النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ سورة مريم قال الآلوسى: (( أخرج أبو نعيم ، وابن مردويه ، والديلمى ، عن ابن عباس ، عن النبى - وَلِ﴿٣ - أنه قال فى ذلك: ((أعطى الفهم والعبادة وهو ابن سبع سنين)) (١) . وقال الجمل فى حاشيته: (( فإن قلت : كيف يصح حصول العقل والفطنة والنبوة حال الصبا ؟ . قلت : لأن أصل النبوة مبنى على خرق العادات . إذا ثبت هذا . فلا تمنع صيروة الصبى نبيا . وقيل : أراد بالحكم فهم الكتاب فقرأ التوراة وهو صغير .. (٢). والذى تطمئن إليه النفس وعليه جمهور المفسرين أن المراد بالحكم هنا : العلم النافع مع العمل به ، وذلك عن طريق حفظ التوراة وفهمها وتطبيق أحكامها . قال ابن كثير: ﴿وآتيناه الحكم صبيا﴾ أى: الفهم والعلم والجد والعزم، والإِقبال على الخير ، والإِكباب عليه ، والاجتهاد فيه ، وهو صغير حدث . قال عبد الله بن المبارك : قال معمر : قال الصبيان ليحيى بن زكريا : اذهب بنا نلعب ، فقال: ما للعب خلقنا. قال: فلهذا أنزل الله: ﴿وآتيناه الحكم صبيا﴾(٣). وقوله - تعالى -: ﴿وحنانًا من لدنا وزكاة وكان تقيا﴾ معطوف على ﴿ الحكم﴾. أى : وأعطيناه الحكم صبيًّا، وأعطيناه حنانا ... قال القرطبى ما ملخصه: ((الحنان : الشفقة والرحمة والمحبة ، وهو فعل من أفعال النفس ... وأصله : من حنان الناقة على ولدها ... قال طرفة : أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض(٤) والمعنى : منحنا ﴿ يحيى﴾ الحكم صبيا، ومنحناه من عندنا وحدنا رحمة عظيمة عليه، ورحمة فى قلبه جعلته يعطف على غيره ، وأعطيناه كذلك زكاة أى : طهارة فى النفس ، أبعدته عن ارتكاب ما نهى الله عنه، وجعلته سباقاً لفعل الخير ﴿وكان تقيا﴾ أى مطيعًا لنا فى كل ما نأمره به ، أو ننهاه عنه . ثم أضاف - سبحانه - إلى تلك الصفات الكريمة ليحيى صفات أخرى فقال : ﴿وبرا (١) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ٧٢ . (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٥٤ . (٣) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ١١٣ . (٤) تفسير القرطبى جـ ١١ ص ٨٧ . ٢٢ المجلد التاسع بوالديه ﴾ أى: وجعلناه كثير البر بوالديه، والإِحسان إليهما . ولم يكن جبارًا ﴾ أى: مستكبرا متعاليا مغرورا ﴿ عصيا﴾ أى: ولم يكن ذا معصية ومخالفة لأمر ربه . ثم ختم - سبحانه - هذه الصفات ببيان العاقبة الحسنة التى ادخرها ليحيى - عليه السلام - فقال: ﴿وسلام عليه يوم ولد﴾ أى: وتحية وأمان له منا يوم ولادته ﴿ويوم يموت﴾ ويفارق هذه الدنيا ﴿ويوم يبعث حيا﴾ للحساب يوم القيامة. وخص - سبحانه - هذه الأوقات الثلاثة بالذكر ، لأنها أحوج إلى الرعاية من غيرها . قال سفيان بن عيينة : أحوج ما يكون المرء فى ثلاثة مواطن : یوم یولد فیری نفسه خارجًا مما كان فيه . ويوم يموت فيرى قومًا لم يكن عاينهم . ويوم يبعث فيرى نفسه فى محشر عظيم . وبعد هذا الحديث عن جانب من قصة زكريا ويحيى - عليهما السلام - ، انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن قصة أخرى أعجب من قصة ميلاد يحبى ، ألا وهى قصة مريم وميلادها لابنها عيسى - عليه السلام - فقال - تعالى - : وَأَذَّكُرْ فِىِ الْكِتَبِ مَرْيَمَإِانتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ، فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَارُ وحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرَا سَوِّبًّا (١) قَالَتْ إِنّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنْتَ تَقِيًّا ﴿﴾ قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا ، قَالَتْ أَّى يَكُونُ لِ عُلَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَلُ بَغِيًّا (٥) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكٍ هُوَ عَلَىَّهَيِّنٌّ وَلِنَجْعَلَهُ:ءَايَةٌ لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً ٢١ مِنَّأَوَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا قال ابن كثير: (( لما ذكر الله تعالى - قصة زكريا - عليه السلام - وأنه أوجد منه فى حال ٢٣ سورة مريم كبره وعقم زوجته ولدا زكيًا طاهرًا مباركًا، وعطف بذكر قصة مريم ، فى إيجاده ولدها عيسى - عليه السلام - منها من غير أب . وهى مريم ابنة عمران - من سلالة داود - عليه السلام - وكانت من بيت طاهر فى بنى إسرائيل ... ونشأت نشأة عظيمة ، فكانت إحدى العابدات الناسكات ... وكانت فى كفالة زوج أختها زكريا - عليه السلام - ورأى لها من الكرامات الهائلة ما بهره ... ))(١). والمعنى: ﴿واذكر﴾- أيها الرسول الكريم - ﴿ فى الكتاب ﴾ أى فى هذه السورة الكريمة ، أو فى القرآن الكريم ، خبر مريم وقصتها ﴿إذ انتبذت من أهلها مكانًا شرقيا ، أى : وقت أن تنحت عنهم واعتزلتهم فى مكان يلى الناحية الشرقية من بيت المقدس ، أو من بيتها الذى كانت تسكنه . وفى التعبير بقوله - تعالى - ﴿ إذ انتبذت من أهلها ﴾ إشارة إلى شدة عزلتها عن أهلها إذ النبذ معناه الطرح والرمى ، فكأنها ألقت بنفسها فى هذا المكان لتتخلى للعبادة والطاعة ، والتقرب إلى الله - تعالى - بصالح الأعمال . قال القرطبى : واختلف الناس لم انتبذت ؟ فقال السدى : انتبذت لتطهر من حيض أو نفاس . وقال غيره : لتعبد اللّه وهذا حسن . وذلك أن مريم كانت وقفا على سدانة المعبد وخدمته والعبادة فيه ، فتنحت من الناس لذلك ، ودخلت فى المسجد إلى جانب المحراب فى شرقيه لتخلو للعبادة .. فقوله ﴿ مكانًا شرقيا﴾ أى: مكانًا من جانب الشرق. والشرق - بسكون الراء - المكان الذى تشرق فيه الشمس . والشرق - بفتح الراء - الشمس . وإنما خص المكان بالشرق ، لأنهم كانوا يعظمون جهة المشرق ، حيث تطلع الأنوار ... )) (٢). وقوله : ﴿ فاتخذت من دونهم حجابا ﴾ تأكيد لانتباذها من أهلها ، واعتزالها إياهم. أى : اذكر وقت أن اعتزلت أهلها . فى مكان يلى شرق بيت المقدس ، فاتخذت بينها وبينهم حجابا وساترًا للتفرغ لعبادة ربها . (١) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ١١٤. (٢) تفسير القرطبى جـ ١١ ص ٩٠ . ٢٤ المجلد التاسع ثم بين - سبحانه - ما أكرمها به فى حال خلوتها فقال: ﴿ فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرًا سويًا ﴾ . أى : فأرسلنا إليها روحنا وهو جبريل - عليه السلام - فتشبه لها فى صورة بشر سوى معتدل الهيئة ، كامل البنية ، كأحسن ما يكون الإِنسان . يقال : رجل سوى ، إذا كان تام الخلقة عظيم الخلق ، لا يعيبه فى شأن من شئونه إفراط أو تفريط . والإِضافة فى قوله ﴿ روحنا﴾ للتشريف والتكريم، وسمى جبريل - عليه السلام - روحًا لمشابهة الروح الحقيقية فى أن كلا منهما مادة الحياة للبشر . فجبريل من حيث ما يحمل من الرسالة الإلهية تحيا به القلوب ، والروح تحيا به الأجسام . وإنما تمثل لها جبريل - عليه السلام - فى صورة بشر سوى ، لتستأنس بكلامه ، وتتلقى منه ما يلقى إليها من كلماته ، ولو بدا لها فى صورته التى خلقه الله - تعالى - عليها . لنفرت منه ، ولم تستطع مكالمته . وقوله: ﴿بشرًا سويا﴾ حالان من ضمير الفاعل فى قوله ﴿ فتمثل لها ﴾. ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما دار بين مريم وبين جبريل من حوار ونقاش فقال : قالت إنى أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ﴾ . أى : قالت لجبريل - عليه السلام - الذى تمثل لها فى صورة بشر سوى : إنى أعوذ وألتجىء إلى الرحمن منك ، إن كنت ممن يتقى الله ويخشاه . وخصت الرحمن بالذكر ، لتثير مشاعر التقوى فى نفسه ، إذ من شأن الإِنسان التقى أن ينتفض وجدانه عند ذكر الرحمن ، وأن يرجع عن كل سوء يخطر بباله . وجواب هذا الشرط محذوف ، أى إن كنت تقيا ، فابتعد عنى واتركنى فى خلوتى لأتفرغ لعبادة الله - تعالى - . وبهذا القول الذى حكاه القرآن عن مريم . تكون قد جمعت بين الاعتصام بربها ، وبين تخويف من تخاطبه وترهيبه من عذاب الله . إن سولت له نفسه إرادتها بسوء . كما أن قولها هذا ، يدل على أنها قد بلغت أسمى درجات العفة والطهر والبعد عن الريبة ، فهى تقول له هذا القول ، وهى تراه بشرًا سويًّا ، وفى مكان بمعزل عن الناس ... وهنا يجيبها جبريل - كما حكى القرآن عنه - بقوله: ﴿ قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زکیا ٢٥ سورة مريم أى : قال لها جبريل ليدخل السكون والاطمئنان على قلبها : إنما أنا يا مريم رسول ربك الذى استعذت به، والتجأت إليه، فلا تخافى ولا تجزعى وقد أرسلنى - سبحانه - إليك، لأهب لك بإذنه وقدرته غلامًا زكيًا، أى: ولدًا طاهرًا من الذنوب والمعاصى، كثير الخير والبركات. ونسب الهبة لنفسه، لكونه سببًا فيها. وقرأ نافع وأبو عمرو: ﴿ليهب لك ﴾ بالياء المفتوحة بعد اللام أى : ليهب لك ربك غلامًا زكيا . وهنا تزداد حيرة مريم، ويشتد عجبها فتقول: ﴿ أنى يكون لى غلام ولم يمسسنى بشر، ولم أك بغيا ﴾ . أى : قالت على سبيل التعجب مما سمعته : كيف يكون لى غلام ، والحال أنى لم يمسنى بشر من الرجال عن طريق الزواج الذى أحله الله - تعالى - ، ولم أك فى يوم من الأيام بغيًا ، أى : فاجرة تبغى الرجال . أو يبغونها للزنا بها . يقال: بغت المرأة تبغى إذا فجرت وتجاوزت حدود الشرف والعفاف . قال صاحب الكشاف : جعل المس عبارة عن النكاح الحلال ، لأنه كناية عنه . كقوله - تعالى - ﴿ من قبل أن تمسوهن ﴾ والزنا لیس کذلك ، إنما یقال فيه : فجر بها وخبث بها وما أشبه ذلك ، وليس بقمن أن تراعى فيه الكنايات والآداب . والبَغِى : الفاجرة التى تبغى الرجال ... )) (١). وعلى هذا الرأى الذى ذهب إليه صاحب الكشاف ، يكون ما حكاه القرآن عن مريم من قولها : ﴿ ولم يمسسنى بشر ... ﴾ المقصود به النكاح الحلال. ويرى آخرون أن المقصود به ما يشمل الحلال والحرام ، أى : ولم يمسسنى بشر كائنًا من كان لا بنكاح ولا بزنى، ويكون قوله: ﴿ولم أك بغيا﴾ من باب التخصيص بعد التعميم، ويؤيد هذا الرأى قوله - تعالى - : ﴿ قالت رب أنى يكون لى ولد ولم يمسسنى بشر . قال كذلك اللّه يخلق ما يشاء إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون﴾(٢). ويؤيده أيضًا أن لفظ ﴿ بشر﴾ نكرة فى سياق النفى فيعم كل بشر سواء أكان زوجًا أم غير زوج . قال القرطبى: قوله: ﴿ ولم أك بغيا﴾ أى: زانية. وذكرت هذا تأكيدًا لأن قولها ﴿ولم (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ١٠ . ( ٢ ) سورة آل عمران الآية ٤٧ . .. ٢٦ المجلد التاسع يمسسنى بشر﴾ يشمل الحلال والحرام ... (١). وقال الجمل فى حاشيته ما ملخصه : وإنما تعجبت مما بشرها به جبريل لأنها عرفت بالعادة أن الولادة لا تكون إلا بعد الاتصال برجل . فليس فى قولها هذا دلالة على أنها لم تعلم أنه - تعالى - قادر على خلق الولد ابتداء . كيف وقد عرفت أن أبا البشر قد خلقه الله - تعالى - من غير أب أو أم ... ))(٢). وقوله - تعالى -: ﴿ قال كذلك قال ربك هو على هين ... ﴾ رد من جبريل عليها. أى : قال الأمر كذلك أى: كما ذكرت من أن بشرًا لم يمسسك ومن أنك لم تكونى فى يوم من الأيام بغيا . أو الأمر كذلك من أنى أرسلنى ربك لأهب لك غلامًا زكيا من غير أن يكون له أب . وقوله ﴿ قال ربك هو على هين ﴾ بيان لمظهر من مظاهر قدرة الله - تعالى - التى لا يعجزها شىء، أى: ﴿ قال ربك هو﴾ أى: خلق ولدك من غير أب ﴿ على هين ﴾ أى : سهل يسير لأن قدرتنا لا يعجزها شىء . وقوله - سبحانه - ﴿ ولنجعله آية للناس ) تعليل لمعلل محذوف ، أى: ولنجعل وجود الغلام منك من غير أن يمسك بشر ﴿ آية﴾ عظيمة، وأمرا عجيبًا يدل دلالة واضحة على قدرتنا ، أمام الناس جميعًا ، فإن قدرتنا لا يعجزها ذلك ، كما لا يعجزها أن توجد بشرًا من غير أب وأم كما فعلنا مع آدم . أو من غير أم كما فعلنا مع حواء ، أو من أب وأم كما فعلنا مع سائر البشر . وقوله: ﴿ورحمة منا﴾ معطوف على ما قبله، أى: ولنجعل هذا الغلام الذى وهبناه لك من غير أب رحمة عظيمة منا لمن آمن به ، واتبع دعوته . ﴿وكان ﴾ وجود هذا الغلام منك على هذه الكيفية ﴿أمرًا مقضيا﴾ أى: مقدرًا فى الأزل مسطورًا فى اللوح المحفوظ، ولا بد من وقوعه بدون تغيير أو تبديل . وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة ، قد حكت لنا جانبًا من حالة مريم ومن الحوار الذى جرى بينها وبين جبريل - عليه السلام - الذى تمثل لها فى صورة بشر سوى . ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن مشهد آخر من مشاهد تلك القصة العجيبة ، حكت فيها حالتها عند حملها بعيسى ، وعندما جاءها المخاض . فقال - تعالى - : (١) تفسير القرطبى جـ ١١ ص ٩١ . (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٥٦ . ٢٧ سورة مريم فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ، مَكَنَا قَصِيًّا ، فَأَجَاءَ هَا الْمَخَاضُ إِلَى ◌ِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَلَيْتَنِ مِتُ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيَا مَّنسِيًّا ٢٣ فَنَادَدِهَا مِن تَحْنِهَا أَلَّا تَحْزَنِ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً ٢٤ وَهُزِّىَّ إِلَيْكِ بِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَقِطْ عَلَيْكِرُطَبًاجَنِيًّا ٢٥ ١ فَكْلِى وَأَشْرِبٍ وَقَرِى عَيْنَافَإِمَّا تَرَبِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَ حَدًا فَقُولِيٌّ إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَنْ أُكَلِمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا قال ابن كثير رحمه الله: يقول - تعالى - مخبرًا عن مريم ، أنها لما قال لها جبريل عن الله - تعالى - ما قال : أنها استسلمت لقضائه - تعالى - ، فذكر غير واحد من علماء السلف ، أن الملك وهو جبريل - عليه السلام - عند ذلك نفخ فى جيب درعها ، فنزلت النفخة حتى ولجت فى الفرج، فحملت بالولد بإذن الله - تعالى - ... والمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر . قال عكرمة : ثمانية أشهر . وعن ابن عباس أنه قال : لم يكن إلا أن حملت فوضعت ، وهذا غريب ، وكأنه مأخوذ من ظاهر قوله - تعالى -: ﴿ فحملته فانتبذت به مكانًا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة ﴾ . فالفاء وإن كانت للتعقيب ، لكن تعقيب كل شىء بحسبه . فالمشهور الظاهر - والله على كل شىء قدير - أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن ... ))(١) . والفاء فى قوله - تعالى -: ﴿ فحملته .. ﴾ هى الفصيحة؛ أى: وبعد أن قال جبريل لمريم إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلامًا زكيا ... نفخ فيها فحملته ، أى : عيسى ، فانتبذت به ، أى : فتنحت به وهو فى بطنها ﴿ مكانا قصيا﴾ أى: إلى مكان بعيد عن المكان الذى يسكنه أهلها . (١) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ١١٦. ٢٨ المجلد التاسع يقال : قَصِى فلان عن فلان قَصْوًّا وقُصُوًّا ، إذا بعد عنه . ويقال : فلان بمكان قصى ، أى : بعيد . وجمهور العلماء على أن هذا المكان القصى ، كان بيت لحم بفلسطين . قال ابن عباس : أقصى الوادى ، وهو وادى بيت لحم ، فرارًا من قومها أن يعيروها بولادتها من غير زوج))(١) . ثم حكى - سبحانه - ما اعتراها من حزن عندما أحست بقرب الولادة فقال : فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت ياليتنى مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا ﴾ . وقوله : ﴿ فأجاءها ﴾ أى: فألجأها، يقال: أجأته إلى كذا ، بمعنى : ألجأته واضطرته إليه . ويقال : جاء فلان . وأجاءه غيره ، إذا حمله على المجىء ، ومنه قول الشاعر : وجارٍ سارَ معتمدًا علينا أجاءته المخافة والرجاء قال صاحب الكشاف: (( أجاء : منقول من جاء ، إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإِلجاء . ألا تراك تقول: جئت المكان وأجاءنيه زيد، كما تقول: بلغته وأبلغنيه ... ))(٢). والمخاض : وجع الولادة . يقال : مخضت المرأة - بكسر الخاء - تمخض - بفتحها - إذا دنا وقت ولادتها مأخوذ من المخض ، وهو الحركة الشديدة ، وسمى بذلك لشدة تحرك الجنين فى بطن الأم عند قرب خروجه . وجذع النخلة : ساقها الذى تقوم عليه . أى : وبعد أن حملت مريم بعيسى ، وابتعدت به - وهو محمول فى بطنها - عن قومها ، وحان وقت ولادتها . ألجأها المخاض إلى جذع النخلة لنتكىء عليه عند الولادة ... فاعتراها فى تلك الساعة ما اعتراها من هم وحزن وقالت : ﴿ ياليتنىِ مت قبل هذا ﴾ الحمل والمخاض الذى حل بى ﴿وكنت نسيا منسيا﴾ أى: وكنت شيئًا منسيًا متروكًا، لا يهتم به أحد، وكل شىء نسى وترك ولم يطلب فهو نَسْىٌّ ونسِىُّ. قال القرطبى: ((والنِّسْئُ فى كلام العرب : الشىء الحقير الذى من شأنه أن ينسى ولا يتألم لفقده كالوتد ، والحبل للمسافر . وقرىء: ﴿ نسيا) بكسر النون وهما لغتان مثل: الوتر والوتر ... ))(٣) . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٥٧ . (٢) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ١١ . (٣) تفسير القرطبى جـ ١١ ص ٩٢ . ٢٩ سورة مريم قال الآلوسى ما ملخصه: ((وإنما قالت ذلك مع أنها كانت تعلم ما جرى بينها وبين جبريل من الوعد الكريم، استحياء من الناس ، وخوفًا من لائمتهم ، أو حذرا من وقوع الناس فى المعصية بسبب كلامهم فى شأنها . وتمنى الموت لمثل ذلك لا كراهة فيه - لأنه يتعلق بأمر دينى - نعم يكره أن يتمنى المرء الموت لأمر دنيوى كمرض أو فقر .. ففى صحيح مسلم، قال رسول الله - السلام - : (( لا يتمنين أحدكم الموت لضرر نزل به ، فإن كان لابد متمنيا فليقل : اللهم أحينى ما كانت الحياة خيرًا لى، وتوفنى إذا كانت الوفاة خيرًا لى)). ومن ظن أن تمنى مريم الموت كان لشدة الوجع فقد أساء الظن(١). ثم ذكر - سبحانه - جانبًا من إكرامه لمريم فى تلك الساعات العصيبة من حياتها فقال : فناداها من تحتها أن لا تحزنى ، قد جعل ربك تحتك سريا . وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبًا جنيًّا، فكلى واشربى وقرى عينا ... ﴾. والذى ناداها يرى بعضهم أنه جبريل - عليه السلام - . وقوله ﴿ من تحتها ﴾ فيه قراءتان سبعيتان: إحداهما : بكسر الميم فى لفظ (من ) على أنه حرف جر، وخفض تاء تحتها﴾ على أنه مجرور بحرف الجر والفاعل محذوف أى: فناداها جبريل من مكان تحتها، أى أسفل منها ... والثانية : بفتح الميم فى لفظ ﴿ من﴾ على أنه اسم موصول، فاعل نادى وبفتح التاء فى تحتها﴾ على الظرفية ، أى: فناداها الذى هو تحتها ، وهو جبريل - عليه السلام - . قال القرطبى : قوله - تعالى - ﴿ فناداها من تحتها ﴾. قال ابن عباس : المراد بمن تحتها جبريل ، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها .. ففى هذا لها آية وأمارة أن هذا من الأمور الخارقة للعادة ، التى الله - تعالى - فيها مراد عظيم))(٢). ويرى بعض المفسرين أن المنادى هو عيسى - عليه السلام - فيكون المعنى : فناداها ابنها عيسى الذى كان عندما وضعته موجودًا تحتها . وقد رجح الإِمام ابن جرير هذا الرأى فقال: (( وأولى القولين فى ذلك عندنا قول من قال : الذى ناداها ابنها عيسى ، وذلك أنه من كناية - أى ضمير - ذكره أقرب منه من ذكر جبريل ، فرده على الذى هو أقرب إليه أولى من رده على الذى هو أبعد منه ، ألا ترى أنه فى (١) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ٨٢ . (٢) تفسير القرطبى جـ ١١ ص ٩٢ . ٣٠ المجلد التاسع سياق قوله - تعالى - ﴿ فحملته فانتبذت به مكانًا قصيا .. ) ثم قيل: فناداها نسقا على ذلك، ولعلة أخرى وهى قوله: ﴿ فأشارت إليه .. ) ولم تشر إليه - إن شاء الله - إلا وقد علمت أنه ناطق فى حاله تلك .. ))(١). ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن جرير من كون الذى نادى مريم هو ابنها عيسى ، أقرب إلى الصواب ، لأن هذا النداء منه لها فى تلك الساعة ، فيه ما فيه من إدخال الطمأنينة والسكينة على قلبها . أى : فناداها ابنها عيسى الذى كان أسفل منها عندما وضعته . مطمئنًا إياها بعد أن قالت : ياليتنى مت قبل هذا الذى حدث لى .. ناداها بقوله: ﴿ أن لا تحزنى﴾ يا أماه ﴿ قد جعل ربك تحتك سريا ﴾ أى جدولاً صغيرًا من الماء، لتأخذى منه ما أنت فى حاجة إليه، وسمى النهر الصغير من الماء سريا ، لأن الماء يسرى فيه . وقيل : المراد بالسرى : عيسى - عليه السلام - مأخوذ من السَّرْو بمعنى الرفعة والشرف . يقال : سَرُّ وَ الرجل يسرو - كشرف يشرف - فهو سَرِيّ ، إذا علا قدره وعظم أمره ومنه قول الشاعر : لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا أى : قد جعل ربك تحتك يا مريم إنسانا رفيع القدر، وهو ابنك عيسى ، والجملة الكريمة تعليل لانتفاء الحزن المفهوم من النهى بقوله: ﴿ أن لا تحزنى ﴾ قال بعض العلماء ما ملخصه: ((وأظهر القولين عندى أن السرى فى الآية النهر الصغير لأمرين : أحدهما : القرينة من القرآن ، لأن قوله بعد ذلك ﴿ فكلى واشربى ﴾ قرينة على أن ذلك المأكول والمشروب هو ما تقدم الامتنان به فى قوله : ﴿ قد جعل ربك تحتك سريا ﴾. الثانى: ما جاء عن ابن عمر من أنه سمع النبى - وَليزر - يقول: ((إن السرى الذى قال اللّه لمريم: ﴿ قد جعل ربك تحتك سريا﴾ نهر أخرجه الله لها لتشرب منه)). فهذا الحديث - وإن كانت طرقه لا يخلو شىء منها من ضعف - أقرب إلى الصواب من دعوى أن السرى عيسى بغير دليل يجب الرجوع إليه))(٢) . وقوله - سبحانه -: ﴿وهزى إليك بجذع النخلة ﴾ . معطوف على ما قاله عيسى لأمه (١ ) تفسير ابن جرير جـ ١٦ ص ٥٢ . (٢) تفسير أضواء البيان للشيخ الشنقيطى - رحمه الله - جـ ٤ ص ٢٤٨ . ٣١ سورة مريم مريم . والباء فى قوله ﴿ بجذع﴾ مزيدة للتوكيد، لأن فعل الهز يتعدى بنفسه . أى : وحركى نحوك أو جهة اليمين أو الشمال جذع النخلة ﴿ تساقط عليك رطبًا﴾ وهو ما نضج واستوى من الثمر ﴿جنيا﴾ أى: صالحًا للأخذ والاجتناء ﴿ فكلى﴾ من ذلك الرطب ﴿واشربى﴾ من ذلك السرى، ﴿وقرى عينا﴾ أى: طيبى نفسا بوجودى تحتك، واطردى عنك الأحزان . يقال : قرت عين فلان ، إذا رأت ما كانت متشوقة إلى رؤيته . مأخوذ من القرار بمعنى الاستقرار والسكون ، لأن العين إذا رأت ما تحبه سكنت إليه ، ولم تنظر إلى غيره . وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، أن مباشرة الأسباب فى طلب الرزق أمر واجب وأن ذلك لا ينافى التوكل على الله، لأن المؤمن يتعاطى الأسباب امتثالاً لأمر ربه مع علمه ويقينه أنه لا يقع فى ملكه - سبحانه - إلا ما يشاؤه ويريده . وهنا قد أمر الله - تعالى - مريم - على لسان مولودها - بأن تهز النخلة ليتساقط لها الرطب ، مع قدرته - سبحانه - على إنزال الرطب إليها من غير هز أو تحريك ، ورحم الله القائل : وهزى إليك الجذع يساقط الرطب ألم تر أن الله قال لمريم جنته ، ولكن كل شىء له سبب ولو شاء أن تجنيه من غير هزه كما أخذوا منها أن خير ما تأكله المرأة بعد ولادتها الرطب ، قالوا : لأنه لو كان شىء أحسن للنفساء من الرطب لأطعمه الله - تعالى - لمريم . وقوله - سبحانه -: ﴿ فإما ترين من البشر أحدًا فقولى إنى نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا ﴾ حكاية منه - تعالى - لبقية كلام عيسى لأمه. ولفظ ﴿ إما ﴾ مركب من ﴿ إن﴾ الشرطية، و﴿ ما﴾ المزيدة لتوكيد الشرط وترين ﴾ فعل الشرط، وجوابه ﴿فقولى ﴾ وبين هذا الجواب وشرطه كلام محذوف يرشد إليه السياق . والمعنى : أن عيسى - عليه السلام - قال لأمه : لا تحزنى يا أماه بسبب وجودى بدون أب ، وقرى عينا ، وطيبى نفسا لذلك، فإما ترين من البشر أحدًا كائنًا من كان فسألك عن أمرى وشأنى فقولى له ﴿إنى نذرت للرحمن صومًا﴾ أى: صمتا عن الكلام ﴿ فلن أكلم اليوم إنسيا﴾ لا فى شأن هذا المولود ولا فى شأن غيره، وإنما سأترك الكلام لا بنى ليشرح لكم حقيقة أمره . ٠ ٣٢ المجلد التاسع قالوا : إنما منعت من الكلام لأمرين : أحدهما : أن يكون عيسى هو المتكلم عنها ليكون أقوى لحجتها فى إزالة التهمة عنها ، وفى هذا دلالة على تفويض الكلام إلى الأفضل . والثانى: ((كراهة مجادلة السفهاء ، وفيه أن السكوت عن السفيه واجب ، ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها)»(١) . وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوبها البليغ الحكيم ما فعلته مريم عندما شعرت بالحمل وما قالته عندما أحست بقرب الولادة ، وما قاله لها مولودها عيسى من كلام جميل طيب ، لإدخال الطمأنينة على قلبها . ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن مشهد آخر من مشاهد تلك القصة العجيبة ؛ مشهد مريم عندما جاءت بوليدها إلى قومها ، وما قالوه لها ، وما قاله وليدها لهم ... استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى ذلك فيقول : فَأَتَتْ بِهِ، قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ، قَالُواْ يَمَرْيَهُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيَّان ◌َ يَأُخْتَ هَرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ آَمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ◌َ) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ تُكَلِمُ مَنْكَاتَ فِ اَلْمَهْدِ صَبِيًّا )) قَالَ إِنِ عَبْدُ اللَّهِءَ اتَمْنِىَ الْكِنَبَ وَجَعَنِى نَّاَةِ، وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَنِى بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَوْةِ مَادُمْتُ حَيَّا ◌َ، وَبَرَّابِوَ لِدَتِ وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًاشَفِيًّا وَالسَّلَمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدِتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيَّاه ٣٣١ وقوله - سبحانه -: ﴿ فأتت به قومها تحمله ... ﴾ معطوف على كلام محذوف يفهم من سياق القصة . ( ١) تفسير الفخر الرازى جـ ٥ ص ٥٣٥ . ٣٣ سورة مريم والتقدير : وبعد أن استمعت مريم إلى ما قاله لها ابنها عيسى - عليه السلام - اطمأنت نفسها ، وقرت عينها ، فأتت به أى بمولودها عيسى إلى قومها . وهى تحمله معها من المكان القصى الذى اعتزلت فيه قومها . قال الآلوسى : أى : جاءتهم مع ولدها حاملة إياه ، على أن الباء للمصاحبة . وجملة تحمله ﴾ فى موضع الحال من ضمير مريم ... وكان هذا المجىء على ما أخرج سعيد بن منصور ، وابن عساكر عن ابن عباس بعد أربعين يومًا حين طهرت من نفاسها ... وظاهر الآية والأخبار (( أنها جاءتهم به من غير طلب منهم .. ))(١). ثم حكى - سبحانه - ما قاله قومها عندما رأوها ومعها وليدها فقال: ﴿ قالوا يا مريم لقد جئت شيئًا فريا ﴾ . أى : قالوا لها على سبيل الإِنكار: يا مريم لقد جئت أى فعلت شيئًا منكرًا عجيبًا فى بابه ، حيث أتيت بولد من غير زوج نعرفه لك . والفَرِى: مأخوذ من فريت الجلد إذا قطعته ، أى: شيئًا قاطعًا وخارقًا للعادة ، ومرادهم : أنها أتت بولدها عن طريق غير شرعى ، كما قال - تعالى - فى آية أخرى: ﴿وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما ﴾ . ويدل على أن مرادهم هذا ، قولهم بعد ذلك: ﴿ يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء ﴾ . أى: ما كان أبوك رجلاً زانيًا أو معروفًا بالفحش ﴿وما كانت أمك بغيا﴾ أى: تتعاطى الزنا . يقال : بغت المرأة ، إذا فجرت وابتعدت عن طريق الطهر والعفاف . وليس المراد بهارون : هارون بن عمران أخا موسى ، وإنما المراد به رجل من قومها معروف بالصلاح والتقوى ، فشبهت به ، أى : يا أخت هارون فى الصلاح والتقوى . أو المراد به أخ لها كان يسمى بهذا الاسم . قال الآلوسى ما ملخصه: ((وقوله: ﴿ يا أخت هارون ) استئناف لتجديد التعبير، وتأكيد التوبيخ ، وليس المراد بهارون أخا موسى بن عمران - عليهما السلام - لما أخرج أحمد ، ومسلم ، والترمذى ، والنسائى ، والطبرانى ، وابن حبان ، وغيرهم عن المغيرة بن شعبة قال: بعثنى رسول الله - * - إلى أهل نجران فقالوا: أرأيت ما تقرأون : ( ١) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ٨٧ . ٣٤ المجلد التاسع يا أخت هارون ﴾ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا . قال : فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله - رَ - فقال: ((ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم)) .. وعن قتادة قال: ((هو رجل صالح فى بنى إسرائيل . والأخت على هذا بمعنى المشابهة ، وشبهوها به تهكما، أو لما رأوا قبل من صلاحها ... )) (١). وعلى أية حال فإن مرادهم بقولهم هذا ، هو اتهام مريم بما هى بريئة منه ، والتعجب من حالها ، حيث انحدرت من أصول صالحة طاهرة ، ومع ذلك لم تنهج نهجهم . وهنا نجد مريم تبدأ فى الدفاع عن نفسها ، عن طريق وليدها ﴿ فأشارت إليه ﴾ . أى : فأشارت إلى ابنها عيسى ، ولسان حالها يقول لهم: وجهوا كلامكم إليه فإنه سيخبركم بحقيقة الأمر . ولكنهم لم يقتنعوا بإشارتها بل قالوا لها : ﴿ كيف نكلم من كان فى المهد صبيا ﴾. والمهد : اسم للمضطجع الذى يهيأ للصبى فى رضاعه . وهو فى الأصل مصدر مهده يمهده إذا بسطه وسواه . أى : كيف نكلم طفلاً صغيراً ما زال فى مهده وفى حال رضاعه . والفعل الماضى وهو ﴿ كان﴾ ههنا بمعنى الفعل المضارع المقترن بالحال ، كما يدل عليه سياق القصة . ولكن عيسى - عليه السلام - أنطقه الله - تعالى - بما يدل على صدق مريم وطهارتها فقال: ﴿ قال إنى عبد الله .. ﴾ أى: قال عيسى فى رده على المنكرين على أمه إتيانها به : إنى عبد الله، خلقنى بقدرته ، فأنا عبده وأنتم - أيضًا - عبيده ، وهذا الخالق العظيم ﴿ آتانى الكتاب﴾ أى: سبق فى قضائه إيتائى الكتاب أى: الإنجيل أو التوراة أو مجموعهما . وعبر فى هذه الجملة وفيما بعدها بالفعل الماضى عما سيقع فى المستقبل ، تنزيلاً لتحقق الوقوع منزلة الوقوع الفعلى . وهذا التعبير له نظائر كثيرة فى القرآن الكريم ، منها قوله - تعالى -: ﴿ أتى أمر الله فلا تستعجلوه ؟ وقوله - سبحانه - ﴿ ونفخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن فى الأرض إلا من (١) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ٨٨. ٣٥ سورة مريم شاء الله. ثم نفخ فيه أخرى. فإذا هم قيام ينظرون﴾(١). وقوله : ﴿وجعلنى نبيا﴾ أدعو الناس إلى عبادته وحده ﴿وجعلنى﴾ أيضًا بجانب نبوتى مباركًا﴾ أى: كثير الخير والبركة ﴿أينما كنت﴾ أى: حينما حللت جعلنى مباركًا ، فأينما شرطية وجوابها محذوف لدلالة ما قبله عليه . وأوصانى بالصلاة والزكاة ﴾ أى: بالمحافظة على أدائها ﴿ ما دمت حيا﴾ فى هذه الدنيا . وقوله: ﴿وبرا بوالدتى﴾، أى: وجعلنى كذلك مطيعًا والدتى، وبارا بها ، ومحسنا إليها ، ﴿ ولم يجعلنى﴾ سبحانه - فضلاً منه وكرمًا ﴿جبارًا شقيا﴾ أى: ولم يجعلنى مغرورا متكبرًا مرتكبًا للمعاصى والموبقات . ﴿ والسلام﴾ والأمان منه - تعالى - ﴿على يوم ولدت ويوم أموت ﴾ مفارقا هذه الدنيا ويوم أبعث حيا ﴾ للحساب والجزاء يوم القيامة. فأنت ترى أن عيسى - عليه السلام - قد وصف نفسه بمجموعة من الصفات الفاضلة ، افتتحها بصفة العبودية لله رب العالمين ، الإِرشاد الناس إلى تلك الحقيقة التى لا حق سواها . ولتحذير أعدائه من وصفه بأنه هو الله ، أو هو ابن الله ، أو هو مشارك له فى العبادة .. واختتمها برجاء الأمان له من الله - تعالى - فى كل أطوار حياته . ثم ختم - سبحانه - هذه القصة ببيان وجه الحق فيها ، وأنذر الذين وصفوا عيسى وأمه بما هما بريئان منه بسوء المصير . فقال - تعالى - : ذَلِكَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦) مَا كَانَ لِلَّهِأَنْ يَتَّخِذَ مِن وَلَدِّ سُبْحَتَهُ, إِذَا قَضَىّ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ () وَإِنَّ اللَّهَ رَبِ وَرَبِّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوْ مِن ◌َّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِ ضَلٍ مُّبِينٍ ٣٨ : (١) سورة الزمر الآية ٦٨ . ٣٦ المجلد التاسع وَأَنَذِ رْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْقُضِىَ الْأَمْرُوَهُمْ فِ غَقْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ٤٠ ﴿ إِنَّا مَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ٩ واسم الإشارة ﴿ ذلك﴾ فى قوله: ﴿ ذلك عيسى ابن مريم) إشارة إلى ما ذكره الله - تعالى - قبل ذلك لعيسى من صفات حميدة ، ومن أخبار صادقة وهو مبتدأ ، وعيسى خبره ، وابن مريم صفته . ولفظ: ﴿قول﴾ فيه قراءتان سبعيتان إحداهما قراءة الجمهور بضم اللام ، والثانية قراءة ابن عامر وعاصم ، بفتحها . وعلى القراءة بالرفع يكون ﴿قول الحق ) خبر مبتدأ محذوف. فيكون المعنى : ذلك الذى أخبرناك عنه بشأن عيسى وأمه هو قول الحق - عز وجل - وهو قول لا يحوم حوله باطل ، ولا يخالطه ريب أو شك. فلفظ ﴿الحق﴾ يصح أن يراد به الله - سبحانه - لأنه من أسمائه ، ويصح أن يراد به ما هو ضد الباطل ، وهو الصدق والثبوت . وعلى قراءة النصب يكون لفظ ﴿قول﴾ مصدرًا مؤكدًا لمضمون الجملة، أى: ذلك الذى قصصناه عليك - أيها الرسول الكريم - من شأن عيسى ابن مريم ، هو القول الثابت الصادق . الذى أقول فيه قول الحق . والإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته أى : القول الحق ، كقوله - تعالى - وعد الصدق ﴾ أى : الوعد الصدق . وقوله: ﴿ الذى فيه يمترون﴾ بيان لموقف الكافرين من هذا القول الحق الذى ذكره الله - تعالى - عن عيسى وأمه . و﴿ الذى﴾ صفة للقول. أو للحق، و﴿ يمترون ﴾ يشكون من المرية بمعنى الشك والجدل ... أى : ذلك الذى ذكرناه لك من خبر عيسى هو القول الحق ، الذى شك فى صدقه الكافرون ، وتنازع فيه الضالون ، فلا تلتفت إلى شكهم وكفرهم بل ذرهم فى طغيانهم يعمهون . ثم نزه - سبحانه - ذاته عن أن يكون له ولد فقال: ﴿ ما كان الله أن يتخذ من ولد سبحانه ... ﴾ أى: ما يصح وما يستقيم وما يتصور فى حقه - تعالى - أن يتخذ ولدًا، لأنه منزه عن ذلك ، لأن الولد إنما يتخذه الفانون للامتداد ، ويتخذه الضعفاء للنصرة ، والله - تعالى - هو الباقى بقاء أبديا ، وهو القوى القادر الذى لا يعجزه شىء . ٣٧ سورة مريم و﴿ من﴾ فى قوله ﴿ من ولد﴾ لتأكيد هذا النفى وتعميمه. وفى معنى هذه الآيات جاءت آيات كثيرة منها قوله - تعالى - فى هذه السورة: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا. لقد جئتم شيئًا إدا ، تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا . أن دعوا للرحمن ولدا . وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ولدا ﴾ ثم بين - سبحانه - ما يدل على غناه عن الولد والوالد والصاحب والشريك فقال : إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون ﴾ أى: لا يتصور فى حقه - سبحانه - اتخاذ الولد ، لأنه إذا أراد قضاء أمر ، فإنما يقول له : كن ، فيكون فى الحال ، بدون تأخير أو تردد . وقوله - تعالى - ﴿وإن الله ربى وربكم فاعبدوه .... ﴾ قرأه ابن عامر والكوفيون بكسر همزة ﴿ إن﴾ على الاستئناف، أى: وإن عيسى - عليه السلام - قد قال لقومه - أيضًا - وإن الله - تعالى - هو ربى وهو ربكم فأخلصوا له العبادة والطاعة ، وهذا الذى أمرتكم به هو الصراط المستقيم الذى لا يضل سالكه . وقرأ الباقون بفتح همزة ﴿ أن﴾ بتقدير حذف حرف الجر أى: وقال عيسى لقومه: ولأن اللّه ربى وربكم فاعبدوه ... كما فى قوله - تعالى -: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدًا ﴾ أى : ولأن المساجد لله .. ثم بين - سبحانه - موقف أهل الكتاب من عيسى - عليه السلام - فقال: ﴿ فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم ﴾ . والأحزاب جمع حزب والمراد بهم فرق اليهود والنصارى الذين اختلفوا فى شأنه - عليه السلام - فمنهم من اتهم أمه بما هى بريئة منه، وهم اليهود كما فى قوله: ﴿وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيًا ﴾ . ومنهم من قال هو ابن اللّه، أو هو اللّه، أو إله مع الله، أو هو ثالث ثلاثة ... إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة التى حكاها القرآن عن الضالين وهم النصارى . ولفظ ﴿ ويل﴾ مصدر لا فعل له من لفظه، وهو كلمة عذاب ووعيد . و﴿ مشهد﴾ يصح أن يكون مصدرًا ميميا بمعنى الشهود والحضور. والمعنى : هكذا قال عيسى - عليه السلام - لقومه: ﴿إعبدوا الله ربي وربكم ﴾ ولكن الفرق الضالة من اليهود والنصارى اختلفوا فيما بينهم فى شأنه اختلافًا كبيرًا ، وضلوا ضلالا (١) سورة مريم الآية ٨٨ - ٩٢ . ٣٨ المجلد التاسع بعيدا ، حيث وصفوه بما هو برىء منه ، فويل لهؤلاء الكافرين من شهود ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة ، حيث سيلقون عذابًا شديدًا من اللّه بسبب ما نطقوا به من زور وبهتان . وعبر عنهم بالموصول فى قوله ﴿ للذين كفروا﴾ إيذانًا بكفرهم جميعًا، وإشعارًا بعلة الحكم . قال أبو حيان: ((ومعنى: ﴿من بينهم﴾ أن الاختلاف لم يخرج عنهم ، بل كانوا هم المختلفين دون غيرهم )» (١) . وجا التعبير فى قوله ﴿ من مشهد يوم عظيم ﴾ بالتنكير، للتهويل من شأن هذا المشهد ، ومن شأن هذا اليوم وهو يوم القيامة ، الذى يشهده الثقلان وغيرهما من مخلوقات الله - تعالى - . وقوله - سبحانه - ﴿ أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا ... ﴾ تهكم بهم ، وتوعد لهم بالعذاب الشديد ، فهو تأكيد لما قبله . و﴿ أسمع بهم وأبصر﴾ صيغتا تعجب، لفظهما لفظ الأمر، ومعناهما التعجيب، أى حمل المخاطب على التعجيب ، وفاعلهما الضمير المجرور بالباء ، وهى زائدة فيهما لزوما، والمعنى : ما أسمع هؤلاء الكافرين وما أبصرهم فى ذلك اليوم ، لما يخلع قلوبهم ، ويسود وجوههم ، مع أنهم كانوا فى الدنيا صً وعميانًا عن الحق الذى جاءتهم به رسلهم . فالمراد باليوم فى قوله ﴿ لكن الظالمون اليوم فى ضلال مبين ﴾ هو ما كانوا فيه فى الدنيا من ضلال وغفلة عن الحق . أى : أن هؤلاء القوم ما أعجب حالهم إنهم لا يسمعون ولا يبصرون فى الدنيا حين يكون السمع والبصر وسيلة للهدى والنجاة . وهم أسمع ما يكون السمع وأبصر ما يكون البصر ، عندما يكون السمع والبصر وسيلة للخزى والعذاب فى الآخرة . تم أمر الله - تعالى - نبيه محمدا - - بأن يخوف المشركين من أهوال يوم القيامة ، فقال: ﴿وأنذرهم يوم الحسرة إذا قضى الأمر وهم فى غفلة وهم لا يؤمنون﴾. والإنذار : الإعلام بالمخوف منه على وجه الترهيب والتحذير ، وأشد ما يخوف به يوم القيامة . والحسرة : أشد الندم على الأمر الذى فات وانقضى ولا يمكن تداركه . أى : وأنذر - أيها الرسول الكريم - المشركين ، وخوفهم من أهوال يوم القيامة ، يوم : (١) تفسير البحر المحيط لأبى حيان جـ ٦ ص ١٩١ . ٣٩ سورة مريم يتحسر الظالمون على تفريطهم فى طاعة الله ، ولكن هذا التحسر لن ينفعهم ، لأن حكم الله قد نفذ فيهم وقضى الأمر بنجاة المؤمنين ، وبعذاب الفاسقين ، وذهب أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار . وقوله: ﴿ وهم فى غفلة وهم لا يؤمنون﴾ حال من الضمير المنصوب فى ﴿أنذرهم﴾. أى : أنذرهم لأنهم فى حالة يحتاجون فيها إلى الإنذار وهى الغفلة وعدم الإِيمان . هذا ، وقد جاء فى الحديث الصحيح ما يدل على أن المراد بقوله - تعالى - ﴿ إذا قضى الأمر ﴾ . أى: ذبح الموت . فقد روى البخارى عن أبى سعيد الخدرى قال : قال رسول الله - وَلجر -: ((يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادى مناد : يا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون ، فيقول : هل تعرفون هذا ؟ فيقولون نعم . هذا الموت وكلهم قد رآه . ثم ينادى يا أهل النار ، فيشرئبون وينظرون فيقول : هل تعرفون هذا ؟ فيقولون نعم . هذا الموت وكلهم قد رآه . فيذبح . ثم يقول : يا أهل الجنة خلود بلا موت ، ويا أهل النار خلود بلا موت. ثم قرأ - ◌َله - ﴿وأنذرهم يوم الحسرة إذا قضى الأمر وهم فى غفلة وهم لا يؤمنون ﴾(١) . ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته ، وشمول ملكه فقال : ﴿ إنا نحن نرث الأرض ومن عليها .. ﴾ أى: إنا نحن وحدنا الذين نميت جميع الخلائق الساكنين بالأرض ، فلا يبقى لأحد غيرنا من سلطان عليهم أو عليها ، وهؤلاء الخلائق جميعًا ﴿ وإلينا﴾ وحدنا يرجعون ﴾ يوم القيامة ، فنحاسبهم على أعمالهم . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - ﴿ وإنا لنحن نحيى وميت ونحن الوارثون﴾. وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثتنا عن جانب من قصة زكريا ويحيى ، وعن قصة مريم وعيسى ، حديثًا يهدى إلى الرشد ، ويزيد المؤمنين إيماناً على إيمانهم ، ويقذف بحقه على باطل المبطلين فيدمغه فإذا هو زاهق . ثم أوردت السورة الكريمة القصة الثالثة وهى قصة إبراهيم - عليه السلام - وما دار بينه وبين أبيه من حوار. قال - تعالى - : (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ١٢٢ . ٤٠ المجلد التاسع وَأَذْكُرُ فِى الْكِتَبِ إِبْرَهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقَاتِيًّا إِذْقَالَ لِ يَّأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُمَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِىِ عَنْكَ شَيْئًا ( يَأَبَتٍ إِى قَدْجَآءَ فِ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِى أَهْدِلَ صِرَطًاً سَوَا ® يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنَّ إِنَّالشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا ®) يَأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسََّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَنِ وَلِيًّا ﴿﴿ قَالَ أَرَاغِبُّ أَنْتَ عَنْ ءَالِهَتِ يَِّزَهِيمٌّ لَبِن لَّ تَنْتَهِ لَأَرْ جُمَنَّكَ وَاهْجُرْ نِي مَلِيًّا ﴾ قَالَ سَلَمُ عَلَيَكْ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِ إِنَّهُ كَانَ بِ حَفِيًّا أَ وَأَعْتَزِّلُكُمْ وَمَاتَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْ عُواْرَبِى عَسَىّ أَلَّ أَكُونَ بِدُعَاءِرَبِى شَقِيًّا ® فَلَمَّا أَعْتَزَمُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٌ وَكُلََّ جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩ وَوَهَبْنَا لَهُ مِّن رَّحْمَيِّنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا( ٥٠ قال الإِمام الرازى ما ملخصه: ((اعلم أن الغرض من هذه السورة ، بيان التوحيد والنبوة والحشر ، والمنكرون للتوحيد فريقان: فريق أثبت معبودًا غير الله حيا عاقلاً وهم النصارى ومن على شاكلتهم ، وفريق أثبت معبودا من الجماد ليس بحى ولا عاقل ، وهم عبدة الأوثان . والفريقان وإن اشتركا فى الضلال إلا أن ضلال الفريق الثانى أعظم . ولما بين - سبحانه - ضلال الفريق الأول - وهم النصارى - ، أتبعه بذكر الفريق الثانى ، وهم عبدة الأوثان قوم إبراهيم - عليه السلام - (١) . ( ١ ) تفسير الفخر الرازى جـ ٥ ص ٥٤٤.