر لكم ، بل هو خير لكم ، لأنه كشف عن قوى الإِيمان من ضعيفه . كما فضح حقيقة المنافقين وأظهر ما يضمرونه من سوء للنبى -# - ولأهل بيته ، وللمؤمنين ، كما أنكم قد نلتم بصبركم عليه وتكذيبكم له أرفع الدرجات عند الله تعالى . ثم بين - سبحانه - ما أعده لهؤلاء الخائضين فى حديث الإِفك من عقاب فقال : ﴿ لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإِثم ﴾ . أى لكل واحد من هؤلاء الذين اشتركوا فى إشاعة حديث الإفك العقاب الذى يستحقه بسبب ما وقع فيه من آثام ، وما اقترفه من سيئات . وقوله - تعالى -: ﴿ والذى تولى كبره منهم له عذاب عظيم ﴾ بيان لسوء عاقبة من تولى معظم إشاعة هذا الحديث الكاذب . والكبر - بكسر الكاف وضمها - مصدر لمعظم الشىء وأكثره . أى : والذى تولى معظم الخوض فى هذا الحديث الكاذب ، وحرض على إشاعته ، له عذاب عظيم لا يقادر قدره من الله - تعالى - . والمقصود بهذا الذى تولى كبره . عبد الله بن أبى بن سلول ، رأس المنافقين وزعيمهم ، فهو الذى قاد حملته، واضطلع بالنصيب الأكبر لإِشاعته . روى أنه لما جاء صفوان بن المعطل يقود راحلته وعليها عائشة - رضى الله عنها - قال عبد الله بن أبى لمن حوله : من هذه؟ قالوا عائشة فقال - لعنه الله - : امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها ، والله ما نجت منه وما نجا منها . وقال ابن جرير: ((والأولى بالصواب قول من قال ، الذى تولى كبيره عبد الله بن أبى بن سلول ، وذلك أنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير ، وأن الذى بدأ بذكر الإِفك . وكان يجمع أهله ويحدثهم به ، هو عبد الله بن أبى بن سلول))(١) . وقال الآلوسى: (( والذى تولى كبره .. كما فى صحيح البخارى عن الزهرى عن عروة عن ( ١ ) تفسير ابن جرير جـ ١٨ ص ٧١ . ٩٥ سورة النور عائشة -: هو عبد الله بن أبى - عليه اللعنة - وقد سار على ذلك أكثر المحدثين . أخرج الطبرانى وابن مردويه عن ابن عمر ، أنه بعد نزول هذه الآيات فى براءة السيدة عائشة دعا الرسول - * - أبا عبيدة بن الجراح فجمع الناس ، ثم تلاها عليهم . ثم بعث إلى عبد الله بن أبى . فجىء به فضربه حدين ، ثم بعث إلى حسان بن ثابت ، ومسطح . وحمنة بنت جحش فضربوا ضربا وجيعا .. وقيل إن ابن أبى لم يحد أصلا ، لأنه لم يقر ، ولم يلتزم إقامة البينة عليه تأخيراً لجزائه إلى يوم القيامة))(١) . ثم وجه - سبحانه - المؤمنين إلى الطريق الذى كان يجب عليهم أن يسلكوه فى مثل هذه الأحوال فقال : ﴿ لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ، وقالوا هذا إفك مبين﴾. و ((لولا)) حرف تحضيض بمعنى هلا والمراد ((بأنفسهم)) هنا إخوانهم فى الدين والعقيدة . أى : هلا وقت أن سمعتم - أيها المؤمنون والمؤمنات - حديث الإِفك هذا ظننتم ((بأنفسكم)). أى: بإخوانكم وبأخواتكم ظنا حسنا جميلا، وقلتم : هذا الحديث الذى أذاعه المنافقون كذب شنيع وبهتان واضح لا يصدقه عقل أو نقل . وفى التعبير عن إخوانهم وأخواتهم فى الدين بأنفسهم ، أسمى ألوان الدعوة إلى غرس روح المحبة والمودة والإِخاء الصادق بين المؤمنين ، حتى لكأن الذى يظن السوء بغيره إنما ظنه بنفسه . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ ... ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ... ﴾(٢). وقوله - سبحانه -: ﴿ ... ولا تلمزوا أنفسكم ... ﴾(٣). قال أبو حيان - رحمه الله -: ((وعدل بعد الخطاب - فى الآية الأولى - إلى الغيبة فى هذه الآية - ، وعن الضمير إلى الظاهر، فلم يجئٍّ التركيب ظننتم بأنفسكم خيراً وقلتم هذا إفك مبين . ليبالغ - سبحانه - فى التوبيخجٍ بطريقة الالتفات ، وليصرح بلفظ الإِيمان ، دلالة على أن الاشتراك فيه ، مقتض فى أن لا يصدق مؤمن على أخيه قول عائب ولا طاعن ، وفيه تنبيه على أن المؤمن إذا سمع قالة سوء فى أخيه أن يبنى الأمر فيه على ظن الخير ، وأن يقول بناء على ظنه : هذا إفك مبين . هكذا باللفظ الصريح ببراءة أخيه ، كما يقول المستيقن المطلع على حقيقة الحال ، وهذا من الأدب الحسن ، ومعنى بأنفسهم ، أى : كان يقيس فضلاء المؤمنين (١) تفسير الآلوسى جـ ١٨ ص ١١٦ . (٢) سورة البقرة الآية ٨٥ . (٣) سورة الحجرات الآية ١١ . ٩٦ المجلد العاشر والمؤمنات هذا الأمر على أنفسهم . فإذا كان ذلك يبعد عليهم قضوا بأنه فى حق من هو خير منهم أبعد .. ))(١) . ولقد فعل المؤمنون الصادقون ذلك ، فهاهو ذا أبو أيوب - خالد بن زيد الأنصارى ، قالت له امرأته أم أيوب : يا أبا أيوب ، أما تسمع ما يقوله الناس فى عائشة - رضى الله عنها - ؟ قال: نعم ، وذلك الكذب . أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب ؟ قالت : لا. والله ما كنت لأفعله . قال: فعائشة والله خير منك(٢). وفى رواية أن أبا أيوب قال لزوجته أم أيوب : ألا ترين ما يقال ؟ فقالت له : لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول الله - * - سوءا؟ قال : لا ، فقالت : ولو كنت أنا بدل عائشة - رضى الله عنها - ما خنت رسول الله - رول ز - فعائشة خير منى ، وصفوان خير منك(٣) . وهكذا المؤمنون الأطهار الأخيار ، يبنون أمورهم على حسن الظن بالناس . ورحم الله صاحب الانتصاف . فقد علق على ما قالته - أم أيوب لزوجها فقال : ولقد ألهمت - أم أيوب - بنور الإِيمان إلى هذا السر الذى انطوى عليه التعبير عن الغير من المؤمنين بالنفس ، فإنها نزلت زوجها منزلة صفوان ونفسها منزلة عائشة ، ثم أثبتت لنفسها ولزوجها البراءة والأمانة ، حتى أثبتتها لصفوان وعائشة بالطريق الأولى - رضى الله عنها - (٤). ثم وصف - سبحانه - الخائضين فى حديث الإفك بالكذب لأنهم قالوا قولا بدون دليل ، فقال: ﴿ لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء﴾ أى: هلا جاء هؤلاء الذين افتروا على السيدة عائشة ما افتروا ، بأربعة شهداء يشهدون لهم على ثبوت ما تفوهوا به . فإذ لم يأتوا بالشهداء ﴾ أى: وما داموا لم يأتوا بهم - ولن يأتوا بهم - ﴿ فأولئك عند الله﴾ أى: فى حكمه - سبحانه - وفى شريعته ﴿هم الكاذبون ﴾ كذبا قبيحا تشمئز منه النفوس ، ويسجل عليهم الخزى والعار إلى يوم القيامة . ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله ورحمته بالمؤمنين فقال : ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته فى الدنيا والآخرة ، لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم ﴾ . ( ١) تفسير البحر المحيط لأبى حيان جـ ٦ ص ٤٣٧. (٢) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٢٦ . (٣)، (٤) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٢١٨ . ٩٧ سورة النور و ((لولا)) هنا لا متناع الشىء لو جود غيره، و((أفضتم)) من الإفاضة بمعنى التوسع فى الشىء. والاندفاع فيه بدون تريث أو تحقق، وأصله من قولهم: ((أفاض فلان الإِناء ، إذا ملأه حتى فاض)) . أى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم - أيها المؤمنون - فى الدنيا بإعطائكم فرصة للتوبة. وفى الآخرة بقبول توبتكم، لولا ذلك ((لمسكم)) أى: لنزل بكم بسبب ما أفضتم فيه من حديث الإفك عذاب عظيم، لا يعلم مقدار ألمه وشدته إلا الله - تعالى - . ثم صور - سبحانه - أحوالهم فى تلك الفترة العصيبة من تاريخ الدعوة الإِسلامية فقال : إذا تلقونه بألسنتكم). و((إذ)) ظرف لقوله - تعالى - ﴿لمسكم﴾. أى : لمسكم عذاب عظيم . وقت تلقيكم هذا الحديث السيىء لسانا عن لسان باستخفاف واستهتار ! ويأخذه بعضكم عن بعض بدون تحرج أو تدبر . ٠ ﴿ وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ﴾ أى: وتقولون بأفواهكم قولا تلوكه الأفواه ، دون أن يكون معه بقية من علم أو بينة أو دليل . ففى هاتين الجملتين زجر شديد لأولئك الذين خاضوا فى حديث الإفك ، بدون تدبر أو تعقل ، حتى لكأنهم - وقد أفلت منهم الزمام ، واستزلهم الشيطان - ينطقون بما ينطقون به بأفواههم لا بوعيهم ، وبألسنتهم لا بعقولهم ، ولا بقلوبهم ، وإنما هم يتفوهون بكلمات لا علم لهم بحقيقتها . ولا دليل معهم على صدقها . وهذا كله يتنافى مع ما يقتضيه الإيمان الصحيح من تثبت ومن حسن ظن بالمؤمنين . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما هو أشد فى الزجر والتهديد فقال : ﴿ وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ﴾ . أى : وتحسبون أن ما خضتم فيه من كذب على الصديقة بنت الصديق شيئاً هيناً، والحال أن ما فعلتموه ليس كذلك ، بل هو عند الله - تعالى - وفى حكمه شىء عظيم ، تضج لهوله الأرض والسماء لأن ما خضتم فيه يسىء إلى النبى - * - ويسىء إلى أهل بيته ، ويسىء إلى صحابي جليل هو صفوان ، ويسىء إلى بيت الصديق - رضى الله عنه - بل ويسيء إلى الجماعة الإسلامية كلها . ثم يوجههم - سبحانه - مرة أخرى إلى ما كان يجب عليهم أن يفعلوه فى مثل هذه الأحوال فيقول : ﴿ ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ، سبحانك هذا بهتان عظيم ﴾ . ٩٨ المجلد العاشر وأصل معنى ((سبحانك » تنزيه الله - تعالى - عن كل نقص . ثم شاع استعماله فى كل أمر يتعجب منه . وهذا المعنى هو المراد هنا . والبهتان : هو الكذب الذى يبهت ويحير سامعه لشناعته وفظاعته ، يقال : بهت فلان فلانا إذا قال عليه مالم يقله وما لم يفعله . أى: وهلا وقت أن سمعتم - أيها المؤمنون - حديث الإفك ممن افتراه واخترعه ، قلتم له على سبيل الزجر والردع والإِفحام : ما يكون لنا أن نتكلم بهذا . أى : ما يصح منا إطلاقا أن نتكلم بهذا الحديث البالغ أقصى الدركات فى الكذب والافتراء . وقلتم له أيضا - على سبيل التعجب من شناعة هذا الخبر: ((سبحانك))، أى : نتعجب ياربنا من شناعة ما سمعناه ، فإن ما سمعناه عن أم المؤمنين عائشة كذب يبهت ويدهش من يسمعه ، وهو فى الشناعة لا تحيط بوصفه عبارة . وهكذا يؤدب الله - تعالى - عباده المؤمنين بالأدب السامى ، حيث يأمرهم فى مثل هذه الأحوال ، أن ينزهوا أسماعهم عن مجرد الاستماع إلى ما يسىء إلى المؤمنين ، وأن يتحرجوا من مجرد النطق بمثل حديث الإفك ، وأن يستنكروا ذلك على من يتلفظ به . ثم نهى - سبحانه - المؤمنين من العودة إلى مثل هذا الأمر العظيم فقال: ﴿ يعظكم الله ﴾ . أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين أى : يعظكم الله تعالى ، أيها المؤمنون - بما يرقق قلوبكم ، ويحذركم من العودة إلى الخوض فى حديث الإفك ، أو فيم يشبهه من أحاديث باطلة ، وعليكم أن تمتثلوا ما آمركم به ، وما أنهاكم عنه امتثالا كاملا ، إن كنتم مؤمنين إيمانا كاملا . فقوله - تعالى - ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ من باب تهييجهم وإثارة حماستهم للاستجابة لوعظه وتحذيره - سبحانه - . وقوله - تعالى - ﴿ ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم ﴾ إبراز لما تفضل به - سبحانه - عليهم من تعليم وتوجيه وحسن تربية . أى: ويبين الله - تعالى - لكم الآيات التى تسعدكم فى دنياكم وآخرتكم متى اتبعتم ما اشتملت عليه من آداب وأحكام، واللّه - تعالى - ((عليم)) بأحوال خلقه ((حكيم)) فى جميع ما يأمر به ، أو ينهى عنه . ثم يواصل القرآن الكريم توجيهاته الحكيمة للمؤمنين ، فيهدد الذين يحبون أن تشبع ٩٩ سورة النور الفاحشة فى الذين آمنوا بالعذاب الأليم ، وينهى المؤمنين عن اتباع خطوات الشيطان ، قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُواْلَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَّ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّاللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) يَّأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْلَا تَنَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْيَتَّعْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِّ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَمَا زَّكَ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدَّا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَّ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦) وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْالْفَضْلِ مِنْكُمْ. وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُواْأُوْلِ الْقُرْبَى وَالْمَسَكِينَ وَالْمُهَجِرِينَ فِىِ سَبِيلِ اللّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَخُوْأَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَاللَّهُ لَكُمْ ٢٢ وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قال الإِمام الرازى: ((أعلم أنه - سبحانه - بعد أن بين ما على أهل الإفك ، وما على من سمع منهم ، وما ينبغى أن يتمسك به المؤمنون من آداب ، أتبعه بقوله : ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا .. ﴾ ليعلم أن من أحب ذلك فقد شارك فى هذا الذم، كما شارك فيه من فعله ومن لم ينكره ، وليعلم أهل الإفك كما أن عليهم العقوبة فيما أظهروه ، فكذلك يستحقون العقوبة بما أسروه ، من محبة إشاعة الفاحشة فى المؤمنين(١) . ( ١ ) تفسير الفخر الرازى جـ ٥ ص ٢٤٦ . ١٠٠ المجلد العاشر ومعنى ((تشيع)) تنتشر وتكثر ، ومنه قولهم : شاع الحديث . إذا ظهر بين الناس . والفاحشة : هى الصفة البالغة أقصى دركات القبح ، كالرمى بالزنا وما يشبه ذلك . وهى صفة لموصوف محذوف . أى : الخصلة الفاحشة ، والمقصود بمحبة شيوعها : محبة شيوع خبرها بين عامة الناس . والمعنى : إن الذين يحبون أن تنتشر قالة السوء بين صفوف المؤمنين ، وفى شأنهم ، لكى يلحقوا الأذى بهم، هؤلاء الذين يحبون ذلك ((لهم)) بسبب نواياهم السيئة ((عذاب أليم فى الدنيا)) كإقامة الحد عليهم، وازدراء الأخيار لهم، ولهم - أيضا - عذاب أليم ((فى الآخرة)) وهو أشد وأبقى من عذاب الدنيا . ((والله)) تعالى وحده ((يعلم)) ما ظهر وما خفى من الأمور والأحوال ((وأنتم)) أيها الناس - (( لا تعلمون)» إلا ما كان ظاهرا منها ، فعاملوا الناس على حسب ظواهرهم ، واتركوا بواطنهم لخالقهم، فهو - سبحانه - الذى يتولى محاسبتهم عليها . فالآية الكريمة يؤخذ منها : أن العزم على ارتكاب القبيح ، منكر يعاقب عليه صاحبه ، وأن محبة الفجور وشيوع الفواحش فى صفوف المؤمنين ، ذنب عظيم يؤدى إلى العذاب الأليم فى الدنيا والآخرة، لأن الله - تعالى - علق الوعيد الشديد فى الدارين على محبة انتشار الفاحشة فى الذين آمنوا . ثم ذكر - سبحانه - المؤمنين بفضله عليهم مرة أخرى ، لکی يزدادوا اعتبارا واتعاظا فقال ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم ﴾. وجواب (( لولا)) محذوف ، كما أن خبر المبتدأ محذوف ، والتقدير : ولولا فضل الله عليكم ، ورحمته بكم موجودان ، لعاجلکم بالعقوبة . ولکنه - سبحانه - لم یعاجلکم بها ، لأنه شدید الرأفة والرحمة بعباده ، ولو يؤاخذهم بما كسبوا ما ترك عليها من دابة . ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن اتباع خطوات الشيطان ، فقال : يأيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ، ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ... ﴾ . والخطوات : جمع خطوة . وهى فى الأصل تطلق على ما بين القدمين . والمراد بها هنا : طرقه ومسالكه ووساوسه ، التى منها الإصغاء إلى حديث الإِفك ، والخوض فيه . وما يشبه ذلك من الأقوال الباطلة ، والأفعال القبيحة . أى : يا من آمنتم بالله حق الإِيمان ، احذروا أن تسلكوا المسالك التى يغريكم بسلوكها