النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
مقدمة
الروح من أمر ربي ...
قال الإِمام ابن كثير بعد أن ذكر هذه الرواية وغيرها : وهذا السياق يقتضى فيما يظهر بادى
الرأى ، أن هذه الآية مدنية ، وأنها نزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة ، مع أن السورة
كلها مكية .
وقد يجاب عن هذا بأنه قد تكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية ، كما نزلت عليه بمكة قبل
ذلك. أو أنه نزل عليه الوحى بأنه يجيبهم عما سألوه بالآية المتقدم إنزالها عليه ، وهى هذه
الآية: ﴿ويسألونك عن الروح ... ﴾.
ومما يدل على نزول هذه الآية بمكة ما أخرجه الإمام أحمد عن ابن عباس قال : قالت
قريش ليهود . أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل ؟ فقالوا : سلوه عن الروح ، فسألوه
فنزلت : ويسألونك عن الروح .. الآية))(١) .
وكلمة الروح تطلق فى القرآن الكريم على أمور منها :
الوحى، كما فى قوله - تعالى -: ﴿يلقى الروح من أمره على من يشاء من
عباده ... ﴾(٢) .
ومنها: القوة والثبات كما فى قوله - تعالى -: ﴿ أولئك كتب فى قلوبهم الإِيمان وأيدهم
بروح منه ... ﴾(٣) .
ومنها: جبريل، كما فى قوله - تعالى -: ﴿نزل به الروح الأمين- على قلبك لتكون من
المنذرين ... ﴾(٤).
ومنها: القرآن كما فى قوله - سبحانه -: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحًا من
أمرنا ... ﴾(٥).
ومنها : عيسى ابن مريم ، كما فى قوله - تعالى -: ﴿ إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول
الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ... ﴾(٦).
(١) تفسير ابن كثير ج ٣ ص ٦٠.
(٢) سورة غافر الآية ١٥ .
(٣) سورة المجادلة الآية ٢٢ .
(٤) سورة الشعراء الآية ١٩٣، ١٩٤.
(٥) سورة الشورى الآية ٥٢ .
(٦) سورة النساء الآية ١٧١ .

٤٢٢
المجلد الثامن
وجمهور العلماء على أن المراد بالروح فى قوله - تعالى - : ﴿ويسألونك عن
الروح ... ﴾ ما يحيا به بدن الإنسان ، وبه تكون حياته ، وبمفارقته للجسد يموت الإنسان،
وأن السؤال إنما هو عن حقيقة الروح ، إذ معرفة حقيقة الشىء . تسبق معرفة أحواله .
وقيل المراد بالروح هنا : القرآن الكريم ، وقيل : جبريل ، وقيل : عيسى إلى غير ذلك
من الأقوال التى أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرة أقوال .
ويبدو لنا أن ما ذهب إليه جمهور المفسرين ، أولى بالاتباع ، لأن قوله - تعالى - بعد
ذلك: ﴿ قل الروح من أمر ربى ﴾ يؤيد هذا الاتجاه .
قال الآلوسى : الظاهر عند المنصف ، أن السؤال كان عن حقيقة الروح الذى هو مدار
البدن الإنسانى، ومبدأ حياته ، لأن ذلك من أدق الأمور التى لا يسع أحدًا إنكارها ، ويشرئب
الجميع إلى معرفتها ، وتتوفر دواعى العقلاء إليها ، وَتَكِلَ الأذهان عنها ، ولا تكاد تعلم
إلا بوحى .. »(١) .
و ﴿من﴾ فى قوله: ﴿ قل الروح من أمر ربى﴾ بيانية. والمراد بالأمر هنا. الشأن.
والمعنى : ويسألك بعض الناس - أيها الرسول - عن حقيقة الروح ، قل لهم على سبيل
الإِرشاد والزجر : الروح شىء من جنس الأشياء التى استأثر الله - تعالى - وحده بعلم
حقيقتها وجوهرها .
وقال - سبحانه -: ﴿ قل الروح﴾ بالإظهار، لكمال العناية بشأن المسئول عنه .
وإضافة كلمة ( أمر ) إلى لفظ الرب - عز وجل - ، من باب الاختصاص العلمى، إذ
الرب وحده هو العليم بشأنها ، وليس من باب الاختصاص الوجودى ، لأن الروح وغيرها من
مخلوقات الله - تعالى - .
وفى هذه الإضافة ما فيها من تشريف المضاف ، حيث أضيف هذا الأمر إلى الله - تعالى -
وحده .
·قال القرطبى: وقوله - تعالى - ﴿ قل الروح من أمر ربى ﴾ دليل على خلق الروح ،
أى : هو أمر عظيم، وشأن كبير من أمر الله - تعالى - ، مبهًا له وتاركًا تفصيله ، ليعرف .
الإنسان على القطع عجزه عن علم حقيقة نفسه مع العلم بوجودها . وإذا كان الإنسان فى
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ١٥١.

٤٢٣
مقدمة
معرفة نفسه هكذا ، كان عجزه عن إدراك حقيقة الحق أولى . وحكمة ذلك تعجيز العقل عن
إدراك معرفة مخلوق مجاور له ، دلالة على أنه عن إدراك خالقه أعجز(١).
وقوله: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾ من جملة الجواب الذى أمر الله - تعالى -
رسوله -* - أن يرد به على السائلين عن حقيقة الروح .
أى: وما أوتيتم - أيها السائلون عن الروح - من العلم إلا علماً قليلاً، بالنسبة إلى علمه
- تعالى - الذى وسع كل شىء ، ولا يخفى عليه شىء .
وإن علمكم مهما كثر فإنه لا يمكنه أن يتعلق بحقيقة الروح وأحوالها ، لأن ذلك شىء
استأثر الله - تعالى - به وحده ، واقتضت حكمته - عز وجل - أن يجعله فوق مستوى
عقولكم .
قال صاحب الظلال عند تفسيره لهذه الآية : والمنهج الذى سار عليه القرآن - وهو المنهج
الأقوم - أن يجيب الناس عما هم فى حاجة إليه ، وما يستطيع إدراكهم البشرى بلوغه
ومعرفته ، فلا يبدد الطاقة العقلية التى وهبها الله لهم فيما لا ينتج ولا يثمر ، وفى غير مجالها
الذى تملك وسائله، وبعضهم عندما سأل النبى - 3 18 - عن الروح ، أمره الله أن يجيبهم بأن
الروح من أمره - سبحانه - ...
وليس فى هذا حجر على العقل البشرى أن يعمل ، ولكن فيه توجيهًا لهذا العقل أن يعمل
فى حدوده ، وفى مجاله الذی یدركه .
والروح غيب من غيب اللّه لا يدركه سواه .. ولقد أبدع الإنسان فى هذه الأرض
ما أبدع ، ولكنه وقف حسيرا أمام ذلك السر اللطيف - الروح - لا يدرى ما هو ؟ ولا كيف
جاء ؟ ولا كيف يذهب ؟ ولا أين كان ولا أين يكون ، إلا ما يخبر به العليم الخبير فى
التنزيل»(٢)
وقال بعض العلماء : وفى هذه الآية ما يزجر الخائضين فى شأن الروح ، المتكلفين لبيان
ماهيته ، وإيضاح حقيقته ، أبلغ زجر ، ويردعهم أعظم ردع ، وقد أطالوا المقال فى هذا
البحث ، بما لا يتسع له المقام ، وغالبه ، بل كله من الفضول الذى لا يأتى بنفع فى دين
أو دنيا ..
فقد استأثر الله - تعالى - بعلم الروح، ولم يطلع عليه أنبياءه ، ولم يأذن لهم بالسؤال عنه ،
(١) تفسير القرطبى جـ ١٠ ص ٣٢٤.
(٢) فى ظلال القرآن جـ ١٥ ص ٣٥٧. للاستاذ سيد قطب - رحمه الله - .

٤٢٤
المجلد الثامن
ولا البحث عن حقيقته، فضلاً عن أممهم المقتدين بهم ... )) (١).
ثم بين - سبحانه - مظهرًا من مظاهر قدرته ، بعد أن بين أن الروح من أمره ، فقال
- تعالى -: ﴿ولن شئنا لنذهبن بالذى أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلاً ﴾.
واللام فى قوله ﴿ولئن شئنا ... ﴾ موطئة لقسم محذوف، جوابه ﴿لنذهبن﴾.
أى: والله لئن شئنا لنذهبن بهذا القرآن الذى أوحيناه إليك - أيها الرسول الكريم - ،
بحيث نزيله عن صدرك ، ومن صدور أتباعك ، ونمحوه من الصحف حتى لا يبقى له أثر إذ أن
قدرتنا لا يعجزها ، ولا يحول دون تنفيذ ما نريده حائل ..
ثم لا تجد لك بعد ذلك من يكون وكيلاً عنا فى رد القرآن إليك بعد ذهابه ومحوه ، ومن
يتعهد بإعادته بعد رفعه وإزالته .
قال الآلوسي : وعبر عن القرآن بالموصول فى قوله ﴿ بالذى أوحينا إليك ﴾ ، تفخيًا
لشأنه ، ووصفا له بما فى حيز الصلة ابتداء ، إعلامًا بحاله من أول الأمر ، وبأنه ليس من قبيل
كلام المخلوق ... )) (٢) .
وقوله: ﴿ إلا رحمة من ربك﴾ استثناء واستدراك على قوله: ﴿لنذهبن بالذى أوحينا
إليك .. ﴾ .
أى: والله إن شئنا إذهاب القرآن من صدرك لأذهبناه، دون أن تجد أحدًا يرده عليك ،
لكننا لم نشأ ذلك بل أبقيناه فى صدرك رحمة من ربك.
قال الجمل : وفى هذا الاستثناء قولان: أحدهما : أنه استثناء متصل : لأن الرحمة تندرج فى
قوله ﴿ وكيلا ﴾.
أى : إلا رحمة منا فإنها إن نالتك فلعلها تسترده عليك والثانى : أنه منقطع ، فيتقدر بلكن
أو ببل ، و﴿ من ربك ﴾ يجوز أن يتعلق بمحذوف صفة الرحمة - أى لكن رحمة ربك تركته
غير مذهوب به(٣) .
وقوله ﴿إن فضله كان عليك كبيرًا﴾ بيان لما امتن الله به على نبيه - * - .
أى: إن فضله كان عليك كبيرًا، حيث أنزل القرآن عليك، وأبقاه فى صدرك دون أن
(١) تفسير فتح البيان للشيخ صديق حسن خان جـ ٥ ص ٤٠١ .
( ٢) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ١٦٤.
(٣) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٦٤٦.

٤٢٥
مقدمة
يزيله منه ، وجعلك سيد ولد آدم، وخاتم رسله ، وأعطاك المقام المحمود يوم القيامة .
قال صاحب الكشاف: وهذا امتنان عظيم من اللّه - تعالى - ببقاء القرآن محفوظًا، بعد
المنة العظيمة فى تنزيله وتحفيظه . فعلى كل ذى علم أن لا يغفل عن هاتين المنتين والقيام
بشكرهما . وهمامتة اللّه عليه بحفظه العلم، ورسوخه فى صدره ، ومنته عليه فى بقاء
.
المحفوظ )»(١)
ثم أمر الله - تعالى - نبيه أن يتحدى المشركين بهذا القرآن فقال - تعالى - : ﴿ قل لئن
اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ، ولو كان بعضهم لبعض
ظهيرا ﴾ .
أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين قالوا - كما حكى الله عنهم -
﴿ لو نشاء لقلنا مثل هذا﴾، قل لهم على سبيل التحدى والتعجيز: والله لئن اجتمعت
الإِنس والجن ، واتفقوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، الذى أنزله الله - تعالى - من عنده
على قلبى .. لا يستطيعون ذلك . ولو كان بعضهم لبعض مظاهرًا ومعينًا ومناصرًا ، فى تحقيق
ما يتمنونه من الإِتيان بمثله .
وخص - سبحانه - ((الإِنس والجن)) بالذكر، لأن المنكر كون القرآن من عند الله، من
جنسهما لا من جنس غيرهما كالملائكة - مثلاً - ، فإنهم عباد مكرمون لا يعصون الله
ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، ولأن التحدى إنما هو للإِنس والجن الذين أرسل الرسول
- * - إليهم ، لهدايتهم إلى الصراط المستقيم .
وقال - سبحانه -: ﴿ لا يأتون بمثله) فأظهر فى مقام الإِضمار، ولم يكتف بأن يقول:
لا يأتون به ، لدفع توهم أن يتبادر إلى الذهن أن له مثلًا معينًا، وللإشعار بأن المقصود نفى
المثل على أى صفة كانت هذه المثلية ، سواء أكانت فى بلاغته ، أم فى حسن نظمه ، أم فى
إخباره عن المغيبات ، أم فى غير ذلك من وجوه إعجازه .
وقوله : ﴿ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) معطوف على مقدر، أى: لا يستطيعون
الإِتيان بمثله لو لم يكن بعضهم ظهيرا ونصيرا لبعض ، ولو كان بعضهم ظهيرا ونصيرا لبعض
لما استطاعوا أيضًا .
والمقصود أنهم لا يستطيعون الإتيان بمثله على أية حال من الأحوال ؛ وبأية صورة من
( ١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٦٩١ .

٤٢٦
المجلد الثامن
الصور ، لأنه متى انتفى إتيانهم بمثله مع المظاهرة والمعاونة ، انتفى من باب الأولى الإتيان بمثله
مع عدمهما . وقوله : ﴿ لبعض﴾ متعلق بقوله ﴿ ظهيرا).
ولقد بين - سبحانه - فى آيات أخرى أنهم لن يستطيعوا الإتيان بعشر سور من مثله ، بل
بسورة واحدة من مثله .
قال - تعالى -: ﴿ أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ، وادعوا من
استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ﴾(١).
وقال - سبحانه - : ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ،
وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين﴾(٢).
ومع عجز المشركين عن الإتيان بسورة من مثل القرآن الكريم إلا أنهم استمروا فى طغيانهم
يعمهون ، وأبوا التذكر والتدبر ، ولقد صور - سبحانه - أحوالهم أكمل تصوير فقال :
﴿ ولقد صرفنا للناس فى هذا القرآن من كل مثل، فأبى أكثر الناس إلا كفورا ﴾.
أى : ولقد صرفنا وكررنا ونوعنا للناس فى هذا القرآن من كل مثل ، أى : من كل معنى
بديع ، هو كالمثل فى بلاغته ، وإقناعه للنفوس ، وشرحه للصدور ، واشتماله على الفوائد
الجمة ...
ومفعول: ﴿ صرفنا﴾ محذوف، والتقدير: ولقد صرفنا الهدايات والعبر بوجوه متعددة ..
وقوله - سبحانه -: ﴿ فأبى أكثر الناس إلا كفورا ﴾ بيان لموقف الفاسقين عن أمر
ربهم من هدايات القرآن الكريم وتوجيهاته ، وأوامره ونواهيه .
أى: فأبى أكثر الناس الاستجابة لهديه ، وامتنعوا عن الإيمان بأنه من عند الله - تعالى - .
وجحدوا آياته وإرشاداته ، وعموا وصموا عن الحق الذى جاءهم به من نزّل عليه القرآن ،
وهو رسول الله - * - .
وقال - سبحانه -: ﴿فأبى أكثر الناس ﴾ بالإظهار فى مقام الإضمار، للتأكيد
والتوضيح .
والمراد بأكثر الناس : أولئك الذين بلغهم القرآن الكريم ، واستمعوا إلى آياته وتوجيهاته
وتشريعاته وآدابه ، ولكنهم استحبوا الكفر على الإِيمان ، وآثروا الضلالة على الهداية .
(١) سورة هود الآية ١٣ .
(٢) سورة البقرة الآية ٢٣ .

٤٢٧
مقدمة
وعبر - سبحانه - بالأكثر ، إنصافًا للقلة المؤمنة التى فتحت صدورها للقرآن ، فآمنت
به ، وعملت بما فيه من أوامر ونواه ..
قال الجمل: فإن قيل: كيف جاز قوله ﴿فأبى أكثر الناس إلا كفورا﴾ حيث وقع
الاستثناء المفرغ فى الإثبات . مع أنه لا يصح ، إذ لا يصح أن تقول : ضربت إلا زبدا .
فالجواب: أن لفظة ( أبى) تفيد النفى، فكأنه قيل: فلم يرضوا إلا كفورا(١).
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت ما يدل على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ،
وعلمه، وفضله على نبيه - * - وعلى الناس، وعلى أن هذا القرآن من عند الله، ولو كان
من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً .
ثم حكى - سبحانه - بعض المطالب المتعنتة التى طلبها المشركون من النبى - * - ،
فقال - تعالى - :
وَقَالُواْلَنْ تُؤْمِن لَكَ حَقَّى تَفْجُرُلَنَا مِنَ
اْأَرْضِ يَنْبُوعًا ® أَوْتَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّنْ تَخِيلٍ وَعِنَبٍ
فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَرَ خِلَلَهَا تَفْجِيًّا ( ١٦) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا
زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْتَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَلَبِكَةِ قَبِيلًا
٩٢
أَوْيَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْتَرْقَى فِى السَّمَاءِ وَلَن تُؤْمِنَ
لِرُفِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِنَبَا نَّقْرَؤُهُّ قُلْ سُبْحَانَ رَبِ هَلْ
كُنْتُ إِلَّ بَشَرَا رَسُولًا
٩٣
ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات رواية طويلة ملخصها : أن نفرا من زعماء قريش
اجتمعوا عند الكعبة، وطلبوا رسول الله -﴿ - فجاءهم ، فقالوا له يا محمد : إنا قد بعثنا
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٦٤٧.
م

٤٢٨
المجلد الثامن
إليك لنعذر فيك ، وإنا والله ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك !!
لقد شتمت الآباء ، وعبت الدين . وسفهت الأحلام ، وشتمت الآلهة ...
فإن كنت جئت بهذا الحديث تطلب مالاً ، جمعنا لك من أموالنا حتي تكون أكثرنا مالاً ،
وإن كنت تطلب شرفا فينا ، سودناك علينا ، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا ...
فقال لهم رسول الله - 18 - ما بى شىء مما تقولون، ولكن الله بعثنى إليكم رسولاً،
وأنزل على كتابًا ، وأمرنى أن أكون بشيرًا ونذيرًا ، فبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم ، فإن
تقبلوا منى فهو حظكم من الدنيا والآخرة ، وإن تردوه على أصبر لأمر الله - تعالى - حتى
يحكم بينى وبينكم .
فقالوا له يا محمد : فإن كنت صادقًا فيما تقول ، فسل لنا ربك الذى بعثك ، فليسير عنا
هذا الجبل الذى قد ضيق علينا ، وليبسط لنا بلادنا ، ويفجر فيها الأنهار ، ويبعث من مضى
من آبائنا ، فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل ..
وسله أن يبعث معك ملكا يصدقك ، واسأله أن يجعل لك جنانا وقصورًا أو كنوزًا من ذهب
وفضة . تعينك على معاشك .
فقال - * - ما بعثت بهذا . فقالوا : فأسقط السماء - كما زعمت - علينا كسفا ...
وقال أحدهم : لا أومن بك أبدًا، حتى تتخذ لك سلًا إلى السماء ترقى فيه ، ونحن ننظر
إليك ..
فانصرف - * - عنهم حزينًا ، لما رأى من تباعدهم عن الهدى ، فأنزل الله عليه هذه
الآيات تسلية له ... ))(١) .
والمعنى: وقال المشركون الذين لا يرجون لقاءنا لرسولنا - وَ لغيره - يا محمد: ﴿لن نؤمن
ونتبعك فيما تدعونا إليه .
لك
حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا ﴾ أى: حتى تخرج لنا من أرض مكة القليلة المياه ،
ينبوعًا﴾ أى : عينا لا ينضب ماؤها ولا يغور .
يقال : نبع الماء من العين ينبع - بتثليث الباء فيهما - إذا خرج وظهر وكثر .
وقرأ بعض السبعة ﴿تفجر﴾ بالتخفيف - من باب نصر - وقرأ البعض الآخر
تفجر ﴾ بتشديد الجيم ، من فجر بالتشديد ، والتضعيف للتكثير .
(١) راجع تفسير ابن جرير جـ ١٥ ص ١١٠ وتفسير ابن كثير جـ ٥ ص ١١٥ وتفسير القرطبى جـ ١٠ ص ٣٢٨ .

٤٢٩
مقدمة
والتعريف فى لفظ ﴿ الأرض﴾ للعهد، لأن المراد بها أرض مكة .
وعبر بكلمة ﴿ينبوعًا﴾ للإشعار بأنهم لا يريدون من الماء ما يكفيهم فحسب، وإنما هم
يريدون ماء كثيرًا لا ينقص فى وقت من الأوقات ، إذ الياء زائدة للمبالغة .
وقوله - سبحانه - : ﴿ أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها
تفجيرًا﴾ بيان لاقتراح آخر من مقترحاتهم السخيفة .
والمعنى : أو تكون لك بصفة خاصة يا محمد ، ﴿جنة ﴾ أى: حديقة ملتفة الأغصان،
مشتملة على الكثير من أشجار النخيل والأعناب : تجرى الأنهار فى وسطها جريا عظيًا
ء
هائلاً ..
وخصوا النخيل والأعناب بالذكر - كما حكى القرآن عنهم - ، لأن هذين الصنفين
يعتبران من أهم الثمار عندهم ، ولأنهما على رأس الزروع المنتشرة فى أراضيهم ، والتى لها
الكثير من الفوائد .
وقوله : ﴿ خلالها) منصوب على الظرفية، لأنه بمعنى وسطها وبين ثناياها .
والتنوين فى قوله ﴿تفجيرا ﴾ للتكثير ، أى: تفجيرا كثيرا زاخرا، بحيث تكون تلك
الجنة الخاصة بك ، غنية بالمياه التى تنفعها وتروبها .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا ... ﴾ اقتراح ثالث من
مقترحاتهم الفاسدة .
ولفظ ﴿ كسفا﴾ أى: قطعًا جمع كسفة - بكسر الكاف وسكون السين ، يقال: كسفت
الثوب أى : قطعته وهو حال من السماء ، والكاف فى قوله : ﴿ كما ﴾ صفة لموصوف محذوف.
والمعنى : أو تسقط أنت علينا السماء إسقاطا مماثلًا لما هددتنا به ، من أن فى قدرة ربك -
عز وجل - أن ينزل علينا عذابًا متقطعًا من السماء .
ولعلهم يعنون بذلك قوله - تعالى - : ﴿ أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من
السماء والأرض ، إن نشأ نخسف بهم الأرض، أو نسقط عليهم كسفا من السماء ... ﴾(١).
وقيل : يعنون بذلك ، أنك وعدتنا أن يوم القيامة تنشق فيه السماء ، فعجل لنا ذلك فى
(١) سورة سبأ الآية ٩.

٤٣٠
المجلد الثامن
الدنيا ، وأسقطها علينا، كما حكى عنهم القرآن ذلك فى قوله - تعالى - ﴿وإذا قالوا اللهم
إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ... ﴾(١).
فهم يتعجلون العذاب، والرسول - 1 - ، يرجو لهم من الله - تعالى - الرحمة والهداية
وتأخير العذاب عنهم ، لعله - سبحانه - أن يخرج من أصلابهم من يخلص له العبادة
والطاعة .
وقوله - تعالى - ﴿ أو تأتى باللّه والملائكة قبيلاً﴾ تسجيل لمطلب رابع من مطالبهم
القبيحة .
قال الآلوسى: ﴿قبيلا) أى: مقابلاً، كالعشير والمعاشر، وأرادوا - كما جاء عن
ابن عباس - عِيانًا .
وهذا كقولهم : ﴿ لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا﴾، وفى رواية أخرى عنه وعن
الضحاك تفسير القبيل بالكفيل ، أى : كفيلا بما تدعيه . يعنون شاهدا يشهد لك بصحة
ما قلته .
وهو على الوجهين حال من لفظ الجلالة .. وعن مجاهد : القبيل الجماعة كالقبيلة ، فيكون
حالاً من الملائكة - أى: أو تأتى بالله وبالملائكة قبيلة قبيلة(٢).
ثم حكى - سبحانه - بقية مطالبهم التى لا يقرها عقل سليم فقال: ﴿ أو يكون لك بيت
من زخرف ﴾ .
أى : من ذهب ، والزخرف يطلق فى الأصل على الزينة ، وأطلق هنا على الذهب لأن
الذهب أثمن ما يتزين به فى العادة .
﴿ أو ترقى فى السماء﴾ أى: تصعد إليها. يقال: رقى فلان فى السلم يرقى رقيا ورقيا
أى صعد، ﴿ولن تؤمن لرقيك﴾ وصعودك إليها مع مشاهدتنا لذلك ﴿ حتى تنزل علينا )
منها ﴿ كتابًا نقرؤه﴾ ونفهم ما فيه، أى: يكون هذا الكتاب بلغتنا التى نفهمها وبأسلوب
مخاطباتنا ، وفيه ما يدل دلالة قاطعة على أنك رسول من عند الله - تعالى - ، وما يدعونا إلى
الإِيمان بك .
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات ، بأن أمر نبيه محمدًا - - بأن يرد عليهم بما يخرس
ألسنتهم، فقال: ﴿ قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرًا رسولاً﴾
(١) سورة الأنفال من ٣٢.
(٢) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ١٦٩.

٤٣١
مقدمة
أى : قل - أيها الرسول الكريم - على سبيل التعجب من سوء تفكير هؤلاء الجاحدين :
ياسبحان الله هل أنا إلا بشر كسائر البشر، ورسول كسائر الرسل ، وليس من شأن من كان
كذلك أن يأتى بتلك المطالب المتعنتة التى طلبتموها ، وإنما من شأنه أن يبلغ ما أمره الله بتبليغه
من هدايات . تخرج الناس من ظلمات الكفر والجهل . إلى نور الإيمان والعلم .
فالاستفهام فى قوله ﴿ هل كنت ... ﴾ للنفى، أى: ما كنت إلا رسولاً كسائر الرسل ،
وبشرًا مثلهم .
وقوله ﴿ سبحان ربى ﴾ يفيد التعجيب من فرط حماقتهم، ومن بالغ جهلهم ، حيث طلبوا
تلك المطالب ، التى تضمنت ما يعتبر من أعظم المستحيلات ، كطلبهم إتيان الله - عز وجل -
والملائكة إليهم ، ورؤيتهم لذاته - سبحانه - ، على سبيل المعاينة والمقابلة .
وهذا التعنت والعناد الذى حكاه الله - تعالى - عن هؤلاء الجاحدين ، قد جاء ما يشبهه
فى آيات أخرى . كما جاء ما يدل على أنهم حتى لو أعطاهم الله - تعالى - مطالبهم .
لما آمنوا، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى ،
وحشرنا عليهم كل شىء قبلا، ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ، ولكن أكثرهم
يجهلون ﴾(١) .
وقوله - سبحانه - : ﴿إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل
آية حتى يروا العذاب الأليم ﴾(٢).
وقوله - عز وجل -: ﴿ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون * لقالوا
إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ﴾(٢).
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك شبهة من شبهاتهم الفاسدة والمتعددة ، وهى زعمهم أن
الرسول لا يكون من البشر بل يكون ملكًا . وقد أمر الله - تعالى - رسوله -# - بأن
يرد عليهم بما يبطل مدعاهم فقال :
(١) سورة الأنعام الآية ١١١.
( ٢) سورة يونس الآية ٩٦ ، ٩٧ .
(٣) سورة الحجر الآية ١٤، ١٥ .

٤٣٢
المجلد الثامن
1
وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْجَاءَ هُ
الْهُدَىّ إِلَّا أَنْ قَالُوْ أَبَعَثَّ اللَّهُ بَشَرَارَ سُولًا ﴿ قُل لَّوْكَانَ
فِ الْأَرْضِ مَلَئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَسِنِينَ لَنَزَلْنَا عَلَيْهِم
مِنَ السَّمَآءِ مَلَكَا رَسُولًا ﴿ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ
شَهِيدً ابَيْنِى وَبَيْنَكُمْ إِنٌَّ كَانَ بِعِبَادِهِ، خَبِيرًا بَصِيرً
٩٦
قال الفخر الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما حكى شبهة القوم فى اقتراح المعجزات
الزائدة ، وأجاب عنها ، حكى عنهم شبهة أخرى ، وهى أن القوم استبعدوا أن يبعث الله إلى
الخلق رسولاً من البشر، بل اعتقدوا أن الله - تعالى - لو أرسل رسولاً إلى الخلق ، لوجب
أن يكون ذلك الرسول من الملائكة ، فأجاب الله - تعالى - عن هذه الشبهة فقال :
وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا ... ﴾(١).
والمراد بالناس هنا : المشركون منهم ، الذين استبعدوا واعتقدوا أن الرسول لا يكون من
البشر، ويدخل فيهم دخولاً أوليًا كفار مكة .
وجملة ﴿ أن يؤمنوا﴾ فى محل نصب، لأنها مفعول ثان لمنع.
وقوله: ﴿ إلا أن قالوا) هو الفاعل، و((إذا)) ظرف للفعل منع، أو لقوله: ﴿ أن
.
يؤمنوا ﴾
والمعنى : وما صرف المشركين عن الإِيمان بالدين الحق وقت أن جاءتهم به الرسل ،
إلا اعتقاد هؤلاء المشركين أن الله - تعالى - لا يبعث إليهم رجلاً من البشر لكى يبلغهم
وحيه ، وإنما يبعث إليهم ملكًا من الملائكة لكى يبلغهم ذلك .
وعبر عن اعتقادهم الباطل هذا بالقول فقال: ﴿ إلا أن قالوا .. ﴾ للإِشعار بأنه مجرد
قول لاكته ألسنتهم ، دون أن يكون معهم أى مستند يستندون إليه لإثبات قبوله عند العقلاء .
وجاء التعبير عن اعتقادهم الباطل هذا بصيغة الحصر ، لبيان أنه مع بطلانه - هو من أهم
(١) تفسير الفخر الرازى جـ٢١ ص ٥٨ .

٤٣٣
سورة الإسراء
الموانع والصوارف ، التى منعتهم وصرفتهم عن الدخول فى الدين الحق ، الذى جاءتهم به.
الرسل - عليهم الصلاة والسلام - ، وهذا لا يمنع أن هناك صوارف أخرى حالت بينهم وبين
الإِيمان كالحسد والعناد .
قال صاحب الكشاف: والمعنى. وما منعهم من الإِيمان بالقرآن، وبنبوة النبى - 3 194 -
إلا شبهة تلجلجت فى صدورهم، وهى إنكارهم أن يرسل الله البشر. والهمزة فى ﴿ أبعث
اللّه﴾ للإنكار، وما أنكروه فخلافه هو المنكر عند الله - تعالى - لأن قضية حكمته، أن
لا يرسل ملك الوحى إلا إلى أمثاله، أو إلى الأنبياء))(١) .
والمتدبر فى القرآن الكريم ، يرى أن هذه الشبهة - وهى إنكار المشركين كون الرسول
بشرًا - قد حكاها فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى -: ﴿ أكان للناس عجبًا أن أوحينا إلى
رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم ... ﴾(٢).
وقوله - تعالى -: ﴿ ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا ،
فكفروا وتولوا، واستغنى اللّه، والله غنى حميد ﴾(٣).
ومما لا شك فيه أن هذه الشبهة تدل ، على أن هؤلاء الكافرين ، لم يدركوا قيمة بشريتهم
وكرامتها عند الله - تعالى - ، وذلك بسبب انطماس بصائرهم ، وكثرة جهلهم ، وعكوفهم
على موروثاتهم الفاسدة .
ولذا أمر الله - تعالى - بأن يرد عليهم بما يزهق هذه الشبهة فقال - سبحانه - ﴿ قل
لو كان فى الأرض ملائكة يمشون مطمئنين، لنزلنا عليهم من السماء ملكًا رسولاً ﴾ .
والمعنى : قل - يا محمد - لهؤلاء الجاهلين : لو ثبت ووجد ملائكة فى الأرض، يمشون على
أقدامهم كما يمشى الإِنس ، ويعيشون فوقها ﴿مطمئنين﴾ أى: مستقرين فيها مقيمين بها.
لو ثبت ذلك ، لاقتضت حكمتنا أن نرسل إليهم من السماء ملكًا رسولاً، يكون من
جنسهم ، ويتكلم بلسانهم ، وبذلك يتمكنون من مخاطبته ، ومن الأخذ عنه ، ومن التفاهم معه
لأن الجنس إلى الجنس أميل ، والرسول يجب أن يكون من جنس المرسل إليهم ، فلو كان
المرسل إليهم ملائكة ، لكان الرسول إليهم ملكًا مثلهم ، ولو كان المرسل إليهم من البشر ،
لكان الرسول إليهم بشرًا مثلهم .
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٤٩٩ .
(٢) سورة يونس الآية ٢.
( ٣) سورة التغابن الآية ٦.
٠

٤٣٤
المجلد الثامن
فكيف تطلبون أيها الجاهلون - أن يكون الرسول إليكم ملكًا، وتستبعدون أن يكون بشرًا
مع أنكم من البشر ؟ !!
قال الآلوسى: قوله: ﴿ لنزلنا عليهم من السماء ملكًا رسولاً﴾ أى: يعلمهم
ما لا تستقل عقولهم بعلمه ، وليسهل عليهم الاجتماع به ، والتلقى منه ، وأما عامة البشر
فلا يسهل عليهم ذلك، لبعد ما بين الملك وبينهم ... )) (١).
وهذا المعنى الذى وضحته الآية الكريمة - وهو أن الرسول يجب أن يكون من جنس المرسل
إليهم - قد جاء ما يشبهه ويؤكده فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى -: ﴿وقالوا لولا أنزل
عليه ملك ، ولو أنزلنا ملكًا لقضى الأمر ثم لا ينظرون . ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلاً وللبسنا
(٢)
عليهم ما يلبسون
: ﴿ وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحى إليهم ، فاسألوا أهل الذكر إن
﴾(٣)
كنتم لا تعلمون
وقوله - سبحانه -
وقوله - عز وجل : ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ... ﴾(٤)
ثم أمر الله - تعالى - نبيه - * - للمرة الثانية ، أن يحسم الجدال معهم ، بتفويض
أمره وأمرهم إلى الله - عز وجل - ، فهو خير الحاكمين فقال: ﴿قل كفى بالله شهيدًا بينى
وبينكم ، إنه كان بعباده خبيرا بصيرا ،
أى : قل لهم فى هذه المرة من جهتك ، بعد أن قلت لهم فى المرة السابقة من جهتنا : قل
لهم - أيها الرسول الكريم - يكفينى ويرضينى ويسعدنى، أن يكون الله - تعالى - هو
الشهيد والحاكم بينى وبينكم يوم نلقاه جميعًا فهو - سبحانه - يعلم أنى قد بلغتكم ما أرسلت
به إليكم ، إنه - تعالى - كان وما زال خبيرًا بصيرًا . أى : محيطًا إحاطة تامة بظواهرهم
وبواطنهم ، لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء .
وفى هذه الآية الكريمة تسلية للرسول - ل﴾ - عما أصابه منهم من أذى، وتهديد لهم بسوء
المصير ، حيث آذوا نبيهم الذى جاء لهدايتهم وسعادتهم .
وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد حكت بعض الشبهات الفاسدة التى تذرع بها الكافرون
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ١٧٣ .
(٢) سورة الأنعام الآيتان ٩،٨.
(٣) سورة الأنبياء الآية ٧ .
( ٤ ) سورة إبراهيم الآية ٤ .

٤٣٥
سورة الإسراء
فى البقاء على كفرهم ، كما حكت ما اقتضته حكمته - سبحانه - فى إرسال الرسل ، وهددت
المصرين على كفرهم بسوء العاقبة .
ثم ساق - سبحانه - شبهة أخرى من شبهات المشركين التى حكاها عنهم کثیرًا ، ورد
عليها يما يبطلها ، وبين أحوالهم السيئة يوم القيامة ، بعد أن بين أن الهداية والإضلال من شأنه
وحده فقال - تعالى - :
وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِّ وَ مَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَمْ أَوْلِيَآءَ
مِن دُونِهِ وَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيَا وَبِّكًاً
وَصُمَّاً مَّأْوَنَّهُمْ جَهَنٌَّ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا.
٩٧
ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُ واْ بِعَايَئِنَا وَقَالُواْأَءِذَا كُنَا عِظَهًا
أَوَلَمْ يَرَوْأَنَّاللَّهَ
٨٠
وَرُفَكِتَا أَءِنَالَمَبْعُوْثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا
الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ قَادِرُ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ
وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلَا لَّا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظِّلِمُونَ إِلَّكُفُورًا )
قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَابِنَ رَحْمَةٍ رَبِ إِذَا لَّأَمْسَكُ خَشْيَةَ
اُلْإِنفَاقِ وَكَانَ الْإِنسَنُ قَتُورًا.
١٠٠
وقوله - سبحانه - : ﴿ ومن يهد الله فهو المهتد ، ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء. من
دونه ﴾ كلام مستأنف منه - تعالى - لبيان نفاذ قدرته ومشيئته .
أى: ومن يهده الله - تعالى - إلى طريق الحق، فهو الفائز بالسعادة ، المهدى إلى كل
مطلوب حسن ، ﴿ومن يضلل﴾ أى: ومن يرد الله - تعالى - إضلاله ﴿فلن تجد لهم ﴾
أيها الرسول الكريم ﴿أولياء﴾ أى: نصراء ينصرونهم وبهدونهم إلى طريق الحق ﴿من
دونه ﴾ عز وجل، إذ أن الله - تعالى - وحده هو الخالق للهداية والضلالة ، على حسب
ما تقتضيه حكمته ومشيئته .

٤٣٦
سورة الإسراء
وجاء قوله - تعالى - ﴿ فهو المهتد﴾ بصيغة الإفراد حملا على لفظ ﴿ من﴾ فى قوله
ومن يهد اللّه﴾ وجاء قوله: ﴿ فلن نجد لهم﴾ بصيغة الجمع حملا على معناها فى قوله:
ومن يضلل ﴾ .
قالوا : ووجه المناسبة فى ذلك - والله أعلم - أنه لما كان الهدى شيئًا واحدًا غير متشعب
السبل ، ناسبه الإِفراد ، ولما كان الضلال له طرق متشعبة ، كما فى قوله - تعالى - :
﴿ ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ ناسبه الجمع (١).
ثم بين - سبحانه - الصورة الشنيعة التى يحشر عليها الضالون يوم القيامة فقال :
﴿ ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم ، عميا وبكما وصما ..
والحشر : الجمع . يقال: حشرت الجند حشرًا. أى جمعتهم. وقوله: ﴿ على وجوههم ﴾
حال من الضمير المنصوب فى نحشرهم . وقوله: ﴿ عميا، وبكما وصما ﴾ أحوال من الضمير
المستكن فى قوله ﴿ على وجوههم﴾. أى: نجمع هؤلاء الضالين يوم القيامة، حين يقومون
من قبورهم ، ونجعلهم - بقدرتنا - يمشون على وجوههم ، أو يسحبون عليها ، إهانة لهم
وتعذيبًا ، ويكونون فى هذه الحالة عميا لا يبصرون ، وبكما لا ينطقون ، وصما لا يسمعون .
قال الآلوسى ما ملخصه : قوله - تعالى -: ﴿نحشرهم يوم القيامة على وجوههم ﴾
إما مشيا ، بأن يزحفوا منكبين عليها . ويشهد له ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن أنس قال :
قيل لرسول الله - * -: كيف يحشر الناس على وجوههم؟ فقال: ((الذى أمشاهم على
أرجلهم ، قادر على أن يمشيهم على وجوههم)) ..
وإما سحبا بأن تجرهم الملائكة منكبين عليها، كقوله - تعالى - : ﴿يوم يسحبون فى النار
على وجوههم ذوقوا مس سقر ﴾ ويشهد له ما أخرجه أحمد والنسائى والحاكم - وصححه -
عن أبى ذر، أنه تلا هذه الآية. ﴿ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم ﴾ فقال: حدثنى
الصادق المصدوق - * - أن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج فوج طاعمين
كاسين راكبين ، وفوج يمشون ويسعون ، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم .
وجائز أن يكون الأمران فى حالين : الأول : عند جمعهم وقبل دخولهم النار ، والثانى عند
دخولهم فيها ...
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٦٤٩ .

٤٣٧
سورة الإسراء
ثم قال : وزعم بعضهم أن الكلام على المجاز، وذلك كما يقال للمنصرف عن أمر وهو
خائب مهموم: انصرف على وجهه .. وإياك أن تلتفت إلى - هذا الزعم - أو إلى تأويل
نطقت السنة النبوية بخلافه، ولا تعبأ بقوم يفعلون ذلك))(١) .
فإن قيل : كيف نوفق بين هذه الآية التى تثبت لهؤلاء الضالين يوم حشرهم العمى والبكم
والصمم ، وبين آيات أخرى تثبت لهم فى هذا اليوم الرؤية والكلام والسمع ، كما فى قوله
- تعالى - : ﴿ورأى المجرمون النار .. ﴾.
وكما فى قوله - سبحانه -: ﴿ دعوا هنالك ثبورا﴾ وكما فى قوله - عز وجل - :
سمعوا لها تغيظًا وزفيرًا ﴾ ؟
فالجواب : أن المراد فى الآية هنا أنهم يحشرون عميا لا يرون ما يسرهم ، وبكما لا ينطقون "
بحجة تنفعهم ، وصمًّا لا يسمعون ما يرضيهم ..
أو أنهم يحشرون كذلك ، ثم تعاد لهم حواسهم بعد ذلك عند الحساب وعند دخولهم النار .
أو أنهم عندما يحشرون يوم القيامة ، ويرون ما يرون من أهوال ، تكون أحوالهم كأحوال
العمى الصم البكم ، لعظم حيرتهم ، وشدة خوفهم ، وفرط ذهولهم .
ثم بين - سبحانه - مآلهم بعد الحشر والحساب فقال: ﴿ مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم
سعيرا ﴾ .
ومعنى : ﴿ خبت﴾ هدأت وسكن لهيبها. يقال: خبت النار تخبو إذا هدأ لهيبها.
أى : أن هؤلاء المجرمين مأواهم ومسكنهم ومقرهم جهنم ، كلما سكن لهيب جهنم وهدأ،
بأن أكلت جلودهم ولحومهم ، زدناهم توقدا ، بأن تبدل جلودهم ولحومهم بجلود ولحوم
أخرى ، فتعود النار كحالتها الأولى ملتهبة مستعرة .
وخبو النار وسكونها لا ينقص شيئًا من عذابهم ، وعلى ذلك فلا تعارض بين هذه الآية وبين
قوله - عز وجل - ﴿ خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون ﴾(٢).
وفى هذه الآية ما فيها من عذاب للكافرين تقشعر من هوله الأبدان ، وترتجف من تصويره
النفوس والقلوب ، نسأل الله - تعالى - بفضله ورحمته أن يجنبنا هذا المصير المؤلم .
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ١٧٥ .
(٢ ) سورة البقرة الآية ١٦٢ .

٤٣٨
المجلد الثامن
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا: أئذا كنا عظامًا ورفاتًا
أئنا لمبعوثون خلقًا جديدًا﴾ بيان الأسباب التى أفضت بهم إلى تلك العاقبة السيئة .
أى : ذلك الذى نزل بهم من العذاب الشديد ، المتمثل فى حشرهم على وجوههم وفى
اشتعال النار بهم ، سببه أنهمر كفروا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا وقالوا بإنكار وجهالة :
أئذا كنا عظامًا نخرة ، ورفاتًا أى وصارت أجسادنا تشبه التراب فى تفتتها وتكسرها ، أئنا بعد
ذلك لمعادون إلى الحياة ومبعوثون على هيئة خلق جديد .
فالآية الكريمة تحكى تصميمهم على الكفر ، وإنكارهم للبعث والحساب إنكارًا لا مزيد
عليه ، لذا كانت عقوبتهم شنيعة، وعذابهم أليمًا . فقد سلط الله - تعالى - عليهم النار تأكل
أجزاءهم ، وكلما سكن لهيبها ، أعادها الله - تعالى - ملتهبة مشتعلة على جلود أخرى لهم ،
كما قال - تعالى - ﴿إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارًا ، كلما نضجت جلودهم
بدلناهم جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب ... ﴾ (١)
ثم رد - سبحانه - على ما استنكروه من شأن البعث ردًا يقنع كل ذى عقل سليم ، فقال
- تعالى - ﴿ أو لم يروا أن الله الذى خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق
مثلهم ...
م ... ﴾ .
والهمزة للاستفهام التوبيخى، وهى داخلة على محذوف، والمراد بمثلهم إياهم ، فيكون
المعنى : أعموا عن الحق ، ولم يعلموا كما يعلم العقلاء ، أن الله - تعالى - الذى خلق
السموات والأرض بقدرته ، وهما أعظم من خلق الناس ، قادر على إعادتهم إلى الحياة مرة
أخرى بعد موتهم، لكى يحاسبهم على أعمالهم فى الدنيا .
إن عدم علمهم بذلك ، وإنكارهم له ، لمن أكبر الأدلة على جهلهم وانطماس بصيرتهم ، لأن
من قدر على خلق ما هو أعظم وأكبر - وهو السموات والأرض فهو على إعادة ما هو دونه -
وهو الناس - أقدر .
قال الشيخ الجمل ما ملخصه: قوله: ﴿أو لم يروا .. ﴾ هذا رد لإنكارهم البعث، ولما
استبعدوه من شأنه ، يعنى أن من خلق السموات والأرض ، كيف يستبعد منه أن يقدر على
إعادتهم بأعيانهم .. وأراد - سبحانه - .. بمثلهم : إياهم ، فعبر عن خلقهم بلفظ المثل كقول
المتكلمين : إن الإعادة مثل الابتداء ، وذلك أن مثل الشىء مساو له فى حاله ، فجاز أن يعبر به
عن الشىء نفسه يقال : مثلك لا يفعل كذا ، أى : أنت لا تفعله .
ويجوز أن يكون المعنى أنه - سبحانه - قادر على أن يخلق عبيدًا غيرهم يوحدونه ويقرون
(١) سورة النساء الآية ٥٦ .

٤٣٩
سورة الإسراء
بكمال حكمته ، ويتركون هذه الشبهات الفاسدة ، كما فى قوله - تعالى - ﴿وإن تتولوا
يستبدل قوما غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ والأول أشبه بما قبله(١).
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ أو لم يروا أن الله الذى خلق السموات والأرض ولم
يعى بخلقهن بقادر على أن يحيى الموتى ، بلى إنه على كل شىء قدير﴾(٢).
وقوله - سبحانه -: ﴿ أو ليس الذى خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق
مثلهم ، بلى وهو الخلاق العليم ... ﴾(٣).
وبعد أن أقام - سبحانه - الدليل الواضح على أن البعث حقٍ ، وعلى أن إعادة الناس إلى
الحياة بعد موتهم أمر ممكن ، أتبع ذلك ببيان أن لهذه الإعادة وقتًا معلومًا يجريه حسب حكمته
- تعالى - فقال: ﴿وجعل لهم أجلا لا ريب فيه ﴾.
أى : وجعل لهم ميقاتًا محددا لا شك فى حصوله ، وعند حلول هذا الميقات يخرجون من
قبورهم للحساب والجزاء ، كما قال - تعالى -: ﴿وما نؤخره إلا لأجل معدود. يوم يأت
لا تكلم نفس إلا بإذنه ، فمنهم شقى وسعيد ﴾(٤).
والجملة الكريمة وهى قوله: ﴿وجعل لهم ... ) معطوفة على قوله ﴿ أو لم يروا .. ﴾
لأنه فى قوة قولك قد رأوا وعلموا .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت ؛ علام عطف قوله: ﴿وجعل لهم أجلاً﴾ ؟
قلت : على قوله: ﴿ أو لم يروا ﴾ لأن المعنى: قد علموا بدليل العقل، أن من قدر على
خلق السموات والأرض ، فهو قادر على خلق أمثالهم من الإِنس لأنهم ليسوا بأشد خلقًا
منهن، كما قال: ﴿ أأنتم أأشد خلقًا أم السماء ﴾(٥) .
وقوله - سبحانه -: ﴿فأبى الظالمون إلا كفورًا ﴾ بيان لإصرارهم على جحود الحق مع
علمهم بأنه حق .
أى : فأبى هؤلاء الظالمون المنكرون للبعث، إلا جحودًا له وعنادًا لمن دعاهم إلى الإِيمان
به ، شأن الجاهلين المغرورين الذين استحبوا العمى على الهدى .
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٦٥١ .
(٢) سورة الأحقاف الآية ٣٣ .
(٣) سورة يس الآية ٨١ .
( ٤) سورة هود الآيتان ١٠٤، ١٠٥.
(٥) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٤٦٧ .
١

٤٤٠
سورة الإسراء
ثم ختم - سبحانه - الآيات الكريمة بأمر النبى - عليه - بأن يجابه هؤلاء الظالمين بما
جبلوا عليه من بخل وشح ، بعد أن طلبوا منه ما طلبوا من مقترحات متعنتة ، فقال
- تعالى -: ﴿ قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربى إذا لأمسكتم خشية الإنفاق ، وكان
الإِنسان قتورًا ﴾.
والمراد بخزائن رحمة ربى : أرزاقه التى وزعها على عباده ، ونعمه التى أنعم بها عليهم .
﴿ وقتورًا﴾ من التقتير بمعنى البخل. يقال: قتر فلان يقتر - بضم التاء وكسرها - إذا
بالغ فى الإِمساك والشح .
أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الظالمين الذين أعرضوا عن دعوتك ، وطالبوك
بما ليس فى وسعك من تفجير الأرض بالأنهار ، ومن غير ذلك من مقترحاتهم الفاسدة ، قل لهم
على سبيل التقريع والتبكيت : لو أنكم تملكون - أيها الناس - التصرف فى خزائن الأرزاق
التى وزعها الله على خلقه، إذًا لبخلتم وأمسكتم فى توزيعها عليهم ، مخافة أن يصيبكم الفقر
لو أنكم توسعتم فى العطاء ، مع أن خزائن الله لا تنفد أبدًا، ولكن لأن البخل من طبيعتكم
فعلتم ذلك .
قال بعضهم: وقوله: ﴿ لو أنتم تملكون﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن المسألة من باب
الاشتغال . فأنتم مرفوع بفعل مقدر يفسره هذا الظاهر ، لأن لو لا يليها إلا الفعل ظاهرًا
أو مضمرا . فهى كإن فى قوله - تعالى -: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ﴾ ..
والأصل : لو تملكون ، فحذف الفعل لدلالة ما بعده عليه - والثانى : أنه مرفوع بكان ، وقد
كثر حذفها بعد لو، والتقدير: لو كنتم تملكون ... (١) .
والمقصود بالإِمساك هنا : إمساكهم عن العطاء فى الدنيا ، وهذا لا ينافى قوله - تعالى - :
: ولو أن للذين ظلموا ما فى الأرض جميعًا ومثله معه لافتدوا به ... ﴾ لأن ذلك حكاية عن
أحوالهم فى الآخرة عندما يرون العذاب ، ويتمنون أن يفتدوا أنفسهم منه بأى شىء .
وقوله ﴿إِذَا﴾ ظرف لتملكون. وقوله ﴿لأمسكتم﴾ جواب لو، وقوله ﴿خشية
الإِنفاق ﴾ علة للإمساك والبخل .
وقوله : ﴿وكان الإِنسان قتورًا﴾ أى: مبالغًا فى البخل والإمساك.
قال الإِمام ابن كثير: واللّه - تعالى - يصف الإِنسان من حيث هو، إلا من وفقه الله
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٦٥١ .