النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
مقدمة
وبعد : فهذا عرض إجمالى لسورة الأنبياء ، ومنه نرى أنها قد أقامت ألوانا من الأدلة على
وحدانية الله - تعالى -، وعلى صدق الرسول - رَّيه - فيما يبلغه عن ربه ، وعلى أن يوم
القيامة حق ...
كما حكت شبهات المشركين وردت عليها بما يبطلها ، كما ساقت نماذج متعددة من قصص
الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام .
ونسأل الله - تعالى - أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم . وآخر دعوانا أن الحمد
لله رب العالمين .
د . محمد سيد طنطاوى

١٨٢
المجلد التاسع
التفسير
قال الله تعالى :
١٠١
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ (
مَا يَأْتِهِمْ مِّن ذِكْرٍمِّن رَّهِمْ تُحْدَثٍ إِلََّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ
يَلْعَبُونَ ، لَاهِيَةٌ قُلُوبُهُمُّ وَسَرُواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ
هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السَّحْرَ وَأَنتُمْ
قَالَ رَبِ يَعْلَمُ الْقَوَّلَ فِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ
تُبْصِرُونَ
٣
وَهُوَالسَّمِيعُ الْعَلِيمُ )، بَلْ قَالُواْأَضْغَتُ أَحْلَمِ بَلِ
اُفْتَرَهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِثَايَةٍ كَمَّا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ
﴿﴿ مَءَامَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْبَةٍ أَهْلَكْتَهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ
٦
وقوله - سبحانه -: ﴿ اقترب ﴾ من القرب الذى هو ضد البعد .
والمعنى : قرب الزمن الذى يحاسب فيه الناس على أعمالهم فى الدنيا ، والحال أن الكافرين
منهم فى غفلة تامة عن هذا الحساب ، وفى إعراض مستمر عن الاستعداد له بالإِيمان والعمل
الصالح .
قال الإِمام ابن كثير : هذا تنبيه من الله - عز وجل - على اقتراب الساعة ودنوها ، وأن
الناس فى غفلة عنها ، أى لا يعملون لها ، ولا يستعدون من أجلها .
قال - تعالى -: ﴿أتى أمر الله فلا تستعجلوه ... ﴾ وقال: ﴿ اقتربت الساعة وانشق

١٨٣
سورة الأنبياء
القمر * وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر﴾(١).
وعبر سبحانه - بالقرب مع أنه قد مضى على نزول هذه الآية وأمثالها أكثر من أربعة عشر
قرنا ، لأن كل آت وإن طالت أوقات استقباله وترقبه ، قريب الوقوع ، ولأن ذلك الوقت
وإن كان كبيرا فى عرف الناس ، إلا أنه عند الله - تعالى - قليل ، كما قال - سبحانه - :
ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده ، وإن يوما عند ربك كألف سنة مما
تعدون ﴾(٢) .
وقال - تعالى -: ﴿إنهم يرونه بعيدا * ونراه قريبا﴾(٣).
وقال - تعالى -: ﴿اقترب للناس .. ﴾ بلفظ العموم ، مع أن ما بعده من ألفاظ الغفلة
والإِعراض يشعر بأن المراد بهم الكافرون ، للتنبيه على أن الحساب سيشمل الجميع ، إلا أنه
بالنسبة للكافرين سيكون حسابا عسيرا .
قال صاحب الكشاف : وصفهم بالغفلة مع الإِعراض ، على معنى : أنهم غافلون عن
حسابهم ساهون لا يتفكرون فى عاقبتهم ، ولا يتفطنون لما ترجع إليه خاتمة أمرهم ، مع اقتضاء
عقولهم أنه لابد من جزاء للمحسن والمسىء . وإذا قرعت لهم العصا ، ونبهوا عن سنة الغفلة ،
وفطنوا لذلك بما يتلى عليهم من الآيات والنذر، أعرضوا وسدوا أسماعهم ونفروا(٤) .
وفى التعبير عن اقتراب يوم القيامة باقتراب الحساب ، زيادة فى الترهيب والتخويف ، وفى
الحض على الاستعداد لهذا اليوم ، لأنه يوم يحاسب فيه الناس على أعمالهم فى الدنيا حسابا
دقيقا ، ولن تملك فيه نفس لنفس شيئا ، وإنما يجازى فيه كل إنسان بحسب عمله .
وقوله - سبحانه -: ﴿ ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون ﴾ بيان
المواقف هؤلاء الغافلين اللاهين ممن يذكرهم بأهوال ذلك اليوم .
والمراد بالذكر: ما ينزل من آيات القرآن على النبى - * - .
والمراد بالمحدث: الحديث العهد بالنزول على النبى - رَّ - وهو صفة لذكر .
أى : أن هؤلاء الغافلين المعرضين عن الاستعداد ليوم الحساب ، لا يصل إلى أسماعهم شىء
من القرآن الكريم ، الذى أنزله الله - تعالى - على قلب نبيه - ﴿ - آية فآية ، أو سورة
بعد سورة فى أوقات متقاربة ، إلا استمعوا إلى هذا القرآن المحدث تنزيله على الرسول
(١ ) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٣٢٤ .
( ٢) سورة الحج الآية ٤٧ .
( ٣) سورة المعارج الآية ٦، ٧ .
( ٤ ) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ١٠١ .

١٨٤
المجلد التاسع
- وَله - وهم يلعبون، دون أن يحرك منهم عاطفة نحو الإِيمان به ، فهم لانطماس بصيرتهم ،
وقسوة قلوبهم ، وجحود نفوسهم للحق ، لا يتعظون ولا يعتبرون .
وقوله : ﴿ ما يأتيهم من ذكر .. ﴾ يشعر بأن ما نزل من قرآن قد وصل إليهم دون أن
يتعبوا أنفسهم فى الحصول عليه ، بل أتاهم وهم فى أماكنهم بدون سعى إليه .
وقوله ﴿ ذكر﴾ فاعل و﴿ من﴾ مزيدة للتأكيد .
وقوله ﴿ من ربهم﴾ متعلق بمحذوف صفة لذكر، و﴿ من ﴾ لابتداء الغاية أى :
ما يأتيهم من ذكر كائن من ربهم وخالقهم ورازقهم ، فى حال من الأحوال ، إلا استمعوه وهم
هازلون مستهترون .
وقوله : ﴿ لاهية قلوبهم ﴾ حال أخرى من أحوالهم الغريبة التى تدل على نهاية طغيانهم
وفجورهم ، لأنهم بجانب استماعهم إلى ما ينزل من القرآن بلعب وغفلة ، تستقبله قلوبهم -
التى هى محل التدبر والتفكر - بلهو واستخفاف .
ثم حكى - سبحانه - لونا من ألوان مكرهم وخبثهم فقال: ﴿وأسروا النجوى الذين
ظلموا ﴾ والنجوى : المسارة بالحديث ، وإخفاؤه عن الناس .
أى : بعد أن استمعوا إلى القرآن بإعراض ولهو واستهتار ، اختلى بعضهم ببعض ، وبالغوا
فى إخفاء ما يضمرونه من سوء نحو النبى - رَطيه - ونحو ما جاء به من عند الله - تعالى - ،
وحاولوا أن يظهروا ذلك فيما بينهم فحسب ، مبالغة منهم فى المكر السيئ الذى حاق بهم .
وقوله - سبحانه -: ﴿ هل هذا إلا بشر مثلكم . أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ﴾ بيان
لما قالوه فى تناجيهم من سوء .
والاستفهام للنفى والإِنكار .
أى: أنهم قالوا فى تناجيهم: ماهذا الذى يدعى النبوة، وهو محمد - صل - إلا بشر
مثلكم ، ولا يمكن أن يكون رسولا ، وما جاءنا به إنما هو السحر بعينه ، فكيف تذهبون إليه ،
وتقبلون منه ما يدعيه ، والحال أنكم تعاينون بأبصاركم سحره .
وما حملهم على هذا القول الباطل إلا توهمهم أن الرسول لا يكون من البشر ، وأن كل
ما يظهر على يد مدعى النبوة من البشر من خوارق ، إنما هو من قبيل السحر .
قال الآلوسي: وأرادوا بقولهم: ((ماهذا إلا بشر مثلكم)) أى: من جنسكم، وما أتى به سحر ،
تعلمون ذلك فتأتونه وتحضرونه على وجه الإذعان والقبول وأنتم تعاينون أنه سحر . قالوا ذلك
بناء على ما ارتكز فى اعتقادهم الزائغ أن الرسول لا يكون إلا ملكا ، وأن كل ما يظهر على يد

١٨٥
سورة الأنبياء
البشر من الخوارق من قبيل السحر . وعنوا بالسحر . هنا القرآن الكريم ، ففى ذلك إنكار
لحقيته على أبلغ وجه ، قاتلهم الله - تعالى - : أنى يؤفكون، وإنما أسروا ذلك ، لأنه كان على
طريق توثيق العهد ، وترتيب مبادىء الشر والفساد وتمهيد مقدمات المكر والكيد فى هدم أمر
النبوة . وإطفاء نور الدين ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون(١) .
هذا ، ودعوى المشركين أن الرسول لا يكون بشرا ، قد حكاها القرآن فى كثير من آياته ،
ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ، إلا أن قالوا أبعث
(٢)
الله بشرا رسولا
وقد رد الله - تعالى - عليهم هذه الدعوى الكاذبة فى كثير من آيات كتابه - أيضا ، ومن
ذلك قوله عز وجل -: ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم من أهل
القرى .. ﴾ (٣) .
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك مالقنه لنبيه - بصل - من الرد عليهم ، فقال: ﴿ قال
ربى يعلم القول فى السماء والأرض وهو السميع العليم ﴾.
أى: قال الرسول -* - فى الرد على ما تناجوا به سرا: ربى الذى أرسلنى
لإِخراجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان . يعلم ما تقولونه سواء كان سرا أم جهرا ،
وسواء أكان القائل موجودا فى السماء أم فى الأرض ، وهو وحده السميع لجميع ما يسمع ،
العليم بكل شىء فى هذا الكون .
وما دام الأمر كذلك فأنا سأمضى فى طريقى مبلغا رسالته - سبحانه - ، أما أنتم فسترون
سوء عاقبتكم إذا ما سرتم فى طريق الكفر والعناد .
وفى قراءة سبعية بلفظ ﴿قل﴾ على الأمر للنبى - ال#1 - .
أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - ربى يعلم القول فى السماء والأرض وهو السميع
العليم .
وقوله - تعالى -: ﴿ بل قالوا أضغاث أحلام ، بل افتراه ، بل هو شاعر﴾ إضراب من
جهته - تعالى - ، وانتقال من حكاية قولهم السابق ﴿ هل هذا إلا بشر مثلكم .. ﴾ إلى
حكاية أقوال أخرى باطلة قالوها فى شأنه - ليزر - وفى شأن ما جاء به .
أى: أن هؤلاء الكافرين لم يكتفوا بما قالوه قبل ذلك فى شأن الرسول - * - من أنه
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٧ ص ٩.
( ٢ ) سورة الإسراء الآية ٩٤ .
(٣) سورة يوسف الآية ١٠٩.

١٨٦
المجلد التاسع
بشر وما جاء به سحر ، بل أضافوا إلى ذلك أن القرآن أضغاث أحلام . أى : أخلاط كأخلاط
الأحلام ، وأنه أباطيل لاحقيقة لها .
والأضغاث : جمع ضغت . وأصله ما جمع من أنواع شتى من النبات ثم حزم فى حزمة
واحدة .
والأحلام : جمع حلم - بضم الحاء وسكون اللام - وهو ما يراه النائم مما ليس بحسن .
وقد استعير هذا التركيب لما يراه النائم من وساوس وأحلام خلال نومه ﴿بل افتراه ﴾
أى : اختلق هذا القرآن من عند نفسه .
﴿بل هو شاعر﴾ أي: أن الرسول - ◌َ ل * - شاعر - فى زعمهم - وما أتى به هو نوع
من الشعر التخييلى الذى لا حقيقة له .
ثم أضافوا إلى هذا التخبط واضطراب قولهم: ﴿ فليأتنا بآية كما أرسل الأولون ﴾.
ومرادهم بالآية هنا : آية كونية ، والجملة جواب الشرط محذوف يفصح عنه السياق ،
والتقدير : إن لم يكن كما قلنا فى شأنه من أنه شاعر بل كان رسولا حقا فليأتنا بخارق يدل على
صدقه كناقة صالح ، وعصا موسى ، وإحياء عيسى للأموات .. فإن المرسلين السابقين فعلوا
ذلك .
وكأنهم - لا نطماس بصائرهم وشدة جهالاتهم - لا يعتبرون القرآن الذى هو آية
الآيات - لا يعتبرونه آية ومعجزة تدل على صدقه - * - .
فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد صورت تخبط هؤلاء المشركين تصويراً حكيما ، شأنهم فى
ذلك شأن الحائر المضطرب الذى لا يستطيع الثبات على قرار ، بل هو لتمحله وتعلله ينتقل من
دعوى باطلة إلى أخرى أشد منها بطلانا .
وقد نفى القرآن عن الرسول - 18 - كل هذه الدعاوى الباطلة ، ومن ذلك قوله
- تعالى -: ﴿وما هو بقول شاعر قليلا ماتؤمنون * ولا بقول كاهن قليلا ماتذكرون *
,(١)
تنزيل من رب العالمين
٠
وقوله - سبحانه - ﴿ وما علمناه الشعر وما ينبغى له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين * لينذر
من كان حيا ويحق القول على الكافرين ﴾(٢).
(١) سورة الحاقة الآيات ٤١ - ٤٣ .
( ٢) سورة يس الآيتان ٦٩ - ٧٠ .

١٨٧
سورة الأنبياء
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله ورحمته بهؤلاء الذين أرسل إليهم رسوله محمدا
- وَّ - فقال: ﴿ ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون
أى : أن هؤلاء الجاهلين من قومك - أيها الرسول الكريم - قد طلبوا منك آية كونية
كالتى جاء بها موسى وعيسى وصالح .. وهذه الخوارق عندما جاء بها هؤلاء الرسل ولم يؤمن بها
أقوامهم أهلكنا هؤلاء الأقوام ، وفقا لسنتنا التى لا تتخلف فى إهلاك من يكذبون بآياتنا ، ولو
أنا أعطيناك هذه الخوارق ولم يؤمن بها قومك لأهلكناهم كما أهلكنا السابقين ، لذا اقتضت
حكمتنا ورحمتنا أن تمنع عنهم ماطلبوه ، لأنهم بشر كالسابقين . ومادام السابقون لم يؤمنوا بهذه
الخوارق فهؤلاء أيضاً لن يؤمنوا بها .
فالاستفهام فى قوله: ﴿ أفهم يؤمنون ﴾ للإِنكار. أى: أن هؤلاء الكافرين من أمتك -
أيها الرسول الكريم - لن يؤمنوا بهذه الخوارق التى طلبوها متى جاءتهم لأنهم لا يقلون عتوا
وعنادا عن السابقين الذين لم يؤمنوا بها فأهلكهم الله .
وصدق الله إذ يقول: ﴿ إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل
آية حتى يروا العذاب الأليم ﴾(١).
ثم بين - سبحانه - أن حكمته قد اقتضت أن يكون جميع الرسل من البشر وأن يعيشوا
الحياة التى تقتضيها الطبيعة البشرية ، وأن يؤيدهم الله - تعالى - بالمعجزات الدالة على
صدقهم ، فقال - تعالى - :
وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلََّ رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِمْ فَسْتَلُواْأَهْلَ
الذِّكْرِ إِنْ كُمْ لَا تَعْلَمُونَ ، وَمَا جَعَلْنَهُمْ جَسَدًا
لَا يَأْكُلُونَ الَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ ، ثُمَّصَدَقْتَهُمُ
اَلْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَهُمْ وَمَن نَّشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ!
أى : وما أرسلنا قبلك - أيها الرسول الكريم - إلى الأمم السابقة إلا رسلا من البشر،
ليعيشوا حياة البشر ، ويتمكنوا من التعامل والتخاطب والتفاهم مع من هم من جنسهم ، ولو
كان الرسل من غير البشر لما كانت هناك وشيجة ورابطة بينهم وبين أقوامهم .
( ١ ) سورة يونس الآيتان ٩٦ - ٩٧ .

١٨٨
المجلد التاسع
وهذه الجملة رد مفحم على المشركين الجاهلين الذين استبعدوا أن يكون الرسول بشرا
وقالوا قبل ذلك : ﴿ هل هذا إلا بشر مثلكم ﴾.
وقوله - تعالى - ﴿ نوحى إليهم﴾ استئناف مبين لكيفية الإِرسال.
أى : اقتضت حكمتنا أن يكون الرسل من الرجال ، وأن نبلغهم ما نكلفهم به عن طريق
الوحى المنزل إليهم من جهتنا .
وقوله - سبحانه -: ﴿ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ﴾ توبيخ لهم وتجهيل ،
لأنهم قالوا ما قالوا بدون تعقل أو تدبر .
والمراد بأهل الذكر : علماء أهل الكتاب الذين كان المشركون يرجعون إليهم فى أمور
دینهم .
والفاء فى قوله: ﴿ فاسألوا .. ﴾ لترتيب ما بعدها على ما قبلها. وجواب الشرط محذوف
لدلالة الكلام عليه .
أى : مادامت قد بلغت بكم الجهالة أن تستبعدوا أن يكون الرسول بشرا فاسألوا أهل
العلم فى ذلك ، فسيبينون لكم أن الرسل السابقين لم يكونوا إلا رجالا .
قال القرطبى: قوله - تعالى -: ﴿ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ﴾ يريد أهل
التوراة والإنجيل الذين آمنوا بالنبى - ليزر - وسماهم أهل الذكر، لأنهم كانوا يذكرون خبر
الأنبياء ، مما لم تعرفه العرب ، وكان كفار قريش يراجعون أهل الكتاب فى أمر النبى
.- 鶏-
وقال ابن زيد: أراد بالذكر : القرآن . أى: فاسألوا المؤمنين العالمين من أهل
القرآن .. ﴾(١) .
ثم أكد - سبحانه - هذه الحقيقة وهى كون الرسل من البشر فقال: ﴿ وما جعلناهم
جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين
والضمير فى ﴿ جعلناهم﴾ يعود إلى الرسل، والجسد مصدر جَسِد الدم يَجْسَدُ - من باب
فرح - إذا التصق بغيره ، وأطلق على الجسم جسد ، لا لتصاق أجزائه بعضها ببعض ، ويطلق
هذا اللفظ على الواحد المذكر وغيره ولذلك أفرد . أو هو أفرد لإِرادة الجنس .
أى : وما جعلنا الرسل السابقين عليك يا محمد أجسادا لا تأكل ولا تشرب كالملائكة ،
وإنما جعلناهم مثلك يأكلون ويشربون ويتزوجون ويتناسلون ويعتريهم ما يعترى البشر من
( ١) تفسير القرطبى جـ ١١ ص ٢٧٢ .

١٨٩
سورة الأنبياء
سرور وحزن ، ويقظة ونوم .. وغير ذلك مما يحسه البشر .
وما جعلناهم - أيضا - خالدين فى هذه الحياة بدون موت ، وإنما جعلنا لأعمارهم أجلا
محددا تنتهى حياتهم عنده بدون تأخير أو تقديم .
قال - تعالى -: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون * ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم
تختصمون ﴾(١) .
وقوله - سبحانه -: ﴿ ثم صدقناهم الوعد .. ﴾ بيان لسنة الله - تعالى - الجارية مع
رسله - عليهم الصلاة والسلام - .
أى : ثم صدقنا هؤلاء الرسل ما وعدناهم به من جعل العاقبة لهم ﴿ فأنجيناهم ﴾ من
العذاب الذى أنزلناه بأعدائهم . وأنجينا معهم ﴿من نشاء﴾ إنجاءهم من المؤمنين بهم .
وأهلكنا المسرفين ) الذين تجاوزوا الحدود فى كفرهم وتطاولهم على الرسل الكرام ،
وإعراضهم عن دعوتهم .
وإلى هنا نرى الآيات الكريمة من أول السورة إلى هنا ، قد أنذرت الناس باقتراب يوم
الحساب ، وحذرتهم من الغفلة عنه ، ومن الإعراض عن الاستعداد له بالإِيمان والعمل
الصالح ، وحكت ما قاله المشركون من تهم باطلة تتعلق بالرسول - صل38 - وبما جاء به من
عند ربه - تعالى - وردت عليها بما يزهقها ، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون .
ثم بين - سبحانه - أن ما أنزله على نبيه - ول# - هو خير الآيات وأخلدها وأشرفها،
وأنه يشرف الأمة التى تنتسب إليه ، وأن الأمم السابقة التى كذبت بالخوارق والمعجزات التى
جاء بها الرسل - عليهم السلام - أهلكها الله - تعالى - هلاك استئصال - فقال
- تعالى - :
لَقَدْ أَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَبَافِيهِ ذِكْرَّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
١٠
وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأَنَبَعْدَهَا قَوْمًا
ءَآَخَرِينَ ﴿ فَمَّا أَحَسُواْبَأَسَنَّا إِذَا هُمْ مِّنْهَا ثَرَكُونَ
١٢
لَاتَزْكُوْ وَأَرْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَدِكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ
(١) سورة الزمر الآية ٣٠، ٣١.

١٩٠
المجلد التاسع
تُشْتَلُونَ (٣) قَالُو ◌ْيَوَبِلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ ) فَمَازَالَتْ تِلْكَ
١٥
دَعْوَنُهُمْ حَتَّى جَعَلْنَهُمْ حَصِيدًا خَمِدِينَ
قال الآلوسى: ((قوله - تعالى -: ﴿لقد أنزلنا إليكم كتابا .. ﴾ كلام مستأنف لتحقيق
حقية القرآن العظيم ، الذى ذكر فى صدر السورة إعراض الناس عما يأتيهم من آياته ،
واستهزاؤهم به، واضطرابهم فى أمره، وبيان على مرتبته، إثر تحقيق رسالته - م# - ، ببيان
أنه كسائر الرسل الكرام ، وقد صدر الكلام بالتوكيد القسمى ، إظهاراً لمزيد الاعتناء بمضمونه
وإيذانا ، بأن المخاطبين فى أقصى مراتب النكير ، والخطاب لقريش ، وجوز أن يكون لجميع
العرب .)»(١) .
والمعنى : لقد أنزلنا إليكم يا معشر العرب عن طريق رسولنا محمد - ر38َ - كتابا عظيم
الشأن، نير البرهان ، مشتملا على ما يسعدكم ، وهذا الكتاب ﴿ فيه ذكركم﴾ أى: فيه
شرفكم ، وعلو منزلتكم ، وحسن موعظتكم ، وشفاء صدوركم .
أفلا تعقلون) ذلك، مع أن هذا الأمر واضح، ولا يحتاج إلى جدال أو مناقشة.
فالاستفهام لإنكار عدم تدبرهم فى شأن هذا الكتاب الذى أنزله الله - تعالى - ليظفروا
بسببه بالذكر الجميل ، وبالموعظة الحسنة ، كما قال - تعالى - ﴿وإنه لذكر لك ولقومك
وسوف تسألون ﴾(٢).
وإن من مظاهر كون القرآن الكريم فيه ذكر العرب وشرفهم ، أنه نزل بلغتهم ، وأنه
المعجزة الباقية الخالدة بخلاف غيره من المعجزات التى أيد الله - تعالى - بها الرسل
السابقين ، وأنه الكتاب الذى قادوا به البشرية قرونا طويلة . عندما حملوه إلى الناس ، فقرأوه
عليهم ، وشرحوا لهم أحكامه وآدابه وتشريعاته .. وما أصيب العرب فى دينهم ودنياهم إلا يوم
أن تخلوا عن العمل بهدايات هذا الكتاب ، وقصروا فى تبليغه إلى الناس .
ثم بين - سبحانه - ما أنزله بالقوم الظالمين فقال: ﴿وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة
وأنشأنا بعدها قوما آخرين ﴾ .
و ((كم)) هنا خبرية مفيدة للتكثير ، وهى فى محل نصب على أنها مفعول مقدم
(( لقصمنا)).
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٧ ص ١٤.
( ٢ ) سورة الزخرف الآية ٤٤ .

١٩١
سورة الأنبياء
وأصل القصم : كسر الشىء حتى ينقطع وينفصل عن غيره ، يقال : قصم فلان ظهر
فلان ، إذا كسره حتى النهاية ، بخلاف الفصم فهو صدع الشىء من غير قطع وانفصال .
قال القرطبى: (( والقصم : الكسر ، يقال : قصمت ظهر فلان ، وانقصمت سنه ، إذا
انكسرت .
والمعنى ها هنا به الإِهلاك . وأما الفصم - بالفاء - فهو الصدع فى الشىء من غير
بينونة )»(١) .
أى : وكثيرا من القرى الظالمة التى تجاوز أهلها حدود الحق ، ومردوا على الكفر والضلال ،
أبدناها مع أهلها ، وعذبناها عذابا نكرا ، بسبب ظلمهم وبغيهم ، وأنشأنا من بعدهم قوما
آخرين ليسوا مثلهم .
وأوقع - سبحانه - فعل القصم على القرى ، للإِشعار بأن الهلاك قد أصابها وأصاب أهلها
معها . فالكل قد دمره - سبحانه - تدميراً .
أما عند الإنشاء فقد أوقع الفعل على القوم فقال: ﴿وأنشأنا بعدها قوما آخرين ﴾ للإيماء
إلى أن هؤلاء القوم الآخرين ، الذين لم يكونوا أمثال السابقين ، هم الذين ينشئون القرى
ويعمر ونها .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك
بذنوب عباده خبيرا بصيرا ﴾(٢) .
ثم صور - سبحانه - حال هؤلاء الظالمين عندما أحسوا بالعذاب وهو نازل بهم فقال :
فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون ﴾ .
وقوله : ﴿ أحسوا﴾ من الإحساس. وهو إدراك الشىء بالحاسة. يقال: أحس فلان
الشىء ، إذا علمه بالحس ، وأحس بالشىء ، إذا شعر به بحاسته .
وقوله : ﴿ يركضون﴾ من الركض وهو السير السريع، وأصله: أن يضرب الرجل دابته
برجله ليحثها على الجرى والسرعة فى المشى. والمقصود به هنا : الهرب بسرعة .
أى : فلما أحس هؤلاء الظالمون عذابنا المدمر ، وأيقنوا نزوله بهم ، وعلموا ذلك علما
مؤكدا ، إذا هم يخرجون من قريتهم ﴿ يركضون﴾ أى: يهربون بسرعة وذعر ، حتى لكأنهم
من اضطرابهم وخوفهم يظنون أن ذلك سينجيهم .
(١) تفسير القرطبى جـ ١١ ص ٢٧٤ .
(٢) سورة الإسراء الآية ١٧ .

١٩٢
المجلد التاسع
وإذا هنا فجائية، والجملة بعدها جواب ((لما».
وقوله - سبحانه -: ﴿ لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم ﴾ حكاية لما
تقوله لهم الملائكة ، وهم يركضون هربا - على سبيل التهكم والاستهزاء .
أى : يقال لهم من جهة الملائكة أو من جهة المؤمنين لا تركضوا هاربين ﴿ وارجعوا إلى ﴾
قريتكم وإلى ﴿ ما أترفتم فيه﴾ أى: وإلى ما نعمتم فيه من العيش الهنىء. والخير الوفير،
الذى أبطركم وجعلكم تجحدون النعم ، ولم تستعملوها فيما خلقت له .
فقوله: ﴿أترفتم﴾ من الترفه - بالتاء المشددة مع الضم - وهى النعمة والطعام
الطيب . يقال : ترف فلان - كفرح - إذا تنعم . وفلان أترفته النعمة ، إذا أطغته أو نعمته .
وقوله: ﴿ ومساكنكم﴾ معطوف على ﴿ ما﴾.
أى : لا تهربوا وارجعوا إلى ما نعمتم فيه من العيش الهنىء، وإلى مساكنكم التى كنتم
تسكنونها ، وتتفاخرون بها .
لعلكم تسألون ﴾ أى يقصدكم غيركم لسؤالكم عما نزل بكم، فتجيبوا عن علم
ومشاهدة .
قال صاحب الكشاف: ((قوله ﴿ لعلكم تسألون﴾ تهكم بهم وتوبيخ، أى: ارجعوا إلى
نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسألون غدا عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم . فتجيبوا
السائل عن علم ومشاهدة .
أو ارجعوا واجلسوا كما كنتم فى مجالسكم ، وترتبوا فى مراتبكم حتى يسألكم حشمكم
وعبيدكم ، ومن تملكون أمره . وينفذ فيه أمركم ونهيكم ، ويقول لكم : بم تأمرون ؟ وبماذا
ترسمون ؟
وكيف نأتى ونذر كعادة المنعمين المخدَّمين .
أو يسألكم الناس فى أنديتكم .. ويستشيرونكم فى المهمات . ويستضيئون بآرائكم .
أو يسألكم الوافدون عليكم ، ويستمطرون سحائب أكفكم .. قيل لهم ذلك تهكما إلى تهكم ،
وتوبيخا إلى توبيخ ))(١) .
وهنا أدرك هؤلاء الظالمون ، أن الأمر جد لاهزل ، وأن العذاب نازل بهم لا محالة ، وأن
القائلين لهم لا تركضوا ، إنما يتهكمون بهم . فأخذ أولئك الظالمون يتفجعون ويتحسرون
قائلين: ﴿ يا ولينا إنا كنا ظالمين﴾.
( ١ ) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ١٠٦.

١٩٣
سورة الأنبياء
والويل : الفضيحة والبلية والمصيبة التى يعقبها الهلاك . وهى كلمة جزع وتحسر .
وتستعمل عندما تحيط بالإنسان داهية عظيمة ، وكأن المتحسر لنزول مصيبة به ، ينادى
ويليته ويطلب حضورها بعد تنزيلها منزلة من يُنَادَى .
أى : قالوا عندما تيقنوا أن الهلاك نازل بهم : يا هلاكنا إنا كنا ظالمين لأنفسنا ، مستوجبين
للعذاب . بسبب إعراضنا عن الحق ، وتكذيبنا لمن جاء به .
واسم الإشارة فى قوله - تعالى -: ﴿ فما زالت تلك دعواهم﴾ يعود إلى الكلمات التى
قالوها على سبيل التحسر عندما يئسوا من الخلاص والهرب ، وتأكدوا من الهلاك ، وهى
قولهم: ﴿ يا ويلنا إنا كنا ظالمين ﴾.
أى : فما زالوا يرددون تلك الكلمات بتفجع وتحسر واستعطاف .
وسميت هذه الكلمات دعوى ، لأن المولول كأنه يدعو الويل قائلا : أيها الويل هذا أوانك
فأقبل نحوى .
وقوله : ﴿ حتى جعلناهم حصيدا خامدين﴾ بيان لما آل إليه حالهم .
وخامدين : من الخمود بمعنى الهمود والانطفاء والانتهاء . يقال : خمدت النار تخمد خمدا
وخمودا ، إذا سكن لهيبها ، وانطفأ شررها .
أى : فمازالت تلك كلماتهم حتى جعلناهم فى الهمود والهلاك كالنبات المحصود بالمناجل ،
وكالنار الخامدة بعد اشتعالها .
وهكذا تكون عاقبة الظالمين . وماظلمهم اللّه ولكن كانوا أنفسهم يظلمون .
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدل على قدرته ووحدانيته ، وعلى أن من فى السموات
والأرض لا يستكبرون عن عبادته - تعالى - ، فقال - عز وجل - :
وَمَا خَلَقْنَا
السَّمَاءُ وَالْأَرْضَ وَمَا بَلْنَهُمَا لَحِينَ ﴿ لَوْأَرَدْنَا أَنْ تَنَّخِذَ لَوا
لَّا تَّخَذْنَهُ مِن لَّدُنَّ إِن كُنَّا فَعِلِينَ ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْتَّ
عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْ مَعُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَانَصِفُونَ
﴿ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَمُلَا يَسْتَكْبِرُونَ

١٩٤
المجلد التاسع
عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ﴿ يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ
٤٤٠٠٠ ٠
لَا يَفْتَرُ
والمعنى: إننا لم نخلق السموات والأرض وما بينهما من مخلوقات لا يعلمها إلا اللّه ، لم نخلق
ذلك عبثا ، وإنما خلقنا هذه المخلوقات بحكمتنا السامية ، وقدرتنا النافذة ، ومشيئتنا التى
لا يقف فى وجهها شىء .
وقوله - تعالى -: ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين ﴾ استئناف
مقرر لمضمون ما قبله ، من أن خلق السموات والأرض وما بينهما لم يكن عبثا ، وإنما لحكم
بالغة ، مستتبعة لغايات جليلة ، ومنافع عظيمة .
و ((لو)» هنا حرف امتناع لامتناع. أى : امتناع وقوع فعل الجواب لامتناع وقوع فعل
الشرط .
واللهو : الترويح عن النفس بما لا تقتضيه الحكمة ، ولا يتناسب مع الجد ، وهو قريب من
العبث الباطل تقول : لهوت بهذا الشىء ألهو لهوا ، إذا تشاغلت به عن الجد ، ويطلقه بعضهم
على الولد والزوجة والمرأة .
أى : لو أردنا - على سبيل الفرض والتقدير - أن نتخذ ما نتلهى به ، لاتخذناه من عندنا
ومن جهتنا دون أن يمنعنا أحد مما نريده ولكنا لم نرد ذلك لأنه مستحيل علينا استحالة ذاتية ،
فيستحيل علينا أن نريده .
فالآية الكريمة من باب تعليق المحال على المحال ، لأن كلا الأمرين يتنافى مع حكمة الله
- تعالى - ومع ذاته الجليلة .
وقوله: ﴿ إن كنا فاعلين﴾ تأكيد لامتناع إرادة اللهو، و﴿ إن) نافية، أى: ما كنا
فاعلين ذلك ، لأن اتخاذ اللهو يستحيل علينا .
وقوله - سبحانه - : ﴿ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ﴾ إضراب
عن إرادة اتخاذ اللهو ، وإثبات لما تقتضيه ذاته - تعالى - مما يخالف ذلك .
والقذف: الرمى بسرعة . والاسم القذاف - ككتاب - ، وهو سرعة السير ، ومنه
قولهم : ناقة قذاف - بكسر القاف - إذا كانت متقدمة على غيرها فى السير .
ويدمغه : أى . يمحقه ويزيله . قال القرطبى : وأصل الدمغ شج الرأس حتى يبلغ الدماغ .
أى : ليس من شأننا أن نتخذلهوا ، وإنما الذى من شأننا وحكمتنا ، أن نلقى بالحق الذى

١٩٥
سورة الأنبياء
أرسلنا به رسلنا ، على الباطل الذى تشبث به الفاسقون ﴿ فيدمغه ﴾ أى: فيقهره ويهلكه
ويزيله إزالة تامة .
والتعبير القرآنى البليغ ، يرسم هذه السنة الإلهية فى صورة حسية متحركة حتى لكأنما الحق
قذيفة تنطلق بسرعة فتهوى على الباطل فتشق أم رأسه ، فإذا هو زاهق زائل .
قال الألوسى : وفى إذا الفجائية ، والجملة الاسمية ، من الدلالة على كمال المسارعة فى
الذهاب والبطلان مالا يخفى ، فكأنه زاهق من الأصل(١).
وقوله - تعالى -: ﴿ ولكم الويل مما تصفون﴾ وعيد شديد لأولئك الكافرين الذين
نسبوا إلى الله - تعالى - مالا يليق به ، ووصفوه بأن له صاحبة وولدا (سبحانه وتعالى عما
يقولون علوا كبيرا ﴾ .
أى : ولكم - أيها الضالون المكذبون - الويل والهلاك ، من أجل وصفكم له - تعالى -
بما لا يليق بشأنه الجليل .
وقوله - تعالى -: ﴿وله من فى السموات والأرض) استئناف مؤكد لما قبله من أن جميع
المخلوقات خاضعة لقدرته - تعالى - .
أى : وله وحده - سبحانه - جميع من فى السموات والأرض ، خلقا ، وملكا ، وتدبيرا ،
وتصرفا وإحياء ، وإماتة ، لا يخرج منهم أحد عن علمه وقدرته - عز وجل - .
ثم بين - سبحانه - نماذج من عباده الطائعين له ، بعد أن حكى أقوال أولئك الضالين ،
فقال: ﴿ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون * يسبحون الليل والنهار
لا يفترون
والاستحسار : الكلل والتعب. يقال : حسر البصر يحسُر حسورا - من باب قعد - إذا
تعب من طول النظر ، ومنه قوله - تعالى -: ﴿ ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر
خاسئا وهو حسير ﴾ أى : كليل متعب .
أى : ومن عنده من مخلوقاته وعلى رأسهم الملائكة المقربون ، لا يستكبرون عن عبادته
- سبحانه - بل يخضعون له خضوعا تاما ﴿ولا يستحسرون﴾ أى: ولا يكلون
ولا يتعبون .
بل هم ﴿ يسبحون ﴾ الله - تعالى - ويحمدونه ویکبر ونه . طوال الليل والنهار بدون فتور
( ١) تفسير الآلوسى جـ ١٧ ص ٢٠ .

١٩٦
المجلد التاسع
أو تراخ أو تقصير . يقال: فتَرفلان عن الشىء يفتُر فتورا ، إذا سكن بعد حدة ، ولان بعد
شدة ، ويقال : فتر الماء - من باب قعد - إذا سكن حره فهو فاتر .
قالوا : وذلك لأن تسبيح الملائكة لله - تعالى - يجرى منهم مجرى التنفس منا ، فهو سجية
وطبيعة فيهم وكما أن اشتغالنا لا يمنعنا من الكلام ، فكذلك اشتغالهم بالتسبيح لا يمنعهم من
سائر الأعمال(١) .
وبعد أن بين - سبحانه - أن من مخلوقاته من يقوم بتسبيحه وعبادته بدون انقطاع أو
فتور ، أتبع ذلك بتوبيخ المشركين وبإقامة الأدلة على وحدانيته ، واستحالة أن يكون هناك من
يشاركه فى ألوهيته فقال - تعالى -:
أَمِ أَتَّخَذُوَاْءَالِهَةٌ مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ
﴿ لَوْكَانَ فِيهِمَآءَ الِهَةُ إِلَّ اللَّهُ لَفَسَدَنَا فَسُبْحَنَّاللَّهِ رَ بِّالْعَرْشِ
عَمَّا يَصِفُونَ ﴿لَا يُسْلُّ عَنَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ ، أَمِـ
اَّخَذُ وأ مِن دُونِهِ:،َاِهَةً قُلْ هَاتُوْبُرُهَنَّكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن ◌َّعِىَ
وَذِّكْرُمَنْ قَبْلِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُّعْرِضُونَ
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ
٢٥
إِلَّا أَنْ فَاعْبُدُونِ
قال الإِمام الرازى : اعلم أن الكلام من أول السورة إلى هنا كان فى النبوات وما يتصل بها
من الكلام سؤالا وجوابا ، وأما هذه الآيات فإنها فى بيان التوحيد وتفى الأضداد
والأنداد .. ))(٢).
والاستفهام فى قوله ﴿ أم اتخذوا﴾ .. للإنكار والتوبيخ. وقوله: ﴿ينشرون﴾ من
النشر بمعنى الإحياء والبعث . يقال : أنشر الله - تعالى - الموتى: إذا بعثهم بعد موتهم .
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ١٢٣.
( ٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٦ ص ٩١.

١٩٧
سورة الأنبياء
والمعنى : إن هؤلاء الضالين قد أشركوا مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة ، فهل هذه
الآلهة التى اتخذوها تستطيع أن تعيد الحياة إلى الأموات ؟
كلا إنها لا تستطيع ذلك بإقرارهم ومشاهدتهم ، ومادام الأمر كذلك فكيف أباحوا لأنفسهم
أن يتخذوا آلهة لا تستطيع أن تفعل شيئا من ذلك أو من غيره ؟
إن اتخاذهم هذا لمن أكبر الأدلة وأوضحها على جهالاتهم وسفاهاتهم وسوء تفكيرهم .
قال صاحب الكشاف ما ملخصه : فإن قلت : كيف أنكر عليهم اتخاذ آلهة تنشر . وما كانوا
يدّعون ذلك لآلهتهم ، لأنهم كانوا ينكرون البعث أصلا ويقولون : من يحيى العظام وهى
رميم ؟ قلت : الأمر كما ذكرت ولكنهم بادعائهم لها الإلهية ، يلزمهم أن يدعوا لها الإِنشار ، لأنه
لا يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل مقدور ، والإِنشار من جملة المقدورات . وفيه باب من
التهكم بهم، والتوبيخ والتجهيل ، وإشعار بأن ما استبعدوه من الله - تعالى - لا يصح
استبعاده ، لأن الإلهية لما صحت صح معها الاقتدار على الإِبداء والإِعادة (١).
وقوله - سبحانه - ﴿ من الأرض) متعلق باتخذوا، و((من)) ابتدائية، أى : اتخذوها
من أجزاء الأرض كالحجارة وما يشبهها ، ويجوز أن يكون الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة
للآلهة ، أى : اتخذوا آلهة كائنة من الأرض .. وعلى كلا التقديرين فالمراد بهذا التعبير التحقير
والتجهيل ..
ثم ساق - سبحانه - دليلا عقليا مستمدا من واقع هذا الكون فقال : ﴿ لو كان فيهما آلهة
إلا الله لفسدتا
أى : لو كان فى السموات والأرض آلهة أخرى سوى الله - تعالى - ، تدبر أمرهما ،
لفسدتا ولخرجتا عن نظامهما البديع ، الذى لا خلل فيه ولا اضطراب .
وذلك لأن تعدد الآلهة يلزمه التنازع والتغالب بينهم .. فيختل النظام لهذا الكون ، ويضطرب
الأمر ، ويعم الفساد فى هذا العالم .
ولما كان المشاهد غير ذلك إذ كل شىء فى هذا الكون يسير بنظام محكم دقيق دل الأمر على
أن لهذا الكون كله ، إلها واحداً قادرا حكيما لا شريك له .
قال صاحب الكشاف: ((والمعنى لو كان يتولاهما ويدبر أمرهما آلهة شتى غير الواحد الذى
هو فاطرهما لفسدتا .
( ١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ١٠٩ .

١٩٨
المجلد التاسع
وفيه دلالة على أمرين : أحدهما : وجوب أن لا يكون مدبرهما إلا واحداً .
الثانى : أن لا يكون ذلك الواحد إلا إياه وحده، لقوله ﴿ إلا اللّه﴾.
فإن قلت : لم وجب الأمران ؟ قلت : لعلمنا أن الرعية تفسد بتدبير الملكين لما يحدث بينهما
من التغالب والتناكر والاختلاف .
قال عبد الملك بن مروان حين قتل عمرو بن سعيد الأشدق : كان والله أعز على من دم
ناظرى . ولكن لا يجتمع فحلان فى شَوْل - أى: فى عدد مع النياق -(١) .
وقوله - تعالى -: ﴿فسبحان الله رب العرش عما يصفون﴾ تنزيه الله - تعالى - عما
قاله الجاهلون فى شأنه - عز وجل - .
أى : فتنزيها لله وتقديسا وتبرئة لذاته عن أن يكون له شريك فى ألوهيته ، وجل عما وصفه
به الجاهلون .
وقوله - تعالى -: ﴿ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ تأكيد لوحدانيته وقدرته
- سبحانه - أى : لا يسأله سائل - سبحانه - عما يفعله بعباده من إعزاز وإذلال . وهداية
وإضلال ، وغنى وفقر ، وصحة ومرض ، وإسعاد وإشقاء .. لأنه هو الرب المالك المتصرف فى
شئون خلقه ، وهم يسألون يوم القيامة عن أعمالهم وأقوالهم لأنهم عبيده ، وقد أرسل إليهم
الرسل مبشرين ومنذرين ، فمنهم من اتبع الرسل فسعد وفاز، ومنهم من استحب العمى على
الهدى فشقى وهلك .
وبعد أن ساق - سبحانه - دليلا عقليا على وحدانيته ، أتبعه بدليل آخر نقلى ، فقال
- تعالى -: ﴿ أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم ، هذا ذكر من معى وذكر من
قبلى ..
قال الآلوسى ما ملخصه : هذا إضراب وانتقال من إظهار بطلان كون ما اتخذوه آلهة ،
لخلوها من خصائصها التى من جملتها الإِنشار ، إلى تبكيتهم ومطالبتهم بالبرهان على دعواهم
الباطلة ، وتحقيق أن جميع الكتب السماوية ناطقة بحقية التوحيد، وبطلان الإِشراك .. (٢).
أى : إن هؤلاء الكافرين قد أشركوا مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة ، بسبب
جهلهم وعنادهم وجحودهم للحق .. قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل التبكيت
والتوبيخ ﴿ هاتوا برهانكم﴾ على أن مع الله - تعالى - آلهة أخرى تستحق مشاركته فى
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ١١١ .
( ٢) تفسير الآلوسى جـ ١٧ ص ٣١.

١٩٩
سورة الأنبياء
العبادة والطاعة ؟ ولاشك أنهم لا برهان لهم على ذلك .
وقوله - تعالى - : ﴿ هذا ذكر من معى وذكر من قبلى ﴾ زيادة فى تبكيتهم وفى إظهار
عجزهم ، أى : هذا الوحى الإلهى الناطق بتوحيد الله - تعالى - موجود فى القرآن الكريم
المشتمل على ذكر المعاصرين لى من أتباعى ، وموجود فى كتب الأنبياء السابقين ، كالتوراة
التى أنزلها الله على موسى ، والإنجيل الذى أنزله على عيسى ، فمن أين أتيتم أنتم بهؤلاء
الشركاء ، وكيف اتخذتموهم آلهة مع أنهم لا برهان عليهم لا من جهة العقل ولا من جهة
النقل ؟
فاسم الإشارة ﴿ هذا﴾ فى قوله: ﴿ هذا ذكر من معى﴾ مبتدأ، مشار به إلى الوحى
الإلهى، وقد أخبر عنه - سبحانه - بخبرين - كما يقول الشيخ الجمل -: ((فبالنظر للخبر
الأول يراد به القرآن ، وبالنظر للخبر الثانى يراد به ما عداه من الكتب السماوية))(١).
وقوله - تعالى -: ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون﴾ إضراب من جهته
- تعالى - عن مناقشتهم ومطالبتهم بالبرهان ، وانتقال من الأمر بتبكيتهم إلى الأمر بإهمالهم
استصغارا لشأنهم .
أى : دعهم - أيها الرسول الكريم - فى باطلهم يعمهون فإنهم قوم أكثرهم يجهلون الحق ،
ولا يستطيعون التمييز بينه وبين الباطل . فهم لأجل ذلك منصرفون عن الهدى ، ومتجهون
إلى الضلال ، ومن جهل شيئا عاداه .
ثم بين - سبحانه - أن جميع الرسل - عليهم الصلاة والسلام - قد أمروا أقوامهم
بإخلاص العبادة لله، ونبذ الشرك والشركاء ، فقال - تعالى -: ﴿ وما أرسلنا من قبلك من
رسول إلا نوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ﴾.
أى : وما أرسلنا من قبلك من رسول يا محمد إلا وأفهمناه عن طريق وحينا أنه لا إله
يستحق العبادة والطاعة إلا أنا ، فعليه أن يأمر قومه بطاعتى وعبادتى والخضوع لى وحدى .
هذا، والمتدبر لهذه الآيات الكريمة ، يراها قد أقامت أحكم الأدلة العقلية والنقلية على
وجوب إخلاص العبادة لله الواحد القهار. وعلى أن الذين يتخذون معه آلهة أخرى سفهاء
جاهلون .
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك شبهة من الشبهات الباطلة التى تفوه بها المشركون ، ورد
عليهم ردا مفحما ، فقال - تعالى - :
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ١٢٤.

٢٠٠
المجلد التاسع
وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَّأْسُبْحَنَةً.
بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ﴿﴿ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِوَهُم
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِ ◌ِهِمْ وَمَاخَلْفَهُمْ
٢٧
بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ !
وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّ لِمَنْ أَرْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْبَتِهِ مُشْفِقُونَ
٢٨
وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنَّ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ تَجْزِيهِ
٢٩
جَهَنَّمُ كَذَلِكَ نَجْرِى الَّلِمِينَ
قال الآلوسى ما ملخصه: ((قوله - تعالى - : ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ﴾ ، حكاية
لجناية فريق من المشركين لإظهار بطلانها ، وبيان تنزهه - سبحانه - عن ذلك ، إثر بيان
تنزهه - جل وعلا - عن الشركاء على الإطلاق ، وهم حى من خزاعة قالوا : الملائكة بنات
الله ، ونقل الواحدى أن قريشا وبعض العرب قالوا ذلك .
والآية مشنعة على كل من نسب إلى الله - تعالى - ذلك كاليهود والنصارى .. ))(١).
أى: وقال المشركون الذين انطمست بصائرهم عن معرفة الحق ((اتخذ الرحمن ولدًا
سبحانه )) .
أى : تنزه وتقدس الله - تعالى - عن ذلك جل وعلا عما يقولونه علوا كبيرا .
وقوله: ﴿ بل عباد مكرمون﴾ إضراب عما قالوه، وإبطال له ، وثناء على ملائكته الذين
زعم فريق من المشركين أنهم بنات اللّه .
وعباد: جمع عبد. والعبودية لله - تعالى - معناها: إظهار التذلل له - سبحانه - ،
والخضوع لذاته .
ومكرم : اسم مفعول من أكرم ، وإكرام الله - تعالى - لعبده معناه: إحسانه إليه وإنعامه
عليه .
أى : لقد كذب هؤلاء المشركون فى زعمهم أن الملائكة بنات اللّه ، والحق أن الملائكة هم
عباد مخلوقون له - تعالى - ومقربون إليه ومكرمون عنده .
وقوله : ﴿ لا يسبقونه بالقول ﴾ أى: لا يتكلمون إلا بما يأمرهم به، ولا يقولون شيئا
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٧ ص ٣٢ .