النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
سورة مريم
ولا فاجر إلا دخلها ، فتكون على المؤمنين بردًا وسلامًا ، كما كانت على إبراهيم ؛ حتى إن
للنار ضجيجًا من بردهم، ثم ينجى الله الذين اتقوا، ويذر الظالمين فيها جثيا))(١).
ولا يمنع من كون الورود بمعنى الدخول قوله - تعالى - ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى
أولئك عنها مبعدون . لا يسمعون حسيسها .. ﴾ لأن دخول المؤمنين فيها لا يجعلهم يشعرون
بحرها أو حسيسها ، وإنما هى تكون بردًا وسلامًا عليهم ، كما جاء فى الحديث الشريف .
قال الإِمام القرطبى بعد أن توسع فى ذكر هذه الأقوال: ((وظاهر الورود الدخول ..
إلا أنها تكون بردًا وسلامًا على المؤمنين ، وينجون منها سالمين . قال خالد بن معدان : إذا
دخل أهل الجنة الجنة قالوا : ألم يقل ربنا : إنا نرد النار فيقال لهم : لقد وردتموها فألفيتموها
رمادًا .
قلت : وهذا القول يجمع شتات الأقوال ، فإن من وردها ولم تؤذه بلهبها وحرها ، فقد أبعد
عنها ونجى منها، نجانا الله - تعالى - منها بفضله وكرمه، وجعلنا ممن وردها فدخلها سالمًا،
وخرج منها غائماً .
فإن قيل : فهل يدخل الأنبياء النار ؟ قلنا : لا نطلق هذا، ولكن نقول : إن الخلق جميعًا
يردونها - كما دل عليه حديث جابر - فالعصاة يدخلونها بجرائمهم ، والأولياء والسعداء
لشفاعتهم ، فبين الدخولين بون .. )) (٢) .
والمعنى : وما منكم - أيها الناس - أحد إلا وهو داخل النار، سواء أكان مسلمًا أم
كافرًّا، إلا أنها تكون بردًا وسلامًا على المؤمنين . وهذا الدخول فيها كان على ربك أمرًا واجبًا
ومحتومًا ، بمقتضى حكمته الإلهية ، لا بإيجاب أحد عليه .
ثم ننجى الذين اتقوا﴾ أى: ثم بعد دخول الناس جميعًا النار، ننجى الذين اتقوا،
فنخرجهم منها دون أن يذوقوا حرها ﴿ ونذر الظالمين فيها جثيا﴾ أى: ونترك الظالمين فى
النار مخلدين فيها . جائين على ركبهم،، عاجزين عن الحركة ، من شدة ما يصيبهم من هولها
وسعيرها .
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا أقوال الجاحدين فى شأن البعث والحساب ، وردت
عليهم ردًّا يبطل أقوالهم ، كما أثبتت أن البعث حق ، وأن الحساب حق ، وأن الظالمين
سيدخلون النار ، وأن المؤمنين سينجيهم الله - تعالى - بفضله منها .
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ١٣٢. الآلوسى جـ ١٦ ص ١٢١ .
( ٢) راجع تفسير القرطبى جـ ١١ ص ١٣٩.

٦٢
المجلد التاسع
ثم تسوق السورة بعد ذلك موقف الكافرين عند سماعهم لآيات الله - تعالى - كما تسوق
ما قالوه للمؤمنين على سبيل التفاخر عليهم ، وما رد به القرآن على هؤلاء المترفين المتعالين ،
قال - تعالى - :
وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُّنَا بَيِنَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا وَكَّرْ
أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَشَّا وَرِهْيَا ( قُلْمَن
كَانَ فِ الصَّلَلَةِ فَلْيَمْدُ وْلَهُ الرَّحْمَنُ مَّدًّا حَقَّ إِذَا رَأَوْمَا يُوعَدُونَ
إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَشَرٌ مَّكَانًا
وَيَزِيدُ اللّهُ الَّذِينَ آَهْتَدَوْاْ هُدَّئَّ
وَأَضْعَفُ جُندًا
وَالْبَقِيَتُ الصَّلِحَتُ خَيْرُ عِندَ رَبِّكَ تَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا
١٦
فقوله - سبحانه -: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ... ﴾ حكاية لما قاله الكافرون
للمؤمنين على سبيل التباهى والتفاخر .
أى : وإذا تتلى على هؤلاء المشركين المنكرين للبعث آياتنا البينات الواضحات ، الدالة على
صحة وقوع البعث والحساب يوم القيامة ﴿قال الذين كفروا﴾ على سبيل العناد والتعالى
﴿ للذين آمنوا﴾ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، قالوا لهم انظروا ﴿أى الفريقين
خير مقاما وأحسن نديا ﴾ .
- والمقام - بفتح الميم - : مكان القيام والمراد به مساكنهم ومنازلهم التى يسكنونها وينزلون
بها .
والندى والنادى والمنتدى : مجلس القوم ومكان تجمعهم .
يقال: ندوت القوم أندوهم ندوا ، إذا جمعتهم فى مجلس للانتداء . ومنه : دار الندوة للمكان
الذى كانت تجتمع فيه قريش للتشاور فى أمورها .
أى : وإذا تتلى على هؤلاء الكافرين آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا وعلى أن البعث

٦٣
سورة مريم
حق . قالوا للمؤمنين على سبيل الاحتقار لهم : نحن وأنتم أينا خير من الآخر مكانا ، وأحسن
مجلسا ومجتمعا فهم يتفاخرون على المؤمنين بمساكنهم الفارهة ، ومجالسهم التى يجتمع فيها
أغنياؤهم ووجهاؤهم .
قال الجمل فى حاشيته : ((أى قالوا للمؤمنين : انظروا إلى منازلنا فتروها أحسن من
منازلكم وانظروا إلى مجلسنا عند التحدث ومجلسكم ، فترونا نجلس فى صدر المجلس ، وأنتم
جالسون فى طرفه الحقير . فإذا كنا بهذه المثابة وأنتم بتلك فنحن عند الله خير منكم ، ولو كنتم
على حق لأكرمكم الله بهذه الأمور كما أكرمنا بها))(١).
وما حكاه الله - تعالى - عن هؤلاء الكافرين فى هذه الآية ، قد جاء ما يشبهه فى آيات
أخرى، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولادًا وما نحن
بمعذبين ﴾(٢).
وقد رد الله - تعالى - على هؤلاء الجاهلين المغرورين بقوله: ﴿وكم أهلكنا قبلهم من
قرن هم أحسن أثاثا ورئيا ﴾ .
و﴿ كم﴾ هنا خبرية، ومعناها الاخبار عن العدد الكثير وهى فى محل نصب على المفعول
به لجملة ﴿ أهلكنا﴾ و﴿ من قرن﴾ تمييز لها . والقرن: اسم لأهل كل أمة تتقدم فى
الوجود على غيرها ، مأخوذ من قرن الدابة لتقدمه فيها .
و﴿ الأثاث﴾ المتاع للبيت. وقيل: هو الجديد من الفراش، وقد يطلق على المال بصفة
عامة .
و﴿رئيا﴾ أى: منظرا وهيئة ومرأى فى العين مأخوذ من الرؤية التى تراها العين.
والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين المتباهين بمساكنهم ومجالسهم : لا
تفتخروا ولا يغرنكم ما أنتم فيه من نعيم ، فإنما هو نوع من الاستدراج ، فإن الله - تعالى - قد
أهلك كثيرا من الأمم السابقة عليكم ، كانوا أحسن منكم متاعا وزينة ، وكانوا أجمل منكم
منظرا وهيئة فلم ينفعهم أثاثهم ورياشهم ومظهرهم الحسن ، عندما أراد الله - تعالى - إهلاكهم
بسبب كفرهم وجحودهم .
فالآية الكريمة تهديد للكافرين المعاصرين للنبى - وَلجر - ورد على أقوالهم الباطلة ،
وعنجهيتهم الذميمة إذ لو كانت المظاهر والأمتعة والهيئات الحسنة تنفع أصحابها ، لنفعت أولئك
المهلكين من الأمم السابقة .
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٧٤ .
( ٢) سورة سبأ الآية ٣٥.

٦٤
المجلد التاسع
وشبيه بهذه الآية فى الرد على هؤلاء الكافرين قوله - تعالى -: ﴿وما أموالكم ولا
أولادكم بالتى تقربكم عندنا زلفى . إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما
عملوا وهم فى الغرفات آمنون ﴾(١) .
وقوله - سبحانه -: ﴿ فذرنى ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث
لا يعلمون. وأملى لهم إن كيدى متين﴾(٢).
ثم أمر الله - تعالى - رسوله ﴿ أن يضيف إلى تهديدهم السابق تهديدا آخر فقال:
قل من كان فى الضلالة فليمدد له الرحمن مدا ..
أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين المتفاخرين بمساكنهم ومظاهرهم .. قل
لهم : من كان منغمسا فى الضلالة والشقاوة والغفلة .. فقد اقتضت حكمة الله - تعالى - أن يمد
له العطاء كأن يطيل عمره ويوسع رزقه ، على سبيل الاستدراج والإِمهال ..
فصيغة الطلب وهى قوله - تعالى - : ﴿ فليمدد ﴾ على هذا التفسير ، المراد بها :
الإِخبار عن سنة من سنن الله - تعالى - فى خلقه ، وهى أن سننه - تعالى - قد اقتضت أن
يهل الضالين ، وأن يزيدهم من العطاء الدنيوى ، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر .
قال - تعالى - : ﴿ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شىء حتى إذا فرحوا
بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون . فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب
(٣)
العالمين
وقال - سبحانه - : ﴿ ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملى لهم خير لأنفسهم إنما نملى لهم
ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ﴾ (٤).
وقد صدر الآلوسى تفسيره للآية بهذا التفسير فقال ما ملخصه : قوله ﴿ قل من كان فى
الضلالة ... ﴾ أمر منه - تعالى - لرسوله و 8* بأن يجيب على هؤلاء المتفاخرين بما لهم من
الحظوظ الدنيوية ..
وقوله: ﴿فليمدد له الرحمن مدا﴾ أى: يمد - سبحانه- له ويهله بطول العمر، وإعطاء
المال ، والتمكن من التصرفات ، فالطلب فى معنى الخبر واختير للإِيذان بأن ذلك مما ينبغى أن
يفعل بموجب الحكمة لقطع المعاذير فيكون حاصل المعنى : من كان فى الضلالة فلا عذر له فقد
أمهله الرحمن ومد له مدا وجوز أن يكون ذلك للاستدراج .
(١) سورة سبأ: الآية ٣٧ .
( ٢) سورة القلم الآيتان ٤٤، ٤٥ .
( ٣) سورة الأنعام الآيتان ٤٤، ٤٥ .
(٤) سورة آل عمران الآية ١٧٨ .

٦٥
سورة مريم
وحاصل المعنى : من كان فى الضلالة فعادة الله أن يمد له ويستدرجه(١).
ومن المفسرين من يرى أن صيغة الطلب وهى ﴿ فليمدد ﴾ على بابها ، ويكون المقصود
بالآية الدعاء على الضال من الفريقين بالازدياد من الضلال .
وعليه يكون المعنى : قل - أيها الرسول الكريم لهؤلاء المتفاخرين ، من كان منا أو منكم
على الضلالة ، فليزده الله من ذلك، وكأن الآية الكريمة تأمر الرسول - * - بمباهلة
المشركين كما أمره الله - تعالى - فى آية أخرى بمباهلة اليهود فى قوله: ﴿قل يأيها الذين
هادوا إن زعمتم أنكم أولياء الله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين .. ﴾(٢).
وكما أمر الله بمباهلة النصارى فى قوله - سبحانه - ﴿فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك
من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ، ونساءنا ونساءكم ، وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل
(٣)
فنجعل لعنة الله على الكاذبين
.
ومن المفسرين الذين ساروا على هذا التفسير الإِمامان ابن جرير وابن كثير ، فقد قال ابن
كثير : يقول - تعالى - ﴿ قل ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم المدعين أنهم على الحق وأنكم
على الباطل ﴿ من كان فى الضلالة﴾ أى منا ومنكم ﴿فليمدد له الرحمن مدا﴾ أى: فأمهله
الرحمن فيما هو فيه حتى يلقى ربه وينقضى أجله .. قال مجاهد فى قوله ﴿ فليمدد له الرحمن
مدا﴾ فليدعه الله فى طغيانه هكذا، قرر ذلك أبو جعفر بن جرير ، وهذه مباهلة للمشركين
الذين يزعمون أنهم على هدى فيما هم فيه كما ذكر - تعالى - مباهلة اليهود والنصارى .. (٤) .
ومع وجاهة التفسيرين لمعنى ﴿ فليمدد له .. ﴾ إلا أننا نميل إلى الرأى الأول وهو أن صيغة
الطلب يراد بها الإِخبار عن سنة الله - تعالى - فى الضالين، لأنه هو المتبادر من معنى الآية
الكريمة ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك ﴿ ويزيد الله الذين اهتدوا هدى .. ﴾ يؤيد هذا
الرأى .
وقوله - سبحانه - : ﴿ حتى إذا رأوا ما يوعدون .. ﴾ متعلق بما قبله .
أى: فليمدد له الرحمن مدا على سبيل الاستدراج والإِمهال ، حتى إذا رأى هؤلاء الكافرون
ما توعدهم الله - تعالى - به ، علموا وأيقنوا أن الأمر بخلاف ما كانوا يظنون وما كانوا
يقولون لأنهم سينزل الله - تعالى - بهم ﴿ إما العذاب ﴾ الدنيوى على أيدى المؤمنين ﴿وإما
الساعة﴾ أى : وإما عذاب الآخرة وهو أشد وأبقى .
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ١٢٦.
(٢) سورة الجمعة الآية ٦ .
(٣) سورة آل عمران الآية ٦١ .
(٤) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ١٣٤.

٦٦
المجلد التاسع
وحينئذ يعلمون ويوقنون ﴿ من هو﴾ من الفريقين ﴿شر مكانا﴾ أى: أسوأ منزلا
ومسكنا ﴿ وأضعف جندا﴾ وأضعف أعوانا وأنصارا.
وهذه الجملة الكريمة رد على قول المشركين قبل ذلك : ﴿ أى الفريقين خير مقاما وأحسن
نديا ﴾
وقوله - تعالى -: ﴿ويزيد الله الذين اهتدوا هدى .. ﴾ كلام مستأنف مسوق لبيان سنة
الله - تعالى - التى لا تتخلف فى المهتدين ، بعد بيان سنته فى الضالين .
أى: ويزيد الله - تعالى - المهتدين إلى طريق الحق هداية على هدايتهم ، بأن يثبتهم
عليه ، كما قال - سبحانه -: ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم﴾. وكما قال -
عز وجل - : ﴿ هو الذى أنزل السكينة فى قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم .. ﴾.
وقوله - تعالى -: ﴿والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا ﴾ أى :
والأعمال الباقيات الصالحات كالصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها من أعمال البر ، خير عند
ربك ثوابا وجزاء مما تمتع به الكفار فى دنياهم من شهوات ﴿ وخير مردا ﴾ أى : مرجعا
وعاقبة .
وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف قيل : خير عند ربك ثوابا ، كأن لمفاخراتهم
ثوابا ، حتى يجعل ثواب الصالحات خيرا منه ؟ .
قلت : كأنه قيل : ثوابهم النار على طريقة قوله : تحية بينهم ضرب وجيع ، ثم ينى عليه خير
ثوابا ، وفيه ضرب من التهكم الذى هو أغيظ للمتهدد من أن يقال له: عقابك النار .. (١) .
والخلاصة أنه لا ثواب لهؤلاء الكافرين سوى النار ، أما المؤمنون فتوابهم جنات تجرى من
تحتها الأنهار .
وقال بعض العلماء: ((ويظهر لى فى الآية جواب آخر أقرب من هذا ، وهو أن الكافر
يجازى بعمله الصالح فى الدنيا ، فإذا بر والديه ، ونفس عن المكروب .. فإن الله يثيبه فى
الدنيا . فثوابه هذا الراجع إليه من عمله فى الدنيا ، هو الذى فضل عليه ثواب المؤمنين ، وهذا
واضح لا إشكال فيه)»(٢) .
وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد حكت جانبا من تباهى الكافرين بدنياهم ، وردت عليهم
بما يخرس ألسنتهم .
١٠٠٠
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٣٨ .
(٢) تفسير أضواء البيان للشيخ الشنقيطى جـ ٤ ص ٣٦٤.

٦٧
سورة مريم
ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك لونا آخر من ألوان تبجحهم ، وأقوالهم الباطلة ، وردت
عليها بأسلوب منطقى حكيم فقال - تعالى - :
أَفَرَءَ يْتَ الَّذِى كَفَرَبِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا
﴿ أَطَلَعَ الْغَيَّبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَالرَّحْمنِ عَهْدًا فَتَّ كَلَّ
سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُّلَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَذَّا ﴾ وَنَرِثُهُ,
مَا يَقُولُ وَيَأْنِينَا فَرْدًا،
٨٠
ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما أخرجه البخارى ومسلم عن
خباب بن الأرت قال : جئت العاص بن وائل السهمى أتقاضاه حقالى عنده ، فقال لى : لا
أعطيك حتى تكفر بمحمد بسي - فقلت له: لا، والله لا أكفر بمحمد - والله - حيا ولا ميتا
ولا إذا بعثت . فقال العاص : فإذا بعثت جئتنى ولى هناك مال وولد فأعطيك حقك ، فأنزل
الله - تعالى - هذه الآيات .
وفى رواية أن رجالا من أصحاب النبى - عليه - أتوا العاص يتقاضون دينا لهم عليه
فقال : ألستم تزعمون أن فى الجنة ذهبا وفضة وحريرا ومن كل الثمرات ؟ قالوا: بلى . قال :
(( موعدكم الآخرة والله لأوتين مالا وولدا))(١) .
والاستفهام فى قوله - سبحانه - ﴿ أفرأيت .. ﴾ للتعجيب من شأن هذا الكافر الجهول
والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام ، والتقدير : أنظرت أيها العاقل فرأيت هذا الجاحد
المجهول الذى كفر بآياتنا الدالة على وحدانيتنا ، وعلى أن البعث حق ، وعلى أن ما جاء به
رسولنا - وَّل - حق وصدق ...
ولم يكتف بهذا الكفر ، بل قال بكل تبجح ، وإصرار على الباطل ، واستهزاء بالدين
الحق: والله ﴿لأوتين) فى الآخرة ﴿ مالا وولدا﴾ كما هو حالى فى الدنيا.
فأنت ترى أن هذا الكافر لم يكتف بكفره ، بل أضاف إليه القول الباطل المصحوب بالقسم
الكاذب ، وبالتهكم بالدين الحق .
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ١٢٩ .

٦٨
المجلد التاسع
وقرأ حمزة والكسائى: ﴿لأوتين مالا وَوُلْدا﴾ - بضم الواو الثانية وسكون اللام -، وقرأ
الباقون بفتحهما . قالوا: والقراءتان بمعنى واحد كالعرب والعرب . ويرى بعضهم الولد بالفتح
للمفرد ، والولد - بضم الواو وسكون اللام - للجمع .
وقد رد الله - تعالى - على هذا المتبجح المغرور ردًا حكيما ملزما فقال: ﴿ أطلع الغيب أم
اتخذ عند الرحمن عهدا * كلا ... .
والاستفهام للإِنكار والنفى ، والأصل : أاطلع فحذفت همزة الوصل للتخفيف .
والمعنى : إن قول هذا الجاهل إما أن يكون مستندا إلى اطلاعه على الغيب وعلمه بأن الله
سيؤتيه فى الآخرة مالا وولدا ، وإما أن يكون مستندا إلى عهد أعطاه الله - تعالى - له بذلك .
ومما لاشك فيه أن كلا الأمرين لم يتحققا بالنسبة له ، فهو لم يطلع على الغيب ، ولم يتخذ
عند الله عهدا، فثبت كذبه وافتراؤه، ولذا كذبه الله - تعالى - بقوله ﴿ كلا﴾ وهو قول
يفيد الزجر والردع والنفى .
أى: كلا لم يطلع على الغيب، ولم يتخذ عند الرحمن عهدا . بل قال ذلك افتراء على الله.
وقوله - سبحانه - : ﴿ سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا . ونرثه ما يقول ويأتينا
فردا﴾ بيان للمصير السيئ الذى سيصير إليه هذا الشقى وأمثاله، و﴿ نمد ﴾ من المد وأكثر
ما يستعمل فى المكروه .
أى : سنسجل على هذا الكافر ما قاله ، ونحاسبه عليه حسابا عسيرا ، ونزيده عذابا فوق
العذاب المعد له ، بأن نضاعفه له ؛ ونطيله عليه ﴿ونرثه ما يقول﴾ أى: ما يقول إنه يؤتاه
يوم القيامة من المال والولد ، بأن نسلبه منه ، ونجعله يخرج من هذه الدنيا خالىَ الوفاض
منهما، وليس معه فى قبره سوى كفنه ، ﴿ويأتينا فردا﴾ أى: ويأتينا يوم القيامة بعد مبعثه
منفردا بدون مال أو ولد أو خدم أو غير ذلك مما كان يتفاخر به فى الدنيا هو وأشباهه من
المغرورين الجاحدين .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف قيل : سنكتب بسين التسويف وهو كما قاله كتبه
من غير تأخير قال - تعالى -: ﴿ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾؟.
قلت : فيه وجهان : أحدهما : سنظهر له ونعلمه أنا كتبنا قوله على طريقة قول الشاعر :
إذا ما انتسبنا لم تلدنى لئيمة ولم تجدى من أن تقری بها بدا
أى : تبين وعلم بالانتساب أنى لم تلدنى لئيمة .
والثانى : أن المتوعد يقول للجانى: سوف أنتقم منك ، يعنى أنه لا يخل بالانتصار وإن

٦٩
سورة مريم
تطاول به الزمان واستأخر ، فجرد هاهنا لمعنى الوعيد .. (١) .
ثم تسوق السورة الكريمة بعد ذلك ألوانا أخرى من رذائل المشركين ، فتحكى اعتزازهم
بأوثانهم ، ونثبت عداوة هذه الأوثان لهم يوم القيامة ، وتبشر المؤمنين برضا الله - تعالى -
عنهم . وتنذر الكافرين بالسوق إلى جهنم .. قال - تعالى - :
وَأُمَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِءَالِهَةً
لِيَكُونُواْلَهُمْ عِزَّا (٥) كَلََّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ
عَلَيْهِمْ ضِدًّا ﴿) أَمْتَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ
تَؤُزُّهُمْ أَنَّ ◌ٌ، فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمَّ إِنَّمَا نَعُدُّلَهُمْ عَدَّا (٦)
يَوَمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًّا ◌َ، وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ
إِلَى جَهَنََّوِرْدًّانَُّ لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَعَةَ إِلَّ مَنِ أَمَّخَذَعِنْدَ
٨٧
الرَّحْمَنِ عَهْدًا
والضمير فى قوله: ﴿ واتخذوا ﴾ يعود إلى أولئك الكافرين الذين ذكر القرآن فيما سبق
بعض رذائلهم ودعاواهم الكاذبة ، ولما تنته بعد .
أى : واتخذ هؤلاء الجاهلون آلهة باطلة يعبدونها من دون الله - تعالى - لتكون لهم تلك
الآلهة ﴿عزا﴾ أى - لينالوا بها العزة والشفاعة والنصرة والنجاة من عذاب يوم القيامة.
فقد حكى القرآن أنهم كانوا إذا سئلوا عن سبب عبادتهم لهذه الأصنام التى لا تنفع ولا
تضر قالوا : ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) وقالوا: ﴿هؤلاء شفعاؤنا عند
الله ... ﴾.
وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يردعهم عن هذا الظن لو كانوا يعقلون فقال: ﴿ كلا
سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ﴾.
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٤٠.

٧٠
المجلد التاسع
.
و﴿ كلا﴾ لفظ جىء به لزجرهم وردعهم عن هذا الاتخاذ الفاسد الباطل. أى: ليس
الأمر كما توهم الجاهلون من أن أصنامهم ستكون لهم عزا ، بل الحق أن هذه المعبودات الباطلة
ستكون عدوة لهم . وقرينتهم فى النار .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له
إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون ، وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم
كافرين ﴾(١) .
وقوله - سبحانه -: ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ،
ويوم القيامة يكفرون بشرككم ، ولا ينبئك مثل خبير ﴾(٢).
وأفرد - سبحانه - ﴿ عزا وضدا﴾ مع أن المراد بها الجمع . لأنهما مصدران ثم بين -
عزوجل - أن هؤلاء الكافرين قد استحوذت عليهم الشياطين فزادتهم كفرا على كفرهم ،
فقال - تعالى -: ﴿ ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا * فلا تعجل عليهم
إنما نعد لهم عدا ﴾ .
والاستفهام للتقرير والتأكد و﴿ تؤزهم﴾ تحركهم تحريكا قويا . وتهزهم هزا شديدًا،
وتحرضهم على ارتكاب المعاصى والموبقات حتى يقعوا فيها .
يقال : أز فلان الشىء يئزه ويؤزه .. يكسر الهمزة وضمها أزا ، إذا حركه بشدة ، وأز فلان
فلانا ، إذا أغراه وهيجه وحته على فعل شىء معين ،وأصله من أزت القدر توز أزيزا ، إذا اشتد
غليان الماء فيها .
والمعنى : لقد علمت أنت وأتباعك أيها الرسول الكريم ، أنا أرسلنا الشياطين على
الكافرين ، وسلطناهم عليهم ، وقيضناهم لهم، لكى يحضوهم على ارتكاب السيئات ،
ويحركوهم تحريكا شديدًا نحو الموبقات حتى يقترفوها وينغمسوا فيها ..
ومادام الأمر كذلك . فذرهم فى طغيانهم يعمهون ، ولا تتعجل وقوع العذاب بهم . فإن
الله - تعالى - قد حدد - بمقتضى حكمته - وقتا معينا لنزول العذاب بهم .
وقوله: ﴿ إنما نعد لهم عدا﴾ تعليل لموجب التهى ببيان أن وقت هلاكهم قد اقترب، إذ
كل معدود له نهاية ينتهى عندها .
قال القرطبى ما ملخصه : قوله : ﴿ إنما نعد لهم عدا﴾ يعنى الأيام والليالى والشهور
(١) سورة الأحقاف الآية ٥، ٦ .
( ٢) سورة فاطر الآية ١٤ .

٧١
سورة مريم
والسنين إلى انتهاء أجل العذاب .. وقال الضحاك : نعد أنفاسهم وقال قطرب : نعد أعمالهم
عدا .
روى أن المأمون قرأ هذه السورة فمر بهذه الآية وعنده جماعة من الفقهاء فأشار برأسه إلى
ابن السماك أن يعظه ، فقال : إذا كانت الأنفاس بالعدد ، ولم يكن لها مدد ، فما أسرع ما
تنفد ، وقيل فى هذا المعنى :
مضى نفس منك انتقصت به جزءا
حياتك أنفاس تعد فكلما
ويحدوك حاد ما يريد به الهزءا(١)
يميتك ما يحييك فى كل ليلة
وكان ابن عباس - رضى الله عنهما - إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: آخر العدد : خروج
نفسك . آخر العدد : فراق أهلك آخر العدد : دخول قبرك .
ثم بين - سبحانه - عاقبة المتقين ، وعاقبة المجرمين يوم القيامة فقال : ﴿يوم نحشر
المتقين إلى الرحمن وفدا * ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا * لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ
عند الرحمن عهدا﴾ و﴿ يوم﴾ ظرف منصوب بقوله: ﴿لا يملكون .. ﴾. أى: لا
يملكون الشفاعة يوم نحشر المتقين .. ويجوز أن يكون منصوبا بفعل محذوف تقديره : اذكر أو
احذر ..
وقوله: ﴿وفدا﴾ جمع وافد. يقال: وفد فلان على فلان يفد وفدا ووفودا، إذا أقدم
عليه ، وفعله من باب وعد .
ويطلق الوفد على الجمع من الرجال الذين يفدون على غيرهم لأمر من الأمور الهامة ، وهم
راكبون على دوابهم . وهذا الإطلاق هو المراد باللفظ هنا .
والمعنى : واذكر - أيها العاقل - يوم القيامة ، يوم نحشر المتقين إلى جنة الرحمن ، ودار
كرامته راكبين على مراكب تنشرح لها النفوس وتسر لها القلوب .
قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : يخبر الله -تعالى - عن أوليائه
المتقين ، الذين خافوه فى الدار الدنيا ، واتبعوا رسله وصدقوهم ، أنه يحشرهم يوم القيامة وفدا
إليه . والوفد هم القادمون ركبانا ومنه الوفود ، وركوبهم على نجائب من نور من مراكب الدار
الآخرة . وهم قادمون على خير موفود إليه ، إلى دار كرامته ورضوانه .
وقال ابن أبى حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج .. عن ابن مرزوق قال : يستقبل المؤمن عند
خروجه من قبره أحسن صورة رآها ، وأطيبها ريحا ، فيقول : من أنت ؟ فيقول : أما
(١) تفسير القرطبى جـ ١١ ص ١٥٠ .

٧٢
المجلد التاسع
تعرفنى؟ فيقول: لا، إلا أن الله - تعالى - طيب ريحك وحسن وجهك. فيقول: أنا عملك
الصالح .. فهلم فاركبنى فذلك قوله: ﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا﴾(١).
وقوله - تعالى -: ﴿ ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا ﴾ بيان لسوء عاقبة المجرمين بعد
بيان ما أعده الله للمتقين من نعيم.
و﴿ وردا﴾ أى: عطاشا. وأصل الورد الإتيان إلى الماء بقصد الارتواء منه بعد العطش
الشديد .
أى : ونسوق المجرمين الذين ارتكبوا الجرائم فى دنياهم ، نسوقهم سوقا إلى جهنم كما
تساق البهائم . حالة كونهم عطاشا ، يبحثون عن الماء فلا يجدونه .
والضمير فى قوله - تعالى -: ﴿ لا يملكون الشفاعة .. ﴾ يرى بعضهم أنه يعود إلى
المجرمين فى قوله ﴿ نسوق المجرمين .. ﴾.
أى: نسوق المجرمين إلى جهنم عطاشا ، حالة كونهم لا يملكون الشفاعة لغيرهم ، ولا
يستحقون أن يشفع لهم غيرهم ، لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا وهم المؤمنون الصادقون فإنهم
يملكونها بتمليك الله - تعالى - لهم إياها وإذنه لهم فيها ، كما قال - تعالى -: ﴿ من ذا الذى
يشفع عنده إلا بإذنه .. ﴾ وكما قال - سبحانه -: ﴿وكم من ملك فى السموات لا تغنى
شفاعتهم شيئًا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾(٢).
وعلى هذا التفسير يكون الاستثناء منقطعًا .
قال القرطبى: ((قوله - تعالى -: ﴿لا يملكون الشفاعة) أى: هؤلاء الكفار
لا يملكون الشفاعة لأحد ﴿ إلا من اتخذ عند الرحمن عهدًا﴾ وهم المسلمون فيملكونها ،
فهو استثناء الشىء من غير جنسه . أى: لكن من اتخذ عند الرحمن عهدًا يشفع ، فمن فى
موضع نصب على هذا ... ويرى آخرون أن الضمير فى قوله: ﴿ لا يملكون ... ﴾ يعود إلى
فريقى المتقين والمجرمين .
أى : لا يملك أحد من الفريقين يوم القيامة الشفاعة لأحد ، ولا يملك غيرهم الشفاعة لهم ،
إلا من اتخذ﴾ منهم ﴿عند الرحمن عهدًا﴾ وهم المؤمنون فإنهم يملكون بإذن الله لهم.
والمراد بالعهد الأمر والإذن ، يقال: عهد الأمير إلى فلان بكذا ، إذا أمره به . أو أذن له
فى فعله .
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ١٣٧ .
(٢) تفسير القرطبى جـ ١١ ص ١٥٣.

٧٣
سورة مريم
وعلى هذا يكون الاستثناء متصلاً، ويكون لفظ ﴿ من) بدل من الواو فى
يملكون ﴾ .
قال الألوسى ما ملخصه: ((قوله ﴿ لا يملكون الشفاعة ) ضمير الجمع يعم المتقين
والمجرمين ، أى: العباد مطلقًا ... وقوله ﴿إلا من اتخذ عند الرحمن عهدًا﴾ استثناء
متصل ... والمعنى : لا يملك العباد أن يشفعوا لغيرهم ، إلا من اتصف منهم بما يستأهل معه أن
يشفع وهو المراد بالعهد ... ))(١) .
ويبدو لنا أن هذا القول أولى ، لشموله وعمومه إذ الكلام السابق فى الفريقين جميعًا ، فريق
المتقين وفريق المجرمين .
ثم يستطرد السياق القرآنى ، إلى حكاية أقوال أخرى ، من أقوال الكافرين الباطلة ،
وهى زعمهم أن الله - تعالى - ولدًا، فقال - سبحانه - :
وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًّا ◌ّ لَقَدْ
جِئْتٌُ شَيْئًا إِذَا تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ
وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُ الْجِبَالُ هَذَّا ◌ْ أَنْ دَعَوْلِلرَّحْمَنِ وَلَدًا
؟ وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِن كُلُّ مَنْ فِى
٩١
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ مَاتِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا )الَقَدْ أَخْصَهُ
وَعَدَّهُمْ عَدَّا (٥) وَكُّهُمْ ءَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا
٩٥
والضمير فى قوله - تعالى -: ﴿وقالوا﴾ يشمل كل من تفوه بهذا القول الباطل سواء
أكان من اليهود أم من النصارى أم من المشركين .
وقوله : ﴿لقد جئتم شيئًا إدا﴾ توبيخ وتقريع من الله - تعالى - لهم على هذا القول
المنكر .
أى : لقد جئتم بقولكم هذا أيها الضالون شيئًا فظيعًا عجيبًا منكرًا تقشعر لهوله الأبدان.
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ١٣٧.

٧٤
المجلد التاسع
والإِد والإِدة - بكسر الهمزة - الأمر الفظيع والداهية الكبيرة . يقال : فلان أدته الداهية
فهى تنده وتؤده ، إذا نزلت به وحطمت كيانه .
وقوله - سبحانه - : ﴿ تكاد السموات يتفطرن منه ... ﴾ فى موضع الصفة لقوله
إدا ﴾ .
أى : لقد جئتم بقولكم هذا أمرًا منكرًا فظيعًا ، تكاد السموات ﴿يتفطرن منه﴾ أى :
يتشققن من هوله ، من التفطير بمعنى التشقيق ، يقال : فلان فطر هذا الشىء يفطره - بكسر
الطاء وضمها - إذا شقه. وقرأ حمزة وابن عامر ﴿ينفطرن﴾ من الانفطار وهو الانشقاق -
أيضًا - .
وتنشق الأرض ﴾ أى: وتتصدع الأرض من عظمه ، وتنخسف بهؤلاء القائلين ذلك
القول الفاسد ، ﴿وتخر الجبال هدا﴾ أى: وتسقط الجبال مهدودة - أيضًا - من فظاعة هذا
القول . يقال : هذا الجدار يهده - بضم الهاء - هدًا: إذا هدمه .
وقوله : ﴿ أن دعوا للرحمن ولدا * وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ولدا ﴾ بمنزلة التعليل لما
قبله مع تقدير لام التعليل المحذوفة .
أى : تكاد السموات يتفطرن والأرض تتشقق ، والجبال تنهد ، لأن هؤلاء الضالين قد
زعموا أن لله - تعالى - ولدا ، والحال أنه ما يصح وما يليق أن يتخذ الرحمن ولدا ، لأنه
- سبحانه - غنى عن العالمين .
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: (( إن قلت : ما معنى هذا التأثر من أجل هذه الكلمة ؟.
قلت : فيه وجهان : أحدهما أن الله - سبحانه - يقول : كدت أفعل هذا بالسموات
والأرض والجبال عند وجود هذه الكلمة غضبا منى على من تفوه بها .. لولا أنى لا أعجل
بالعقوبة ...
والثانى: أن يكون استعظامًا للكلمة ، وتهويلًا من فظاعتها وتصويرًا لأثرها فى الدين ،
وهدمها لأركانه وقواعده ، وأن مثال ذلك الأثر فى المحسوسات : أن يصيب هذه الأجرام
العظيمة التى هى قوام العالم : ما تنفطر منه وتنشق وتخر .. )) (١) .
وقال الإِمام القرطبى: ((نفى عن نفسه - سبحانه وتعالى - الولد ، لأن الولد يقتضى
الجنسية والحدوث .. ولا يليق به ذلك ، ولا يوصف به ، ولا يجوز فى حقه ...
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٤٤ .

٧٥
سورة مريم
وروى البخارى عن أبى هريرة قال: قال رسول الله - 143 - : يقول الله - تبارك
وتعالى - كذبنى ابن آدم ولم يكن له ذلك ، وشتمنى ولم يكن له ذلك ، فأما تكذيبه إياى
فقوله: لن يعيدنى كما بدأنى . وليس أول الخلق بأهون على من إعادته . وأما شتمه إياى
فقوله: اتخذ الله ولدًا وأنا الأحد الصمد. لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد))(١).
ثم بين - سبحانه - أن جميع المخلوقات خاضعة لقدرته وإرادته وعلمه فقال : ﴿إن كل
من فى السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا ...
و﴿ إن) نافية بمعنى ما، أى: ما من أحد من أهل السموات والأرض إلا وهو يأتى يوم
القيامة مقرًّا له - سبحانه - بالعبودية ، خاضعًا لقدرته ، معترفًا بطاعته . مقرًّا بأنه عبد من
مخلوقاته . ومن كان كذلك فكيف يكون له ولد ؟
وصدق الله إذ يقول: ﴿ بديع السموات والأرض ، أنى يكون له ولد ، ولم تكن له
صاحبة ، وخلق كل شىء، وهو بكل شىء عليم ﴾(٢) .
ثم أكد - سبحانه - أنه هو المالك لكل شىء ، والعليم بكل شىء فقال: ﴿ لقد
أحصاهم ﴾ .
أى : حصرهم وأحاط بهم ، بحيث لا يخرج أحد من مخلوقاته عن علمه وطاعته ﴿ وعدهم
عدا﴾ أى: وعد أشخاصهم وذواتهم وحركاتهم وسكناتهم .. بحيث لا يهربون من قبضته ،
ولا يخفى عليه أحد منهم ..
وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا﴾ أى: وكل واحد يأتيه - سبحانه - يوم القيامة
منفردًا ، بدون أهل أو مال أو جاه ... أو غير ذلك مما كانوا يتفاخرون به فى الدنيا .
وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ردت أبلغ رد وأحكمه . على أولئك الضالين الذين زعموا
أن اللّه ولدًا.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان ما أعده لعباده المؤمنين وببيان بعض الخصائص
التى جعلها لكتابه الكريم .. فقال - تعالى - :
(١) تفسير القرطبى جـ ١١ ص ١٥٩ .
(٢) سورة الأنعام الآية ١٠١ .

٧٦
المجلد التاسع
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ
الرَّحْمَنُ وَذَا ◌َلْ فَإِنَّمَا يَسَّرْفَهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ
اٌلْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَبِهِ قَوْمًا لُّذًّا (٦﴾ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم
مِّن قَرْنِ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْتَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزا
٩٨
أى: إن الذين امنوا بالله - تعالى - حق الإِيمان، وعملوا الأعمال الصالحات ﴿ سيجعل
لهم الرحمن ﴾ فى دنياهم وفى آخرتهم ﴿ودا﴾ أى: سيجعل لهم محبة ومودة فى القلوب،
الإِيمانهم وعملهم الصالح ، يقال : ود فلان فلانا ، إذا أحبه وأخلص له المودة .
روى الإمام مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله - وَ ل -: ((إن الله
- تعالى - إذا أحب عبدادعا جبريل فقال: يا جبريل إنى أحب فلانًا فأحبه . قال : فيحبه
جبريل . ثم ينادى فى أهل السماء : إن الله يحب فلانًا فأحبوه . قال: فيحبه أهل السماء. ثم
يوضع له القبول فى الأرض ، وإن الله إذا أبغض عبدًا دعا جبريل فقال : يا جبريل إنى أبغض
فلانًا فأبغضه . قال : فيبغضه جبريل ثم ينادى فى أهل السماء إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه .
قال : فيبغضه أهل السماء، ثم توضع له البغضاء فى الأرض))(١) .
ثم بين - سبحانه - الحكمة التى من أجلها جعل القرآن ميسرا فى حفظه وفهمه فقال :
فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين ، وتنذر به قومًا لدا ﴾ .
أى: إننا أنزلنا هذا القرآن على قلبك - أيها الرسول الكريم - وجعلناه بلسانك العربى
المبين ، وسهلنا حفظه وفهمه على الناس ، ﴿ لتبشر به المتقين ﴾ الذين امتثلوا أمرنا واجتنبوا
نهينا ﴿ وتنذر به قومًا لدا﴾ أى: ذوى لدد وشدة فى الخصومة بالباطل، وهم مشركو قريش
فقوله ﴿ لدا﴾ جمع ألد ومنه قوله - تعالى -: ﴿ومن الناس من يعجبك قوله فى الحياة
الدنيا ويشهد الله على ما فى قلبه وهو ألد الخصام﴾(٢) أى أشد الناس خصومة وجدلاً.
وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى - : ﴿ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من
مذكر ﴾ (٢).
(١) تفسير القرطبى جـ ١١ ص ١٦١ .
(٢) سورة البقرة آية ٢٠٤ .
(٣) سورة القمر آية ١٧ .

٧٧
سورة مريم
﴾(١) .
وقوله - سبحانه - : ﴿ فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية التى تخبر عن سنة من سننه فى الظالمين
فقال: ﴿وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزًا ﴾.
أى : وكثير من القرى الظالمة التى سبقتك - أيها الرسول الكريم - قد أهلكناها وأبدناها
وجعلناها خاوية على عروشها .
والاستفهام فى قوله ﴿ هل تحس منهم من أحد ﴾ للنفى: أى: ما تحس منهم أحدًا
ولا ترى منها ديارًا. يقال : أحس الرجل الشىء إحساسًا ، إذا علمه وشعر به .
وقوله ﴿أوتسمع لهم ركزًا﴾ معطوف على ما قبله ، والركز. الصوت الخفى . ومنه
قولهم : ركز فلان رمحه ، إذا غيب طرفه وأخفاه فى الأرض . ومنه الركاز للمل المدفون فى
الأرض .
والمعنى : أهلكنا كثيرًا من القرى الظالمة الماضية ، فأصبحت لا ترى منهم أحدًا على
.الإطلاق، ولا تسمع لهم صوتًا حتى ولو كان صوتًا خافتًا ضعيفًا وإنما هم فى سكون عميق ،
وصمت رهيب ، بعد أن كانوا فوق هذه الأرض يدبون ويتحركون .
وهذه سنتنا التى لا تتخلف فى الظالمين . ﴿تمتعهم قليلاً ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ ﴾
نعوذ بالله - تعالى - من ذلك .
وبعد : فهذا تفسير لسورة مريم ، نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصًا لوجهه ، ونافعًا
لعباده .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
القاهرة - مدينة نصر ،
ظهر الاثنين ١٧ من شوال سنة ١٤٠٤ هـ
الموافق ١٦ / ٧ / ١٩٨٤ م .
المؤلف
د . محمد سيد طنطاوى
(١) سورة الدخان آية ٥٨ .

تفسير
شُورَةِطَةُ

جـ