النص المفهرس
صفحات 581-597
٥٨١ سورة الكهف وفضلا عن كل ذلك فإن الحديث الذى رواه الإمام مسلم عنهم ، صريح فى أن خروجهم سيكون من علامات الساعة ، والله - تعالى - أعلم . ثم بين - سبحانه - ما أعده للكافرين من عذاب يوم القيامة فقال: ﴿ وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا ، الذين كانت أعينهم فى غطاء عن ذكرى وكانوا لا يستطيعون سمعا ﴾ . وقوله : ﴿وعرضنا﴾ .. أى: أظهرنا وأبرزنا يقال: عرض القائد جنده إذا أظهرهم ليشاهدهم الناس . أى : جمعنا الخلائق يوم البعث والنشور جمعا تاما كاملا . وأبرزنا وأظهرنا جهنم فى هذا اليوم للكافرين إبرازا هائلا فظيعا ، حيث يرونها ويشاهدونها بدون لبس أو خفاء ، فيصيبهم ما يصيبهم من رعب وفزع عند مشاهدتها . وتخصيص العرض بهم ، مع أن غيرهم - أيضا - يراها ، لأنها ما عرضت إلا من أجلهم ، ومن أجل أمثالهم ممن فسقوا عن أمر ربهم . ويرى بعضهم أن اللام فى ((للكافرين)) بمعنى على ، لأن العرض يتعدى بها ، قال - تعالى -: ﴿ ويوم يعرض الذين كفروا على النار .. ﴾ وقال - سبحانه -: ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ... ﴾ . ثم وصفهم - سبحانه - بما يدل على استحقاقهم دخول النار فقال : ﴿ الذين كانت أعينهم فى غطاء عن ذكرى ﴾ . أى: أبرزجهنم فى هذا اليوم العصيب للكافرين الذين كانت أعينهم فى الدنيا فى ((غطاء» كثيف وغشاوة غليظة، ((عن ذكرى)) أى: عن الانتفاع بالآيات التى تذكرهم بالحق ، وتهديهم إلى الرشاد ، بسبب استحواذ الشيطان عليهم . وفى التعبير بقوله : ﴿ غطاء﴾ إشعار بأن الحائل والساتر الذى حجب أعينهم عن الإبصار ، كان حائلا شديدا ، إذ الغطاء هو ما يغطى الشىء ويستره من جميع جوانبه . والمراد بالذكر : القرآن الكريم ، أو ما يشمله ويشمل كل مافى الكون من آيات يؤدى التفكر فيها إلى الإِيمان بالله - تعالى - . وقوله: ﴿وكانوا لا يستطيعون سمعا﴾ صفة أخرى من صفاتهم الذميمة ، أى: وكانوا فى الدنيا - أيضا - لا يستطيعون سمعا للحق أو الهدى ، بسبب إصرارهم على الباطل ، وإيغالهم فى الضلال والعناد ، بخلاف الأصم فإنه قد يستطيع السماع إذا صيح به . ٥٨٢ المجلد الثامن قال الآلوسى : فالجملة الكريمة نفى لسماعهم على أتم وجه ، ولذا عدل عن : وكانوا صما مع أنه أخصر ، لأن المراد أنهم مع ذلك كفاقدى السمع بالكلية وهو مبالغة فى تصوير إعراضهم عن سماع ما يرشدهم إلى ماينفعهم بعد تصوير تعاميهم عن الآيات المشاهدة بالأبصار .. (١). ثم يعقب - سبحانه - على هذا الوعيد الشديد للكافرين ، بالتهكم اللاذع لهم فيقول : أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادى من دونى أولياء ﴾ فالاستفهام : للإنكار والتوبيخ . والحسبان : بمعنى الظن . والمراد بعبادى هنا : الملائكة وعيسى وعزير ومن يشبههم من عباد الله الصالحين ، إذ مثل هذه الاضافة تكون غالبا للتشريف والتكريم . وفى الآية الكريمة حذف دل عليه المقام . والتقدير : أفحسب الذين كفروا بى أن يتخذوا عبادى الصالحين آلهة يستنصرون بهم من دونى ، أو يعبدونهم من دونى ، ثم لا أعذبهم - أى هؤلاء الكافرين بى - على هذا الاتخاذ الشديد الشناعة . إن كان هؤلاء الكافرون بى يحسبون ذلك ، فقد ضلوا ضلالا بعيدا ، فإنى لابد أن أعذبهم على كفرهم وشركهم . أو التقدير : أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادى من دونى أولياء ، لكى يشفعوا لهم يوم القيامة ؟ كلا لن يشفعوا لهم بل سيتبرأون منهم ، كما قال - سبحانه - ﴿ كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ﴾ . ثم بين - سبحانه - ضلال هذا الحسبان الباطل فقال: ﴿ إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا ﴾ . والنزل : ما يقدم للضيف عند نزوله ، والقادم عند قدومه ، على سبيل التكريم والترحيب . أى : إنا أعتدنا جهنم لهؤلاء الكافرين بى ، المتخذين عبادى من دونى أولياء ، لتكون معدة لهم عند قدومهم تكريما لهم . فالجملة الكريمة مسوقة على سبيل التهكم بهم ، والتقريع لهم ، لأن جهنم ليست نزل إكرام للقادم عليها ، بل هى عذاب مهين له . (١) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ٤٥ . ٥٨٣ سورة الكهف وشبيه بهذه الجملة قوله - تعالى -: ﴿ فبشرهم بعذاب أليم) وقوله: ﴿وإن يستغيثوا ﴾ . يغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه ويجوز أن يكون النزل بمعنى المنزل ، أى : إنا هيأنا جهنم للكافرين لتكون مكانا وحيدا لنزولهم فيها ، إذ ليس لهم منزل سواها . ثم يأمر الله - تعالى - نبيه - وَ ل18 - فى أواخر السورة الكريمة ، بأن يبين للناس من هم الأخسرون أعمالا ، ومن هم الأسوأ عاقبة فيقول : قُلْ هَلْ نُنَّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلَا ﴿ْ) الَّذِينَ ضَّ سَعْيُهُمْ فِ الْحَيَوَةِالدُّنْيَا وَهُمْيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْبِثَايَتِ رَبِّهِمْ وَلِقَآبِهِ، فَطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَلَا نُقِيُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَزْنَّا (٢)، ذَلِكَ جَزَاؤُهُ جَهَُّ بِمَا كَفَرُواْ وَتَّخَذُ وْءَايَتِى وَرُسُلِى هُزُوَا ( ٤١١٠ أى : قل - أيها الرسول الكريم ، لهؤلاء الكافرين الذين أعجبتهم أعمالهم وتصرفاتهم الباطلة . قل لهم : ألا تريدون أن أخبركم خبرا هاما ، كله الصدق والحق ، وأعرفكم عن طريقه من هم الأخسرون أعمالا فى الدنيا والآخرة ؟ وجاء هذا الإِخبار فى صورة الاستفهام لزيادة التهكم بهم ، وللفت أنظارهم إلى ما سيلقى عليهم . والأخسرون : جمع أخسر ، صيغة تفضيل من الخسران ، وأصله نقص مال التاجر . والمراد به هنا : خسران أعمالهم وضياعها بسبب إصرارهم على كفرهم . وجمع الأعمال ، للإِشعار بتنوعها ، وشمول الخسران لجميع أنواعها . وقوله - سبحانه - ﴿ الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ﴾. ٥٨٤ المجلد الثامن جواب عن السؤال الذى اشتملت عليه الآية السابقة وهى : ﴿ قل هل ننبئكم .. ﴾ فكأنه قيل : نبئنا عن هؤلاء الأخسرين أعمالا ؟ فكان الجواب : هم ﴿ الذين ضل سعيهم﴾ أى بطل وضاع بالكلية سعيهم وعملهم فى هذه الحياة الدنيا بسبب إصرارهم على كفرهم وشركهم ، فالجملة الكريمة خبر لمبتدأ محذوف . وقوله ﴿ وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾ أى: والحال أنهم يظنون أنهم يقدمون الأعمال الحسنة التى تنفعهم . فالجملة الكريمة حال من فاعل ﴿ضل﴾ أى: ضل وبطل سعيهم، والحال أنهم يظنون العكس. كما قال - تعالى -: ﴿أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا﴾. وهذا هو الجهل المركب بعينه ، لأن الذى يعمل السوء ويعلم أنه سوء قد ترجى استقامته . أما الذى يعمل السوء ويظنه عملا حسنا فهذا هو الضلال المبين . والتحقيق أن المراد بالأخسرين أعمالا هنا : ما يشمل المشركين واليهود والنصارى ، وغيرهم ممن يعتقدون أن كفرهم وضلالهم صواب وحق . وقوله - سبحانه -: ﴿ أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم ﴾. كلام مستأنف لزيادة التعريف بهؤلاء الأخسرين أعمالا ، ولبيان سوء مصيرهم . أى : أولئك الذين كفروا بآيات ربهم الدالة على وحدانيته وقدرته وكفروا بالبعث والحشر والحساب وما يتبع ذلك من ثواب وعقاب ، فكانت نتيجة هذا الكفر أن ﴿ حبطت أعمالهم ﴾ أى : فسدت وبطلت . وأصل الحبوط : انتفاخ بطن الدابة بسبب امتلائها بالغذاء الفاسد الذى يؤدى إلى هلاكها . والتعبير بالحبوط هنا فى أعلى درجات البلاغة ، لأن هؤلاء الكافرين ملأوا صحائف أعمالهم بالأقوال والأفعال القبيحة التى ظنوها حسنة ، فترتب على ذلك هلاكهم وسوء مصيرهم . وقوله : ﴿ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ﴾ تصريح بهوانهم والاستخفاف بهم، واحتقار شأنهم . أى : فلا نلتفت إليهم يوم القيامة ، ولا نعبأ بهم احتقارا لهم ، بل نزدربهم ولا نقيم لهم ولا لأعمالهم وزنا، لأنهم لا توجد لهم أعمال صالحة توضع فى ميزانهم ، كما قال تعالى -: ﴿ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ﴾ . وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة أن رسول الله - * - قال: ((إنه ليأتى الرجل ٥٨٥ سورة الكهف العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة)). وقال: اقرأوا إن شئتم قوله تعالى - : ﴿ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ﴾ . ثم ختم - سبحانه - الآيات الكريمة ببيان مآل أمرهم فقال : ﴿ ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا . واتخذوا آياتى ورسلى هزوا ﴾ . فاسم الإشارة ((ذلك)) مشار به إلى عقابهم السابق المتمثل فى حبوط أعمالهم واحتقار شأنهم . وهو خبر لمبتدأ محذوف . أى : أمرهم وشأنهم ذلك الذى بيناه سابقا . وقوله : ﴿ جزاؤهم جهنم) جملة مفسرة لاسم الإشارة لا محل لها من الإعراب أو هو جملة مستقلة برأسها مكونة من مبتدأ وخبر . وقوله : ﴿ بما كفروا واتخذوا آياتى ورسلى هزوا﴾ بيان للأسباب التى جعلتهم وقودا لجهنم . أى : أن مصيرهم إلى جهنم بسبب كفرهم بكل ما يجب الإِيمان به ، وبسبب اتخاذهم آيات الله الدالة على وحدانيته ، وبسبب اتخاذهم رسله الذين أرسلهم لهدايتهم ، محل استهزاء وسخرية . فهم لم يكتفوا بالكفر بل أضافوا إلى ذلك السخرية بآيات الله - تعالى - والاستهزاء بالرسل الكرام - عليهم الصلاة والسلام - . ثم أتبع - سبحانه - هذا الوعيد الشديد للكافرين ، بالوعد الحسن للمؤمنين فقال - تعالى - : إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّتُ اُلْفِرْدَوْسِ نُوْلًا ◌ْأَ خَالِدِينَ فِيَهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حَوَلَالَّ﴾ وجنات الفردوس : هى أفضل الجنات وأعلاها . ولفظ الفردوس : لفظ عربى ويجمع على فراديس ، ومنه قولهم صدر مفردس ، أى : واسع . قال الآلوسى ما ملخصه : عن مجاهد أن الفردوس هو البستان بالرومية ، وعن عكرمة أن الفردوس هو الجنة بالحبشية . ٥٨٦ المجلد الثامن ونص الفراء على أن هذا اللفظ عربى ومعناه البستان الذى فيه كرم . وقال المبرد: هى - أى كلمة الفردوس - فيما سمعت من العرب : الشجر الملتف والأغلب عليه العنب . وأخرج الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله - وير - قال: إذا سألتم الله - تعالى - فأسألوه الفردوس ، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة ، وفوقه عرش الرحمن . ومنه تفجر أنهار ,الجنة(١). والمعنى: إن الذين آمنوا بالله - تعالى - وبكل ما يجب الإِيمان به ، وعملوا الأعمال الصالحات بإخلاص واتباع لما جاء به الصادق المصدوق - 19 - كانت لهم عند الله - تعالى - جنات الفردوس ، التى هى أفضل الجنات وأرفعها درجة ﴿نزلا ﴾ أى: هدية تقدم لهم منه يوم القيامة ، ومكانا ينزلون به تكريما وتشريفا لهم . ﴿ خالدين فيها﴾ خلودا أبديا، حالة كونهم ﴿لا يبغون عنها حولا﴾ أى: لا يطلبون تحولا أو انتقالا منها إلى مكان آخر ، لكونها أطيب المنازل وأعلاها . وفى قوله - تعالى -: ﴿ لا يبغون عنها حولا ﴾ لفتة دقيقة عميقة للإجابة على ما يعترى النفس البشرية من حب للانتقال والتحول من مكان إلى مكان ، ومن حال إلى حال . فكأنه - سبحانه - يقول : إن ما جبلت عليه النفوس فى الدنيا من حب للتحول والتنقل . قد زال وانتهى بحلولها فى الآخرة فى الجنة ، فالنفس الإنسانية عندما تستقر فى الجنة - ولا سيما جنة الفردوس - لا تريد تحولا أو انتقالا عنها ، لأنها المكان الذى لا تشتاق النفوس إلى سواه ، لأنها تجد فيه ما تشتهيه وما تبتغيه ، نسأل الله - تعالى - أن يرزقنا جميعا جنات الفردوس . وكما افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بالثناء على ذاته ، ختمها - أيضا - بالثناء والحمد ، فقد أثبت - عز وجل - أن علمه شامل لكل شىء . وأن قدرته نافذة على كل شىء ، وأنه - تعالى - هو المستحق للعبادة والطاعة ، فقال : (١) تفسير الآلوسى جـ٦١ ص ٥٠ . ٥٨٧ سورة الكهف قُل لَّوْكَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبٍِ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَتُ رَبِّ وَلَوْ جِثْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدَّا نَ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْيُوحَى إِلَى أَنَّمَ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحٌِّّ فَ كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِهَا وَلَا يُشْرِ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً ١١٠) والمراد بالبحر : جنسه ، والمداد فى الأصل : اسم لكل مأُيَمَد به الشىء ، واختص فى العرف لما تمد به الدواة مَن الحبر . والمراد بكلمات ربى : علمه وحكمته وكلماته التى يصرف بها هذا الكون . وقوله: ﴿ لنقد البحر﴾: أى لفنى وفرغ وانتهى. يقال: نفد الشىء ينفد نفاداً، إذا فنى وذهب ، ومنه قولهم: أنفد فلان الشىء واستنفده ، أى : أفناه . والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - للناس: لو كان ماء البحر مداداً للأقلام التى تكتب بها كلمات ربى ومعلوماته وأحكامه .. لنقد ماء البحر ولم يبق منه شىء - مع سعته وغزارته - قبل أن تنفد كلمات ربى ، وذلك لأن ماء البحر ينقص وينتهى . أما كلمات اللّه - تعالى - فلا تنقص ولا تنتهى . وقوله - سبحانه -: ﴿ولو جئنا بمثله مدداً ﴾ زيادة فى المبالغة وفى التأكيد لما قبله من شمول علم الله - تعالى - لكل شىء ، وعدم تناهيه . أى : وبعد نفاد ماء البحر السابق ، لو جئنا بماء بحر آخر مثله فى السعة والغزارة ، وكتبنا به كلمات الله - تعالى - لنفد - أيضاً - ماء البحر الثانى دون أن تنفد كلمات ربى . فالآية الكريمة تصور شمول علم الله - تعالى - لكل شىء ، وعدم تناهى كلماته ، تصويراً بديعاً، يقرب إلى العقل البشرى بصورة محسوسه كمال علم الله - تعالى - وعدم تناهيه . قال الآلوسي : وقوله : ﴿ولو جئنا بمثله مدداً﴾: هذا كلام من جهته - تعالى شأنه - غير داخل فى الكلام الملقن ، جىء به لتحقيق مضمونه ، وتصديق مدلوله على أتم وجه . والواو العطف الجملة على نظيرتها المستأنفة المقابلة لها المحذوفة لدلالة ما ذكر عليها دلالة واضحة : ٥٨٨ المجلد الثامن أى : لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته - تعالى - لو لم نجىء بمثله مدداً، ولو جئنا بمثله مدداً - لنفد أيضاً - (١). وقال بعض العلماء : وهذا من باب تقريب المعنى إلى الأذهان ، لأن هذه الأشياء مخلوقة ، وجميع المخلوقات منقضية منتهية ، وأما كلام الله - تعالى - فهو من جملة صفاته ، وصفاته غير مخلوقة ولا لها حد ولا منتهى ، فأى سعة وعظمة تصورتها القلوب ، فالله - تعالى - فوق ذلك، وهكذا سائر صفات الله - سبحانه - كعلمه وحكمته وقدرته ورحمته(٢) . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ﴿ولو أن ما فى البحر من شجرة أقلام، والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات اللّه، إن الله عزيز حكيم ﴾(٣) ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بأمر آخر منه - تعالى - لنبيه -* - فقال: ﴿ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد ﴾ . أى : قل - أيها الرسول الكريم - للناس ، مبيناً لهم حقيقة أمرك ، بعد أن بينت لهم عدم تناهی کلمات ربك . قل لهم : إنما أنا بشر مثلكم أوجدنى الله - تعالى - بقدرته من أب وأم كما أوجدكم . وينتهى نسبى ونسبكم إلى آدم الذى خلقه الله - تعالى - من تراب. ولكن الله - عز وجل - اختصنى بوحيه وبرسالته - وهو أعلم حيث يجعل رسالته - وأمر نى أن أبلغكم أن إلهكم وخالقكم ورازقكم وميتكم ، هو إله واحد لا شريك له لا فى ذاته ، ولا فى أسمائه ، ولا فى صفاته . فعليكم أن تخلصوا له العبادة والطاعة ، وأن تستجيبوا لما آمركم به ، ولما أنهاكم عنه ، فإنى مبلغ عنه ما كلفنى به . فالآية الكريمة وإن كانت تثبت للرسول - * - صفة البشرية وتنفى عنه أن يكون ملكا أو غير بشر .. إلا أنها تثبت له - أيضا - أن الله - تعالى - قد فضله على غيره من البشر بالوحى إليه، وبتكليفه بتبليغ ما أمره الله - تعالى - بتبليغه للعالمين . كما قال - سبحانه - وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وكما قال - عز وجل -: ﴿ قل لا أقول لكم عندى (١) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ٥٢ . ( ٢) تفسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المتان ، جـ ٥ ص ٤٣ للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدى طبعة مؤسسة مكة للطباعة والإعلام . (٣) سورة لقمان الآية ٢٧ . ٥٨٩ سورة الكهف خزائن اللّه، ولا أعلم الغيب ، ولا أقول إنى ملك، إن أتبع إلا ما يوحى إلى.﴾(١). ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتلك الجملة الجامعة لكل خير فقال: ﴿ فمن كان يرجو لقاء ربه ، فليعمل عملا صالحا ، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ﴾ . أى : قل - أيها الرسول الكريم - للناس : إنما أنا واحد مثلكم فى البشرية إلا أن الله - تعالى - قد خصنى واصطفانى عليكم برسالته ووحيه ، وأمرنى أن أبلغكم أن إلهكم إله واحد . فمن كان منكم يرجو لقاء الله - تعالى - ويأمل فى ثوابه ورؤية وجهه الكريم ، والظفر بجنته ورضاه ، فليعمل عملا صالحا ، بأن يكون هذا العمل خالصاً لوجه الله - تعالى - ومطابقاً لما جئت به من عنده - عز وجل - ولا يشرك بعبادة ربه أحدا من خلقه سواء أكان هذا المخلوق نبياً أم ملكا أم غير ذلك من خلقه - تعالى - . وقد حمل بعض العلماء الشرك هنا على الرياء فى العمل، فيكون المعنى: ((فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحاً ، ولا يرائى الناس فى عمله ، لأن العمل الذى يصاحبه الرياء هو نوع من أنواع الشرك بالله تعالى)). والذى يبدو لنا أن حمل الشرك هنا على ظاهره أولى ، بحيث يشمل الإشراك الجلى كعبادة غير الله - تعالى - والإِشراك الخفى كالرياء وما يشبهه . أى : ولا يعبد ربه رياء وسمعة، ولا يصرف شيئا من حقوق خالقه لأحد من خلقه ، لأنه - سبحانه - يقول : ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ، ومن يشرك باللّه فقد افترى إثما عظيما﴾(٢). وقد ساق الإِمام ابن كثير جملة من الأحاديث عند تفسيره لقوله - تعالى - ﴿ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ﴾. ومن هذه الأحاديث ما رواه ابن أبى حاتم ، من حديث معمر ، عن عبد الكريم الجزرى ، عن طاووس قال: قال رجل يا رسول الله، إنى أقف المواقف أريد وجه الله، وأحب أن يرى موطنى، فلم يرد عليه رسول الله - مض طه - شيئا حتى نزلت هذه الآية: ﴿ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾(٣). (١) سورة الأنعام الآية ٥٠ . ( ٢) سورة النساء الآية ٤٨ . ( ٣) راجع تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٢٠٠ طبعة دار الشعب . ٥٩٠ المجلد الثامن أما بعد : فهذه سورة الكهف ، وهذا تفسير محرر لها ، نسأل الله - تعالى - أن ينفعنا بالقرآن الكريم ، وأن يجعله ربيع قلوبنا ، وأنس نفوسنا ، وشفيعنا يوم نلقاه ﴿ يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ الله ﴾ . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. المدينة المنورة : مساء الخميس ١٨ من رجب سنة ١٤٠٤ هـ الموافق : ١٩ من إبريل سنة ١٩٨٤ م د / محمد سيد طنطاوى ٥٩١ فهرس إجمالى لتفسير (( سورة الحجر)) رقم الآية الآية المفسرة الصفحة ١ الر تلك آیات الکتاب وقر آن مبین ٩ ١٦ ولقد جعلنا فى السماء بر وجًا ٢٦ ولقد خلقنا الإِنسان من صلصال ٢٦ ٣٥ ٤٩ ٤٥ إن المتقين فى جنات وعيون ٥٢ ٤٩ نبىّ عبادى أنى أنا الغفور الرحيم ٥٩ ٦١ فلما جاء آل لوط المرسلون ٠٠ ٦٨ إن فى ذلك لآيات للمتوسمین ٧٥ ٧٣ وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ٨٥ ٥ تعريف بسورة الحجر ٥٩٢ فهرس إجمالى لتفسير (( سورة النحل)) رقم الآية الآية المفسرة رقم الصفحة مقدمة تعريف بسورة النحل ٩١ أتى أمر الله فلا تستعجلوه ١ ١١٢ ١٢ وسخر لكم الليل والنهار ١١٧ وهو الذى سخر البحر ١٢٠ ١٥ وألقى فى الأرض رواسی ١٢٢ أفمن يخلق كمن لا يخلق ١٢٨ وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم ١٣٨ وقیل للذين اتقوا ١٤١ وقال الذين أشركوا ١٤٩ وأقسموا بالله جهد أيمانهم ١٥٣ والذين هاجروا فى الله ١٥٦ أفأمن الذين مكروا السيئات ١٥٩ ٤٨ ١٦٣ ٥١ وقال الله لا تتخذوا إلهین ١٦٦ ٥٦ ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا ١٧٠ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ٦١ ١٧٥ والله أنزل من السماء ماء ٦٥ ١٨١ ١٨٧ وأوحى ربك إلى النحل ٦٨ ٨٩ ١٠ هو الذى أنزل من السماء ماء ١١٥ ١٧ ٢٤ ٣٠ ٣٣ ٣٥ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ١٤٣ ٣٨ ٤١ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا ٤٣ ٤٥ أو لم يروا إلى ما خلق الله من شىء ٩٩ ١٤ ٥٩٣ رقم الآية الآية المفسرة رقم الصفحة والله خلقكم ثم يتوفاكم ٧٠ ٧٣ ویعبدون من دون الله ٢٠٣ ٧٧ ولله غيب السموات والأرض ٢١١ ٨٤ إن الله يأمر بالعدل والإِحسان ٢٢٧ ٩٤ ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم ٢٣٢ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ٩٨ ٢٣٥ ١٠١ وإذا بدلنا آية مكان آية ٢٤٠ ١٠٦ من كفر بالله من بعد إيمانه ٢٤٣ ١١٠ ثم إن ربك للذين هاجر وا ٢٤٥ ١١٢ ١١٤ وضرب الله مثلا قرية ٢٤٩ فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ٢٥١ ٢٥٣ ١١٨ إن إبراهيم كان أمة ١٢٠ ادع إلى سبيل ربك ١٢٥ ٢٥٦ ٢٦١ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم ١١٦ وعلى الذين هادوا حرمنا ١٩٧ ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ٢١٩ ٩٠ ١٩٢ ٥٩٤ فهرس إجمالى لتفسير (( سورة الإسراء)) رقم الآية الآية المفسرة رقم الصفحة مقدمة وتعريف بالسورة ٢٧٣ سبحان الذی اسری ١ ٢٨١ ٢ وآتينا موسی الکتاب ٢٨٧ ٤ ٢٨٩ وقضینا إلى بنى إسرائيل ٩ إن هذا القرآن يهدى ٣٠٢ ويدع الإِنسان بالشر ١١ ٣٠٤ ٣٠٦ وجعلنا الليل والنهار آيتين ١٢ ٣١٤ ١٦ وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه ٣٢٣ ٢٣ ٢٦ وآت ذا القربى حقه ٣٣١ ٣٣٦ ٣٥٥ ولا تقتلوا أولادكم ٣١ أفأصفاکم ربکم بالبنین ٤٠ وإذا قرأت القرآن ٤٥ ٣٦٢ ٤٩ ٣٧٢ وقل لعبادى يقولوا ٥٣ ٣٧٥ ٥٦ قل ادعوا الذين زعمتم ٣٧٨ وإن من قرية إلا نحن مهلكوها ٥٨ ٣٨٦ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا ٦١ ٣٩٣ ٦٦ ولقد کرمنا بنی آدم ٣٩٨ ٤٠٣ أقم الصلاة لدلوك ٧٨ ٤٠٧ وننزل من القرآن ٨٢ ٤١٥ ٤٢٠ ويسألونك عن الروح ٨٥ ربكم الذی یزجی لكم الفلك فی البحر ٧٠ وإن كادوا ليفتنونك ٧٣ ٣٦٨ وقالوا أئذا كنا عظامًا وإذا أردنا أن نهلك ٥٩٥ الآية المفسرة رقم الآية رقم الصفحة وقالوا لن نؤمن لك ٩٠ ٤٢٧ ٩٤ وما منع الناس أن يؤمنوا ٤٣٢ ومن يهد الله فهو المهتد ٩٧ ٤٣٥ ١٠١ ولقد آتينا موسى تسع آيات ٤٤١ وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ١٠٥ ٤٤٧ قل ادعو الله أو ادعوا الرحمن ١١٠ ٢٥١ ٥٩٦ فهرس إجمالى لتفسير (( سورة الكهف )) رقم الآية الآية المفسرة رقم الصفحة المقدمة ٤٥٧ الحمد لله الذى أنزل ١ ٤٦٤ ٩ أم حسبت أن أصحاب ٤٧٢ ١٣ نحن نقص عليك نباهم ٤٨٤ ١٧ وتری الشمس إذا طلعت ٤٨٩ ١٩ وكذلك أعثرنا عليهم ٤٩٢ ٢١ سيقولون ثلاثة رابعهم ٤٩٥ ٢٢ ولا تقولن لشیء إنی فاعل ٤٩٨ ٢٥ واتل ما أوحى إليك ٥٠٥ ٢٧ ٣٢ واضرب لهم مثلا رجلين ٥١٣ ٣٧ قال له صاحبه وهو يحاوره ٥١٧ ٤٢ وأحيط بثمره فأصبح ٥٢١ ٤٥ ويوم نسیر الجبال وتری ٤٧ ٥٤٥ ٦٠ قال له موسی هل أتبعك ٦٦ ٥٥٢ ٧١ فانطلقا حتی إذا رکبا ٥٥٤ فانطلقا حتى إذا لقيا ٧٤ ٥٥٦ فانطلقا حتى إذا أتيا أهل ٧٧ ٥٣٢ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا ٥٠ ٥٢٤ واضرب لهم مثل الحياة ٥٢٨ ولقد صرفنا فى هذا القرآن ٥١ ٥٣٩ وإذ قال موسى لفتاه ٥٠١ ولبثوا فی کھفهم ثلثمائة سنین ٢٣ وكذلك بعثناهم ليتساءلوا ٤٧٩ ٥٥٧ ٥٩٧ رقم الآية الآية المفسرة رقم الصفحة ٥٥٩ أما السفينة فكانت لمساكين ٧٩ ٥٦٠ ٨٠ وأما الغلام فكان أبواه ٥٦٠ ٨٢ وأما الجدار فكان لغلامين ٥٦٨ ويسألونك عن ذى القرنين ٨٣ ٥٧٦ ٩٩ وتر کنا بعضھم یومئذ ٥٨٣ ١٠٣ قل هل ننبئكم بالأخسرين ٥٨٥ ١٠٧ إن الذين آمنوا وعملوا قل لو كان البحر مدادا ١٠٩ ٥٨٧