النص المفهرس

صفحات 341-355

٣٤١
سورة الحج
وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُواْالْمُنْكَرْ بَكَادُونَ يَسْطُونَ
بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَاْقُلْ أَفَأُنُبِتُكُمْ بِشَرِيِّن
ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللّهُ الَّذِينَ كَفَرُ واْوَيْسَ الْمَصِيرُ (
٧٢
أى : أن هؤلاء المشركين الذين ينازعونك فيما جئتهم به من عند ربك ، يتركون ما تدعوهم
إليه - أيها الرسول الكريم - من إخلاص للعبادة لله - تعالى - ويعبدون من دونه
- سبحانه - آلهة أخرى لا دليل لهم على عبادتها من عقل أو نقل .
إذ قوله - سبحانه -: ﴿ مالم ينزل به سلطانا ﴾ نفى لأن يكون لهم دليل سمعى على
عبادتها وقوله - تعالى -: ﴿ وما ليس لهم به علم ﴾ نفى لأن يكون لهم دليل عقلى على
عبادتها .
والتنكير فى قوله: ((سلطانا، وعلم)) للتقليل . أى: لا دليل لهم أصلا لا من جهة
السمع ، ولا من جهة العقل ، ومع ذلك يتمسكون بهذه العبادة الباطلة .
وقوله - تعالى -: ﴿ وما للظالمين من نصير ﴾ تهديد بسوء المصير لهؤلاء المشركين .
أى : وما للظالمين الذين وضعوا العبادة فى غير موضعها ، من نصير ينصرهم من عقاب الله
وعذابه ، لأنهم بسبب عبادتهم لغير الله - تعالى - ، قد قطعوا عن أنفسهم كل رحمة ومغفرة .
ثم بين - سبحانه - أنهم بجانب ضلالهم ، تأخذهم العزة بالإِثم إذا ما نصحهم الناصحون
بالإِقلاع عن هذا الضلال فقال: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف فى وجوه الذين كفروا
المنكر ، يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا .. ﴾ .
وقوله ﴿ يسطون ﴾ من السطو، بمعنى الوثب والبطش بالغير. يقال: سطا فلان على
فلان ، إذا بطش به بضرب أو شتم أو سرقة أو ما يشبه ذلك .
أى : وإذا تتلى على هؤلاء الظالمين ، آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ، من قبل عبادنا
المؤمنين ﴿ تعرف﴾ - أيها الرسول الكريم - ﴿ فى وجوه الذين كفروا﴾ بهذه الآيات
البينات ﴿ المنكر﴾ أى: ترى فى وجوههم الإنكار لها، والغضب منها ومن قارئها ،
والكراهية والعبوس عند سماعها .
بل ويكادون فوق ذلك ، يبطشون بالمؤمنين الذين يتلون عليهم آياتنا ، ويعتدون عليهم
بالسب تارة ، وبالضرب تارة أخرى .

٣٤٢
المجلد التاسع
وذلك لأن هؤلاء الظالمين ، حين عجزوا عن مقارعة الحجة بالحجة لجأوا إلى السطو
والعدوان ، وهذا شأن الطغاة الجاهلين فى كل زمان ومكان .
ثم أمر الله - تعالى - رسوله - وسيجر - أن يقول لهؤلاء الطغاة على سبيل التهديد
والوعيد ، ما من شأنه أن يردعهم عن سطوهم وبغيهم فقال : ﴿ قل أفأنبئكم بشر من
ذلكم ﴾ .
أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الظالمين ألا أخبركم بما هو أشد ألما من غيظكم
على من يتلو عليكم آياته ، ومن همكم بالسطو عليه ؟ .
أشد من كل ذلك ﴿النار﴾ التى ﴿وعدها الله الذين كفروا﴾ أى: وعدهم بدخولها، و
بالاصطلاء بسعيرها ﴿وبئس المصير﴾ مصير هؤلاء الكافرين .
قال الجمل: وقوله: ﴿النار﴾ خبر مبتدأ محذوف، كأن سائلا سأل فقال: وما الأشر ؟
فقيل : النار، أى: هو النار . وحينئذ فالوقف على ذلكم ، أو على النار .
ويصح أن يكون لفظ النار مبتدأ ، والخبر : وعدها الله . وعلى هذا فالوقف على :
كفروا .. (١) .
ثم وجه - سبحانه - نداء الى الناس . بين فيه أن كل آلهة تعبد من دونه - عز وجل -
فهى باطلة وهى أعجز من أن تدافع عن نفسها ، وأن كل عابد لها هو جاهل ظالم . فقال
- تعالى - :
يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْلَهُ إِنَّ الَّذِينَ
تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِلَنْ يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ أَخْتَمَعُواْلَّةً.
وَإِن ◌َسْتُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ
٤َ مَا قَدَرُ واْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِفْهِإِنَّ
٧٣
الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
اَللَّهَ لَقَوِىَّ عَزِيزُ اللَّهُ يَصْطَفِىِ مِنَ الْمَلَمِكَةِ
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ١٨٠.

٣٤٣
سورة الحج
رُسُلًاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴿ يَعْلَمُ
مَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُه
٧٦
والمثل : الشبيه والنظير ، ثم أطلق على القول السائر المعروف ، لمماثلة مضربه - وهو
الذى يضرب فيه - بمورده - وهو الذى ورد فيه أولا - ولا يكون إلا لما فيه غرابة .
وإنما تضرب الأمثال لإِيضاح المعنى الخفى ، وتقريب الشىء المعقول من الشىء المحسوس ،
وعرض الغائب فى صورة المشاهد ، فيكون المعنى الذى ضرب له المثل أوقع فى القلوب ، وأثبت
فى النفوس .
وسمى الله - تعالى - ما ساقه فى هذه الآية الكريمة مثلا ، لأن ما يفعله المشركون من
عبادتهم لآلهة عاجزة ، يشبه المثل فى غرابته وفى التعجب من فعله .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : الذى جاء به - سبحانه - ليس بمثل فكيف سماه
مثلا ؟ .
قلت : قد سميت الصفة أو القصة الرائعة الملتقاة بالاستغراب مثلا ، تشبيها لها ببعض
الأمثال المسيرة ، لكونها مستحسنة مستغربة عندهم (١) .
والمعنى : يأيها الناس لقد بينا لكم قصة مستغربة وحالا عجيبة . لما يعبد من دون الله
- تعالى - فاستمعوا إليها بتدبر وتعقل .
وقوله : ﴿ إن الذين تدعون من دون اللّه لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له .. ﴾ بيان للمثل
وتفسیر له .
والذباب : اسم جنس واحده ذبابة - وهى حشرة معروفة بطيشها وضعفها وقذارتها .
أى : إن المعبودات الباطلة التى تعبدونها أيها المشركون ، لن تستطيع أن تخلق ذبابة
واحدة ، حتى لو اشتركت جميعها فى محاولة خلق هذه الذبابة .
قال صاحب الكشاف : وهذا من أبلغ ما أنزله الله فى تجهيل قريش ، واستركاك عقولهم .
والشهادة على أن الشيطان قد خزمهم بخزائمه - أى قد ربطهم برباطه ، حيث وصفوا بالإلهية
- التى تقتضى الاقتدار على المقدورات كلها - صورا وتماثيل ، يستحيل منها أن تقدر على أقل
ما خلقه وأذله وأصغره وأحقره ، ولو اجتمعوا لذلك وتساندوا .. (٢) .
(١)، (٢) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ١٧١ .

٣٤٤
المجلد التاسع
وقوله - سبحانه - : ﴿وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ﴾ بيان لعجز تلك
الآلهة الباطلة من أمر آخر سوى الخلق .
أى : وفضلا عن عجز تلك الأصنام مجتمعة عن خلق ذبابة ، فإنها إذا اختطف الذباب منها
شيئا من الأشياء لا تستطيع استرداده منه لعجزها عن ذلك .
قال القرطبى : وخص الذباب لأربعة أمور تخصه : لمهانته وضعفه ، ولاستقذاره وكثرته ،
فإذا كان هذا الذى هو أضعف الحيوان وأحقره ، لا يقدر من عبدوه من دون الله - تعالى -
على خلق مثله ، ودفع أذيته ، فكيف يجوز أن يكونوا آلهة معبودين ، وأربابا مطاعين ، وهذا من
أقوى حجة وأوضح برهان(١).
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على عجز الخاطف والمخطوف منه فقال :
ضعف الطالب والمطلوب ﴾ .
قال الآلوسى : والطالب : عابد غير الله - تعالى - والمطلوب : الآلهة ، وكون عابد ذلك
طالب لدعائه إياه ، واعتقاده نفعه ، وضعفه لطلبه النفع من غير جهته ، وكون الآخر مطلوبا
ظاهرا كضعفه .
وقيل: (( الطالب الذباب يطلب ما يسلبه من الآلهة ، والمطلوب : الآلهة على معنى المطلوب
منه ما يسلب .. ))(٢) .
وعلى أية حال فإن هذا التعليل يدل دلالة واضحة على عجز كل معبود باطل ، وأنه قد
تساوى فى عجزه مع أضعف مخلوفات اللّه وأحقرها .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن هؤلاء المشركين ، قد وضعوا الأمور فى غير موضعها ،
لجهلم وغبائهم فقال : ﴿ ما قدروا الله حق قدره ... ﴾.
أى : ما عظموا الله حق تعظيمه ، وما عرفوه حق معرفته ، حيث تركوا عبادة الواحد
القهار ، وعبدوا ما يعجز عن رد ما سلبه الذباب منه .
إن الله لقوى ﴾ على خلق كل شىء ﴿عزيز) لا يغالبه مغالب ، ولا يدافعه مدافع.
ثم بين - سبحانه - أن له مطلق التصرف فى اختيار رسله فقال : ﴿ اللّه يصطفى من
الملائكة رسلا ومن الناس ... ﴾.
أى : الله - تعالى - وحده هو الذى يختار من بين ملائكته رسلا يرسلهم لتبليغ وحيه إلى
(١) تفسير القرطبى جـ ١٢ ص ٩٧ .
( ٢) تفسير الآلوسى جـ ١٧ ص ٢٠٢ .

٣٤٥
سورة الحج
أنبيائه ، كما اختار جبريل - عليه السلام - لهذه الوظيفة ، وهو الذى يختار من بين الناس
رسلا ، كما اختار إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وغيرهم لهذه المهمة ، فهو - سبحانه - أعلم
حيث يجعل رسالته .
·إن الله﴾ - تعالى - ﴿ سميع﴾ لأقوال عباده ﴿ بصير﴾ بأحوالهم، لاتخفى عليه
خافية من شئونهم .
﴿ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾ أى: يعلم ما قدموا من أعمال ، وما يعملون الآن،
وماسيعملونه فى المستقبل إذ أن علمه - سبحانه - ليس مقيدا بزمان أو مكان ﴿ وإلى الله ﴾
تعالى وحده ﴿ ترجع الأمور ﴾ كلها لا إلى غيره .
ثم وجه - سبحانه - فى نهاية السورة نداء إلى عباده المؤمنين ، أمرهم فيه بالمداومة على
طاعته ، وبالإِخلاص فى عبادته ، وبالجهاد فى سبيله ، وبالاعتصام بحبله ، فقال - تعالى - :
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَرْ كَعُواْ وَأَسْجُدُ واْوَاعْبُدُواْ
رَبَّكُمْ وَأَفْعَلُواْالْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
٧٧
وَجَهِدُواْ فِ اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، هُوَاجْتَبَنَكُمْ وَمَا جَعَلَ
عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَسٌ ◌ِلَّةَ أَبِكُمْ إِنَهِيمٌ هُوَ سَمَّنْكُمُ
اُلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِ هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدً ا عَلَيْكُمْ
وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِنَّ فَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتُواْالزَّكَوَةَ
وَأَعْتَصِمُوْ بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَمَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيُ ﴾
والمراد بالركوع والسجود هنا : الصلاة ، وعبر عنها بهما ، لأنهما أهم أركانها ، وناداهم
- سبحانه - بصفة الإِيمان ، لحضهم على الامتثال لما أمروا به .
أى : يا من آمنتم بالله - تعال - وبملائكته وبكتبه وبرسله وباليوم الآخر حافظوا على أداء
الصلاة فى مواقيتها بخشوع وإخلاص ، لأن هذه الصلاة من شأنها أن تتهاكم عن الفحشاء
والمنكر ، وأن ترفع درجاتكم عند خالقكم .
٠

٣٤٦
المجلد التاسع
وقوله - تعالى -: ﴿واعبدوا ربكم ﴾ أى : واعبدوا ربكم الذى تولاكم برعايته وتربيته
فى كل مراحل حياتكم ، عبادة خالصة لوجهه الكريم .
وقوله: ﴿وافعلوا الخير ﴾ تعميم بعد التخصيص ، إذ فعل الخير يشمل كل قول وعمل
يرضى الله - تعالى -: كإنفاق المال فى وجوه البر ، وكصلة الرحم وكالإِحسان إلى الجار
وكغير ذلك من الأفعال التى حضت عليها تعاليم الإِسلام .
وقوله - تعالى -: ﴿لعلكم تفلحون ) تذييل قصد به التحريض على امتثال ما أمرهم الله
- تعالى - به ، والفلاح : الظفر بالمطلوب .
أى : أدوا الصلاة بخشوع ومواظبة ، واعبدوا ربكم عبادة خالصة ، وافعلوا الخير الذى
يقربكم من خالقكم، لكى تتالوا رضاه وثوابه - عز وجل - .
فكلمة (( لعل)) للتعليل، ويصح أن تكون على معناها الحقيقى وهو الرجاء ، ولكن على
تقدير صدوره من العباد ، فيكون المعنى : وافعلوا الخير حالة كونكم راجين الفلاح ، ومتوقعين
الفوز والنجاح .
والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها أنها قد جمعت أنواع التكاليف الشرعية ، وأحاطت بها
من كل جوانبها .
قال الآلوسى ما ملخصه : وهذه الآية آية سجدة عند الشافعى وأحمد ، لظاهر ما فيها من
الأمر بالسجود ، ولحديث عقبة بن عامر قال : قلت يارسول الله أفضلت سورة الحج على سائر
القرآن بسجدتين ؟ قال : نعم فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما .
٠
وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنها ليست آية سجدة ، لأنها مقرونة بالأمر بالركوع ، والمعهود
فى مثله من القرآن، كونه أمرا بما هو ركن للصلاة ، كما فى قوله - تعالى -: ﴿ يا مريم اقنتى
لربك واسجدى واركعى مع الراكعين﴾ وما روى من حديث عقبة إسناده ليس بالقوى (١).
وبعد أن أمر - سبحانه - بالصلاة وبالعبادة وبفعل الخير ، أتبع ذلك بالأمر بالجهاد فقال
- تعالى - : ﴿ وجاهدوا فى اللّه حق جهاده ﴾.
والجهاد مأخوذ من الجهد ، وهو بذل أقصى الطاقة فى مدافعة العدو .
وهى أنواع ، أعظمها : جهاد أعداء الله - تعالى - من الكفار والمنافقين والظالمين
والمبتدعين فى دين الله - تعالى - ماليس منه .
كذلك من أنواع الجهاد : جهاد النفس الأمارة بالسوء، وجهاد الشيطان .
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٧ ص ٢٠٨ .

٣٤٧
سورة الحج
وإضافة ((حق)) إلى ((جهاد)) فى قوله: ﴿حق جهاده) من إضافة الصفة الى
الموصوف أى : وجاهدوا - أيها المؤمنون - فى سبيل الله - تعالى - ومن أجل إعلاء كلمته ،
ونصر شريعته ، جهادا كاملا صادقا لا تردد معه ولا تراجع .
قالى صاحب الكشاف : قوله: ﴿وجاهدوا ... ﴾ أمر بالغزو وبمجاهدة النفس والهوى.
وهو الجهاد الأكبر. عن النبى - ◌َّيه - أنه رجع من بعض غزواته فقال: ((رجعنا من الجهاد
الأصغر إلى الجهاد الأكبر)) ﴿ فى الله ﴾ أى: فى ذات اللّه ومن أجله. يقال: هو حق عالم،
وجد عالم ، ومنه ﴿ حق جهاده ﴾.
فإن قلت : ما وجه هذه الإضافة وكان القياس حق الجهاد فيه ، أو حق جهادكم فيه ، كما
قال : ﴿ وجاهدوا فى اللّه ﴾؟.
قلت : الإِضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص . فلما كان الجهاد مختصا بالله من حيث إنه
مفعول لوجهه ومن أجله صحت إضافته اليه .. (١) .
وجملة (( هو اجتباكم)) مستأنفة، لبيان علة الأمر بالجهاد ، والاجتباء : الاختيار
والاصطفاء .
أى : جاهدوا - أيها المؤمنون - من أجل إعلاء كلمة الله ، لأنه - سبحانه - هو الذى
اختاركم للذب عن دينه ، واصطفاكم لحرب أعدائه ، وجدير بمن اختاره الله واصطفاه أن يكون
مطيعا له .
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر لطفه بعباده فقال : ﴿ وما جعل عليكم فى الدين من
حرج ﴾ .
أى : ومن مظاهر رحمته بكم - أيها المؤمنون - أنه سبحانه لم يشرع فى هذا الدين الذى
تدينون به ما فيه مشقة بكم ، أو ضيق عليكم : وإنما جعل أمر هذا الدين ، مبنى على اليسر
والتخفيف ورفع الحرج ، ومن قواعده التى تدل على ذلك : أن الضرر يزال . وأن المشقة تجلب
التيسير : وأن اليقين لا يرفع بالشك، وأن الأمور تتبع مقاصدها ، وأن التوبة الصادقة
النصوح تجب ما قبلها من ذنوب .
ومن الآيات التى تدل على أن هذا الدين مبنى على التيسير ورفع الحرج قوله - تعالى - :
لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ... ﴾(٢) وقوله - سبحانه -: ﴿ ... يريد الله بكم اليسر
ولا يريد بكم العسر ... ﴾(٣).
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ١٧٣ .
( ٢) سورة البقرة الآية ٢٨٦ .
(٣) سورة البقرة الآية ١٨٥ .

٣٤٨
المجلد التاسع
وفى الحديث الشريف: (( بعثت بالحنيفية السمحاء )).
قال بعض العلماء : وأنت خبير بأن هناك فرقا كبيرا ، بين المشقة فى الأحكام الشرعية ،
وبين الحرج والعسر فيها ، فإن الأولى حاصلة وقلما يخلو منها تكليف شرعى ، إذ التكليف هو
التزام ما فيه كلفة ومشقة ، أما المشقة الزائدة عن الحد التى تصل الى حد الحرج ، فهى
المرفوعة عن المكلفين .
فقد فرض الله الصلاة على المكلف ، وأوجب عليه أداءها ، وهذا شىء لا حرج فيه . ثم هو
إذا لم يستطيع الصلاة من قيام ، فله أن يؤديها وهو قاعد أو بالإِيماء .. وهكذا جميع التكاليف
الشرعية (١).
والخلاصة: أن هذا الدين الذى جاءنا به محمد - صل - من عند ربه - عز وجل - مبنى
على التخفيف والتيسير ، لا على الضيق والحرج ، والذين يجدون فيه ضيقا وحرجا ، هم
الناكبون عن هديه ، الخارجون على تعاليمه .
ورحم الله الإِمام القرطبى فقد قال: ((رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع ،
وأما السراق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج ، وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم
الدين .. )) (٢).
والمراد بالملة فى قوله - تعالى -: ﴿ملة أبيكم إبراهيم ﴾ الدين والشريعة، ولفظ
(( ملة)) هنا منصوب بنزع الخافض .
أى : ما جعل عليكم - أيها المؤمنون - فى دينكم من حرج ، كما لم يجعل ذلك - أيضا -
فى ملة أبيكم إبراهيم .
ويصح أن يكون منصوبا على المصدرية بفعل دل عليه ما قبله من نفى الحرج بعد حذف
المصدر المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه . أى : وسع عليكم فى دينكم توسعة ملة أبيكم
إبراهيم .
ووصف - سبحانه - إبراهيم - عليه السلام - بالأبوة لهذه الأمة ، لأن رسول هذه الأمة
- وَيد - ينتهى نسبه إلى إبراهيم، ورسول هذه الأمة - وَلل - كالأب لها ، من حيث أنه
- ◌َّ - جاءها من عند ربه - عز وجل - بما يحييها ويسعدها .
والضمير ((هو)) فى قوله - تعالى -: ﴿ هو سماكم المسلمين من قبل وفى هذا .. ﴾ يعود
(١) تفسير آيات الأحكام جـ ٣ ص ٩٨ المرحوم الشيخ محمد على السايس.
(٢) تفسير القرطبى جـ ١٢ ص ١٠١ .

٣٤٩
سورة الحج
إلى الله - تعالى - أى : هو - سبحانه - الذى سماكم المسلمين من قبل نزول القرآن .
وسماكم - أيضا - بهذا الإِسم فى هذا القرآن .
وقيل: الضمير ((هو)) يعود إلى إبراهيم أى: إبراهيم هو الذى سماكم المسلمين.
ومن وجوه ضعف هذا القول : أن الله - تعالى - قال: ﴿وفى هذا ﴾ أى سماكم المسلمين
فى هذا القرآن ، وإبراهيم - عليه السلام - لحق بربه قبل نزول هذا القرآن بأزمان طويلة ،
وأيضا فإن السياق يؤيد أن الضمير ((هو)) يعود إلى اللّه - تعالى - لأن الأفعال السابقة
كقوله ﴿ هو اجتباكم وما جعل عليكم فى الدين من حرج ﴾ تعود إليه - عز وجل - .
ثم بين - سبحانه - أسباب هذا الاجتباء والاصطفاء فقال : ﴿ ليكون الرسول شهيدا
عليكم وتكونوا شهداء على الناس ﴾ .
والمراد بشهادة الرسول على أمته : الإِخبار بأنه قد بلغهم رسالة ربه .
والمراد بشهادة هذه الأمة على غيرها من الناس : الإِخبار بأن الرسل الذين أرسلهم الله
- تعالى - إلى هؤلاء الناس ، قد بلغوهم رسالة ربهم ، ونصحوهم بإخلاص العبادة لله وحده .
ويؤيد ذلك ما رواه البخارى عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله - الهرم - :
يدعى نوح - عليه السلام - يوم القيامة فيقول : لبيك وسعديك يارب . فيقال له : هل بلغت
ما أرسلت به ؟ فيقول: نعم . فيقال لأمته : هل بلغكم ؟ فيقولون : ما أتانا من نذير . فيقال
له: من يشهد لك؟ فيقول: محمد - مَّله - وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ)).
وشبيه بهذه الجملة قوله - تعالى -: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على
الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ﴾(١).
والمعنى : فعلنا ما فعلنا من اجتبائكم ، والتيسير عليكم ، وتسميتكم بالمسلمين ، ليكون
الرسول - وَ﴿ - شهيدا عليكم يوم القيامة بأنه قد بلغكم ما أمر بتبليغه إليكم ، ولتكونوا
أنتم شهداء على الناس بأن رسلهم قد بلغوهم رسالة ربهم .
وما دام الأمر كذلك ﴿فأقيموا الصلاة ﴾ أيها المؤمنون بأن تؤدوها فى أوقاتها بإخلاص
وخشوع ﴿وآتوا الزكاة ﴾ التى كلفكم الله - تعالى - بإيتائها إلى مستحقيها ﴿ واعتصموا
بالله ﴾ أى: التجئوا إليه ، واستعينوا به فى كل أموركم فإنه - سبحانه - ﴿ هو مولاكم
(١) سورة البقرة الآية ١٤٣ .

٣٥٠
المجلد التاسع
أى : ناصركم ومتولى شئونكم، ومالك أمركم ، وهو - تعالى - ﴿ نعم المولى ونعم النصير
أى : هو - عز وجل - نعم المالك لأمركم ، ونعم النصير القوى لشأنكم .
وبعد : فهذه سورة الحج ، وهذا تفسير محرر لها .
نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القاهرة - مدينة نصر
الثلاثاء ٢٧ من صفر سنة ١٤٠٥ هـ
الموافق ١٩٨٤/١١/٢٠ م
د . محمد سيد طنطاوى

٣٥١
فهرس إجمالى لتفسير سورة مريم
رقمها
الآية المفسرة
الصفحة
١
کھیعص ذکر رحمة ربك
١٢
١٦
يا زكريا إنا نبشرك بغلام
٧
٢٠
يا يحيى خذ الكتاب بقوة
١٢
٢٢
واذكر فى الكتاب مريم
١٦
٢٧
فحملته فانتبذت به مكانًا
٢٢
٢٧
فأتت به قومها تحمله
٣٢
٣٤
ذلك عيسى ابن مريم قول الحق
٤٠
٤١
واذکر فی الکتاب موسی
٤٦
واذکر فی الکتاب إسماعيل
٤٧
٥٨
٥٤
وما نتنزل إلا بأمر ربك
٦٤
٥٦
ويقول الإِنسان أئذا مامت
٦٦
٧٣
٦٧
أفرأيت الذی کفر بآياتنا
٧٧
٦٩
واتخذوا من دون الله آلهة
٨١
وقالوا اتخذ الرحمن ولدا
٨٨
٧٣
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا
٩٦
٧٦
٥
مقدمة
تعریف بسورة مريم
٩
واذكر فى الكتاب إبراهيم
٤٤
٥١
واذکر فی الکتاب إدريس
٤٨
أولئك الذين أنعم الله عليهم
٣٥
٥٤
٥٦
٦٢
وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات

٣٥٢
٦
فهرس إجمالى لتفسير (( سورة طه))
رقمها
الآية المفسرة
الصفحة
مقدمة
٨١
تعريف بسورة طه
٨٣
١
وهل أتاك حديث موسی
.
٩٤
١٧
وما تلك بيمينك یاموسی
١٠٠
قال قد أوتيت سؤلك یا موسی
١٠٦
اذهب أنت وأخوك بآياتی ولا تنيا
١١١
قال فمن ربکما یا موسی
قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا
١٢٠
قال آمنتم له قبل أن آذن لكم
١٢٧
ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادی
١٣١
وما أعجلك عن قومك يا موسى
١٤١
ولقد قال لهم هارون من قبل
١٤٢
قال يا هارون ما منعك
١٤٤
قال فما خطبك يا سامرى
١٤٨
كذلك نقص عليك من أنباء
١٥١
١٠٥
ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها
١٥٥
وکذلك أنزلناه قرآنا عربيا
١١٣
١٥٧
١٢٤
ومن أعرض عن ذکری فإن له
١٦٤
فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك
١٣٠
١٦٧
وقالوا لولا یأتینا بآية من ربه
١٣٣
١٧١
٣٦
٤٢
طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى
٨٥
٩
٨٩
٤٩
٦١
٧١
٧٧
٨٣
٩٠
٩٢
١٣٥
٩٥
٩٩
١١٥
ولقد عهدنا إلى آدم من قبل

٣٥٣
فهرس إجمالى لتفسير ((سورة الأنبياء ))
رقمها
الآية المفسرة
الصفحة
مقدمة
١٧٧
تمهید بین یدى السورة
١٧٩
١
اقترب للناس حسابهم
١٨٢
٧
وما أرسلنا قبلك إلا رجالا
لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكر كم
١٨٩
وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما
١٩٣
١٩٦
أم اتخذوا آلهة من الأرض
٢١
٢٦
٣٠
وقالوا اتخذ الرحمن ولدا
٢٠٠
٢٠٢
أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض
٢٠٦
وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد
٣٤
٢١٢
قل من یکلؤکم بالليل والنهار
٤٢
٤٨
ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان
٢١٨
٥١
قالوا من فعل هذا بآهتنا
٢٢٤
قال أفتعبدون من دون الله مالا ينفعكم
٢٢٧
٢٣١
ولوطا آتيناه حكما وعلما
٧٦
ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له
٢٣٢
٧٨
وداود وسليمان إذ يحكمان فى الحرث
٢٣٣
٨٣
وإسماعيل وإدريس وذا الكفل
٨٥
وذا النون إذ ذهب مغاضبا
٨٧
٨٩
وزکر یا إذ نادی ربه
٢٤٦
٢٤٧
والتى أحصنت فرجها
٩١
٢٤٣
٢٤٠
وأيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الضر
٢٤٢
٢٢٠
ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل
٥٩
٦٦
٧٤
١٨٧
١٠
١٦

٣٥٤
رقمها
الآية المفسرة
الصفحة
إن هذه أمتكم أمة واحدة
٩٢
٢٤٨
٩٣
وتقطعوا أمرهم بينهم
٢٤٨
١٠١
٢٥٤
إن الذين سبقت لهم منا الحسنى
يوم نطوى السماء كطى السجل للكتب
١٠٤
٢٥٥

فهرس إجمالى لتفسير (( سورة الحج))
رقمها
الآية المفسرة
الصفحة
تعريف بسورة الحج
٢٦٧
٣
٢٧٥
ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم
٥
یأيها الناس إن كنتم فی ریب من البعث
٢٧٧
ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم
٢٨٣
٨
٢٨٧
إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات
١٤
١٥
٢٨٨
من كان يظن أن لن ينصره الله فى الدنيا والآخرة
٢٩٠
١٧
إن الذين آمنوا والذين هادوا
٢٩٢
ألم تر أن الله يسجد له من فى السموات ومن فى الأرض
١٨
٢٩٣
هذان خصمان اختصموا فی ریہم
١٩
٢٥
إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله
٢٩٨
٣٠٤
ذلك ومن يعظم حرمات الله
٣٠
٣٠٩
ولكل أمة جعلنا منسكًا ليذكروا
٣٤
إن الله يدافع عن الذين آمنوا
٣١٤
٣١٩
وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم
٣٨
٤٢
٥٢
وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبی
٣٣٠
ولا يزال الذين كفروا فى مرية منه
٥٥
٣٢٥
٣٣٣
ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به
٦٠
٣٣٥
ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء
٦٣
لكل أمة جعلنا منسگًا
٣٣٨
٣٤٠
يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له
٣٤٢
٦٧
ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا
٧١
٧٣
يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا
٣٤٥
٧٧
مقدمة
٢٦٥
١
يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة
٢٧٢