النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
سورة المؤمنون
قُل رَبِّ
إِمَّا تُرِيَنِى مَا يُوعَدُونَ ﴿٢، رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِى فِى الْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ ﴿ وَإِنَّا عَلَى أَنْ تُرِيَكَ مَا فَعِدُ هُمْ لَقَدِرُونَ
أَدْفَعْ بِالّتِى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةُ مَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴿
٩٦
وَقُل رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَتِ الشَّيَاطِينِ ، وَأَعُوذُبِكَ
رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ
٩٨
قال الجمل: (( لما أعلم الله - تعالى - نبيه -* - بأنه منزل عذابه بهؤلاء المشركين ،
إما فى حياته -* - أو بعد مماته ، علمه كيفية الدعاء بالتخلص من عذابهم فقال
- تعالى -: ﴿ قل رب إما ترينى ما يوعدون﴾ وقوله: ﴿ترينى﴾ فعل مضارع مبنى على
الفتح لاتصاله بنون التوكيد ، و ﴿ ما ﴾ مفعول به ، ورأى بصرية تعدت لمفعولين بواسطة
الهمزة ، لأنه من أرى الرباعى ، فياء المتكلم مفعول أول ، وما الموصولة المفعول
الثانى .. ))(١) .
أى : قل - أيها الرسول الكريم - يارب إن تطلعني وترينى العذاب الذى توعدت به
هؤلاء المشركين ، فأسألك - يا إلهى - أن لا تجعلنى قرينًا لهم فيه ، وأبعدنى عن هؤلاء القوم
الظالمين ، حتى لا يصيبنى ما يصيبهم .
ورسول الله - # - فى عصمة من الله - تعالى - من أن يجعله مع القوم الظالمين ، حين
ينزل بهم العذاب ، ولكن جاءت الآية بهذا الدعاء والإِرشاد ، للزيادة فى التوقى ، ولتعليم
المؤمنين أن لا يأمنوا مكر اته ، وأن يلوذوا دائماً بحماه .
وقوله - سبحانه - ﴿ وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون ﴾ بيان لكمال قدرة الله تعالى
التی لا یعجزها شىء .
أى : نحن قادرون - يا محمد - على إطلاعك على العذاب الذى أعددناه لهم ولكن لحكمة
نعلمها، لم نطلعك عليه، بل سنؤخره عنهم إلى الوقت الذى نريده، قال تعالى: ﴿وإمَّا
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٢٠١ .

٦٢
المجلد العاشر
نريتك بعض الذى نعدهم أو نتوفيتك ، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب
(١)
ثم أمر الله تعالى نبيه -# - بالصبر على أذاهم . وبمقابلة سيئاتهم بالخصال الحسنة ،
فقال: ﴿ ادفع بالتى هى أحسن السيئة ، نحن أعلم بما يصفون ﴾.
أى : قابل - أيها الرسول الكريم - سيئات هؤلاء المشركين الجاهلين ، بالأخلاق
والسجايا التى هى أحسن من غيرها ، كأن تعرض عنهم ، وتصبر على سوء أخلاقهم ، فأنت
صاحب الخلق العظيم ، ونحن أعلم منك بما يصفوننا به من صفات باطلة . وما يصفوك به من
صفات ذميمة ، وسنجازهم على ذلك بمايستحقون ، فى الوقت الذى نريده .
فالآية الكريمة توجيه حكيم من الله - تعالى - لنبيه - ، وتسلية له عما أصابه من أعدائه ،
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين﴾(٢).
ثم أمره - تعالى - بأن يستعيذ به من وساوس الشياطين ونزغاتهم فقال: ﴿ وقل رب
أعوذ بك من همزات الشياطين . وأعوذ بك رب أن يحضرون ﴾ .
وقوله : ﴿ همزات) جمع همزة وهى المرة من الهمز. وهى فى اللغة النخس والدفع باليد أو
بغيرها . يقال : همزه يهمزه - بضم الميم وكسرها - إذا نخسه ودفعه وغمزه .
ومنه المهماز، وهو حديدة تكون مع الراكب للدابة يحثها بها على السير .
والمراد بهمزات الشياطين هنا: وساوسهم لبنى آدم وحضهم إياهم على ارتكاب ما نهاهم الله
- تعالى - عنه .
أى : وقل - أيها الرسول الكريم - يارب أعوذ بك ، واعتصم بحماك ، من وساوس
الشياطين ، ومن نزغاتهم الأثيمة ، ومن همزاتهم السيئة ، وأعوذ بك يا إلهى وأتحصن بك ، من
أن يحضر نى أحد منهم فى أى أمر من أمور دينى أو من دنياى ، فأنت وحدك القادر على حمایتی
منهم .
وفى هذه الدعوات من الرسول - ﴿ - وهو المعصوم من همزات الشياطين - تعليم
للمؤمنين ، وإرشاد لهم، إلى اللجوء - دائما - إلى خالقهم ، لكى يدفع عنهم وساوس
الشياطين ونزغاتهم .
ثم تنتقل السورة بعد ذلك إلى بيان أقوال هؤلاء المشركين عندما ينزل بهم الموت ، وعندما
(١) سورة الرعد آية ٤٠ .
( ٢) سورة الأعراف الآية ١٩٩ .

٦٣
سورة المؤمنون
تلفح وجوههم النار ، وكيف أنهم يلتمسون العودة بذلة ولكن لا يجابون إلى طلبهم ، لأنه جاء فى
غير وقته ..
استمع إلى السورة الكريمة وهى تصور أحوالهم عند الاحتضار ، وعند الإلقاء بهم فى النار
فتقول :
حَتََّإِذَاجَاءَ أَحَدَ هُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ
أَرْجِعُونِ ) لَعَلِّ أَعْمَلُ صَلِ حَا فِيمَا تَرَّكْتُ كَلََّ إِنَّهَا كَلِمَةُ
هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَآبِهِم بَّزَعُ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿ فَإِذَانُفِخَ
فِ الصُّورِ فَلَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَيِذٍ وَلَا يَتَسَاءَ لُونَ
فَمَنْ تَقُلَتْ مَوَزِينُهُ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ النَّا، وَمَنْ
خَقَتْ مَوَزِينُّهُ ، فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُ وَاْ أَنفُسَهُمْ فِ جَهَنَّمَ
١٠٤
خَلِدُونَ { تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُوَهُمْ فِهَا كَلِحُونَ
أَلَمْ تَكُنْ ءَايَتِ تُثْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴿٢) قَالُواْ
رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِيْنَ ارَبَّنَآَ
أَخْرِجْنَامِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ () قَالَ أَخْسَتُواْفِيهَا
وَلَتُكَلِّمُونِ ﴿®) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ
فَاتّخذ تَمُوهُمْ
ءَامَنَّا فَأَغْفِرْ لَنَا وَارْ حَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّحِينَ (٦)
سِخْرِ يَّاحَتَأَنْسَوَّكُمْ ذِكْرِى وَكُنْتُمِمِنْهُمْتَضْحَُونَ
١١٠
إِنِى جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَآبِزُونَ
وقوله - تعالى -: ﴿ حتى إذا جاء أحدهم الموت .. ﴾ بيان لحال الكافرين عندما

٦٤
المجلد العاشر
يدركهم الموت. و((حتى)) حرف ابتداء .. والمراد بمجىء الموت: مجىء علاماته.
أى : أن هؤلاء الكافرين يستمرون فى لجاجهم وطغيانهم ، حتى إذا فاجأهم الموت ، ونزلت
بهم سكراته ، ورأوا مقاعدهم فى النار، قال كل واحد منهم يارب ارجعنى إلى الدنيا ، ﴿ لعلى
أعمل صالحا فيما تركت ﴾ أى: لكى أعمل عملا صالحا فيما تركت خلفى من عمرى فى أيام
الدنيا ، بأن أخلص لك العبادة والطاعة وأتبع كل ما جاء به نبيك من أقوال وأفعال .
وجاء لفظ (ارجعون﴾ بصيغة الجمع. لتعظيم شأن المخاطب، وهو الله - تعالى -
واستدرار عطفه - عز وجل - .
أى أن هذا الكافر استغاث بالله - تعالى - فقال: ((رب)) ثم وجه خطابه بعد ذلك إلى
خزنة النار من الملائكة فقال: ((ارجعون)).
و ((لعل)) فى قوله تعالى: ﴿ لعلى أعمل صالحا﴾ للتعليل. أى: ارجعون لكى أعمل
عملا صالحا .
وفى معنى هذه الآية وردت آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى -: ﴿ ... وترى الظالمين لما
رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل ﴾(١).
وقوله - سبحانه - ﴿ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم . ربنا أبصرنا
(٢)
وسمعنا ، فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون
.
ثم بين - سبحانه - الجواب عليهم فقال: ﴿ كلا إنها كلمة هو قائلها ، ومن ورائهم برزخ
إلى يوم يبعثون
.
و ((كلا)) حرف زجر وردع. والبرزخ: الحاجز والحاجب بين الشيئين لكى لا يصل
أحدهما إلى الآخر . والمراد بالكلمة : ما قاله هذا الكافر . أى : رب أرجعون .
أى : يقال لهذا الكافر النادم: كلا، لا رجوع إلى الدنيا ﴿ إنها﴾ أى قوله رب
أرجعون ، ﴿ كلمة هو قائلها) ولن تجديه شيئا ، لأنه قالها بعد فوات الأوان لنفعها،
ومن ورائهم﴾ أى: ومن أمام هذا الكافر وأمثاله، حاجز يحول بينهم وبين الرجوع إلى
الدنيا ، وهذا الحاجز مستمر إلى يوم البعث والنشور .
فالمراد بالبرزخ : تلك المدة التى يقضيها هؤلاء الكافرون منذ موتهم إلى يوم يبعثون .
وفى هذه الجملة الكريمة . زجر شديد لهم عن طلب العودة إلى الدنيا . وتيئيس وإقناط لهم
(١ ) سورة الشورى الآية ٤٤ .
(٢) سورة السجدة الآية ١٢ .

٦٥
سورة المؤمنون
من التفكير فى المطالبة بالرجعة ، وتهديد لهم بعذاب القبر إلى يوم القيامة .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن ما ينفع الناس يوم القيامة إنما هو إيمانهم وعملهم ،
لا أحسابهم ولا أنسابهم . فقال - تعالى - : ﴿ فإذا نفخ فى الصور فلا أنساب بينهم يومئذ
ولا يتساءلون ﴾ .
والأنساب : جمع نسب . والمراد به القرابة ، والمراد بالنفخ فى الصور: النفخة الثانية التى
يقع عندها البعث والنشور. وقيل : النفخة الأولى التى عندها يحيى اللّه الموتى .
والمراد بنفى الأنساب : انقطاع آثارها التى كانت مترتبة عليها فى الدنيا ، من التفاخر بها ،
والانتفاع بهذه القرابة فى قضاء الحوائج .
أى: فإذا نفخ إسرافيل - عليه السلام - فى الصور - وهو آلة نُفَوض هيئتها إلى الله -
تعالى - ، فلا أنساب ولا أحساب بين الناس نافعة لهم فى هذا الوقت ، إذ النافع فى ذلك
الوقت هو الإِيمان والعمل الصالح .
ولا هم يتساءلون فيما بينهم لشدة الهول ، واستيلاء الفزع على النفوس ولا تنافى بين هذه
الآية، وبين قوله - تعالى -: ﴿فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾(١) فإن كل آية تحكى
حالة من الحالات ، ويوم القيامة له مواقف متعددة ، فهم لا يتساءلون من شدة الهول فى
موقف . ويتساءلون فى آخر عندما يأذن الله - تعالى - لهم بذلك .
وقوله - سبحانه -: ﴿ فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ... ﴾ بيان لما يكون بعد
النفخ فى الصور من ثواب أو عقاب .
أى: وجاء وقت الحساب بعد النفخ فى الصور، ﴿فمن ثقلت موازينه ﴾ أى: موازين
أعماله الصالحة ، ﴿فأولئك هم المفلحون) فلاحا ليس بعده فلاح.
ومن خفت ﴾ موازين أعماله الصالحة ﴿فأولئك الذين خسروا أنفسهم) بأن ضيعوها
وألقوا بها إلى التهلكة ، فهم ، ﴿ فى جهنم خالدون﴾ فيها خلودا أبديا. ﴿تلفح وجوههم
النار وهم فيها كالحون ﴾ واللفح: الإِحراق الشديد يقال: فلان لفحته النار تلفحه لفحا
ولفحانا إذا أحرقته .
٠
والكلوح ، هو أن تتقلص الشفتان ، وتتكشف الأسنان ، لأن النار قد أحرقت الشفتين ،
كما يشاهد - والعياذ بالله - رأس الشاة بعد شويها .
أى : تحرق النار وجوه هؤلاء الأشقياء ، وهم فيها متقلصو الشفاه عن الأسنان ، من أثر
(١) سورة الصدغات الآية ٥٠ .
٠

٦٦
المجلد العاشر
ذلك الإِحراق واللفح .
ثم يقال لهم بعد كل هذا العذاب المهين على سبيل التقريع والتوبيخ: ﴿ ألم تكن آياتى ﴾
الدالة على وحدانيتى وقدرتى وصدق رسلى ﴿ تتلى عليكم ﴾ فى الدنيا على ألسنة هؤلاء الرسل
الكرام ﴿ فكنتم بها﴾ أى: بهذه الآيات ﴿ تكذبون﴾ هؤلاء الرسل فيما جاؤوكم به من
عندى من هدايات وإرشادات .
وكأنهم قد خيل إليهم - بعد هذا السؤال التوبيخى ، أنهم قد أذن لهم فى الكلام ، وأن
اعترافهم بذنوبهم قد ينفعهم فيقولون - كما حكى القرآن عنهم -: ﴿ قالوا ربنا غلبت علينا
شقوتنا ... ﴾ أى: يا ربنا تغلبت علينا أنفسنا الأمارة بالسوء، فصرفتنا عن الحق ، وتغلبت
علينا ملذاتنا وشهواتنا وسيئاتنا التى أفضت بنا إلى هذا المصير المؤلم ﴿وكنا قوما ضالين ﴾
عن الهدى والرشاد ، بسبب شقائنا وتعاستنا .
: ربنا أخرجنا منها﴾ أى: من هذه النار التى تلفح وجوهنا ﴿فإن عدنا﴾ إلى ما نحن
عليه من الكفر وارتكاب السيئات ﴿ فإنا ظالمون) أى: فإنا متجاوزون لكل حد فى الظلم ،
ونستحق بسبب ذلك عذابا أشد مما نحن فيه .
وهكذا يصور القرآن بأسلوبه البديع المؤثر ، أحوال الكافرين يوم القيامة ، تصويرا ترتجف
له القلوب ، وتهتز منه النفوس ، وتقشعر من هوله الأبدان .
وقوله - سبحانه -: ﴿ قال اخسأوا فيها ولا تكلمون ﴾ جواب على طلبهم الخروج من
النار ، والعودة إلى الدنيا .
أى : قال الله - تعالى - لهم على سبيل الزجر والتيئيس: ﴿اخسأوا فيها﴾ اسكتوا
وانزجروا انزجار الكلاب ، وامكثوا فى تلك النار ﴿ ولا تكلمون ﴾ فى شأن خروجكم منها ،
أو فى شأن عودتكم إلى الدنيا .
وقوله - تعالى - ﴿ إنه كان فريق من عبادى يقولون .. ﴾ تعليل لزجرهم عن طلب
الخروج أى : اخسأوا فى النار ولا تكلمون ، لأنه كان فى الدنيا فريق كبير من عبادى المؤمنين
يقولون بإخلاص ورجاء : ﴿ ربنا آمنا﴾ بك واتبعنا رسلك ﴿فاغفر لنا﴾ ذنوبنا
﴿ وارحمنا﴾ برحمتك التى وسعت كل شىء ﴿وأنت خير الراحمين﴾.
وقوله - سبحانه -: ﴿ فاتخذتموهم سخريا .... ﴾ هو محط التعليل ، أى : فكان حالكم
معهم أنكم سخرتم واستهزأتم بهم .
حتى أنسوكم ذكرى ﴾ أى: فاتخذتموهم سخريا، وداومتم على ذلك ، وشغلكم هذا

٦٧
سورة المؤمنون
الاستهزاء ، حتى أنسوكم - لكثرة انهاككم فى السخرية بهم - تذكر عقابى لكم فى هذا
اليوم ، ﴿ وكنتم منهم تضحكون ﴾ فى الدنيا، وتتغامزون عندما ترونهم استخفافا بهم .
فلهذه الأسباب ، اخسأوا فى النار ولا تكلمون ، أما هؤلاء المؤمنون الذين كنتم تستهزئون
بهم فى الدنيا . فإنى ﴿ جزيتهم اليوم﴾ الجزاء الحسن (بما صبروا أنهم هم الفائزون﴾ فوزا
ليس هناك ما هو أكبر منه .
وبعد هذا الرد الذى فيه مافيه من الزجر للكافرين ، وبعد بيان أسبابه ، وما اشتمل عليه
من تبكيت وتقريع ، يوجه إليهم - سبحانه - سؤالا يزيدهم حسرة على حسرتهم ، فيقول :
قَ
كَمْ لَبِثْتُمْ فِ الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١﴾ قَالُوالِتْنَا يَوَمَا أَوْبَعْضَ
يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعَآْدِينَ () قَالَ إِن لَِّثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْأَنَّكُمْ
كُنْتُوْ تَعْلَمُونَ ﴿آ) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَقْنَكُمْ عَيَثًا وَأَنَّكُمْ
إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١٥) فَتَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّلَا إِلَهَ إِلَّ
هُوَّرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيرِ ﴿ وَمَن يَدْعُ مَعَاللَّهِ إِلَهَا
ءَآخَرَ لاَ بُرْهَ لَهُرِهِ. فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَرَبِّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ
اَلْكَفِرُونَ () وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَأَرْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّحِينَ
(١١٨)
أى : قال الله - تعالى - لهم بعد أن زجرهم وأمرهم أن يسكتوا سكوت هوان وذلة: كم
عدد السنين التى لبثتموها فى دنياكم التى تريدون الرجوع إليها ؟
ولاشك أن الله - تعالى - يعلم مقدار الزمن الذى لبثوه ، ولكنه سألهم ليبين لهم قصر أيام
الدنيا ، بالنسبة لما هم فيه من عذاب مقيم ، وليزيد فى حسرتهم وتوبيخهم .
وهنا يقولون فى يأس وذلة: ﴿ لبثنا يومًا أو بعض يوم﴾ وهو جواب يدل على استصغارهم
للمدة التى لبثوها فى الدنيا . بجانب ماهم فيه من عذاب .

٦٨
المجلد العاشر
وقوله - تعالى - ﴿ فاسأل العادين﴾ يشعر بذهولهم عن التحقق من مقدار المدة التى
لبثوها فى الدنيا .
أى : فاسأل المتمكنين من معرفة المدة التى مكتناها فى الدنيا .
فيرد الله - تعالى - عليهم بقوله (قال إن لبثتم﴾ أى: ما لبثتم فى الدنيا، ﴿ إلا
قليلا ﴾ أى: إلا وقتا قليلا ﴿ لو أنكم كنتم تعلمون﴾ شيئا من العلم لأدركتم أن ما لبثتموه
فى الدنيا ، هو قليل جدا بالنسبة إلى مكتكم فى النار بسبب إصراركم على كفركم فی حیاتکم
الدنيا . فجواب لو محذوف ، لدلالة الكلام عليه .
ولا يتعارض قولهم هنا ﴿ لبثنا يوما أو بعض يوم ﴾ مع آيات أخرى ذكرت بأنهم
﴿ يتخافتون بينهم إن لبنتم إلا عشرا﴾(١) وبأنهم ﴿مالبثوا غير ساعة) كما فى قوله
- تعالى -. ﴿ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون مالبثوا غير ساعة ... ﴾(٢).
لأن كل فريق منهم قد أخبر بما تبادر إلى ذهنه ، فبعضهم قال : ليثنا عشرا ، وبعضهم قال : .
لبثنا يوما أو بعض يوم، وبعضهم أقسم بأنه مالبث فى الدنيا غير ساعة .
وهذا يدل على أن أهوال العذاب ، قد أنستهم ما كانوا فيه فى الدنيا من متاع ،
وما انغمسوا فيه من شهوات ...
والاستفهام فى قوله - تعالى -: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبئا ... ﴾ للإنكار والنفى ،
والحسبان هنا : بمعنى الظن . والفاء معطوفة على محذوف مقدر. والعبث: اللعب وما لافائدة
فيه من قول أو فعل .
أى : أغرتكم الدنيا ، وغفلتم عن مصيركم ، فحسبتم أنما خلقناكم عبثا لا لحكمة تقتضيها
إرادتنا من خلقكم، وحسبتم كذلك ﴿ أنكم إلينا لا ترجعون ﴾ يوم القيامة للحساب
والجزاء .
إن جزاء هذا الحسبان الباطل ، هو هذا المصير المهين الذى تصطلون بناره اليوم ثم نزه
- سبحانه - ذاته عن أن يكون قد خلقهم عبثا فقال: ﴿ فتعالى اللّه الملك الحق ... ﴾.
أى : فتعاظم وتقدس عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله، اللّه الملك الحق ، فهو - عز
وجل - منزه عن أن يخلق الناس بدون حكمة أو غرض صحيح .
لا إله إلا هو) فإن كل ما عداه مخلوق له، وهو - سبحانه - ﴿رب العرش
الکریم
(١) سورة طه الآية ١٠٣ .
(٢) سورة الروم الآية ٥٥ .

٦٩
سورة المؤمنون
ثم هدد - سبحانه - كل من يعبد غيره أشد تهديد فقال: ﴿ومن يدع مع اللّه إلَّا آخر ﴾
أى: ومن يدع مع الله - تعالى - إلّا آخر فى عبادته أو مناجاته أو أقواله ، أو أفعاله ...
لا برهان له به ﴾ أى : لا دليل له على هذه العبادة ، وليس لهذه الجملة الكريمة مفهوم
مخالفة ، بل هى صفة مطابقة للواقع ، لأن كل عابد لغير اللّه ، لا دليل له على هذه العبادة
إطلاقًا ، إذ العبادة لا تكون إلا لله - تعالى - وحده .
فذكر هذه الجملة لإِقرار الواقع وتأكيده ، لا لإِخراج المفهوم عن حكم المنطوق .
وقوله ﴿ فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون ﴾ تهديد شديد لمن يدعو مع الله
- تعالى - إلّا آخر . أى : من يفعل ذلك فسيلقى الحساب الشديد ، والجزاء الرادع ، من
عند ربه - عز وجل - ، لأن عدالته قد اقتضت أن الكافرين به لا ينالون الفلاح ، وإنما
ينالون الخزى والخسران .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله : ﴿ وقل رب اغفر وارحم وأنت خير
الراحمين ﴾ أى: وقل - أيها الرسول الكريم - مناجيا ربك : رب اغفر للمؤمنين ذنوبهم ،
وارحم العصاة منهم ، وأنت يا مولانا خير من يرحم ، وخير من يغفر .
قال الآلوسى: ((وفى تخصيص هذا الدعاء بالذكر ما يدل على أهمية مافيه ، وقد علم النبى
- - أبا بكر أن يقول نحوه فى صلاته . فقد أخرج الشيخان عن أبى بكر - رضى الله
عنه - قال: يا رسول الله، علمنى دعاء أدعو به فى صلاتى. فقال له قل: ((اللهم إنى ظلمت
نفسى ظلما كثيرا ، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لى مغفرة من عندك ، وارحمنى إنك
أنت الغفور الرحيم» (١) .
وبعد :
فهذه هى سورة ((المؤمنون)) وهذا تفسير محرر لها . نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا
لوجهه ، ونافعا لعباده .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
القاهرة - مدينة نصر
مساء الثلاثاء : ١١ من ربيع الأول ١٤٠٥ هـ
١٩٨٤ م
٤ من ديسمبر
د . محمد سيد طنطاوى
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٨ ص ٧٢ .

و
تفسير
سورة النور

. -

٧٣
مقدمة
بِسْمِ اللهُ الرَّحمَنِّ الرَّحِيمِ
مقدمة وتمهيد
١ - سورة النور من السور المدنية ، وعدد آياتها أربع وستون آية ، وكان نزولها بعد سورة
النصر .
وقد اشتملت هذه السورة الكريمة ، على أحكام العفاف والستر . وهما قوام المجتمع
الصالح . وبدونها تنحط المجتمعات . ويصير أمرها فرطا ، ويصبح الفرد إلى الحيوان
الأعجم ، أقرب منه إلى الإنسان العاقل .
قال الآلوسي: (( رُوِى عن رسول الله - صل﴿ - أنه قال: ((علموا رجالكم سورة
المائدة ، وعلموا نساءكم سورة النور)).
وعن حارثة بن مضرب قال : كتب إلينا عمر بن الخطاب ، أن تعلموا سورة النساء
والأحزاب والنور))(١) .
٢ - وتبدأ هذه السورة الكريمة ببدء فريد ، تقرر فيه وجوب الانقياد لما فيها من أحكام
وآداب فتقول: ﴿سورة أنزلناها وفرضناها، وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون﴾.
ثم تقبح فاحشة الزنا تقبيحا يحمل النفوس على النفور منها ، وعلى نبذ مرتكبيها ، وعلى
تنفيذ حدود الله - تعالى - فيهم بدون شفقة أو رأفة .
قال - تعالى - : ﴿ الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ، ولا تأخذكم بها
رأفة فى دين الله، إن كنتم يؤمنون بالله واليوم الآخر ، وليشهد عذابها طائفة من المؤمنين﴾.
٣ - ثم تبين السورة الكريمة بعد ذلك ، حكم الذين يرمون النساء العفيفات بالفاحشة ،
وحكم الذين يرمون أزواجهم بذلك ، ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم .
قال - تعالى -: ﴿ والذين يرمون المحصنات ، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين
جلدة ، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ، وأولئك هم الفاسقون * إلا الذين تابوا من بعد ذلك
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٨ ص ٧٤ .

٧٤
المجلد العاشر
وأصلحوا فإن الله غفور رحيم * والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ،
فشهادة أحدهم اربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين
٤ - ثم ذكر - سبحانه - فى ست عشرة آية قصة الإفك ، على الصديقة بنت الصديق ،
ومن بين ما اشتملت عليه هذه القصة : تنبيه المؤمنين إلى العذاب العظيم الذى أعده
الله - تعالى - لمن أشاع هذا الإِفك ، وحض المؤمنين على التثبت من صحة الأخبار ، وعلى
وجوب حسن الظن بالمؤمنين ، وعلى تحذيرهم من اتباع خطوات الشيطان .
ثم ختمت القصة ببراءة السيدة عائشة من كل ما اتهمت به ، قال - تعالى - : ﴿أولئك
مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم ﴾ .
٥ - وبعد أن أفاضت السورة الكريمة فى بيان قبح فاحشة الزنا ، وفى عقوبة من يقذف
المحصنات الغافلات .. أتبعت ذلك بحديث مستفيض ، عن آداب الاستئذان ، وعن وجوب
غض البصر بالنسبة للرجال والنساء على السواء ، وعن تعليم الناس الآداب القويمة ،
والأخلاق المستقيمة ، حتى يحيا المجتمع المسلم حياة يسودها الطهر والعفاف والنقاء .
قال - تعالى - ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم ، حتى تسأنسوا وتسلموا
على أهلها ، ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون ﴾ .
وقال - سبحانه -: ﴿ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ، ذلك أزكى
لهم ، إن الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن
فروجهن ... ﴾ .
٦ - ثم حبيت السورة الكريمة إلى المؤمنين والمؤمنات الزواج من أهل الدين والصلاح ،
دون أن يمنعهم من ذلك الفقر أو قلة ذات اليد، فإنهم ((إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ،
والله واسع عليم)) وعلى الذين لم يتيسر لهم وسائل الزواج ، أن يعتصموا بالعفاف ، حتى
يغنيهم الله - تعالى - من فضله .
قال - تعالى -: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم) - أى زوجوا من لا زوج له من الأحرار
والحرائر ﴿والصالحين من عبادكم وإمائكم، إن يكونوا فقراء، يغنهم الله من فضله، والله
واسع عليم ، وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله - تعالى - من فضله﴾
٧ - وبعد أن ساقت السورة الكريمة تلك التوجيهات السامية ، التى من شأنها أن تسلح
الأفراد والجماعات ، بسلاج الطهر والعفاف والتستر والآداب الحميدة .. أتبعت ذلك ببيان أن
الله - تعالى - هو نور العالم كله علويه وسفليه ، وهو منوره بآياته التكوينية والتنزيلية الدالة

٧٥
مقدمة
على وحدانيته وقدرته ، وأن أشرف البيوت فى الأرض ، هى بيوته التى يذكر فيها اسمه والتى
يسبح له فيها بالغدو والآصال ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة
وإيتاء الزكاة . يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار. ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم
من فضله ، والله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ .
تلك هى عاقبة المؤمنين الصادقين. الذين ((لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله)) أما
الكافرون فأعمالهم ((كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ، ووجد الله
عنده فوفاه حسابه ، والله سريع الحساب)).
٨ - ثم انتقلت السورة بعد ذلك إلى الحديث عن مظاهر قدرة الله - تعالى - فى هذا
الكون ، وأن المتأمل فى هذا الوجود ، يرى مظاهر قدرته - سبحانه - ظاهرة فى هذا السحاب
الذى يتحول إلى مطر لا غنى للناس عنه ، وفى تقلب الليل والنهار . وفى خلق الدواب على
أشكال مختلفة .
قال - تعالى -: ﴿ يقلب اللّه الليل والنهار، إن فى ذلك لعبرة الأولى الأبصار * والله
خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشى على بطنه . ومنهم من يمشى على رجلين ، ومنهم من يمشى
على أربع ، يخلق الله ما يشاه إن الله على كل شىء قدير
﴾ .
٩ - ثم كشفت السورة الكريمة للمؤمنين عن جانب من رذائل المنافقين ، لكى يحذروهم .
فقال - تعالى -: ﴿ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا، ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك
وما أولئك بالمؤمنين * وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، إذا فريق منهم معرضون *
وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين * أفى قلوبهم مرض أم ارتابوا ، أم يخافون أن يحيف الله
عليهم ورسوله ، بل أولئك هم الظالمون ﴾
١٠ - وبعد هذا التوبيخ للمنافقين على سلوكهم الذميم ، وعلى نكوصهم عن حكم
الله - تعالى - ورسوله - صلو - جاء وعد الله - تعالى - للمؤمنين، بالاستخلاف فى
الأرض ، وبالتمكين فى الدين ، وبتبديل خوفهم أمنا ، فقال - تعالى -: ﴿وعد الله الذين
آمنوا منكم وعملوا الصالحات ، ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم .
وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم ، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدوننى لا يشركون بى
شيئا ، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ﴾ .
١١ - ثم عادت السورة مرة أخرى إلى الحديث عن آداب الاستئذان ، فأمرت المؤمنين أن
يعودوا مماليكهم وصبيانهم الذين لم يبلغوا الحلم ، على الاستئذان فى الدخول عليهم ثلاث مرات

٧٦
المجلد العاشر
من قبل صلاة الفجر ، وعند وقت الظهيرة ، ومن بعد صلاة العشاء ، فإن هذه الأوقات قد ،
تكون المرأة أو الرجل فيها ، بحالة لا يصح الاطلاع عليها ..
قال - تعالى - ﴿يأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ، والذين لم يبلغوا
الحلم منكم ثلاث مرات ، من قبل صلاة الفجر ، وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة . ومن بعد
صلاة العشاء ، ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن ، طوافون عليكم
بعضكم على بعض ، كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم ﴾ .
١٢ - ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان صفات المؤمنين الصادقين ، وبحضهم
على تكريم رسولهم - 13 - وتعظيمه وتوقيره . وببيان أن هذا الكون كله ملك
لله - تعالى - وتحت قبضته وعلمه، فقال - سبحانه -: ﴿ ألا إن الله ما فى السموات
والأرض ، قد يعلم ما أنتم عليه ، ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا ، واللّه بكل شىء
عليم ﴾ .
١٣ - وبعد : فهذا عرض إجمالى للمقاصد التى اشتملت عليها سورة النور ، ومنها نرى
أن السورة الكريمة زاخرة بالأحكام الشرعية ، وبالآداب الإسلامية وبالتربية الدينية
وبالوسائل الوقائية التى من شأنها أن تغرس الأخلاق الكريمة فى نفوس الأفراد والجماعات .
وإن تجعلهم يرغبون فى اعتناق الفضيلة . وينفرون من مقاربة الرذيلة . ويسعدون فى دينهم
ودنياهم .
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين .
القاهرة - مدينة نصر
المؤلف
د . محمد سيد طنطاوى
١٥ من شهر ربيع الأول ١٤٠٥ هـ
١٩٨٤ م
٨ من ديسمبر

٧٧
سورة النور
التفسير
قال اله تعالى:
◌ِاللَّهِالرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
سُورَةٌ أَنْزَلْتَهَا وَفَرَضْنَهَا وَأَقْنَا فِيهَاءَيَتٍ بِنَتٍ لَعَلَّكُمْنَذَّكَّرُونَ ))
افتتحت سورة النور بافتتاح لم تشترك معها فيه ، سورة أخرى من سور القرآن الكريم ..
وقوله - سبحانه - : ﴿سورة﴾ خبر لمبتدأ محذوف. أى: هذه سورة .
والسورة القرآنية : هى مجموعة من الآيات المسرودة ، لها مبدأ ولها نهاية، وجمعها : سُوَر.
وكلمة سورة مأخوذة من سور المدينة ، وكأن السورة القرآنية سميت بهذا الاسم لإِحاطتها
بآياتها إحاطة السور بما يكون بداخله .
أو أنها فى الأصل تطلق على المنزلة السامية ، والسورة القرآنية سميت بذلك لرفعتها وعلو
شأنها .
قال القرطبى : والسورة فى اللغة : اسم للمنزلة الشريفة ، ولذلك سميت السورة من
القرآن سورة . قال زهير :
ألم تر أن الله أعطاك سُورَة ترى كلّ مَلْكِ دونَها يتذبذب(١)
وقوله - تعالى -: ﴿وفرضناها ﴾ من الفرض بمعنى القطع. وأصله قطع الشىء الصُّلْب
والتأثير فيه .
والمراد به هنا : تنفيذ أحكام الله - تعالى - على أتم وجه وأكمله .
والمعنى هذه سورة قرآنية . أنزلناها عليك - أيها الرسول الكريم - ، وأوجبنا ما فيها من
(١) تفسير القرطبى جـ ١٢ ص ١٥٨ .

٧٨
المجلد العاشر
أحكام ، وآداب وتشريعات ، إيجابا قطعيا ، وأنزلنا فيها آيات بينات واضحات الدلالة على
وحدانيتنا ، وقدرتنا ، وعلى صحة الأحكام التى وردت فيها ، لتتذكروها وتعتبروا بها وتعتقدوا
صحتها وتنفذوا ما اشتملت عليه من أمر أو نهى .
وجمع - سبحانه - بين الإِنزال والفرضية فقال: ﴿أنزلناها وفرضناها﴾ لبيان أن
الغرض منها ليس مجرد الإِنزال وإنما الإنزال المصحوب بوجوب تنفيذ الأحكام والآداب التى
اشتملت عليها ، والتى أنزلت من أجلها .
ومعلوم أن إنزال السورة كلها . يستلزم إنزال هذه الآيات منها فيكون التكرار فى
قوله - تعالى -: ﴿وأنزلنا فيها آيات بينات ﴾ لكمال العناية بشأنها ، كما هى الحال فى ذكر
الخاص بعد العام .
و ((لعل)» فى قوله - تعالى - ﴿لعلكم تذكرون﴾ للتعليل. أى: لعلكم تتذكرون
ما فيها من آيات دالة على وحدانيتنا وقدرتنا ، وعلى سمو تشريعاتنا ، فيؤدى بكم هذا التذكر
إلى عبادتنا وطاعتنا .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك حد الزانى والزانية ، وقبح جريمة الزنا تقبيحا يحمل على
النفور، وحرمها على المؤمنين تحريما قاطعا، فقال - تعالى -:
الَّانِيَةُ وَالزَِّ فَاجْلِهُ وَأَكُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَدَّةٍ وَلَا تَأْمُذْكُر
بِمَا رَفَّةٌ فِيِنِاللَّهِإِنْ كُمُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِّوَلَشْهَدْ
عَذَابَهُمَا طَاِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِينَ ن ◌َِّ لَا يَنَكِّمُ إِلََّ زَانِيَةً أَوْ
مُشْرِكَةٌ وَلََِّةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلََّرَانٍ أَوْمُشْرِكٌ وَحُرِمَ ذَلِكَ عَلَى
اَلْمُؤْمِنِينَ
فقوله - تعالى -: ﴿ الزانية والزانى .. ﴾ شروع فى تفصيل الأحكام ، التى أشار
إليها - سبحانه - فى الآية الأولى من هذه السورة، وهى قوله: ﴿ سورة أنزلناها
وفرضناها ...
.
والزنا من الرجل معناه : وطء المرأة من غير ملك ولا شبهة ملك ومعناه من المرأة : أن

٧٩
سورة النور
تمكن الرجل من أن يزنى بها .
والخطاب فى قوله - تعالى -: ﴿ فاجلدوا ... ﴾ للحكام المكلفين بتنفيذ حدود الله - عز
وجل - .
قال الجمل: ((وفى رفع ((الزانية والزانى)) وجهان: أحدهما - وهو مذهب سيبوبه - أنه
مبتدأ خبره محذوف . أى : فيما يتلى عليكم حكم الزانية ، ثم بين ذلك بقوله :
فاجلدوا .. ﴾ والثانى : - وهو مذهب الأخفش وغيره - أنه مبتدأ . والخبر جملة الأمر،
ودخلت الفاء لشبه المبتدأ بالشرط .. »(١) .
فإن قيل : ما الحكمة فى أن يبدأ الله فى فاحشة الزنا بالمرأة ، وفى جريمة السرقة بالرجل ،
حيث قال: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ... ﴾(٢)؟.
فالجواب : أن الزنا من المرأة أقبح ، فإنه يترتب عليه فساد الأنساب، وإلحاق الدنس
والعار بزوجها وأهلها ، وافتضاح أمرها عن طريق الحمل ، وفضلا عن ذلك ، فإن تمكينها
نفسها للرجل : هو الذى كان السبب فى اقترافه هذه الفاحشة ، فلهذا وغيره قدمت المرأة
هنا .
وأما جريمة السرقة ، فالغالب أن الرجال أكثر إقداما عليها ، لأنها تحتاج إلى جسارة وقوة ،
واجتياز للمخاطر .. لذا قدم الرجل على المرأة فيها .
وقوله - تعالى - ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله .. ﴾ نهى منه - سبحانه - عن
التهاون فى تنفيذ حدوده ، وحض على إقامتها بحزم وقوة ، والرأفة : أعلى درجات الرحمة .
يقال : رؤف فلان بفلان - بزنة كرم - إذا اشتد فى رحمته ، وفى العناية بأمره .
أى : أقيموا - أيها الحكام - حدود الله - تعالى - على الزانية والزانى بأن تجلدوا كل
واحد منهما مائة جلدة ، دون أن تأخذكم شفقة أو رحمة فى تنفيذ هذه الحدود ، ودون أن تقبلوا فى
التخفيف عنهما شفاعة شفيع ، أو وساطة وسيط ، فإن الله - تعالى - الذى شرع هذه
الحدود . وأمر بتنفيذها بكل شدة وقوة ، أرحم بعباده وبخلقه منكم . والرحمة والرأفة فى تنفيذ
أحكامه ، لا فى تعطيلها . ولا فى إجرائها على غير وجهها .
وقوله - سبحانه -: ﴿إن كنتم يؤمنون بالله واليوم الآخر .. ﴾ تأكيد لما قبله، وإلهاب
لمشاعرهم ، لتنفيذ حدود الله - تعالى - .
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٣ ص ٢٠٦ .
( ٢) سورة المائدة الآية ٣٨ .

٨٠
المجلد العاشر
أى : إن كنتم يؤمنون بالله واليوم الآخر إيمانا حقا ، فأقيموا حدود الله ، واجلدوا الزانية
والزانى مائة جلدة ، لا تأخذكم بهما رأفة أو شفقة فى ذلك .
وقوله - سبحانه -: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) بيان لما يجب على الحكام أن
يفعلوه عند تنفيذ العقوبة والأمر بشهود عذابهما للاستحباب لا للوجوب .
والمراد بعذابهما : إقامة الحد عليهما ، والطائفة فى الأصل : اسم فاعل من الطواف ، وهو
الدوران والإحاطة . وتطلق الطائفة عند كثير من اللغويين على الواحد فما فوقه .
قال الآلوسى: ((والحق أن المراد بالطائفة هنا ، جماعة يحصل بهم التشهير والزجر ،
وتختلف قلة وكثرة بحسب اختلاف الأماكن والأشخاص فرب شخص يحصل تشهيره وزجره
بثلاثة . وآخر لا يحصل تشهيره وزجره بعشرة وللقائل بالأربعة هنا وجه وجيه)) (١).
ولعل السبب فى وجاهة رأى القائلين بالأربعة وأن هذا العدد هو الذى يثبت به الزنا .
أى : وليشهد إقامة الحد على الزانية والزانى ، عددا من المؤمنين ، ليكون زيادة فى التنكيل
بمن يرتكب هذه الفاحشة ، وأدعى إلى الاعتبار والاتعاظ وأزجر لمن تسول له نفسه الإقدام
على تلك الجريمة النكراء .
ثم أضاف - سبحانه - إلى تقبيح أمر الزنا تقبيحا آخر أشد وأخزى فقال: ﴿ الزانى
لا ينكح إلا زانية أو مشركة ، والزانية لا ينكحها إلا زان أومشرك ... ﴾.
والظاهر أن المراد بالنكاح هنا : العقد الذى تترتب عليه المعاشرة الزوجية ، لأن أكثر ورود
لفظ النكاح فى القرآن . أن يكون بمعنى العقد ، بل قال بعضهم إنه لم يرد إلا بهذا المعنى .
أى : أنه جرت العادة أن الشخص الزانى لا يتزوج إلا زانية مثله أو مشركة وكذلك المرأة
الزانية لا تميل بطبعها إلا إلى الزواج من رجل زان مثلها أو من رجل مشرك وذلك لأن المؤمن
بطبعه ينفر من الزواج بالمرأة الزانية ، وكذلك المرأة المؤمنة تأنف من الزواج بالرجل الزانى .
فالآية الكريمة تحكى بأسلوب بديع ما تقتضيه طبيعة الناس فى التآلف والتزاوج ، وتبين أن
المشاكلة فى الطباع علة للتلاقى ، وأن التنافر فى الطباع علة للاختلاف .
وصدق رسول الله - في - حيث يقول: الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف،
وما تناكر منها اختلف .
وبدىء هنا بالزانى ، لأن الآية مسوقة للحديث عن النكاح ، والرجل هو الذى يتولاه ،
وهو الأصل فيه ، لأنه هو الذى يلتمسه عن طريق الخطبة وما يتبعها من خطوات توصله إلى
( ١) تفسير الآلوسى ج ١٨ ص ٨٤ .